منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الصورة وواقع الأدب الافتراضى

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الصورة وواقع الأدب الافتراضى

    مُساهمة   في الأحد نوفمبر 13, 2011 12:44 pm

    الصورة وواقع الأدب الافتراضى
    النقد - نظرية الأدب
    الخميس, 09 يونيو 2011 20:07

    الصورة وواقع الأدب الافتراضى

    بقلم: السيد نجم

    لقد بلغت تكنولوجيا الإعلام البصرية ذروتها مع بشائر القرن الحادى والعشرين، وبات من الضرورى حصــر وقياس تأثيراته. ونظرا لشمولياتها وشيوعها أصبح مصطلح "ثقافة الصورة" من المطلحات الجديدة الواجبة للدراسة. نظرا لقدرة الصورة المتميزة على الاقناع, وبدرجات تفوق كثيرا تأثير المسموع والمقرؤ. كما تميزت بتعزيزات ب"الصوت" و"اللون" و"الرسم" ثم "الحركة". أما وقد باتت الصورة سريعة الوصول الى المتلقى الى درجة هائلة, محملة بكم من المعلومات الغزيرة, ليس أوضح مثال لتلك الحقيقة القنوات الفضائية والشبكات الاخبارية. وهو ما دعا البعض الى القول بأن تلك الميزات الهائلة, سببا للتخوف على هوية الشعوب والجماعات الضعيفة والصغيرة, مع ضرورة العمل على حماية ثقافتها/ هويتها، ويرى أصحاب هذا الرأى بضرور الحفاظ على الكتاب الورقى. أما وقد طغت الصورة, فليس أجدى من التعامل مع معطياتها وتأثيرها.

    لعل الاقتراب من محور الأدب فى عصر الصورة الالكترونية, ومنه "الصورة وواقع الأدب الافتراضى" يكشف الكثير من معطيات الصورة.

    #ماذا عن الصورة؟

    قال "أرسطو": "ان التفكير مستحيل من دون صور".

    فيما قال "آبل جانس" عام1926م: "اننا نعيش بالفعل فى عصر الصورة".

    وهو ما أكده "رولان بارت" فيما بعد.

    الآن لا يمكن تصور الحياة المعاصرة من دون الصور. فالصورة حاضرة فى الأسواق وفى الوسائل التعليمية, وعبر الاعلام والفنون المرئية, وأخيرا على شاشات الكمبيوتر. حذر البعض من هذا الطغيان للصورة على ثقافة الانسان, حتى تنبأ البعض بهيمنة التليفزيون ليحل محل الكلمات, وبالتالى سوف تقتصر الكلمات على المكاتبات والكتب التى بدورها سيقل قراؤها, وتتعدد السلبيات.

    بداية لابد من الاشارة الى أن للصورة مميزات والخواص تجعلها على قدر من الأهمية لا يمكن اغفاله. فالصورة قادرة على التوصيل الناجح بتأثير أكبر كثيرا من تأثير الكلمة, وهو ما يستخدم فى الدعاية عموما, وفى الحروب النفسية.. كما أننا نمارس تقليد الصور الايجابية للتدريب أو التريض أو تعليم قيادة السيارات والطائرات, وفى الطب هناك مجال التعليم الطبى بالصورة, ومجال التشخيص أيضا,وغيرها الكثير من المجالات. نتخير منها التوقف مع "الصورة وأدب الواقع الافتراضى"

    فى تعريف الصورة.. يشتق المصطلح من كلمة لاتينية تعنى "محاكاة", حتى أنه فى مجال السيكولوجى مترادفة مع: "التشابه", "النسخ", "اعادة الانتاج", وفى العربية تعنى "هيئة الفعل", "الأمر وصفته".

    للصورة أنواع متعددة: الصورة البصرية (وهى الملموسة للعيان), والصورة بوصفها تعبيرا عن التمثيل العقلى للخبرة الحسية (يتشكل الوعى بالصورة), والصورة الذهنية وهى ليست حرفية أو مماثلة للصورة الحسية, بل درجة أعلى. ثم الصورة التى تشير الى المؤسسات أو الأفراد أو الشعوب.. مثل صورة الشعب الصينى وملامحه, وصور عناصر الحلم والتخييل. كما أن هناك الصورة اللاحقة التى تتشكل عند حاسة الابصار بعد منبه حسى على العين. أما الصورة الارتسامية فهى نوع من الصور الشبيهه بالادراك, وصور الذاكرة تعد نوعا من التفكير المألوف لنا فى عمليات التفكير.

    أما الصورة الرقمية المولدة بالكمبيوتر فقد أدت الى تحولات جذرية فى الثقافة الانسانية, نظرا لدورها كمعلومة مع سهولة الحصول عليها والتعامل معها, ثم تخزينها وانزالها. بها فقدت الصور الزيتية كونها صور فريدة, فيما لعبت الصور الرقمية دور المعلم بدور المعلوماتية المحملة بها.

    وصور "الواقع الافتراضى", مصطلح قال به العالم "جاردن لانير", حيث يشعر مستخدمو الكمبيوتر أنهم يعايشون العوالم التى يقوم الكمبيوتر بتخليقها, بالصورة والصوت والأنظمة الحسية الخاصة بالكمبيوتر.

    #علاقة الصورة والثقافةالبصرية

    الصورة بوصفها قيمة ثقافية تقع في مرحلة تالية بعد الشفاهية والتدوين والكتابية باعتبارها تمثل مع هذه المراحل الصيغ التعبيرية في الثقافة البشرية، ومن نتيجة تجلي الصورة بوصفها علامة ثقافية، ومصدر استقبال وتأويل، ودخول فئات بشرية عريضة إلى عالم الاستقبال الثقافي، وهي تلك الفئات التي كانت مهمشة في السابق، لذا يجزم د.عبدالله الغذامي قائلا: "جاءت الصورة لتكسر ذلك الحاجز الثقافي والتمييز الطبقي بين الفئات، فوسعت من دوائر الاستقبال وشمل ذلك كل البشر فتوسعت القاعدة الشعبية للثقافة وهذا دور خطير تحقق مع الصورة." (كتاب ثقافة الصورة).

    ويرى أن هذا الدور تتمثل أيضاً في (زعزعة مفهوم النخبة) بحيث "صار الجميع سواسية في التعرف على العالم واكتساب معارف جديدة، والتواصل مع الوقائع والثقافات. بمعنى أنها فقدت دورها في القيادة والوصاية وتلاشت تبعاً لذلك رمزيتها التي كانت تملكها من قبل، ولم تعد الثقافة تقدم رموزاً فريدة لا في السياسة ولا في الاجتماع ولا في الفن والفكر وتلاشت الرمزية وحلت محلها (النجومية )".

    تلعب الصورة بوصفها نصاً متحركاً، قابلاً للتصديق باعتبار أن الخبر المصور يحول المشاهد إلى شاهد عيان، نظرا لتدخل عناصر اضافية هامة (الاخراج والمونتاج) في العمل, حيث أثبتت بعض الدراسات أن جمهور المشاهدين لم يعد يصدق الصور، ولم يعد يأخذها كما هي، وإنما يتراوح بين تكذيب ساخر إلى تصديق أعمى.

    وهناك صور تعد تاريخية لا تنسى, منها مثلاً صور الصعود إلى القمر التي تعرض (نيل آرمسترونج) وهو يخطو خطواته الأولى على سطح القمر، وصور حرب الخليج 1991، وغيرها. إن الصورة المبثوثة لتهشم البرجين عملت فعلاً على تهشيم قوانين التأويل في الثقافة البشرية، ويبرز الغذامي خمسة أسس تمثل ما يدعوه ب(نحو الصورة) وهي: إلغاء السياق الذهني للحدث، السرعة اللحظوية، التلوين التقنني، تفعيل النجومية وتحويل الحدث إلى نجومية ملونة، القابلية السريعة للنسيان أو إلغاء الذاكرة.

    اجمالا يمكن القول أننا بفعل الثورة التكنولوجية نعيش عصر الصورة, ويعتبر التصوير الرقمى مميزا لحقبة ما بعد الحداثة, حتى قال "بودريان" أن العالم مجرد صورة نقلا عن صورة, نقلا عن صورة, وأصبحنا فى عالم تهيمن عليه الصورة والواقع فى خلفيتها, لم تعد هناك صورة وأصل, بل صور ذات أصول متعددة. انه اذن عالم أزرار الكترونية تجعل المرء يشعر ويحس باحساسات واقعية وهى ليست كذلك.

    لقد أصبح التليفزيون أكثر أشكال الترفيه تأثيرا, حتى لعب دورا فى الحروب, وهناك ما سمى بالحروب التليفزيونية.. وهو ما جعل المفكر "بودريار" يقول: "ان الحرب لم تحدث فى الخليج", وهو يعنى أن الصور التى شاهدها الناس, ليست هى الصور الحقيقية للحرب فى الخليج! فضلا عن حالة الشعور بالظلم التى شعرت بها بعض الشعوب بسبب صور التليقزيون التى تنقل صور الحياة عند شعوب أخرى.

    نظرا لهيمنة الصورة الافتراضية, انتهت بعض الدراسات الى اكتشاف مرض الادمان, وكمثل ادمان المخدرات والمسكرات مضرا, كذلك ادمان مشاهدة التليفزيون.. أو العاب الفيديو وغيرها, وان بدت مختلفة فى العديد من الجوانب.

    ويمكن الاشارة الى بعض الملامح الناتجة عن التطورات التكنولوجية فى عصر الصورة:

    التخوف من أن تحل الآلة محل العامل (حيث التكنولوجيا المتقدمة) – المعلومات أصبحت سلعة مباحة – انخفاض فى تكلفة خدمة المعلومات – حرية التداول وتهميش الاحتكار – التركيز على الترفيه – يقول "بليك" أن مقولة "مكلوهان" بوجود القرية العالمية (فى الستينيات) لم يعد لها وجود منذ التسعينيات, حيث تحول العلم الى مجموعة بنايات بها شقق وبها أناس كثر لا علاقة بينهم ...

    #سلبيات الصورة

    ربما للصورة أهميتها التربوية والتعليمية, وكذا فى عالم الاتصال وفنون سمعية بصرية, ومع ذلك فالسلبيات عديدة ولافته:

    .. هيمنة ثقافة المظهر والشكل والابهار والاستعراض على حساب ثقافة الجوهر والمضمون والقيمة والعمق. حيث تتحول الصورة الى واقع بدلا عن أن تعكس الواقع.

    .. هيمنة الصورة فى صورتها السلبية, يعد معاكس للابداع, وما أحوجنا اليه فى حياتنا اليومية.. وذلك نظرا لهيمنة ثقافة الكثرة والنقل والمحاكاة عن غيرنا.

    .. هيمنة ثقافة صناعة النجوم, وما يستتبعها من أساليب غير أخلاقية.

    .. ما يعرف بجرائم الصورة (جرائم الانترنت) وهى تقوم على الخداع واستخدام الصور المزيفة أو حتى الحقيقية لوقوع الضحية.

    وقد نخلص الى أن "ثقافة الصورة" التى تقوم فى جوهرها على الجديد والخيال وتنشيط الابداع, تحولت الى تخوف من هيمنة ثقافة التكرار واللا ابداع !!

    #ماذا عن الصورة والأدب؟

    لقد أبدع الانسان البدائى كما نبدع, وان كان ذلك بدرجة أقل, حيث عبر عن هواجسه وأفكاره, ان ما رسمه وبقى على جدران الكهوف القديمة, شاهدا حيا. لقد اعتمد على الفطرة أو ما يمكن أن نطلق عليه الموهبة التى يكون البعض تميز بها, وأيضا اعتمد على الذاكرة, وهما معا شرطا من شروط الابداع.

    أوضحت "د.فاطمة البريكى" فى دراسة لها حول العلاقة بين الابداع والأدوات.. أن هناك مرحلتان مرت بهما البشرية قبل مرحلة الأدب الافتراضى.. المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي كانت الأداة الوحيدة المتاحة فيها هي الموهبة، وقد كانت تلك الأداة متناسبة مع طبيعة الحافظة المتوافرة في ذلك الوقت، وهى) الذاكرة البشرية)، التي كانت تعمل على مستوييْن الذاكرة الفردية، وهي ذاكرة الأديب المبدع نفسه. . والذاكرة الجماعية، وهي ذاكرة المستمعين والمتلقين، الذين غالبًا ما يكونون أبناء القبيلة. وهو ما أعان المبدع على حفظ ما أبدعه, ثم لنقل النصوص من جيل الى جيل تالى وربما من مكان الى آخر. وقد أوردت الباحثة مثالان بما تم مع بعض أشعار فترة ما قبل ظهور الاسلام فى الجزيرة العربية.. حيث الأشعار التى تم نقلها شفويا حينا من الزمان تمثل الأشعار التى كتبت بالفترة التى لم يكن يعرف فيها العرب وسيلة حفظ غير "الذاكرة". أما وقد عرفوا الكتابة بماء الذهب, كما عرفوا الكتابة والتدوين, تم كتابة أشعارهم الجيدة بها, وعلقوها على أستار الكعبة بمدينة "مكة".

    كان الورق فيما بعد وسيلة جديدة وجيدة جدا لحفظ ابداعات المبدعين, ولفترات طويل, الى اليوم, على الرغم من وجود أدوات أخرى, آخرها الابداع الرقمى باستخدام التقنيات الرقمية الجديدة, وهى المرحلة الثانية.

    ولم يبق الأمر كذلك أبدًا، إذ انبرى من بين صفوف الأدباء من استطاع التعامل مع الورق (والكتابة عمومًا أيضًا) بوصفه أداة جديدة، يمكن أن تُوظَّف في النص الأدبي لينتج شكل آخر مختلف من النصوص، غير مألوف ولا معروف، يمثل نتاجًا متناسبًا مع الأداة الجديدة التي عرفتها البشرية ولم يحسن الأدباء استثمارها إلا لأداء وظيفة تقليدية. وكانت النظرة المغايرة للبعض تجاه الورق, باعتبار الورق أداة ابداعية, وليس حافظة للابداع فقط. وهو ما قال به "بكرى شيخ أمين فى كتابه – البلاغة العربية فى ثوبها الجديد".. وهو ما أطلق عليه مصطلح (الشعر الهندسي)، وهو مصطلح واحد يحاول به واضعه أن يشمل عددًا من المصطلحات السابقة "الشعر الشجري"، و"الشعر الدائري"، وغير ذلك. في هذا النمط من النصوص الشعرية (الأدبية) يقوم الشاعر بالرسم بالكلمات، فينتج قصيدة على شكل مربع، أو دائرة، أو وردة، أو شجرة، أو غير ذلك، وهو بهذا يستثمر الورق كأداة لينتج نصًا لا يقدم الكلمة فقط، بل الكلمة والشكل أيضًا، سواء كان دور الشكل جوهريًا في النص، أو شكليًا فقط. وهناك محاولات فى مجال القصة والرواية لتوظيف تلك الفكرة, وهى رواية للروائى "محمود الحلوانى", وآخرون. الا ان تلك المحاولات لم يرحب بها, ووسمها البعض بالافتعال والتكلف, وخلوها من روح الابداع المتدفعة الحية.

    المرحلة الثالثة، وتبدأ ببداية معرفة الأديب بالآلة التكنولوجية، ابتداء من الآلة الكاتبة، ثم جهاز الحاسوب أو "الكمبيوتر".. الأولى لم تحدث تغيرا يذكر, أما الحاسوب فهو موضوع دراساتنا لما له من أثر واضح (كأداة) فى الابداع الأدبى.

    فى البداية تمّ التعامل مع الآلة التكنولوجية (الحاسوب) بوصفها حافظة ، تحفظ النصوص، وتساعد في عملية انتقالها، مع سرعة انتقالها, كما أُضيفت لها وظيفة أخرى وهي الترتيب والتنظيم. بعد ذلك، تم التعامل مع الآلة التكنولوجية بوصفها أداة بديلة عن الورق، ومماثلة له في المنتَج، الذي لم يتمكن من مجاراة العصر. فقدموا النصوص الهندسية، والدائرية، والشجرية، وغيرها من الأشكال التي يمكن تقدميها بواسطة برامج الحاسوب، ولكنها في معظمها لا تتميز عند النصوص الورقية إلا من حيث اختلاف طبيعة الوسيط الحامل لها، إذ تغير من الورق في المرحلة السابقة إلى الشاشة الإلكترونية في المرحلة اللاحقة. وانتقلت بذلك من فضاء الورقية إلى فضاء الإلكترونية أو الرقمية على أساس أنها تُكتَب باللغة الرقمية التي تعتمد ثنائية (0/1). واكتسب الأدب المكتوب بالطريقة ذاتها صفة الرقمية، فظهر ما يُعرف باسم (الأدب الرقمي.

    وكان التعامل مع الآلة التكنولوجية بوصفها أداة جديدة للإبداع الأدبي، مما أدى إلى إنتاج أنواع من النصوص الأدبية المتفاوتة فيما بينها بحسب توظيف كل منها للإمكانيات المتاحة بواسطة الأداة التكنولوجية الجديدة فيها. تلك الأنواع: الأدب البصري، والأدب السمعي، والأدب السمعي البصري، والأدب التفاعلي.

    وهذه الأنواع الأدبية الجديدة المبتكرة ليست واحدة ، بل تتعدد بتعدد الوسائط المستخدمة فيها، كما تختلف باختلاف هدف المبدع من اللجوء إلى التكنولوجيا لتقديم نصه من خلالها، وباختلاف مقدار خبرته وعمق تجربته في التعامل معها. وهذا كله يعكس طبيعة العلاقة القائمة عمومًا بين الأدباء المبدعين والوسيط الجديد الذي يفتح ذراعيه بالكثير من الخيارات، ويضعها أمامهم ليلتقط كل منهم ما يؤدي هدفه ويعبر عن حاجته.

    ومع وجود أنواع أدبية كثيرة -نشأت من خلال التمازج القائم بين الأدب والآلة التكنولوجية، وتحول زاوية نظر الأدباء إليها من مجرد حافظة إلى أداة من أدوات الإبداع الأدبي، وهو ما أسفر عن وجود عدد من أنماط الكتابة الأدبية المختلفة.

    هناك العديد من الاسئلة الملحة التى تفرض نفسها فيما نبحث العلاقة بين الصورة والادب الافتراضى :

    هل حان الوقت لأن تنتج الثقافة الرقمية والصورة الافتراضية من خلال عالم الشبكة العنكبوتية إبداعها الخاص؟ وبشكل متتابع (الذى هو الى الآن تجريبى, وأقرب الى المغامرة الأدبية)..هل يوجد قارئ مهيأ للتعامل مع الرواية الرقمية؟ إلى أي حد ستضيف الرواية الرقمية فناً جديداً؟ هل سوف يأتي يوم وتحل الرواية الرقمية محل الرواية الورقية؟؟

    - (الصعوبة) فى أن البعض يرى فى قراءة الرواية على شكلها الرقمي عمل صعب ومرهق وغير مفهوم. وأن الحقيقة تؤكد صعوبة ما فى الكتابة والقراءة معا. الصعوبة فى الكتابة مرجعها, أنها فى حاجة الى المبدع المثابر والمغامر معا. أما المتلقى فترجع الصعوبه عنده الى الاعتياد, فأولئك الذين اعتادوا على القراءة من خلال الكتاب الورقي المطبوع، سيجدون صعوبة في التأقلم مع القراءة من خلال شاشة الكمبيوتر، وهي صعوبة سرعان ما ستزول مع التعود على القراءة من خلال الشاشات. سواء كان الكمبيوتر أو كتابا إلكترونيا، فالمؤثرات البصرية والسمعية المستخدمة تجعل القارئ في حالة من المفاجأة المستمرة، والترقب. إن العصر الرقمي سوف ينتج قارئه الرقمي حتما. فقارئ الرواية الرقمية سوف يجد عالماً جديداً، فيه من التقنيات الفنية ما تقابل مع فنون أخرى غير فنون الكلمة، مثل المونتاج والمكساج والموسيقى التصويرية، والإخراج الفني، بالإضافة إلى توظيف تقنيات الكمبيوتر نفسها.

    يبدو أن الروائي في الرواية الرقمية لم يعد روائياً خالصاً بمعنى أنه يجب أن تتوفر فيه مواهب أخرى كتقنيات الإخراج السينمائي وكذلك مهارة الأدوات التقنية؟ وهو ما رصده "محمد سناجله" فى كتابه "رواية الواقعية الرقمية" في الفصل المعنون ب «اللغة في رواية الواقعية الرقمية:«إنه في اللغة المستخدمة في كتابة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوِى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أن نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة. كما أن الكلمات نفسها يجب أن ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، أي أن الكلمة يجب أن تعود لأصلها في أن ترسم وتصور، وبما أن الرواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان، وهذه الأحداث قد تكون مادية ملموسة أو ذهنية متخيلة فعلى الكلمات أن تمشهد هذه الأحداث بشقيها. وعلى اللغة نفسها أن تكون سريعة، مباغتة، فالزمان ثابت = 1، والمكان نهاية تقترب من الصفر ولا تساويه، ومن هنا فلا مجال للإطالة والتأني، فحجم الرواية يجب أن لا يتجاوز المائة صفحة على أبعد تقدير، ولن يكون هناك مجال لاستخدام كلمات تتكون من أكثر من أربعة أو خمسة حروف على الأكثر، أما الكلمات الأطول فيفضل أن يتم استبدالها بكلمات أقصر تؤدي نفس المعنى إن أمكن. كما أن الجملة في اللغة الجديدة يجب أن تكون مختصرة وسريعة، لا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات على الأكثر. إن ما سبق يعني أن على الروائي نفسه أن يتغير، فلم يعد كافياً أن يمسك الروائي بقلمه ليخلط الكلمات على الورق، فالكلمة لم تعد أداته الوحيدة، على الروائي أن يكون شمولياً بكل معنى الكلمة، عليه أن يكون مبرمجاً أولاً، وعلى إلمام واسع بالكمبيوتر ولغة البرمجة، عليه أن يتقن لغة ال HTML على أقل تقدير، كما عليه أن يعرف فن الجرافيك والإخراج السينمائي، وفن كتابة السيناريو والمسرح، عاديك عن فن . Animation. "

    هذا لا يعني أن يتحول الروائي عن جوهر موهبته، المعنى أو الضرورة تلزم الجميع الآن، وليس الروائي فقط، أن يقتحم الفنون الأخرى، بقدر الحاجة التي من الضروري التعرف عليها. مع الوضع في الاعتبار أن المنفذ الفعلي للتقنيات المهربة الأخرى، ربما مبرمج أو مهندس، أو تقني لفن ما يحتاجه الروائي في روايته (ومع ذلك يلزم أن يكون الروائي متابعاً عن فهم). الرواية الرقمية تعبر عن عالم جديد، خليط بين مفهوم الخيال الرابط ووجهة النظر الخاصة بالروائي، مع استخدام تقنيات أخرى تضيف المعنى وتبرز وجهة النظر للرواية والروائي. وأظن أن تلك الإمكانات المتاحة سوف تخلق موضوعاتها غير تلك التي طرحتها الرواية الورقية. لذا أعتقد أن الزمن سوف يضيف للرواية الرقمية بجهد روادها، حتى قد ننتهي إلى شكل جديد آخر.. مزيج بين ما نعرفه عن الرواية التقليدية، وما أتاحته التقنيات الجديدة والمضافة.. خصوصاً أننا على بداية الطريق.

    هل الرواية الرقمية تعبر عن الإنسان الافتراضي أم أنها تمزج الواقعي بالافتراضي؟

    ان رواية الواقعية الرقمية التى قام بتعريفها "سناجله" تعبر عن الإنسان الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الرقمي كما أنها تعبر عن الإنسان الواقعي ولحظة تحوله إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي يعيش في المجتمع الرقمي.. فرواية "الواقعية الرقمية" هى: تلك الرواية التي تستخدم الأشكال الجديدة التي أنتجها العصر الرقمي، وبالذات تقنية النص المترابط (هايبرتكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة، وتدخلها ضمن البنية السردية نفسها، لتعبر عن العصر الرقمي والمجتمع الذي أنتجه هذا العصر، وإنسان هذا العصر، الإنسان الرقمي الافتراضي الذي يعيش ضمن الرقمي الافتراضي. ورواية الواقعية الرقمية هي أيضاً تلك الرواية التي تعبر عن التحولات التي ترافق الإنسان بانتقاله من كينونته الأولى كإنسان واقعي إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي. "

    الإبداع الأدبي في العصر التكنولوجي، بين التقليد والتجديد

    ظهرت الأنواع الأدبية المعتمدة على الآلة التكنولوجية بتدرج طبيعي، بدءًا من النوع الأبسط، والذي يمكن الزعم بأنه مجرد صيغة إلكترونية (رقمية) للنصوص الورقية الموجودة أساسًا، ثم تدرجت نحو توظيف عناصر أخرى، بالإضافة إلى الكلمة المكتوبة، كالصوت، والصورة، أو الاثنين معًا، في سبيل تقديم نماذج جديدة للنصوص الأدبية، تفيد من العنصر التكنولوجي، ولكن هذه العناصر كانت دائمًا إضافية أو تكميلية، ولم تكن جزءًا أساسيًا في بنية النص، لذلك لم يشعر كثير من المتلقين بحقيقة وجودها. كما أن إمكانية قراءة النص دونها كانت متيسرة، دون أن يفقد النص أي جزء من معناه أو قيمته الفنية.

    ولم تبلغ النصوص الأدبية المتوسّلة بالآلة التكنولوجية المستوى الذي يعبر حقيقة عن العصر التكنولوجي شبه الكامل الذي نعيشه إلا عندما أصبحت تنظر إلى العناصر التي تستعيرها من الفضاء الإلكتروني بوصفها جزءًا أساسيًا في بنية النص، وعنصرًا مهمًا من عناصره يفقد النص، بفقدانه أو تعطيله، جزءًا من قيمته الفنية والمعنوية. ويمكن حصر الحصيلة الأدبية التي نتجت عن إفادة الأدب من الآلة التكنولوجية فيما يلي: الأدب الرقمي، الأدب السمعي البصري، والأدب التفاعلي.

    وقد كتب أحد المهتمين وهو "خالد الرويعي" في كتابه "الإنترنت بوصفها نصًّا" قائلا: "إن النص المستقبلي يعتمد إلى حد كبير على عدد من المزايا التي يمكن حصرها مبدئيًا في تخطيه لحاجزي الزمان والمكان بسرعة لا تقارن بسرعة انتشار الكتاب المطبوع"، إلا أنه أكمل قائلا: انه"يمتاز أيضًا بطواعية كتابته بصورة لا يمكن تخيلها عن طريق (الصورة، الحركة، التأثير والسماع)، كما يمكن إخضاعه لعدد من التجارب بحيث يكون قادرًا على منح منتج النص خيارات عدة". فيما ترى "د.فاطمة البريكى" تعليقا عليه: "يبدو من خلال هذا الكلام العام أن كاتبه لم يفرق فيه بين الأنواع المختلفة التي أفرزها تداخل الفعل الكتابي بالمعطى التكنولوجي؛ فجميع النصوص الرقمية يمكنها تجاوز حاجزي الزمان والمكان بسرعة خيالية. كما أن الكلام السابق يصف النصوص المعتمدة على الصوت والصورة، دون بيان حقيقة توظيفهما في النص، والمساحة التي يمنحها النص المتضمِّن لهذه الأدوات لقارئه/ متلقيه. "

    ويمكن في هذا السياق تقديم تعريفات مبدئية قدمتها الناقدة للمصطلحات التى شاعت بتوظيف جهاز الحاسوب، للتمييز بينها، ولتوضيح أوجه اختلافها عن بعضها، ثم محاولة تصنيفها.

    #الأدب الرقمي هو: الأدب الذي يُقدَّم على شاشة الحاسوب التي تعتمد الصيغة الرقمية الثنائية (0/1) في التعامل مع النصوص أيًّا كانت طبيعتها.

    #الأدب السمعي والبصري هو: الأدب الذي يدعمه مؤلفه بالصوت والصورة والرسوم التي تمثّل الكلمات، بحيث لا يُقرأ النص فقط، إنما يُسمع ويُرى ويُشاهد أيضًا، مما يشكّل تعضيدًا للمعنى وتوجيهًا له أيضًا!. ويمكن أن نجد أدبًا سمعيًا، وهو الذي يوظف الصوت فقط، وأدبًا بصريًا، وهو الذي يوظف الصورة فقط.

    #أما الأدب التفاعلي فهو: الأدب الذي يوظّف معطيات التكنولوجيا الحديثة، خصوصًا المعطيات التي يتيحها نظام (النص المتفرع- Hypertext)، في تقديم جنس أدبي جديد، يجمع بين الأدبية والإلكترونية. ولا يمكن لهذا النوع من الكتابة الأدبية أن يتأتّى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، أي من خلال الشاشة الزرقاء. ويكتسب هذا النوع من الكتابة الأدبية صفة التفاعلية بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقي، والتي يجب أن تعادل، وربما تزيد عن، مساحة المبدع الأصلي للنص، مما يعني قدرة المتلقي على التفاعل مع النص بأي صورة من صور التفاعل الممكنة.

    كما عرّف الناقد "سعيد يقطين"، في كتابه "من النص إلى النص المترابط": ضمن مفهوم الإبداع التفاعل (Interactive Creativity) بأنه "مجموع الإبداعات (والأدب من أبرزها) التي تولّدت مع توظيف الحاسوب، ولم تكن موجودة قبل ذلك، أو تطورت من أشكال قديمة، ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورًا جديدة في الإنتاج والتلقي. "

    يمكن أن نفصل بسهولة بين هذه الأنواع، وأن نصنفها إلى أنواع تقليدية وأخرى تجديدية؛ فالأدب الذي لا يمثل إلا نسخة إلكترونية في مقابل النسخة الورقية للعمل نفسه أصبح نمطًا تقليديًا وكلاسيكيًا من أنماط النصوص الأدبية المقدمة عبر الوسيط التكنولوجي.

    وكذلك الحال مع الأدب السمعي والبصري، الذي يكتفي بتوظيف المعطيات السمعية والبصرية، من صوت وصورة، ثابتة ومتحركة، دون أن يترك مساحة للمتلقي كي يقوم بأي إجراء تفاعلي مع النص. والمواد السمعية والبصرية الموجودة فيه لا تقدم أكثر من توضيح أو دعم أو تأكيد للفكرة النصية التي يريدها المبدع، والموجودة في العمل كتابة، في حين يجب على المتلقي استقبال تلك الفكرة المكتوبة نصيًا، وقبول تأكيداتها السمعية والبصرية التي يلجأ المبدع إليها لتثبيتها في ذهنه أكثر، دون أن يعيَ كل منهما أن هذا قد يصادر حرية المتلقي في فهم النص بالطريقة التي يرغب بها.

    أما النوع التجديدي فهو ما اصطُلح على تسميته بالأدب التفاعلي، وهو الذي يعتمد إلى حد كبير على الحالة التفاعلية القائمة بين العناصر الثلاثة الرئيسية المكونة للعملية الإبداعية (المبدع- النص- المتلقي). والتي تترك لمتلقي النص مساحة لا تقل عن مساحة مبدعه ليسهم من خلالها في بناء معنى النص الذي لا يكون نهائيًا، ولا مكتملاً، إنما في حالة حركة وتجدد ونماء دائمة.

    وفي هذا النوع من أنواع النصوص الأدبية، الذي يمثل آخر ما وصلت إليه العلاقة بين الإبداع الأدبي والوسيط التكنولوجي، يجب أن يتحرر المبدع من الصورة النمطية التقليدية لعلاقة عناصر العملية الإبداعية ببعضها، وأن يتجاوز الآلية التقليدية في تقديم النص الأدبي. كذلك عليه أن يعترف بدور المتلقي في بناء النص، وقدرته على الإسهام فيه، ليقدم بذلك نصًّا حيويًا، تتحقق فيه روح التفاعل، بين عناصر العملية الإبداعية، وهو ما يعبر عن هذا العصر خير تعبير، لأنه قائم على التفاعلية .

    لكن ترى لماذا الأدب التفاعلى؟

    واقع الأدب في العالم عمومًا، وفي العالم العربي خصوصًا، أن الإبداع الأدبي يعاني من حالة إعراض شبه عامة من قِبل الجمهور المتلقي، وذلك نتيجة لعوامل عدة، أهمها توافر الكثير من الملهيات الأخرى الأكثر جاذبية للناس على اختلاف ميولهم وأهوائهم، وانشغالهم بأمور التجارة والرياضة والفن والسياسة، والمشكلات الاجتماعية، وعدم توافر الوقت الكافي للاطلاع على المنتَج الأدبي الذي لم يعد متواكبًا –في نظر الكثيرين- مع العصر، والذي لا يزال يتوسل الطرق التقليدية في الوصول إلى جمهوره. وقد أدرك كثير من المبدعين هذا الأمر، وشعروا بالحجم الحقيقي للفجوة الحاصلة بينهم وبين المتلقي، ورأوا أنهم يتحدثون في وادٍ، والمتلقي في وادٍ آخر، لذلك حاول بعض المبدعين اللجوء إلى الطرق التي من شأنها تقليص هذه الفجوة، ومدّ جسور التواصل مجددًا بينهم وبين المتلقي الذي يحتاج اليوم إلى توافر الكثير من عناصر الجذب في النص الأدبي كي يقبل عليه، فكان توظيف التكنولوجيا هو أفضل طريقة لجذب المتلقي المعاصر، شديد الألفة بها، والتكيف معها.

    ويمكن هنا الاستشهاد بكلام بعض رواد الأدب التفاعلي في الغرب:

    قال "روبيرت كاندل": وهو رائد الشعر التفاعلي، إنه عندما كان يقوم بنشر قصائده ورقيًا، في الصحف والمجلات، لم تكن تلقى إقبالاً يُذكر من الجمهور. وكان عدد الذين يتفاعلون مع نصوصه ويقدمون له تغذية راجعة من خلال تقديم قراءة نقدية، أو التعليق عليها في الصحف، أو الحديث معه مباشرة وتبادل الآراء حول إحدى قصائده لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. ولكنه بعد أن بدأ ينشر نصوصه إلكترونيًا، أصبح يلاحظ تزايد عدد الجمهور المتفاعل مع نصوصه، وأخذ هذا العدد يتزايد بعد أن غيّر من أدواته الإبداعية، وأصبح يحسن توظيف الآلة التكنولوجية لإنتاج نصوص أدبية جديدة تمثل العناصر التكنولوجية جزءًا أساسيًا من أجزائها التي لا يمكن فصلها عنها دون أن تفقد هذه النصوص قدرًا من قيمتها ومعانيها، بحسب ما ذكرته مرح البقاعي في مقالتها (القصيدة الرقمية). وفي بعض نصوص (كاندل) لا يمكن تحقيق فعل التلقي إلا إلكترونيًا، وباستخدام الآلة التكنولوجية وفق مستوى محدد.

    قال "بوبي رابيد": وهو واحد من الذين بدؤوا كتابة الرواية التفاعلية في وقت مبكر من العمر.

    أنه عندما بدأ يضع فصول روايته في موقعه على شبكة الإنترنت لم يكن يتلقى إلا ردودًا قليلة ومعدودة خلال أسبوع كامل. ثم بدأ إقبال الجمهور وتفاعله مع فصول الرواية يتزايد، وأخذ في التزايد حتى أنه بلغ عدة آلاف رسالة تصل على البريد الإلكتروني في الأسبوع الواحد، وهو عبء يفوق طاقة أي إنسان على استيعابه والتعاطي معه كما جاء عند (عبير سلامة، النص المتشعب ومستقبل الرواية) ، ولكن له دلالة إيجابية واضحة، وهي أن الإقبال الجماهيري على النصوص المقدمة عبر الوسيط الإلكتروني، والتي تعتمد على تفعيل دور المتلقي من خلال الأدوات التكنولوجية الموظفة فيها تستطيع استقطاب عدد أكبر من المتلقين، وأن إجراء مقارنة بينها وبين النصوص الورقية، أو النصوص الرقمية، أو حتى النصوص السمعية والبصرية، لن تكون نتائجه إلا في صالح النصوص التفاعلية.

    ولأننا إلى الآن لم نتمكن من إبداع نص أدبي تفاعلي حقيقي، والمحاولات التي قُدّمت في هذا الاتجاه جاءت محبطة للتوقعات، ومخيبة للآمال، لأنها لم تستطع أن تحقق أهم عنصر وهو عنصر (التفاعلية)، فإننا لن نستطيع أن نتكلم على فائدة هذا النمط من أنماط الكتابة الأدبية الإبداعية على تلقي الأدب العربي، ولكننا نستطيع أن نتوقف عند المستوى المتحقق حتى الآن، والمتوافر بكثرة ووفرة لمعظم المتلقين العرب، وهو مستوى المواقع الأدبية والثقافية التي تتضمن منتديات تقوم بتنظيم لقاءات أسبوعية يُناقَش فيها موضوع أدبي أو فكري أو ثقافي، وتتضمن هذه اللقاءات قراءة لنص شعري على سبيل المثال، لأحد الشعراء المشتركين في المنتدى، ثم يقوم الجمهور المتلقي الموجود في هذه الغرفة بالتعليق والنقد على النص مباشرة (online)، وهذا يتضمن قدرًا كبيرًا من التفاعلية في أحد مستوياتها، دون أن نزعم أننا بهذا ننشئ أو نقدم أدبًا تفاعليًا، إذ يظل مفهوم (الأدب التفاعلي) مختلفًا تمامًا عما يحدث في غرف الدردشة حتى إن كانت تابعة لموقع أدبي أو ثقافي.

    وختامًا يمكن إجمال الفوائد المتحققة للأدب بتزاوجه مع التكنولوجيا فيما يلى- (تحبيب الأدب وتقريبه من النفوس. - تشجيع الأدباء الشباب على خوض تجربتهم، وعرض نتاجاتهم الأدبية مستفيدين من التستر خلف قناع الشاشة الزرقاء، مما يخفف من حالة الحياء والهيبة التي قد تتلبّسهم. - فتح خيال الموهوبين على آفاق جديدة للإبداع. )

    #مهم لتقديم الرواية "ظلال الواح قبل شات"

    ( كانت ظلال الواحد تجربة أولى، بها كل ما يكون في التجارب الأولى من براءة ودهشة وحماس وأخطاء أيضاً، في ظلال الواحد كانت أدواتي التقنية غير مكتملة وكذلك رؤيتي لرواية الواقعية الرقمية، أقول هذا الآن، لكن هذا لا يعني أبداً أن ظلال الواحد عمل غير مكتمل فنياً، هو عمل ناقص تقنياً، مثلاً لم استخدم من التقنيات الرقمية الموجودة سوى تقنية الهايبر تكست أو ما يُعرف بالنص المترابط، والقليل من المؤثرات الصوتية والبصرية )

    تجربة «ظلال الواحد» كأول رواية عربية رقمية، فيها كل ايجابيات وسلبيات العمل الأول الرائد في مجاله. إلا أنها تشف وتؤكد أن لصاحبها موهبة إبداعية حقيقية وخلاقة، وهو ما يلفت انتباه أي ناقد أو حتى قارئ عادي.

    الآن أقول إنني أتابع بنفس الدهشة، لأن الكاتب تجاوز نفسه، واستفاد كثيراً من تجربته الأولى. هذا هو الإبداع بالمعنى الحقيقي أو لنقل الفلسفي والجمالي، أن يتجاوز المبدع نفسه.. ودعني أخبرك أنني حرصت على مقولة أعيدها الآن، ان هذا الفن الجديد في حاجة إلى ناقد جديد بل ومتلق جديد.. وأعني بالجديد أن يكون متفتحاً وقادراً على فهم واستيعاب الجديد، بلا رفض مسبق. إلا أنه بلا شك، رواية شات «أكثر تعقيداً من ناحية التقنيات، وقد اكتسب الكاتب خبرة إنتاج رواية «ظلال الواحد من قبل».. ولهذا يجب أن نقف إلى جوار التجربة ككل، ونشجع المواهب الإبداعية في العالم العربي كله، لدراسة التجربة ومحاولة تجاوزها والإضافة إليها.

    شات... رواية واقعية رقمية رائدة لمحمد سناجلة

    أخيرا صدرت "شات" الرواية الرقمية الثانية للروائي الطبيب الأردني "محمد سناجلة". أصدر الروائي منذ أربع سنوات روايته الأولى "ظلال الواحد". وجاءت "شات" معبأة بخبرات تلك السنوات, جديدة وعميقة, ليس على المستوى الاسلوبى واللغوي والمهارات الإبداعية التقليدية, بل وعلى المستوى التقني لإخراجها فنيا. الرواية معده للقراءة على شاشة جهاز الكمبيوتر وليس كالرواية التقليدية. . وتعد متعة بصرية وسمعية وذهنية معا.

    استخدم الروائي "محمد سناجلة" لتحقيق ذلك, برنامج "فلاش ماكروميديا".. وإخراج فني استمر شهرين كاملين, وهى على موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب على الرابط:

    www.arab-ewriters.com

    يذكرنا الإخراج الفني لها بالإخراج الفني للأفلام السينمائية حيث تبدأ الرواية بغلاف رقمي بصري تتساقط فيه الأرقام من أعلى الشاشة إلى أسفلها ثم يظهر عنوان الرواية" شات" متوهجا في منتصف الشاشة.

    "العدم الرملي" هو عنوان الفصل الأول, الذي يفتتح المشهد فيه بلقطة ليل حالك السواد ثم تتضح الرؤية قليلا مع بزوغ الشمس وأشعتها التي تتكسر على صحراء ممتدة مترامية الأطراف، وتتحرك الرمال والكثبان الرملية مع صوت ريح الصحراء لتعطي رؤية مشهدية بصرية كاملة لأجواء هذا الفصل الذي يصور حياة بطل الرواية في العالم الواقعي

    وباستخدام التقنيات الرقمية المختلفة المستخدمة في بناء صفحات الويب وبالذات تقنية النص المترابط( هايبر تكست) ومؤثرات المالتي ميديا المختلفة من صورة وصوت وحركة وفن الجرافيك والأنيميشنز المختلفة يقدم لنا السناجلة رواية رقمية بصرية لم تشهدها الرواية العربية من قبل وتعتبر فتحا جديدا لهذه الرواية وتأسيسا حقيقيا لرواية الواقعية الرقمية كرواية قادرة على حمل معطيات العصر الرقمي والتعبير عنها.

    تدور أحداث الرواية في الواقعين الحقيقي والافتراضي وترصد الرواية لحظة تحول الإنسان الواقعي من كينونته الواقعية إلى كينونته الجديدة كإنسان رقمي افتراضي يعيش ضمن المجتمع الرقمي بتجلياته المختلفة

    تبدأ أحداث الرواية في العالم الواقعي وفي صحراء سلطنة عمان تحديدا حيث يعمل بطل الرواية في إحدى الشركات متعددة الجنسيات وتصور الرواية جدب هذا الواقع وفقره ووحدة الإنسان المفزعة فيه ويعزز هذا الشعور حركة الرمال والكثبان الرملية التي تأتي كخلفية للإحداث مع صوت صفير ريح الصحراء وليلها المدقع وكأنما يريد أن يقول "سناجلة" إن هذا الواقع لا يمكن عيشه أو الاستمرار فيه، هو رعب الوجود الإنساني في العالم الواقعي.

    تنتقل الأحداث إلى العالم الافتراضي بانتقال بطل الرواية من وجوده في العالم الواقعي إلى كينونته الرقمية وولادة الإنسان الافتراضي الذي يعيش في المجتمع الرقمي، وتأتي الرؤية الخلفية البصرية للمشاهد باللوحات الجميلة والمصحوبة بالموسيقى التي يعلو صوتها تدريجيا.. للتعبير عن الوجود الافتراضي الجديد والجميل, الوجود البديل.. عن لحظة الانتقال هذه من الوجود الواقعي إلى الوجود الرقمي/الافتراضي, فبدل الصحراء المجدبة وحركة كثبان الرمال وأنين الريح تأتي المشاهد كلوحات مبهجة مع صوت الموسيقى, وكأنما يريد أن يقول الروائي إن العالم الافتراضي هو الحقيقي الذي يجب أن يكون.

    كما ويتم استخدام مقاطع من أفلام سينمائية لتعميق الأفكار المطروحة حيث نشاهد مقاطع من فيلمي

    American Beauty & The Matrix

    واستخدام هذه المقاطع بذكاء في الرواية, وهو ما أضاف متعة جديدة على الرؤية البصرية الحركية للرواية الجديدة.

    ومن الواضح تماما أن سناجلة يستخدم في هذه الرواية لغة مختلفة تماما عن اللغة التي اعتدناها في الرواية العربية التقليدية وهو يطبق تماما ما قاله سابقا في كتابه التنظيري "رواية الواقعية الرقمية "من أن لغة الرواية الجديدة لن تستخدم الكلمات فقط:

    " في لغة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أنْ نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة"

    تعد رواية "شات" بما أضافته من جماليات وإجادة في التقنيات, مع رواية "ظلال الواحد" السابقة عليها (صدرت عام 2001).. شهادة ميلاد عملية بأننا نشهد الآن في عالمنا العربي, وللمرة الأولى, نشهد ميلاد فن رائد وجديد, حتما سينال ما يستحق من تقدير, بقدر ما بذله الروائي الشاب "محمد سناجلة" من جهد فني وفكري رائد, وربما عصبي أيضا (وقد عايشت شهوره الأخيرة عن قرب).

    وتأتي " شات" لتعزز التجربة وتضيف إليها أبعادا جديدة خصوصا بعد اكتمال الأدوات التقنية لدى الروائي. . وربما تصبح تلك الرواية دعوة إلى المبدعين العرب والنقاد للانتباه لهذا الفن الجديد في جنس الرواية, الذي قد يشي بميلاد جنس أدبي آخر جديد!!

    #فضاءات الإبداع الأدبي في عصر التكنولوجيا الرقمية: الآمال والطموحات

    ومع أن التكنولوجيا أصبحت تدخل في كل شيء حولنا، وأصبحنا في هذا العصر محاطين بها أينما يممنا، إلا أننا لم نتمكن من الإفادة منها في ردم الهوة القائمة منذ زمن بين الأدب والجمهور المتلقي.

    وفي هذا الصدد يمكن اتخاذ خطوات عدّة، تساعد إلى حدّ ما في رأب الصدع القائم، وفي جذب الجمهور المتلقي نحو الأدب بعد أن وجد بدائل أفضل منه في الترفيه عنه والتخفيف من ضغط الواقع اليومي على مختلف الأصعدة. ومنها ما يلي:

    - إقامة ورش فنية للتعريف بالأدب المقدم عبر الوسيط الإلكتروني من جوانبه المختلفة، وبمستوياته المتعددة، حتى لا يظل اللبس قائمًا حول مفاهيمه الكثيرة التي لمّا تستقر عربيًا بعد، متسببًا في زيادة النفور منه.

    - استثمار علاقة الجيل الجديد بالتكنولوجيا لتقريبهم من الأدب، وذلك باستقطاب الأساتذة المتخصصين في هذا المجال عربيًا وعالميًا، وفتح مجال التجربة أمام هؤلاء الشباب، دون أن يكون ذلك في شكل دروس نظرية، إنما في أجواء تطبيقية، تماثل أجواء تعلم لعبة إلكترونية، أو إنشاء موقع، أو ما شابه ذلك.

    - محاولة تقديم الأدب من خلال الوسائل التكنولوجية، حتى إن كان من خلال ترجمة النصوص الأجنبية المتوافرة على الشبكة مجانًا وتقديمها كما هي، لمجرد التعريف بالنمط، ثم تبني المواهب الجديدة والشابة وتوجيهها نحو هذا النوع من الكتابة التي قد تستقطب جمهورًا مقاربًا لهم في العمر، ومتقاربًا معهم في الميول والاهتمامات.



    - (ورقة ألقيت في مؤتمر جامعة فيلادلفيا الثاني عشر «ثقافة الصورة»، 24-27 إبريل 2007م) -
    آخر تحديث: السبت, 11 يونيو 2011 15:47

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 22, 2017 8:41 am