منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    بناء المفاهيم وإشكالية البحث عن دلائل التأويل وأحكام المعاني

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    بناء المفاهيم وإشكالية البحث عن دلائل التأويل وأحكام المعاني

    مُساهمة   في الخميس أكتوبر 27, 2011 8:03 am


    بناء المفاهيم وإشكالية البحث عن دلائل التأويل وأحكام المعاني/


    الحلقة الأولى

    من المرحج اليوم في حقل مباحث المعرفة، أن اللغة من حيث بناءاتها
    وصياغاتها، ومجالات انطباقها تشكل أهم الخصائص التي تقيم تمييزا نوعيا بين
    الكائن البشري، والكائنات الأخرى. ويرى "تشومسكي" (1) بأن الكائن البشري
    مزود بجهاز طبيعي، معقد يسمح له باكتساب أنظمة تواصلية تحكمها ضوابط عامة
    ومبادئ كلية.. فاللغة حالة ذهنية لدى الإنسان يولدها من دماغه نتيجة
    المقدرة البيولوجية الخاصة... فالإنسان يمارس اللغة من خلال الاحتكاك
    بالمحيط الاجتماعي.. ومن ثم فإن اللغة كما يرى المختصون في علم اللغة
    الاجتماعي لها دور بارز في عملية النهوض وآثر بالغ في التنمية بمفهومها
    الشامل. وكلما اتسعت قاعدة استعمال لغة ما، وكثر تداولها بين صفوف
    مستعمليها، كانوا أقدر على الفهم والإفهام وأكثر وعيا، بالأشياء والأفكار
    وأسرع إلى الاختراع والابتكار..ذلك أن اللغة هي الأداة لنقل الفكر والتجربة
    عند الإنسان. من هذا المنطلق أولت الدراسات في علم اللسانيات المعاصرة
    أهمية قصوى للكيفية التي يتم بها توليد اللغة.. وتأسيسا على ذلك فإن بنية
    معرفة اللغة وبنية معرفة المجال الطبيعي ربما كانت خاصيتين من خصائص الجهاز
    العضوي، وإذا كان الجهاز العضوي يستوعب بسهولة أنساقا بمثل هذا التعقيد
    فيترجح أن يكون يعرفها مسبقا في الواقع.

    وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية الأنساق المعرفية لأية حضارة من الحضارات،
    سوف نجد أن هناك مجموعة حقول معرفية متنوعة : (حقل المعرفة التجريبية وحقل
    المعرفة الرياضية وحقل المعرفة الدينية أوالميتافيزقية .. وهلم جرا).
    ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم
    التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة وبروابط تؤدي إلى تماسك أجزاء النسق
    المعرفي.. ومن هنا فإن تحليل بنية أية حضارة يرتكز على ثلاثة عناصر أساسية
    وهي المفاهيم والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم
    حقلا، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا والمفاهيم تأتي من البناء
    الفكري لأي نسق معرفي ونظرا لأهميتها وخطورتها كان من الضروري العناية بها
    وتوضيحها...
    إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات
    التي ينطبق عليها اللفظ ؛ وتكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم
    الإنسان بمعناه الأرسطي هو أنه حيوان ناطق..ثم هناك المعنى الواسع الشامل
    أي المعاني
    العقلية والأفكار العامة المجردة وأبرز الأمثلة لها هي الحرية والعدالة
    والمساواة والحق والخير والجمال...وهناك مفاهيم ومصطلحات تحمل أكثر من معنى
    الأمر الذي قد يحدث خلطا في الأفهام، ومن ثم يأتي توضيح المفاهيم
    كضرورة منهجية ومعرفية، لأن المفهوم الواضح ينطوي على معان جليلة وقيم
    ومبادئ تساهم في تقدم المعرفة وازدهارها..أما إذا كان المفهوم غامضا فإنه
    يفسد المعنى ويجعل المصطلح ضبابيا ونظامه النسقي مضطربا، مختلا في علاقاته
    مما يدل على تخلف معرفي وحضاري... لأن العجز عن إدراك المعنى في كل مجال من
    المجالات هو الذي يفضي إلى نوع من القلق الدلالي لأن مسألة المعنى تعد
    إحدى الركائز الأساسية في دراسة المفاهيم.. يرى الأستاذ عبد الله العروي في
    كتابه "مفهوم الحرية" "بأننا لا نبحث في مفاهيم مجردة لا يحدها زمان ولا
    مكان، بل نبحث في مفاهيم تستعملها جماعة قومية.. ثم يسترسل إنما نحلل تلك
    المفاهيم، ونناقشها لا لنتوصل إلى صفاء الذهب ودقة التعبير وحسب بل لأننا
    نعتقد أن نجاعة العمل، مشروطة بتلك الدقة وذلك الصفاء، ثم يضيف لهذا السبب
    نحرص على البدء بوصف الواقع المجتمعي آخذين المفاهيم أولا كشعارات تحدد الأهداف وتنير مسار النشاط القومي.
    وانطلاقا من تلك الشعارات نتوخى الوصول إلى مفاهيم معقولة صافية من جهة ونلتمس من جهة حقيقة المجتمع العربي الراهن..." (2).
    ظهر الاهتمام بقصية المعنى في التراث العربي الإسلامي في حقول معرفية
    مختلفة فنجده بارزا في البلاعة وفي الفلسفة وفي أصول الفقه، وقد اهتم علماء
    اللغة بدلالة الألفاظ، ويتجلى هذا في تسجيل معاني القرآن الكريم ودراسة
    المجاز في القرآن ... وقد تطرق الأستاذ "سيد قطب" رحمه الله لهذا الموضوع
    في كتابه "التصوير الفني، في القرآن" يقول " فلما كان عصر التابعين، نما
    التفسير نموا مطردا ولكنهم يقتصرون على توضيح المعنى اللغوي الذي فهموه من
    الآية، بأخصر لفظ مثل قولهم "غير متجانف لإثم" أي غير متعرض لمعصية، ثم أخذ
    التفسير ينمو ويتضخم في أواخر القرن الثاني إلا أنه أخذ يغرق في مباحث
    فقهية وجدلية و نحوية وصرفية وتاريخية وأسطورية (3)، ثم يضيف بأن الباحثين
    في البلاغة وإعجاز القرآن.. شغلوا أنفسهم بمباحث حول"اللفظ والمعنى" أيهما
    تكمن فيه البلاعة ..وأيا كانت الجهود التي بذلت في التفسير، وفي مباحث
    البلاغة والإعجاز ، فإنها وقفت عند حدود عقلية النقد العربي القديمة تلك
    العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة فتحلله وتبرز الجمال الفني فيه -
    إلى الحد الذي تستطيع دون أن تتجاوز هذا إلى إدراك الخصائص العامة في
    العمل الفني كله(4).
    إن الظاهرة التي برزت في البحث
    عن بلاغة القرآن الكريم تحدث عنها "ابن جني" في كتابه "الخصائص" حيث قال
    بأن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذبها وتراعيها وتلاحظ أحكامها
    بالشعر تارة والخطب أخرى.. فإن المعاني
    أقوى عندها وأكرم عليها وأفخم قدرا في نفوسها..ويضيف بأن عنايتها بألفاظها
    فإنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقا إلى إظهار أغراضها ومراميها،
    أصلحوها ورتبوها، وبالقوافي تحبيرها، وتحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في
    السمع، وأذهب بها في الدلالة على القصد".
    فالعناية بألفاظ إنما هذه خدمة منهم للمعاني ، ومن هذا المنطلق اهتم
    البلاغيون بدراسة الجوانب الدلالية مثل الحقيقة والمجاز، ودراسة الأساليب
    كالأمر والنهي والاستفهام والتعجب وغيرها...
    وفي نفس السياق أورد "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه "دلائل الإعجاز في علم
    المعاني"، حيث وضع نظريته في فكرة النظم ، (أي التركيب والصياغة) التي
    بمقتضاها، فإن النظم أن تضع كلامك والوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على
    قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها وبالتالي فلا نجد
    كلاما وصف بصحة النظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلا وأنت تجد مرجع
    تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه
    ووجدته في أصل من أصوله ويتصل بباب من أبوابه" (5). ويؤكد الجرجاني الفكرة
    في (أسرار البلاغة في علم البيان) إذ يقول : "الألفاظ لا تفيد حتى تؤلف
    ضربا خاصا من التأليف يعمد بها إلى وجه من التركيب والترتيب، لو أخذت بيتا
    من الشعر أو فصلا من النثر، وأبطلت نظام الكلمات الذي بنيت عليه العبارة
    لأخرجت البناء اللغوي من كمال البيان إلى مجال الهذيان".
    فالجرجاني يرى بأن ترتيب اللفظ على نحو معين، إنما يساير الترتيب نفسه الذي انتظمت به المعاني في ذهن المتكلم، ولقد انتظمت المعاني وفق ما يقتضيه العقل، فالمنطق العقلي يدلك على أي المعاني يجب أن يسبق وأيها يجب أن يأتي لاحقا, بحكم طبائعها، بالنسبة للموقف الذي تقفه من عالم الأشياء...
    كما أن فلاسفة الإسلام اعتنوا بالموضوع وتناولوا في أبحاثهم دلالة الألفاظ
    وعلاقتها بالمعاني وقرر ابن سينا في ا(الإشارات والتنبيهات (6) أن اللفظ
    يدل على علم المعنى من ثلاثة وجوه إما على سبيل المطابقة بأن يكون اللفظ
    موضوع لذلك المعنى و بازائه مثلا دلالة المثلث على الشكل المحيط به ثلاثة
    أضلع.
    وإما على سبيل التضمن بأن يكون المعنى جزءا من المعنى الذي بطابقه اللفظ.
    وإما على سبيل الامتناع والالتزام بأن يكون اللفظ دالا بالمطابقة على المعنى.
    أما الإمام الغزالي فيرى أن الألفاظ من المعاني على أربعة منازل (المشتركة، والمتواطئة، والمترادفة والمتزايلة).
    أما المشتركة فهي اللفظ الواحد الذي يطلق على موجودات مختلفة كالعين على
    العين الباصرة وينبوع الماء وقرص الشمس.... أما المتواطئة فهي التي تدل على
    أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمر
    ودلالة اسم الحيوان على الإنسان والفرس والطير لأنها متشاركة في معنى
    الحيوانية.
    أما المترادفة فهي الأسماء المختلفة الدلالة على معنى يندرج تحت حد واحد
    كالخمر و الراح والعقار, فإن المسمى بهذه يجمعه حد واحد هو المائع المسكر
    المعتصر من العنب والأسامي مترادفة عليه.
    أما المتزايلة فهي الأسماء المتباينة التي ليس بينها شيء من هذا النسب
    كالفرس والذهب والثياب فإنها ألفاظ مختلفة تدل على معاني مختلفة بالحد
    والحقيقة". (7)
    وقد انصب اهتمام الأصوليين على دراسة اللغة بصفة عامة والمعنى على وجه
    الخصوص نظرا للارتباط الحميم بين فهم اللغة والمعنى وفهم الشرع المستمد من
    القرآن والسنة النبوية ، وقسموا أيضا الألفاظ إلى مترادفة ومشتركة ومطلقة
    ومعقدة ولم يتوقفوا عند دلالة الألفاظ المفردة فحسب بل تناولوا دراسة الصيغ
    والعبارات واهتموا كثيرا بصيغتي الأمر والنهي في القرآن الكريم لكونها
    محور التكليف...
    ويأخذ الأصوليون بنظرية الاستعمال أو السياق على أساس أنه هو الذي يحدد دلالة هاتين الصفتين.
    وقد تناول الفكر الغربي الحديث إشكالية المعنى وفقا لمنظوره ورؤيته
    الفلسفية ويرى الفيلسوف الإنجليزي " جلبرت رابل" بأن قصة الفلسفة في القرن
    العشرين هي قصة فلسفة المعنى كما أكد الفيلسوف برتراند راسل (1872-1970) في
    كتابه "بحث في المعنى والصد ق" بأن الذي يضفي الوحدة على الجملة المفيدة
    هو وجود رابط منطقي يتمثل في ترتيب المفردات من حيث هي كذلك. (Cool
    ويمكن الوقوف عند نظرتين من النظريات التي يقدمها الفلاسفة في هذا الحقل
    المعرفي : الأولى نظرية التحقيق (Théorie de vérification) والثانية نظرية
    الاستعمال (Théorie de l’emploi).
    دافعت عن النظرية الأولى مدرسة الوضعية المنطقية، ويرى فلاسفة هذه المدرسة
    بأن معنى الجملة هو منهج التحقيق وسمي هذا المبدأ بمبدأ التحقيق (Principe
    de vérification).
    ويشرح "وزمان waismann" هذا الأمر بقوله " لكي يحصل المرء على فكرة عن معنى
    قضية ما فمن الضروري أن يكون واضحا بشأن الإجراء الذي يؤدي إلى تحديد
    صفتها، وإذا لم يعرف هذا الإجراء فلا يمكن له أن يفهم القصية لأن معنى
    القضية يكمن في منهج تحقيقها"..
    ومبدأ التحقيق هو معيار تمييز المعرفة العلمية من اللاعلم أو الميتافيزيقيا
    على أساس أن المعرفة العلمية هي المعرفة التي تحقق المعنى أما اللاعلم فهو
    انعدام المعنى.
    هذا ما يراه أنصار الوضعية المنطقية التي تستند إلى المنطق الاستقرائي في
    تحديد معيار التمييز بين الجمل العلمية والمتافيزيقية.. والاعتراض على ذلك
    مؤداه أن مفاهيم العلم لا ترتكز في تكوينها على الاستقراء فحسب، ثم إن
    النظرية الفيزيائية خاصة تقوم على الاستدلال أكثر من الاستقراء.. أضف إلى
    ذلك أن العديد من الفروض التي لا ترتكز على التحقيق التجريبي كان لها نصيب
    في تقدم العلم وتطوره.. مما دفع ببعض الباحثين إلى بحث الأسس الميتافيزقية
    للعلم كما فعل "برتBurtt" في كتابه "الأسس الميتافيزقية لعلم الفيزياء
    الحديث" إذ أن كثيرا من النظريات العلمية تفترض أن الأصل في الكون هو
    الانسجام والنظام، وأن حركة الموجودات والظواهر فيه تخضع لنظام دقيق ولعل
    هذا الانسجام الكامن والظاهر في الكون هو الذي دفع العلماء |إلى البحث عن القوانين التي يسير بمقتضاها..إن إخفاق نظرية التحقيق في المعنى دفعت بعض الفلاسفة إلى البحث عن نظرية ملائمة لطبيعة اللغة وتنوع الأفكار البشرية..وانتهت نتيجة البحث إلى العثور على نظرية الاستعمال في المعنى التي دافع عنها فلاسفة مدرسة أكسفورد.
    تعتمد هذه النظرية على افتراض مؤداه أن معنى الكلمة (أو التعبير) هو
    استعمالها في اللغة، وخلص فلاسفة الوضعية المنطقية في تحليلهم إلى أن اللغة
    تقوم بوظيفتين أساسيتين : الوظيفة المعرفية (Congnitive) وتقوم فيها اللغة
    بوصف الواقع وتتجلى في العبارات التركيبية التي تخبر بخبر يحتمل الصدق أو
    الكذب. أما الوظيفة الثانية فهي الوظيفة الغير المعرفية (non congnitive)
    وتندرج تحتها عبارات الأخلاق والجمال والعبارات الميتافيزيقية.. وذهب
    الوضعيون إلى أن الوظيفة الوحيدة الجديرة بالبحث الفلسفي هي الوصف.. لكن
    فلاسفة أكسفورد اثبتوا خطأ هذا الرأي ووصفوه بالمغالطة الوصفية (descritive
    fallacieuse) وذهبوا إلى أن العبارات التي لا تصف الواقع مثل جمل الأمر
    والنهي والاستفهام والتمني لا يمكن الحكم عليها بأنها خالية من المعنى
    وخلصوا إلى وجهة النظر التي تعترف بوظائف متباينة للغة يشكل الوصف أحدها.
    وأكدوا على وجود أنماط مختلفة للتعبيرات لكل منها منطقه الخاص الذي يكسبه
    شرعته ومعناه ودوره اللغوي والمعرفي.
    وإذا كان معنى الكلمة أو العبارة هو استعمالها في اللغة فيجب أن يكون هذا
    الاستعمال محكوما بقواعد بحيث يجعل العبارة ذات مغزى، ومن ثم تأتي ضرورة
    التفريق بين الاستعمال الصحيح والاستعمال الغير الصحيح .
    فالاستعمال الصحيح هو الذي يجيء منسجما مع القواعد التي تضبطه أما الاستعمال الغير الصحيح هو الذي لا يخضع لتلك القواعد.
    لقد ترتب على نظرية الاستعمال في المعنى عدة نتائج من أبرزها الفكرة
    القائلة بأن كل نمط من أنماط القضايا له نوع خاص من المعنى، وعلى هذا النحو
    رد فلاسفة أكسفورد الشرعية إلى مفاهيم أو قضايا الميتافيرقيا، والأخلاق
    والجمال ، وبعد أن صنفت من طرف أنصار الوضعية المنطقية، بكونها مفاهيم
    زائفة، غير قابلة للتحقيق والنتيجة أن المفاهيم التجريبية ليست وحدها المفاهيم
    الحقيقية. وما عداها مفاهيم زائفة وبالتالي فإن مفاهيم الدين والأخلاق
    والعلوم الإنسانية هذه أيضا مفاهيم حقيقية.. ويترتب عن هذا الاستنتاج،
    ضرورة البحث عن معايير أخرى غير التحقيق التجريبي للفصل بين المفاهيم الحقيقية أو الزائفة..اعتبارا لقدرة المفهوم على التفسير والتنبؤ والتحليل، بالإضافة إلى بساطته...
    وإذا أردنا أن نقدم المعنى الدلالي في صورته الكاملة فلابد من أن نضيف إلى
    المعنى المقالي جانبا آخر هو المعنى المقامي (أي ظروف أداء المقال) تأكيدا
    على مقولة لكل مقام مقال.
    ويترتب على تغيير المعنى تغيير المفاهيم نظرا لأن المفاهيم نعبر عنها بالألفاظ أو مصطلحات هي في جوهرها معاني مجردة..
    وإذا كان تغير المعنى على هذا النحو عملية طبيعية لا غبار عليها، فإن تحريف
    المعنى يحقق لمن يمارسه أغراضا فكرية ومعرفية..، من غير أن يكون القصد
    منها تغير جوهر المعنى..
    ومن المفيد الإشارة إلى أن بنية أي مفهوم تتألف من مجموعة من العناصر، التي
    لا تأتي بدرجة واحدة من حيث البناء والأهمية..، فهناك عناصر أساسية وعناصر
    مكملة لها. العناصر الأساسية تتمتع بأسبقية منطقية في بنية المفهوم، إذ
    أنها، لا تشتق من غيرها، وتتمع بدرجة أكبر من التجريد إذا ما قورنت بغيرها
    من عناصر المفهوم.
    وقد ميز علماء الدلالة بين عدة أنواع يأتي في مقدمتها المعنى الأساسي،
    والمعنى الإضافي، أما المعنى المركزي فهو الذي يمثل العامل الرئيسي في
    الاتصال اللغوي والمعبر الحقيقي عن وظائف اللغة، وهي التواصل ونقل الأفكار،
    ولكي يتم التواصل بين شخصين بلغة معينة، لابد أن يشتركا في المعنى الأساسي
    أما المعنى الإضافي أو الثانوي فهو المعنى الذي تملكه الكلمة بالإضافة إلى
    معناه الأساسي، وربما يتغير من عصر إلى آخر تبعا لتغير المناخ الثقافي
    الذي تحيى فيه لغة معينة..
    وإذا أردنا فهما أفضل لبنية أي مفهوم فيجب أن نحللها ونحدد عناصرها الأساسية وعناصرها الفرعية.
    ولكي نوضح هذه العملية التحليلية، في الإدراك الدقيق والصحيح للمفاهيم
    واجتناب لكل التباس، يمكن أن نتأمل قليلا مفهوم " العقل" ..إذا حللنا بنية
    المفهوم، فإنه على وجه التقريب ينقسم إلى ثلاث عائلات من المفاهيم هذه المفاهيم
    هي : المعرفية من المعرفة، والفهم والتفكير، والإدراك، ومفاهيم الإرادة
    مثل العزم والاختيار والقصد ومفاهيم الإحساس مثل الغضب والخوف و اللذة
    والألم.. وما يمكن استنتاجه من هذه اللمحة أن هناك علاقة أكيدة بين بنية
    اللغة وبنية العقل، وبنية الواقع.. وهذا ما يؤكده الإمام "الغزالي" بقوله "
    إن للأشياء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في اللسان أما
    الوجود في الأعيان فهو الوجود الحقيقي، وأما الوجود في الأذهان فهو الوجود
    العملي الصوري وأما الوجود في اللسان فهو الوجود اللفظي الدليلي فالسماء
    مثلا لها وجود في أذهاننا، ونفوسنا لأن صورة السماء حاضرة في أبصارنا ثم
    خيالنا...أما الوجود في اللسان فهو اللفظ المركب من أصوات فالقول دليل على
    ما في الذهن، وما في الذهن صورة مطابقة لما في الوجود.. ولو لم يكن موجودا
    في الأعيان لم ينطبع صورة في الأذهان ؛ ولم يشعر بها إنسان.. ولو لم يشعر
    بها الإنسان لم يعبر عنها اللسان..
    إذن فاللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة، لكنها متطابقة متوازية"(9) إن تحليل بنية المفاهيم
    قد كشف لنا عن وجود عناصر أساسية، وأخرى إضافية في المفاهيم، وكشف أيضا عن
    وجود علاقة بين المفهوم في الذهن، وبنية المفهوم في اللغة أو اللسان، كما
    أن هذا التحليل يكشف لنا كذلك عن أن هنالك مجموعة من المفاهيم تكتسب مع الأيام بعض العناصر الإضافية التي تزيد مضمونها، ومن مساحة تطبيقها ومجال تداولها..
    إلا أنه لابد من التأكيد على أن هناك بعض القواعد الدلالية التي تحكم التعامل الصحيح مع المفاهيم وفي مقدمتها :
    -معرفة المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للألفاظ التي تعبر عن المفاهيم لأن معرفة هذه المعاني يساعد على الكشف من الدلالات المتنوعة للمفهوم من أجل البحث عن الحقيقة، كما يساعد أيضا على الكشف عن عمليات التلبيس والتحريف الدلالي التي قد يتعرض لها المفهوم موضوع البحث.
    -كذلك ضرورة معرفة الدلالات التاريخية للمفاهيم
    -وضرورة الاعتراف بالخصوصية الحضارية واللغوية والمنطقية للغة التي تصاغ فيها المفاهيم..
    ومن ثمة لابد من الوعي بمضامين المفاهيم
    السائدة، والعمل على تحليلها وفهمها، و تفكيكها لمعرفة مكامن القوة
    والضعف، وذلك بالبحث عن هوية المفهوم ومرجعيته ومصدريته ومسار تطوره، وما
    آل إليه..لأن المفهوم كما يرى الأستاذ طه جابر العلواني يمثل خلاصة الأفكار
    والنظريات والفلسفات المعرفية وأحيانا نتائج خبرات وتجارب العمل فيه، في
    النسق المعرفي الذي يعود إليه، و ينتمي إلى بنائه الفكري، لذلك لابد من
    تحليل المفاهيم الأساسية لأي فرع أو حقل معرفي بشكل يسمح بتشخيصه وتحديد وضعيته و معرفة مبادئه ومداخله". (10)
    ولا ريب بأن المفاهيم
    تشكل مستودعات كبرى تتجاوز البناء اللفظي واللغوي أو الاصطلاحي .. وهي
    أشبه بوعاء معرفي جامع، ومعمار هندسي متعدد الفضاءات والألوان والظلال
    والتشكلات توحي بالكثير من الدلالات والاصطلاحات والمعاني.. وهي أيضا تعبير
    صادق عن حقيقة المنظومات الثقافية والحضارية في مختلف أطوارها
    وعصورها..لأنها بالفعل كائن حي تنعكس عليه تجارب المجتمعات والمم، وبوتقة
    تنصهر فيها رؤيتها للوجود والكون والحياة.

    ***61558; الهــوامــش :
    (1)- في نشأة اللغة، تأليف مايكل رباليس ترجمة محمود ماجد عمر
    – كتاب عالم المعرفة- مارس 2006. يراجع فصل ما اللغة ؟
    (2)- عبد الله العروي، مفهوم الحرية ، ص : 7.
    (3)- سيد قطب التصوير الفني في القرآن، ص : 26.
    (4)- سيد قطب – نفس المرجع – ص : 32.
    (5)- الدكتور صلاح إسماعيل – (بناء المفاهيم ضرورة معرفية – ص 36) –
    من كتاب بناء المفاهيم دراسة معرفية ونماذج تطبيقية. ج/1 . المعهد العالمي للفكر الإسلامي القاهرة 1998.
    (6)- نفس المرجع، ص : 37
    (7)-نفس المرجع، ص : 38.
    (Cool-نفس المرجع، ص : 35.
    (9)-نفس المرجع، ص : 49.
    (10)-د/طه جابر العلواني – بناء المفاهيم – المرجع السابق – ص : 7.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 25, 2017 12:24 am