منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    اللغة بين الصوت والمعنى

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    اللغة بين الصوت والمعنى

    مُساهمة   في الأربعاء أكتوبر 26, 2011 6:59 am

    <table style="table-layout:fixed;"><tr><td id="cell_3373861">
    تعد
    (اللغة) منظومة اشارية تتحرك وفق اتجاهين هما اللغة الجهرية (المنطوقة)
    الفونيمية (1) التي تتوالد ضمن اصواتها الخاصة معاني الكلام، واللغة
    المدونة التي تتحرك ضمن نحوها الخاص الذي يسير وفق قواعده وقوانينه، ونحن
    نقف بداية عند اللغة كصوت يمتلك دلالاته المعرفية.


    عند
    جومسكي ينظر الى كل لغة على انها (علاقة بين الصوت والمعنى) (2) وهو هنا
    يعتمد على رأي همبولدت في ان المتكلم يصوغ استعمالات غير محدودة بوسائل
    محدودة وفي رأينا ان ذلك يتم عن طريق التحويل transformation والتركيب
    construction ان تصويت المتكلم بتنغيم صاعد rising intonation وتنغيم هابط
    falling intonation يبني بطريقة الاداء الخاصة معاني متعددة لاثر كلمة
    واحدة على المتلقي، وذلك بتحريكها نصبا وجرا وتقطيعا ورفعا وفق مستوى
    السياق النفسي والتصويتي للابلاغ، لسيوسوجيا الجهر المقترن بلحظة النطق،
    وهو في تعبيره التصويتي الذي يحرك الكلمة ليبلغ رسالتها للمتلقي يتخذ حالة
    صوتية مختلفة عن الحالة الصوتية الاخرى الناتجة عن مناخ سيو-سايكولوجي اخر،
    فكلمة (انتظر) التي تطلق صوتا بحنان غيرها في حالة الغضب او التهديد.


    ان سوسير
    يضع تكوين الجملة بكاملها خارج نطاق نظام اللغة، لانه يعتقد انه مرتبط
    بالكلام المنطوق بوصفه عملية ابداع حر لا تعوقها القواعد اللغوية، وعلى هذا
    الاساس يقول جومسكي ان النحو يشكل امرا ضئيل الاهمية هنا (3)، والواضح ان
    ميكانزم الاصوات اللغوية المنطوقة (المورفيم) المتكونة من المفردة البحتة
    ثم الجملة المؤلفة من عدة كلمات لها نظامها النحوي الخاص، وهو نظام منتج من
    داخل الوسط الاجتماعي ففي اللغة المنطوقة (الكلام) والمكتوبة (فيما بعد)
    نوع من التركيب السلوكي الذي يعمل وفق شبكة من الصلات المترابطة بمناخ
    النطق (لحظة الجهر والكلام) فانت عندما تدعو ضيوفك (مرتاحا) للطعام بكلمة
    (تفضلوا) غيرك وغير نبرتك (تصوتيك) في لحظة نطقك كلمة (تفضلوا) في مناخ
    غاضب او نتيجة نقاش مزعج وغيرك وانت تنطقها لحظة ضحك ومرح وقد حفل جوك
    بالسعادة، ذلك ان طريقة التلفظ تحمل دلالتها النفسية وشحنتها الاجتماعية
    التي تسبق الكلام المنطوق.


    ان الذي
    يسبق التلفظ ويحرك طريقته حالة النشاط الذهني والسايكولوجي والاجتماعي،
    والذي يصاحب التلفظ هو القدرة اللسانية الفيزياوية على الوفاء به.


    ان مجسات
    التعبير النطقي الانساني شائكة متعددة وقد يتم استبدال الصمت وحركة الجسم
    (او أي جزء من الجسم كالعين او اليد او الكتف) التعبيرية على التصويت
    لابلاغ المعنى اللفظي والمعنى الذهني وهنا يكون الصمت والحركة لغة اشارية
    تعبيرية تفي بالغرض. قبل الصوت اللغوي يكون المدرك الحسي بالاشياء المحيطة،
    والمدرك الحسي يصبح ملتحما باللغة بشكل يستحيل عزله الا لاغراض الدراسة
    كما يقول د.نوري جعفر (فالطفل يرى الاشياء المادية من حوله ويسمع اصوات
    بعضها ويشم روائح بعضها في الوقت الذي يسمع فيه أسماءها من الكبار المحيطين
    به فتنشأ عنده المدركات الحسية مقرونة باسمائها) (4) عندئذ تقترن اصوات
    الكلمات بالمدرك الفكري الاجتماعي للانسان الذي يتم تعليمه بالتلقي
    والتمثيل والنطق الجهري الاعتيادي فيبدأ التعبير الصوتي مبكرا بشكل اولي
    يتنامى وفق ارتفاع مستواه الذهني تدريجيا.


    ان
    التفكير باللغة وبدلالات الصوت اللغوي غير ممكن الحدوث دون اسناد من المدرك
    الحسي اولا، وتحويله الى المدرك الفكري، ذلك ان المدرك الحسي تمهيد
    للادراك الفكري وهذا انما تمهيد للاطلاق الصوتي اللغوي فيما بعد.


    واذا كان
    الكلام هو نتاج الوجود (الاجتماعي) المشترك (6) يبدو صحيحا، (ان الخطاب
    منذ اللحظة التي يصبح فيها منطوقا يتحول الى ابلاغ يهدف الى تشريك المتقبل
    في ربط الصلة بالوجود) بحيث يمتد الخطاب ويتسع ليشمل الخطاب المنطوق
    واللامنطوق عند الحوار.


    لذا يبدو
    طبيعيا ان نتفق مع مصطفى الكيلاني بالقول ان الصوت والمعنى متلازمان ولا
    تباعد بينهما لكن طريقة الاداء الصوتي للكلمة المنطوقة تشكل نحوها الحر
    ويعطي للكلمة الجملة المنطوقة حيويتها الاشارية الابلاغية في حين يحدد
    التنقيط وحركات الرفع والجر والنصب دلالات الكلمة المكتوبة ورسالتها
    الابلاغية وعلى ذلك يبدو الخطاب (الكلام) المنطوق اكثر قدرة على الابلاغ من
    الكلام المدون لاول وهلة ولكنه ابلاغ سريع يرتبط بالآنية والسرعة وطبيعة
    الديالوغ الناشئ بين طرفي الحوار ولا يتعدى الى تاريخية المدون الذي يكتسب
    بتدوينه قدرة التثبيت المكتوب ويكسب الاخرين قدرة الدرس والتأمل فيما بعد.


    ويبدو
    صحيحا ان الخطب والمقولات ذات تأثير ولكنها تتم وفق منظومة عقلية تستهدف
    النطق الجهري بها للمرسل واستهدفت السماع والتقبل وقدرة الحفظ والتأمل
    للمتلقي وهي جزء من مستويات ادائية عليا تقترن ببنية اجتماعية حضارية
    مرتفعة لكن المقصود هنا الى الابلاغ الجهري الصوتي الذي قد تحول من sound
    صوت فيزياوي الى voice صوت لغوي له (كوداته) الخاصة المستقبلة. من الطرف
    الاخر. بمعنى اخر، ان لكل كلمة منطوقة (او مكتوبة) معنى وصيغة، وصيغة
    الكتابة غير صيغة التلفظ رغم اختلاف اللفظ عن صورة الكلمة، كما ان هناك من
    اللغات البدائية من لا صورة كتابية له الا باستخدام ابجدية لغة اخرى.
    والمهم هنا ان (نحو) التلفظ يرتبط بحالات متعددة في الاداء الجهري فهناك
    المحاورة (الديالوغ) ومجساتها السوسيولوجية وهناك التلفظ الذاتي الداخلي
    (المنولوغ) ويقام على سلسلة من الكلمات المنطوقة مع النفس (التفكير
    الاستبطاني) والتي قد تكون تأملية تنسرح فيها الكلمات بهدوء، وقد تكون
    انفعالية مصحوبة بحالة نفسية شديدة القنوط او الفرح تتقطع فيها الكلمات
    داخليا بل يجري التلفظ المهموس بها محولا مقاطع من الكلمات الى كودات
    (رموز) خاصة بالكلمات نفسها، أي ان الكلمة الرمز للمعنى يتحول منها رمز خاص
    بها للتسريع والفهم الذاتي لمعناها وفق كودها غير المستقر.


    فاذا كان
    تفكير الانسان الفرد (الرجل هنا) منصبا على آخر لقاء مع حبيبته وهو يجدها
    مع رجل آخر يعرفه فقد يفكر هكذا (هناك في باب الـ.. مع.. نعم.. مع عجيب ..
    من يصدق.. انتهى). وكلام مثل هذا لا يعني شيئا لو لفظه المرء ولكنه يعني في
    ذهن المحاور لنفسه (هناك في باب المقهى التي اعتدنا الجلوس فيه في تلك
    الايام الجميلة كانت فتاتي مع من اكرهه.. نعم مع فلان.. انه امر عجيب.. من
    يصدق ان ذلك سيحدث سريعا.. لقد انتهى كل شيء بيني وبينها) وبذلك تكون جملة
    (التفكير) غير الجملة الحقيقية التي تأخذ فيها الكلمات معناها الكامل وفق
    سياقها العقلي المتكامل.


    ان (نحو)
    ما قبل التلفظ –قبل النطق.. أي زمن التفكير الذاتي والاستبطاني يختلف فهو
    (نحو) مجتزىء من نحو وسياق النحو عند تلفظ الكلمة ثم الجملة.


    ان نظام
    الحذف الذي قال به الاسباني سانتكيوس قد تجاوزته الدراسات الحديثة ولكنه
    نظام يلاحق تطور اللغة لفظا ومعنى ودلالات مستند الى النص المكتوب لا
    الملفوظ ولذا يكون التذكير به على اساس الاشارة الى الصيغة النفسية التي
    تظهر بها الكلمة المنطوقة جهرا او داخل النفس وهي تعني ابلاغا اشاريا محذوف
    جزء منه او جزء من ترابطه مع صورة الكلمة المجاوزة الاخرى لكنه يدل على
    معنى كودي متكامل داخل النفس (للمنولوغ)، وخارجها (الديالوغ) أي للانا
    وللاخر المستمع والمتلقي-المحاور.


    ان واحدة
    من مشكلات اللغة الشفاهية هي انها تتطور باستمرار وتعنى بالجديد المستند
    الى تنامي القدرة الثقافية للفرد والمجتمع وتقبله للكثير من التغييرات
    استنادا الى ايقاع العصر.


    ينقل
    ستراوس في (الفكر البري) عن اثنولوجي كان في جزر المركيز مع مجموعة علمية
    عام 1921 قوله (لم ازل اذكر اصدقائي من جزر المركيز وهم يواجهون بضحكاتهم
    الصاخبة اهتمام عالم النباتات بالبحث عن الاعشاب واصراره على البحث عن
    اسمائها بان ذلك مجرد حماقة) (6) ذلك انها لا اسم لها.


    يؤكد
    هاندي على ان (الاشياء من حيوان ونبات وجماد لاتسمى في جزر هاواي او تشخص
    الا متى كانت مستخدمة فعلا) (7) ذلك ان ممارسة الاتصال بالاشياء المحسوسة
    عند المتكلم البدائي يدفعه لصياغة هوية لها، أي تحديد اسم لها، انه يدرك ما
    يتعامل معه وهو بعمله هذا يتطابق مع المحسوس اللغوي، وهو محسوس يتطور
    ويزداد بمقدار معرفة الانسان بواقعه ومناخه الحياتي، فمثلا نجد ان جماعة
    البيغمة pygmees في الفيلبين يستطيعون تحديد اسماء مجاميع من النباتات
    والثدييات والطيور وعادات وتقاليد كل نوع منها، وتتم هذه التحديدات بمعرفة
    كل صنف أي بادراك هويته ثم يتمظهر هذا الادراك باللغة التي تعطيه وصفا فهم
    يميزون بين 15 نوعا من الخفاش وعاداتها و20 صنفا من النمل، اما هنود الهوبي
    الحمر فيعددون 350 نبتة فيما يعدد النافاهو اكثر من 500 نبتة في وقت يحوي
    قاموس السوبافون اللغوي على اكثر من الف مصطلح نباتي (ولقد نشر سيلانس من
    خلال لقائه مع دليل غابوني مرجعا سلاليا نباتيا تضمن حوالي الـ8000 مصطلح
    موزعة على عدة لهجات عائدة لـ12-13 قبيلة متاخمة) (Cool. وذلك يعني ان اللغة
    تبدأ من الاحساس بمفردات الطبيعة الملامسة للانسان بحيث يختار هوية لغوية
    لكل مفردة يدركها ويتعامل معها من حيوان ونبات وجماد في وقت يكون فيه بعيدا
    عما لا يألفه ولا يتعامل معه فكريا، بمعنى لغويا هنا.


    ان ذلك
    يعني ان المدرك الحسي يتحول الى مدرك اجتماعي وان المدرك الاجتماعي عند
    البدائيين يحمل انساقه الطوطمية التي تتدخل في ابلاغيته اللغوية او تحجبها
    فـ (التيوي).


    يستهلكون
    اسماء الاعلام بدون أي ضوابط ولكل فرد لديهم اسماء عديدة متمايزة وموت
    الفرد يعقبه تحريم استخدام الاسماء التي يحملها والاسماء التي اطلقها على
    الاخرين طيلة حياته وذلك يتطلب قوة توليدية مستمرة لغويا، اضافة الى القوة
    التوليدية للغة السحرية المقدمة الخاصة بهم، لكن ذلك التوليد قد امكن كسره
    بالبنية التداولية للمفردة بين اللغة العامة للنيوي ولغتهم السحرية
    المقدسة.


    ان
    الاستدلال العقلي واحد لدى جميع البشر الذين يتداولون الكلام في كل الشعوب,
    ولكن لكل شعب-لكل لغة شفاهية مستواها التداولي الخاص وسلوكها الاشاري
    المعبر الذي هو نتاج العلاقة بين الصوت والمعنى داخل تلك اللغة، وهذا
    المستوى مثقل بالتفاصيل المناخية السوسيولوجية والسايكولوجية، بمعنى آخر
    بابستمولوجيا المفردة المنطوقة التي تتجمع مع غيرها لتشكل قوام الحكي، قوام
    الكلام الذي يكون مفتتحا بعد هذا القوام آخر هو قوام المدون، المكتوب الذي
    هو قوام الفكر التاريخي للشعوب.


    الهوامش

    1-
    الفونيم/ هو الوحدة الصوتية ففي كلمة شجرة ثمانية فونيمات هي:
    ش-حركة/ج-حركة/ر-حركة/ة-حركة اما كلمة (شجرة) فهي وحدة حرفية (مورفيم) على
    المستوى المورفولوجي الصرفي، وقد تتألف الكلمة من اكثر من مورفيم واحد مثل
    (معلمون) فمعلم وحدة حرفية متكاملة (مورفيم) يضاف اليها مورفيم الجمع
    (الواو والنون) انظر ص35 هامش 19/20 من جومسكي البنى النحوية ترجمة يوئيل
    يوسف عزيز- دار الشؤون الثقافية-بغداد- 1987 ص25.


    2- نعوم جومسكي- اللغة والعقل- ترجمة بيداء علي العلكاوي- دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد-1996- ص28.

    3- جومسكي – المصدر السابق ص32.

    4- د.نوري جعفر- اللغة والفكر- الرباط 1971-ص37.

    5- مصطفى الكيلاني- في (الميتا-لغوي والنص والقراءة) –دار أمية- تونس- 1994، ص6.

    6- كلود ليفي ستراوس- الفكر البري- ترجمة د.نظير جاهل- المؤسسة الجامعية للدراسات – بيروت-ط1- 1984

    </td></tr></table>


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 22, 2017 8:42 am