منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.

    بنية الخطاب السردي

    شاطر

    خنساء محبة السماء

    عدد المساهمات: 96
    تاريخ التسجيل: 02/11/2009
    العمر: 24

    بنية الخطاب السردي

    مُساهمة  خنساء محبة السماء في الأحد ديسمبر 12, 2010 6:14 pm


    [b]
    [/b]

    بنية الخطاب السردي في قصص أنور عبد العزيز
    تحولات المروي له في القصة

    علي احمد محمد العبيدي
    يكاديجمع كل المتحدثين عن الخطاب وتحليل الخطاب علي ريادة (هاريس) في هذاالمضمار من بحثه المعنون (تحليل الخطاب) انه أول لساني حاول توسيع موضوعالبحث اللساني بجعله يتحدي الجملة إلي الخطاب. وقد عرف الخطاب بأنه (ملفوظطويل، أو هو متتالية من الجمل تكون مجموعته منغلقة يمكن من خلالها بنيةسلسلة من العناصر، بواسطة المنهجية التوزيعية.وبشكل يجعلنا في مجال لسانيمحض) (1) بمقتضي هذا التعريف فان التوزيعات التي تلتقي من خلال هذهالعناصر تعبر عن انتظام معين يكشف عن بنية النص. ويذهب عبد الملك مرتاض،إلي إن أصل السرد في اللغة العربية هو التتابع الماضي علي سيرة واحدة وسردالحديث والقراءة من هذا المنطلق الاشتقاقي، ثم أصبح يطلق علي الأعمالالقصصية علي كل ما خالف الحوار، ثم لم يلبث إن تطور مفهوم السرد إلي معنياصطلاحي أهم، واشمل بحيث أصبح يطلق علي النص الحكائي، أو الراوي أو القاص،أو حتي المبدع الشعبي ليقدم بها الحدث إلي المتلقي، فكان السرد إذن نسيجالكلام، ولكن في الصورة حكي(2) . لقد تطور هذا المفهوم مع الكتاباتالنثرية الجديدة مدعوماً بطروح النقد الحداثي، فكانت القصة اقرب الأجناسالأدبية لتمثل هذه التقنية بخاصة مع تغير نظرة كاتبها في التعامل معاللغة، وزمن الحدث، وفضاء ألحكي، ((فان كانت السردية في مفهومها التقليديتعني وظيفة يؤديها السارد بالمسرود له،وبالشخصيات الساردة)) (3) فانمشهدية الخطاب الحديث كان من الروافد التي عمقت المفهوم الجمالي للنصالقصصي، واضفت عليه أبعاد فنية أخرجته من اسر التقليدية الصورية التي حكمتمنطق ألحكي، وأرغمته علي السير في منظور كلاسيكي، ولم تعمق، بل ولم توليخصوصيات عناصر القصة من حدثٍ وزمان وشخصيات أي اهتمام، وهذه العناصر قدأضحت انفتاحية ومفتوحة في إن واحد علي بنيات عدة من منظور السر دانيةالحديثة. وبذا يكون المقصود بالسرد هو الفعل السردي وبالتالي لا توجدالحكاية ولا السرد إلا بواسطة ألحكي، ولا يوجد حكي أو خطاب سردي إلاباعتبارين(4): ــ
    باعتبار انه يحكي حكاية ــ وإلا لما كان سردياً.
    انه ملفوظ لغوي مزود من طرف شخص معين وإلا لما كان خطاباً.
    فالحكيإذن يستمد صفة السرد من خلال علاقته (بالحكاية) التي يحكيها ولتوضيحالمسألة يجب توضيح ماهية الحكاية والحكي (المحكي) والخطاب. تعني الحكايةكل مايتعلق والمضمون السردي أو الملفوظ اللغوي أو الحكائي. وحينما نمعنالنظر في العملية السردية نجد نوعين من الحكائية فيه:
    الخارج حكائي:وهو كل ماخرج عن نطاق الحكاية، أي ما يدخل في نطاق الفعل السردي (السرد) أو الملفوظ أو الخطاب السردي (ألحكي).
    الداخل الحكائي: وهو كل عنصر ينتمي ويدخل في صلب مكونات (الحكاية).
    أماالخطاب: فهو عمل سردي أو ملفوظ شفوي أو كتابي يفترض بالضرورة متكلماًومستمعاً وقارئاً لتحقيق التواصل الأدبي. ويتميز التواصل الأدبي بتعقيدهوتعدد مستوياته وبالتالي تعدد المرسلين. وبما إن النص الأدبي هو سلسلة منالجمل المترابطة التي تؤلف شكلاً مستمراً ومتماسكاً ينتج عنه بنية نصيةوالأدبي بوصفه بنية مدركة وقابلة للوصف، فانه جهاز عبر لساني يعيد توزيعنظام اللسان عن طريق ربطه بالكلام التواصلي(5).
    وقد ميز الشكلانيونالروس بين المبني الحكائي والمتن الحكائي، فالأول هو الخطاب بحسب تحديدتودوروف والثاني هو القصة، فعنده الخطاب والقصة مظهرين لازمين لكل حكي.والقصة عنده أحداث في ترابطها وتسلسلها وفي علاقتها بالشخصيات في فعلهاوتفاعلها. أما الخطاب فيظهر من خلال الراوي الذي يقدم القصة(6) .

    جزء من التجربة
    وقدأصبح القاص أكثر حرصاً علي (القارئ) وهو حرص تجاوز المجالات إذ كان القاصيسعي لإرضاء فضول القارئ، أما ألان فالأمر اختلف وأصبح الكاتب يسعي لانيكون المتلقي هو القارئ المنتج الذي هو بالضرورة جزء من التجربة القصصية.وبدأ الكاتب يسعي لضم المتلقي لتجربته بوسائل عديدة منها عدم وضع نهاية.أو عرض وجهات نظر دونما حسم لوجهة نظر كلية، أو تعمد الكاتب ألا يسد كلالفراغات ويترك بعض المساحات أو الفجوات للتهميش الدلالي ليتمها القارئبمدي تخيله.
    والاهتمام بـ (المروي له) في القصة يعني مزيداً من العمقالتحليلي داخل الخطاب السردي، عندما نتوقف هنا للبحث عن (المروي له) فينماذج من قصص (أنور عبد العزيز) كما سيأتي بعد ــ فإننا لا نهدف إلي إثباتوجود (المروي له) أو نكتشف طريقة تحديده في القصص، وإنما فضلاً عن ذلكنسعي لغاية أخري، هي الكشف عن أهمية (المروي له) ودوره في بناء النص.وهناك بعض الأعمال قد حدد شكلها (المروي له) بشكل مباشر، وعلي سبيل المثال(ألف ليلة وليلة) فشهريار الملك هو (المروي له) والذي مارس دوره المميز فيالتشخيص وكان بقسوته وتهديده لشهرزاد قوة دافعة علي ألحكي، ثم إن حالتهالنفسية هي التي (فرضت موضوعات بعينها لارتشاف العظات والعبر) (7). وتأتيأهمية دراسة (المروي له) من كون هذه الدراسة تسهم في تحقيق قراءة دقيقةوالتوصل إلي تحديد خصائص العمل وتفيد في (الوصول إلي تصنيف أدق للجنسالسردي والي فهم اكبر لتطوره وبالتالي إلي إدراك جميع أفعال الإيصال)(Cool .
    إنهذا المكون من مكونات بنية الخطاب السردي قد لاقي تجاهلاً وإهمالا، إذ كانمختلطاً بغيره كاختلاطه بالقارئ الحقيقي والقارئ الضمني. وجاء تسليط الضوءعلي هذا المكون ليساعد في الكشف عن مستوي من مستويات القراءة ظل غامضاً،بحسب قول (سلدن): ((إن اثر نظرية برنس الموسعة هو إضاءة بعد من أبعاد القصكان القراء يفهمونه فهماً حدسياً لكنه بقي مبهماً وغير محدد))(9)، لانهناك مشكلات تحديد تتعلق ب (المروي له) وبقي إن نسأل: هل المروي له يمثلقارئا يهدف إليه المؤلف أصلا؟ أم هو يمثل القارئ في كل وقت تتم فيه عمليةاستهلاك الأثر الأدبي؟

    القارئ الضمني
    إن بنية أي خطاب سرديتتكون من تضافر ثلاثة مكونات أساسية هي: (الراوي والمروي والمروي له)، واناختفاء، أو انعدام احد هذه المكونات يجعل بنية الخطاب السردي ناقصةومختلفة، مما يجعل عملية التواصل السردي غير ممكنة، ذلك إن علاقة الراويبالمروي له تخضع مباشرة لعملية الإرسال والتلقي المرتبط اشد الارتباطبثنائية النطق والاستماع.
    وقد انبثقت الدراسات السردية حول (المروي له)انطلاقاً من مبدأ لساني،حدده (جاكوبسن) مفاده إن الإرسالية اللغوية تنطويعلي ثلاثة أركان هي المرسل، الرسالة، المرسل إليه. والتقط البحث السرديهذا المبدأ وحوله إلي (الراوي ــ المروي ــ المروي له). فعدت (المروي)ملفوظاً ل (الراوي)ورسالته إلي (المروي له). ويعود الفضل إلي (جيرالدبرنس) في وضع حجز الزاوية لدراسة المروي له بصفته هذه وإعادة تركيبالإرسالية السردية واكتمال أركان البنية السردية للرواية.
    وتتشكل صورةالمروي له من خلال كلام الراوي الذي هو رسالة موجهة بصفته، المروي لهسواء؟ أكان يقرؤها أم يصغي إليها، فالراوي شخص خيالي لا يمكن إن تكون صورةمطابقة لنا لان طبيعته خيالية أساسا داخل النص، وبالنسبة لهويته الفريدةومزاجه الخاص أو بالنسبة للعلاقات المتعددة والمتشابكة التي تربطه بالراويوبشخصيات الحكاية أو بغيره من المروي لهم.
    إن هذا التعلق الموجود بينصورتي الراوي والمروي له يثبته القانون السميولجي العام المتعلق بضميري(أنا) و(أنت) المتقابلين داخل النص، ومن هنا لا يمكن إن يكون سرد بدونرواية أو بدون مروي له. غير إن تعلقهما يمكن إن يكون متبيناً وشديدالوضوح، ويمكن إن يكون ضعيفاً أو ضمنياً(10)، وعكس تحديد المروي له ايضاًمن خلال مقارنة وتمييز صورته عن صورة الراوي من خلال نص أدبي سواء أكانذلك من خلال نوع العلاقة التي يربطها الراوي معه، (تهكم، احترام، استخلاف،احتقار). أو من خلال البعد الثقافي والاجتماعي والأخلاقي و الحكائي الذييفصل بينهما، ومن خلال مقارنته بشخصيات الحكاية أو بغيره من المروي لهم،وتأسيساً علي ذلك علينا إن نفرق بين المروي له وغيره من أصناف القراءالمتعددين والذين يمكن حصرهم في ثلاثة أصناف من دون إن نخلط مفاهيمهمبمفهوم المروي له ، وهم (القارئ الفعلي، القارئ الافتراضي، المجرد، القارئالمثالي). وهذا ما يعيدنا إلي نظرية التواصل الحكائي الذي يقوم علي عدةمستويات تواصلية خطابية متداخلة(11):
    مستوي المؤلف الفعلي/ القارئ: الفعلي.
    مستوي المؤلف المجرد/ القارئ المجرد.
    مستوي الراوي الخيالي/ القارئ الخيالي (المروي له).
    مستوي الشخصيات الحكائية.

    الراوي والمستقبل
    إنهذا الطرح المتبني لوجهة نظر سيميولوجية، يجعلنا ننظر إلي النص الأدبي عليانه علامة مرسل ــ هذه العلامة هي المؤلف الفعلي والمرسلة إليه هو القارئالفعلي (القراء) ــ وداخل هذه العلامة (النص) يوجد مرسل أخر، وهو المؤلفالمجرد الذي يخلف (النص) لقارئ افتراضي، مجرد هو ايضاً، ويضم عالم النصبدوره مرسل هو (الراوي) الذي يبعث بعلامة أخري (المروي) إلي مرسل إليه، هو(المروي له)، المتعلق به(12).
    ــ علامات المروي له:
    هنالك عدةعلامات قادرة علي تصوير المروي له وهو متنوعة إلي حد بعيد، وعلي الرغم منذلك فان صورة المروي له تنشأ، قبل كل شيء، من السرد الموجه إليه، وإذا مااعتبرنا إن أي سرد يتألف من سلسلة من العلامات الموجهة إلي المروي له،فأننا يمكن إن نميز صنفين أساسيين للعلامات. فمن جهة أولي، ثمة علامات لاتتضمن ذكراً للمروي له، ومن جهة ثانية، ثمة علامات تحدد بعينها الراويللمروي له بكلمات مثل (القارئ أو مصغي) وبتعبيرات مثل (عزيزي أو صديقي أوياسيدي). وثمة فقرات تومئ إلي المروي له وتصفه علي الرغم من أنها غيرمكتوبة بصيغة مثل (علاوة علي ذلك، وفي اغلب الأحيان، نحن لانمكث في البيت،نحن ذهبنا لنتمشي) فان (نحن) تتضمن المروي له. وعن طريق استخدام صيغة لاشخصية أو ضمير عام، فانه غالباً ما يمكن للضمير (نحن) إن يشير إلي المرويله.

    المروي له المعلن
    (الداخل ــ حكائي)
    إن المروي لهينتمي إلي مستوي الراوي دائماً، وهو علي صلة مباشرة به، ويبرز ذلك من خلالمناداة الراوي له واستدعاؤه إلي النص، ومن خلال توجيه كلام إليه، ومعنيذلك إن المروي عليه إن يؤدي سلسلة من الوظائف الفنية، وليس منها الاعتمادعلي الضمير في تحديد المروي له ، لان الضمائر في السرد غالباً ما تتنازعوتتبادل أدوارها، وفي حركة دائماً تصعب مهمة اعتمادها كوسيلة للتحديد، إذلا تتصف بالثبات. وفي مجموعة (ضوء العشب) لأنور عبد العزيز، نجد المروي لهبارزاً في موضع وغير بارز في مواضع أخر.
    ولقد لعب المروي له في قصة (الحكاية الأخيرة لأحمد سيد صادق) وظيفتين أساسيتين:
    الأولي:تشمل كل ما يتعلق بالجانب الدلالي وعلي مجموعة القيم والأفكار التييتبناها القاص: ((مات إذن وانتهي كل شيء كل حي يموت ويندثر، يعرفون ذلكويحزنون وترعبهم وتشقيهم هذه الحقيقة)) (13)
    الثانية: مجموعة الوظائفالفنية الجمالية، لعل أهم تلك الوظائف هو التلقي والتأويل، حيث يمتلكالمروي له شخصية فكرية ومجموعة قيم ومعتقدات يؤمن بها، وله صوته الخاصوالمتميز((أنت ستخرج بعد أيام وان طالت فلأشهر، وأنا مثبت راسخ مدقوق هناكمسمار ــ بحكم مؤبد ولنهاية العمر، هو بيتي ومأواي...))(14)، إذا تستجيبالأنا الساردة لمتطلبات التحول المأساوي الذي يبرز واضحاً/ أنا مثبت راسخمدقوق هنا كمسمار.
    إن التنازع هنا ما بين الضمائر (أنت/ أنا) يدعو إليحضور الأنا (الراوي) الذي يفترض بالضرورة أل...(أنت) أمامه فيري له، واناختلفت درجة حضور الأخر
    (المروي له)، فربما تزيد الدرجة زيادة تؤثر بدورها علي بناء الخطاب السردي.
    إنالكاتب في هذا التشكيل اللغوي، إنما يستعير من الفضاء الشعري صفاءه، وكأناللغة تأخذ علي طبيعتها الأسطورية لمحاورة الذات، التي لا ترضي بالمكشوف،فهو لا يروض اللغة للمضمون، بل يجعل منها أداة لمسائلته بوعي وإدراك لان((المحكي التخيلي عندما يعي خصوصيته يعد ضرورياً لقراءة المهمل والهامشيوالمتشكل عبر ثنايا الجدلية الحياتية)) (15). فالمتن القصصي عند أنور عبدالعزيز يتعدي المظهر التصنيفي إلي التقاط تفاصيل الأمكنة والحركات (السجنــ البيت)، والي استبطان ما يصطرع في الأعماق من مشاعر مضادة لما هو قائمحولها، حيث تغدو الاشارية وكثافة البعد الشعري هي المحرك لدينامية الأحداثكما يصبح التأويل ضرورة للقبض علي حيثيات المضمون.
    ولعل الملاحظ في هذهالقصة، هو إن السرد يبدأ عبر نقطة ضيقة، وغالباً مع الضمير ــ أنا ــ ثميتنوع مع تنوع الضمائر مما يمد الحدث بانفتاحية اكبر، ويعود الراوي إلينقطة البداية، وهكذا...
    ومن خصائص هذا النمط من المروي لهم إن يكونبارزاً في السرد بصفة كبيرة أو ضعيفة، متأثرا بمسار الحكاية تأثر بليغاًأو ضعيفاً، إذ غالباً ما ينمو المروي له: الشخصية ويتغير من خلال تعاقبالأحداث المروية.
    المروي له الخفي
    (الخارج ــ الحكائي)
    يتموضعالمروي له داخل النص أو الفعل السردي، إلا انه قد يظل خارج الحكاية، وهيحالة المروي له (الخارج ــ 0 حكائي) ويكون شخصية مشاركة في تحريك أحداثالسرد، وهي حالة (الداخل ــ حكائي) حيث يلعب فضلاً عن دوره الأصلي (تلقيالسرد) أو يلعب أدوارا أخري، أهمها مشاركته الوظيفية في بناء الحكاية.ويحقق المروي له وجوده من خلال الخطاب الحكائي الموجه إليه، كيفما كانالحال. ومن طرف الراوي، فهو طفل أو شيخ، امرأة أو رجل، مثقف أو أمي، قرويأو حضري....فلابد لنا إن نعثر علي أدلة تؤكد انتماء المروي له لحقل ثقافيمعين، أو تؤكد الصعوبات اللغوية التي يعاني منها أو تشدد علي ما يعانيه مننسيان، أو تلك التي توضح لنا معرفته بالمشكلة التي نتحدث عنها الخ...
    وثمةفقرات داخل النص القصصي لا تشير صراحة إلي المروي له، بل تؤمي إليه عليالرغم من كونها تستخدم الضمير العام (نحن) التي تتضمن المروي له. كما يمكنإن يستخدم الراوي الأسئلة أو شبه الأسئلة التي تتضمن ايضاً المروي له.وكذلك استخدام الإنكار حتي وان كان انكاراً الهامياً. ويمكن للراوي إنيستخدم المسوغات المفرطة ليدل علي المروي له، وهذه المسوغات هي التيتعطينا تفصيلات مشوقة لمعرفة شخصية المروي له(16) ، وكذلك يمكن الكشف عنالمروي له في الخارج ــ حكائي عن طريق التعليقات التي يذكرها الراوي وكذلكمن خلال تذكر الراوي في العملية السردية.
    ففي قصة (مرثية الفئران) يقولالراوي: ((لا ادري لم صار هذا البيت مرتعاً ومرعي للفئران برغم بؤسه وخلوهمن الطعام، برميل الفضلات العتيق المبعوج القابع.
    أمام الدار يظلخاوياً ولا يمتلئ إلا بعد أسابيع، وبرميل جاري الغني الأنيق يطفح بها كليوم وليلة مغرقاً لامعاً بالدهون السائلة وبقشور الموز والتفاح والبيضوبذيول وحراشف الأسماك...وأغلفة وأكياس ملونة لسكا ير وحلويات ومرطبات....لكن الفئران وكأنها عميت وماتت ذائقتها وانشلت حاسة الشم القوية الملتهبةفيها، فجرت ذلك المطبخ المترف وتلك الأطعمة الدسمة ــ لتغزو بيتي لا تتشممفيه غير رائحة الأرض الممسوحة ونثار الجص الرطب المتعفن المتساقط من سقوفغرفة جدرانها)) (17) .
    في هذا النص يظهر المروي له من خلال الأسئلةالتي يطرحها الراوي (لاأدري لم صار هذا البيت مرتعاً ومرعي للفئران)، إذايتوق القارئ إلي معرفة أي نوع من القراء يريد النص، كما يطمح إلي اكتشافالطريقة التي يستعملها المؤلف النموذجي من اجل تسريب معلوماته، إذا ماأتيحت له فرصة التو هان في غابة السرد، وفي النهاية ينجح معظم القراء فيالوصول إلي ممارسة يسميها (سلا توف) القراءة الجيدة مهما استزرع القاصعلامات مضللة، لأنهم ــ القراء ــ يفعلون ذلك تعاطفاً مع أو تقرباً ممايظهر أخيرا علي انه هدف الكاتب الضمني أو الوجود الإنساني في العملالأدبي، وعليه فان لحظة الذروة في القصة، بما هي لحظة فهم الأحداث تكمن فيتشاطر المعني في النص بين القاص كمرسل، والقارئ كمرسل إليه. فالقارئ مدعولفهم حقيقة النص والحكم عليه. كما يفعل القاص أنور عبد العزيز في قصته(مرثية الفئران) عندما عقد مقارنة بين الراوي في هذه القصة والقارئ الضمنيلهذا النص. مما دعاه لاستدعاء المروي له للحكم علي هذه المقارنة بين (بيتالفقير الذي تسكنه الفئران) و(بيت الغني الذي لا تدخل إليه الفئران) وهكذاتدخل الراوي في هذا النص من اجل استدعاء المروي له للحكم. كما يقدم لناالنص ايضاً تعليقات الراوي فيقول: ((فهل يشكو عاقل من كثرتها وهي منذ قديمالزمان ومنذ اهراءات نبي الله يوسف ومخازن الحبوب وخوابي الحنطة والصوامعالتي احتاط بها لسنوات القحط والجدب، كانت رموزاً للخير والبركة والوفرةوالثراء...))(18)
    لقد قدم لنا الراوي صورة معكوسة لهذه الفئران..صورةرمزية.. إذ ان قلة الفئران تعني خلو الدار من أنواع الأطعمة والاشربةبينما نراها ــ الفئران ــ موجودة بكثرة في داره الخالية منها، وهذهمفارقة تدعو للسخرية. كما إن عنوان القصة (مرثية الفئران) فيه مفارقة وهذهلعبة من القاص ذكية إذ قدم الفئران للسخرية من الواقع الاجتماعي الذي جعلمن الفئران تأكل مصائد الموت بنفسها بعد إن لا تجد ما تأكله: ((فئران هذاالبيت أكلت نفسها وأكلتني، فبعد إن التهمت تراب البيت و الجص المنثوروالزوان اقتحمت ــ وقد ألهب جنونها الجوع ــ مصائد الموت.))(19). إن صيغةالخطاب المعروض غير المباشر: وهي اقل مباشرة من المعروض المباشر، لأننانجد فيه مصاحبات الخطاب المعروض التي تظهر لنا من خلال تداخلات الراوي قبلالعرض أو من خلاله أو بعده، وفيه نجد المتحكم يتحدث إلي أخر، والراوي منخلال تدخلاته يؤشر للمتلقي غير المباشر. فإذا كنا في المسرود الذاتي أماممتكلم يحاور ذاته عن أشياء تمت في الماضي، فإننا هنا نجده يتحدث إلي ذاتهعن فعل يعيشه وقت انجاز الكلام. وهذا الخطاب (الذاتي) يتم عندما يتحدثالمتكلم عن ذاته واليها عن أشياء تمت في الماضي، أي إن هناك مسافة بينهوبين ما يتحدث عنه.

    كشف التعالق بين
    المخيلة والذات
    تتميزبنية الخطاب السردي في قصص أنور عبد العزيز في مجموعة (ضوء العشب) بطابعهاالحداثي الذي تجلي في تعدد الأزمنة وتداخل أنساقها، وان كانت الهيمنةللزمن الاستذكاري، بفعل اشتغال الكاتب علي فعل التذكر في استعادة مراحل منتاريخ أناه الوجودي الذي يتعالق واناه الجماعي لتاريخ الموصل الحديثوالمعاصر.
    كشف تعالق الروائي/التخييلي، والسير ذاتي/ المرجعي، في قصص أنور عبد العزيز، وتفاعلها في تشكيل عوالم ألحكي، التي كشفها (المروي له).
    أنتجتنوع الصيغ خطابات متعددة يتقاطع فيها الذاتي والموضوعي، الواقعيوالعجائبي، الشعري والصوفي، وهي خطابات أغنت بنية خطاب هذه المجموعةالقصصية جمالياً ودلالياً وشكلت تنويعات له. كشف بنية الخطاب السردي عندأنور عبد العزيز علي منطق التعاقب في الأحداث، علامة دالة في اشتغالالكاتب المكثف علي الذاكرة، فضلاً عن كون الذات تشكل موضوع التبئير والسردفي آن. أعطي الكاتب أنور عبد العزيز (للمروي له) مساحة صغيرة في نتاجهالقصصي، كون الكاتب قد اعتمد علي السرد ألتتابعي في بناء الحدث.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يوليو 30, 2014 9:02 am