منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    البنية الفنية في سورة (مريم)

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    البنية الفنية في سورة (مريم)

    مُساهمة   في الجمعة نوفمبر 25, 2011 12:12 pm

    [b][center]


    نقد أدبي > سورة (مريم)

    البنية الفنية في سورة (مريم)

    محمد الحسناوي

    shasansh@hotmail.com

    لمعرفة البنية الفنية لسورة (مريم) يحسن إجراء مقارنة سريعة بينها وبين سورة ( طه ) ، وكلتاهما مكية ، لأن السورتين خطاب من الله تعالى إلى النبي محمد عليه السلام ، وهو خطاب معزّز بالقصص أو بالحوار القصصي ، لكن الخطاب في سورة (طه) مخصوص به أولاً شخص الرسول محمد ، لتثبيته في مواجهة الأعداء والخصوم ، ولإيناسه في الوقت نفسه ، فضلاً عن تلقينه ما يحتاج إليه من حجج ومعلومات ، وثانياً يقصد بالخطاب المعاندون من مشركي مكة . أما الخطاب في سورة (مريم ) فالمخصوص به أولاً هم المعاندون المشركون ، وثانياً شخص النبي محمد ، لذلك اختلف البناء في كلتا السورتين .

    سورة (طه) تبدأ بخطاب الله للنبي محمد ، ثم يتضمن الخطاب بعد ذلك قصتي ( موسى) و(آدم) عليهما السلام . أما في سورة ( مريم ) فتبدأ القصص من بداية السورة ، ثم يكون الخطاب الصريح أو المفصل للنبي تالياً بعد ذلك من باب الختام أو التعليق على القصص ، ولذلك كان موضوع السورتين مختلفاً ، أو نشأ عن اختلاف الموضوعين هذا التناول المختلف في البناء و طرق العرض .

    سورة ( طه ) موضوعها ( مهمة النبيّ محمد ووظيفته ) ، على حين كان موضوع سورة ( مريم ) هو ( الوحدانية أو عقيدة التوحيد ) . (1)

    لما كان توجّه الخطاب يقصد به المعاند أولاً في سورة ( مريم ) ، انعكس ذلك على صيغة الضمير الذي يخاطب به النبي محمد ، فهو يرد بين حين وأخر على صيغة ضمير المخاطب (كاف) ( ذِكْرُ رحمةِ ربَّكَ) ( مريم ) (الآية:2) ، أو ضمير الفاعل ( اذكرْ . اذكرْ. اذكرْ ) (الآيات: 16 و41 و51 و54 و56) ، على حين تشيع صيغة ضمير الغائب للجمع (هم ) إشارة إلى المعاندين المشركين .

    المساحات الفنية لمكونات السورة :

    تكاد تكون المساحة متقاربة نصفين بين القصص الحوارية والقسم غير القصصي ، أوالتعليق على شكل خطاب من مجموع عدد آيات السورة (98 ) آية . فعند الآية (58) ينتهي القصص ليبدأ التعليق و الخطاب . وهناك آيات قليلة تخللت القسم القصصي ، تنحو منحى التعليق أو الخطاب ، مثل التعليق على ولادة المسيح وبنوته لمريم ( الآيات 34- 38) ، والآيتين اللتين تتوعدان المشركين بيوم القيامة والحساب ( 39 و40) .

    أما القسم القصصي ، فتوزيعه كان على الشكل التالي :

    - قصة النبي ( زكريا) الآيات من (1- 15 ) .

    - قصة الصديقة ( مريم ) الآيات من ( 16- 37) أي مقدار (21) آية .

    - قصة النبي ( إبراهيم ) الآيات من ( 41- 50) أي ( 11) آية .

    - قصة النبي ( موسى ) الآيات (51- 53) أي ( 3 ) آيات .

    - قصة النبي (إسماعيل ) الآيات ( 54- 55 ) أي ( 2 ) آيتان اثنتان .

    - قصة النبي ( إدريس ) ( 56 و57) أي ( 2 ) آيتان اثنتان .

    أما القسم الثاني غير القصصي ، فيبدأ من حيث انتهى القسم القصصي انتقالاً سلساً . فالآية الأخيرة من القسم

    القصصي لخصت حال الأنبياء والصالحين الهادين المهديين ، وما أنعم الله عليهم : ( أولئك الذين أنعمَ اللهُ عليهـــم من النبيّين من ذُرّيّةِ آدمَ وممّن حملنا مَعَ نوحٍ ومن ذريّةِ إبراهيمَ وإسرائبلَ وممّن هدينا واجتَبَيْنا ، إذا تُتلى عليــــهم آياتُ الرحمانِ خرّوا سُجّداً وبُكيّاً) ( الآية58) ، تتلوها أول آية من القسم غير القصصي لتلخص بالعكس حـــــــال القوم المعاندين مشركي مكة آنذاك : ( فَخَلَفَ من بعدِهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاةَ واتَبعوا الشهواتِ ، فسوف يلقــــــونَ غيَاً ) (الآية59) .

    يتضمن القسم الثاني قضيتين يجادل فيهما المشركون ، هما قضية ( البعث) و(التوحيد) ، يعرضهما من خلال خطاب النبي محمد ، شاهداً عدلاً على أباطيلهم ، وعلى مصارعهم في الدنيا والآخرة ، ومن خلال تصوير البعــــث والعذاب في جهنم . فيكون القسم الثاني قسيما مطابقاً أو مكملاً للقسم الأول ، من حيث كان القســـم الأول عــــــــــن الصالحين والنعيم المقيم الذي يحظون به ، والقسم الثاني عن الطالحين والشقاء المقيم الذي ينزل بهم .

    يتماسك بناء السورة الكلي من تقابل القسمين الأول والثاني ، ومن دوران كل منهمـــــــا حــــول مـوضــــوع (عقيدة التوحيد ) . فالقسم الأول قصصي ، والثاني غير قصصي ، الأول عن الصــالحيــن ، والثاني عــــــن الطالحين ، الأول في الماضي ، الثاني في الحاضر زمن بعثة النبي محمد عليه السلام .

    بنية القسم القصصي :

    تدور قصص الأنبياء الخمسة ( زكريا- إبراهيم- موسى - إسماعيل- إدريس) والصديقة ( مريم ) ، حول صلتهم الوثيقة بالله تعالى ، من حب وطاعة وولاء من جهة ، وحول صلتهم الأسرية (الاجتماعية) بذوي الرحم من أب أو ابن أو أخ من حبّ وبرّ من جهة ثانية . وليس هناك ذكر لمواجهة الأنبياء الصالحين لأقوامهم ، كما هو المعتاد في قصصهم الواردة في سور أخرى . ولعل القسم الثاني من هذه السورة الذي يعكس معاندة مشركي مكة ، يغني عن تفصيل حال الأقوام السالفة ، الذين تمت الإشارة إليهم في ختام السورة أيضاَ : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ ، هل تُحسُّ منهم من أحدٍ ، أو تَسمعُ لهم رِكزاَ ) ( الآية 98) .

    القصص الست للأنبياء والصالحين عرضت ثلاث منها بشيء من التفصيل ( 15آية - 21آية - 11 آية ) ، على حين عرضت القصص الثلاث بإيجاز واضح ( 3آيات -2 آيتان - 2 آيتان ) .

    في القصص الست يوصف الأنبياء والصدّيقة معهم بأوصاف متقاربة :

    فـ (زكريا) عبد صالح : (ذِكرُ رحمة ربّكَ عبده زكريا) (الآية:2)

    و(مريم) امرأة تقية )قالت: إني أعوذ بالرحمن منكَ إن كنتَ تقيّاً) ( الآية18) ، ( يا أختَ هارونَ ..) (الآية:28).

    و(إبراهيم) نبي صِدّيق ( واذكرْ في الكتابِ إبراهيمَ . إنه كان صدّيقاً نبيّاً ) (41) .

    و( موسى ) نبي رسول مُخلَص ( واذكرْ في الكتابِ موسى . إنه كانَ مخلَصاً ، وكان رسولاً نبياً )( الآية 51)

    و( إسماعيل ) نبيّ رسول صادق الوعد ( واذكرْ في الكتابِ إسماعيلَ . إنه كان صادقَ الوعدِ ، وكان رسولاً نبيّاً ) (الآية 54) .

    و(إدريس) صِدّيق نبيّ ( واذكرْ في الكتابِ إدريس . إنه كان صِدّيقاً نبيّاً ) ( الآية 56) .

    وهناك أيضاً صفة التكريم من الله تعالى لكلّ منهم متقاربة :

    فـ( زكريا ) مستجاب الدعاء ( (يا زكريّا. إنّا نبشرُكَ بغلامٍ ..) (الآية 7) .

    و (مريم) تحتها سريّ : نهر صغير كالجدول ( .. قد جَعَلَ ربُّكِ تحتَكِ سَرِيّاً ) ( الآية 24) .

    و (إبراهيم) محتفى به من الله ( .. سأستغفرُ لَكَ ربي . إنه كانَ بي حَفِيّاً ) ( الآية 47) .

    و (إسماعيل) مرضيّ عند ربه ( .. وكان عند ربِه مرضيّاً ) ( الآية 55) .

    و(إدريس) مكرم عند ربه مرفوع مقامه ( ورفعناهُ مكاناً عَليّاً ) ( الآية 57) .

    بعد هذه الصفات الجامعة لهم ، ترد صفات تخص بعضاً منهم ، فأربعة منهم يهبهم الله تعالى هبة نفيسة كالابن أو الأخ :

    ( يا زكريّا إنَا نبشركَ بغلامٍ ، اسمُهُ يحيى ، لم نجعلْ له من قبلُ سميّاً ) ( الآية 7) .

    ( قالَ: إنما أنا رسولُ ربِكِ لأهَبَ لكِ غلاماً زكيّاَ ) ( الآية 19) .

    ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دونِ اللهِ وهبنا له أسحقَ ويعقوبَ وكلاَ جعلنا نبيّاً ) ( الآية 49) .

    ( ووهبنا له من رحمتِنا أخاهُ هارونَ نبيّاً ) ( الآية 53 ) .

    واثنان يصومان عن الكلام :

    هما زكريا ( ... آيتُكَ ألا تُكلّمَ الناسَ ثلاثَ ليالٍ سويّاً ) ( الآية 10) .

    ومريم ( .. . فقولي : إني نذرتُ للرحمنِ صوماً فلن أكلّم اليومَ إنسيّاً ) ( الآية26) .

    وهذان الاثنان يرزقان كل منهما ولداً نبياً ، هما ( عيسى) و(يحيى) ، يتشابه النبيان في عدد من الصفات الكريمة أيضاً :

    كل منهما برّ بأبيه أو أمه ، ويؤتى الحكم صبياً ، لديهما التقوى وأداء الزكاة والصلاة ، فضلاً عن النبوة :

    ( يا يحيى . خذ الكتابَ بقوةٍ ، وآتيناهُ الحكمَ صبيَاً . وحناناً منّا وزكاةً وكان تقياً ، وبرّاً بوالديه ِ ، ولم يكن جباراً عصيَاً ) (الآيات12 - 14) .

    ( قال: إني عبدُ الله ، آتانيَ الكتابَ ، وجعلني نبيَاً . وجعلني مباركاً أينما كنتُ ، وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دمتُ حيَاً . وبرّاً بوالدتي ، ولم يجعلني جباراً شقياً ) ( الآيات 30 -32) .

    وكل منهما يقال له أو يقول بلفظ واحد :

    ( وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ ، ويومَ يموتُ ، ويومَ يُبعثُ حيّاً ) ( الآية 15) .

    ( والسلامُ عليَّ يومَ ولدتُ ، ويومَ أموتُ ، ويومَ أُبعثُ حيّاً ) ( الآية 33) .

    هذه الأوصاف الكريمة لأنبياء الله والصدّيقة مريم ، التي جزاهم الله عليها بمحبته وإكرامه لهم في الدنيا والآخرة ، سوف تقابل في النصف الثاني من السورة بصفات المعاندين المشركين بالله تعالى ، الذين زعموا له ولداً أو شريكاً ، أو كذبوا بيوم القيامة والبعث بعد الموت .

    بنوة المسيح وبشريته :

    قصة الصديقة مريم ، ليست إحدى القصص الثلاث الطويلة أو المفصلة ، بل هي القصة الأطول بينها ، وتزيد على القصة التي تليها بالطول - وهي قصة النبي يحيى - بست آيات ، مع العلم أن قصة النبي زكريا تتحدث عن ولادة النبي يحيى أيضاً ، لكن ليس بالتفصيل الذي تتحدث فيه قصة مريم عن ولادة المسيح ، فلم نسمع النبي يحيى يتكلم كلمة واحدة ، ولم يُخاطب إلا بعبارتين ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ..) (الآية 12) ، على حين تكلم المسيح بخمس آيات ، وهذا وجه من وجوه تسمية السورة بأطول قصصها ( سورة مريم ) . وربما نكتشف أن من أغراض الحديث عن ولادة يحيى بعد كبر أبيه الشيخ زكريا ، وبلوغ أمه سنّ اليأس ( وكانت امرأتي عاقراً ) أي بمعجزة .. نوعاً من التمهيد لمعجزة ولادة المسيح من غير أب .

    زد على ذلك أن المساحة المعطاة لقصة المسيح ثلاث عشرة آية ، ضمن قصة أمه التي لم تزد على ثماني آيات ، فكأن القصة هي قصة المسيح ، وليست قصة مريم عليهما السلام .

    ومرة أخرى نكتشف الحكمة من تفصيل حمل مريم المعجز ، وولادتها للمسيح ، وكلام المسيح نفسه أنه (عبدالله ) ، وأنه يدعو إلى عبادة الله أيضاً ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه ، هذا صراطٌ مستقيم ) (الآية 36) ما ينسجم مع موضوع السورة ( عقيدة التوحيد) ، بنفي الشرك عن الله ، وادعاء المشركين أولاداً له من إناث أو ذكور كالمسيح عليه السلام .

    ولأهمية بنوة المسيح لمريم وطبيعته البشرية في موضوع (التوحيد ) ، لم يكتف السياق بقص حياة المسيح من الحمل إلى الولادة وحتى الموت والبعث يوم القيامة ، بل يخصص خمس آيات تعقيباً على قصة المسيح ، لمناقشة بشريته واختلاف الأحزاب من بعده على طبيعته ، على الرغم من تصريح المسيح بأنه (عبدالله) ، وأن الله هو الخالق والوارث للأرض ومن عليها ، وإليه يرجع البشر جميعاً طوعاً أو كرهاً ، بما فيهم المسيح أيضاً .

    هذا الموضوع المهم ، والتعليق الأهم حول طبيعة المسيح البشرية ، استوجب البروز، ولا سيما في تغيير حرف (الروي ) في فواصل الآيات الخمس ، من حرف الياء المفتوحة العميقة الممدودة الرخية في معظم السورة والقصص ، إلى حرف النون أو الميم الساكنة المستقرة ( يمترون - فيكون - مستقيم ..) . وهو ليس التغير الوحيد في السورة ، بل هو الأبرز ، لأن تحول حرف الروي في أواخر السورة من ياء مفتوحة إلى دال أو زاي مفتوحتين ، ليس بحجم البروز والاختلاف في روي النون أو الميم الساكنتين في الوقف ، ولأن حركة الفتح تقرب المسافة الموسيقية بين مخارج الياء والدال والزاي .

    لفظ عبد :

    ولما كان موضوع السورة ( عقيدة التوحيد ) ، كان من الطبيعي التمييز الدقيق بين ( العبد) المخلوق ، ولو كان نبياً صالحاً ، وبين( الرب) الخالق . ومن صفات (العبد) أن يأكل ويشرب ويصوم ، ويتزوج ، ويولد ، ويموت ويبعث ، وهذا معنى من معاني تفصيل القصص الست في حياة الأنبياء الأسرية : ولادة ، موت ، بعث ، أكل ، شرب ، صوم .

    يوضح ذلك تكرار لفظ ( العبد ) ومشتقاته ( يعبد - عبادة) في السورة (12) اثنتي عشرة مرة ، ولفظ ( الربّ) (17) سبع عشرة مرة ، غير ألفاظ الجلالة والأسماء الحسنى الأخرى .

    ويستوقفنا لفظ (عبد) المشعّ في كلام النبيّ المسيح نفسه : ( قال: إني عبد الله أتانيَ الكتابَ ، وجعلني نبيَاً ) ( الآية 30) ، فعلى الرغم من تقريره حقيقة تاريخية ، يقع هذا القول في نفس بعض الناس موقعاً خاصاً ، لأن المسيح نفسه يقرَ ويعترف بأنه عبد ، وليس كما ادعى له آخرون صفات غير بشرية . .

    قانون النظام والتكرار الجماليين :

    ويستوقفنا عدد من الظواهر الأسلوبية والبنيوية في هذا القسم ، يغلب عليها قانونان من قوانين علم الجمال، هما( النظام ) الذي هو هنا التشابه , و( التكرار ) . ومن اجتماع (النظام) و( التكرار) ظهر كل من ( التساوي والتوازي والتوازن والتلازم ) أيضاً .

    أما التشابه أو النظام فأظهر ما يظهر في روسم (الثيمة) القصصية التي رصدناها في بناء قصص لأنبياء والصدّيقة ( مريم ) ، في حال التفصيل في قصص ثلاث ، أو الإيجاز في الثلاث الأخريات ، ما أسهم في قوة البناء لكل قصة على حدة ، ثم قوة تماسكها مع نظيراتها في المجموعة القصصية أيضاً ، ومما انعكس على التكرار في الأسلوب التعبيري الذي سوف نتحدث عنه ، ومما أتاح للقسم القصصي أن يقابل القسم غير القصصي بشريحة بشرية صالحة ، مؤمنة بالله تعالى ، موحدة مخلصة ، متراحمة بينها ، تتناسل في التقوى ، وتنعم ببركات الله ورحمته في الدنيا والآخرة ، خلافاً للشريحة التي عاندت ، وغيرت وبدلت وأشركت بالله تعالى . وهو ما يصب في موضوع السورة ( عقيدة التوحيد) .

    أما التكرار فنلحظه أولاً في وحدة ( الفاصلة ) ( وإنك لتحسّ لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال. ...كذلك تحسّ أن للسورة إيقاعاً موسيقيَاً خاصاً . فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق : رضيَاً . حفيَاً . نجيَاَ ) . (2)

    وثانياً نلحظه في افتتاح القصص الست ، حيث تكرر عبارة ( واذكرْ في الكتاب) خمس مرات ، مما يفيد التقسيم ، والربط والتناظر بين القصص في الوقت نفسه .

    وثالثاً نلحظه في ألفاظ ( الرحمة) ، يقول صاحب(الظلال) : ( والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال . فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا (ذكرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريا ) وهو يناجي ربه نجاء : (إذ نادى ربه نداء خفيّاً ) .. ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيراً . ويكثر فيها اسم (الرحمن) . ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ودّ ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ) ، ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حناناً ( وحناناً من لدنّا وزكاةً وكان تقيّاً ). ومن نعمة الله على عيسى أن جعله برّاً بوالدته وديعاً لطيفاً ( وبرّاَ بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيّاً ) . ) . (3)

    ورابعاً نلحظ التكرار في مواصفات الأنبياء ، ولاسيما القول : ( والسلام عليّ يوم ولدتُ ويومَ أموتُ ، ويومَ أُبعثُ حيَاً ) (الآية 33) ومثلها الآية (15) ( وسلامٌ عليه يومَ يولدُ ، ويومَ يموتُ و، ويومَ يُبعثُ حيّاً ) ، فهو تكرار أشبه باللازمة ، فضلاً عن تساوي العبارات والجمل وتوازيها في الوقت نفسه ، ما يضفي على الأسلوب والجو إيقاعاً موسيقيَاً خاصاً ‘ فيه السلاسة ، والامتداد واللطف .

    وخامساً في خطاب النبي إبراهيم البارّ ، بأبيه العاصي ، أربع مرات :

    ( يا أبتِ لِمَ تعبدُ ما لا يسمعُ ..)

    ( يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتِكَ ..)

    ( يا أبتِ لا تعبدِ الشيطانَ ..)

    ( يا أبتِ إني أخافُ أن يمسّكَ عذابٌ ..) ( الآيات 42- 45) .

    وفي هذا التكرار ما فيه من انفعال صادق بالبر والحنان والرحمة ، يلائم جوّ السورة ، وقسمها الأول بشكل خاص .

    وهذا لم يمنع من أن يكون لقانون ( التغير) الجمالي دوره إلى جوار التكرار والتشابه ، ونكتفي بالإشارة إلى ثلاثة مواضع منه :

    في البناء كان التفصيل في ثلاث قصص ، فتغير إلى إيجاز في قصص ثلاث أخريات .

    وفي الشخصيات ، كان الآباء صالحين أو أنبياء هداة مهديين إلا والد النبيّ (إبراهيم ) فكان( للشيطانِ وليَاً ) .

    وفي الأسلوب افتتحت قصة النبيّ ( زكريا) بتعديل مغاير لما افتتحت به القصص الخمس الأخرى ، وهو ( ذكرُ رحمة ربّكَ عبدَهُ زكريا) (الآية2 ) ، وفي الانتقال من الجملة الفعلية( واذكرْ في الكتابٍ ) إلى ( الجملة الاسمية من جهة ، وإضافة (الرحمة ) إليها من جهة ثانية ، ما يضفي على الذكر في المرات الخمس الأخرى أنه ذكر من باب الرحمة أيضاً ، ومثل ذلك صفة العبودية في زكريا أولاً ، وبقية الأنبياء بالتالي .

    ومن جماليات هذا (التغير) الأسلوبي في آية الافتتاح (ذكر رحمة ربك عبده زكريَا) أنه يأتلف مع التكرار والتناظر في الوقت نفسه ، مثل قول المسيح ( إني عبد الله..) (الآية 30) ، فوصف زكريا بالعبد ، وبقية الأنبياء من أغراض السورة , قد أشرنا إلى ذلك في حينه ، للتمييز بين( العبد ) و( الرب) ، لأن قول المسيح نفسه عن نفسه ، له خصوصيته ، لتأكيد بشريته وعبوديته ، في وجه الذين يضفون عليه صفات غير بشرية .

    القسم غير القصصي :

    سبق أن اشرنا إلى أن سورة ( مريم) مثل سورة ( طه) خطاب للنبي محمد عليه السلام ، لكن بتناول مختلف ، وطريقة للعرض مختلفة . ففي القسم القصصي ترد إشارات لخطاب النبي محمد بضمير(الكاف) : (رحمة ِربّكَ) (الآية2) ، وضمير الفاعل في(اذكرْ) ( اذكرْ في الكتاب مريم – واذكرْ في الكتابِ إبراهيم َ – واذكر في الكتابِ موسى - واذكرْ في الكتابِ إسماعيلَ – واذكرْ في الكتابِ إدريسَ ) خمس مرات ( الآيات: 16و41 و51 و 54 و 56) . وهو ذكر لطيف ، شغلنا القصص عن الانتباه إليه .

    أما في القسم الثاني غير القصصي فيرد الخطاب للنبي محمد عشر مرات وبتفصيل أوضح :

    ( وما نتنزَّلُ إلا بأمرِ ربّكَ ، له ما بينَ أيدينا وما خلفنا ، وما بينَ ذلكَ ، وما كانَ ربُّكَ نسيّاً ) ( الآية 64) على لسان جبريلَ ، عليه السلام .

    ( ... فاعبدهُ ، واصطبِرْ لعبادتِهِ. هل تعلمُ لهُ سميَاً ) ( الآية 65) .

    ( فوربِّكَ لَنحشُرَنَّهم والشياطينَ ، ثمَّ لَنُحضِرَنَّهم حولَ جهنَّمَ جِثيّاً ) (الآية 68) .

    ( قلْ منْ كانَ في الضَّلالةِ ، فَلْيَمْدُدْ لهُ الرحمنُ مَدّاً ... ) ( 75) .

    ( ويَزيدَ اللهُ الذينَ اهتدَوا هدىً ، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربِّكَ ثواباً ، وخيرٌ مَرَدّاً ) ( 76) .

    ( أفرأيتَ الذي كَفَرَ بآياتِنا ، وقالَ لأَوتَيَنَّ مالاً وولداً ) ( الآية 77) .

    (أَ لم تَرَ أَنّا أرسلنا الشياطينَ على الكافرينَ تُؤُزُّهم أَزّاً ) (83) .

    ( فلا تََعجَلْ عليهم ، إنّما نَعُدُّ لهم عدّاً ) ( 84) .

    ( فإنّما يَسَّرناهُ بِلسانِكَ ، لِتُبَشِّرَ بِهِ المتَّقينَ ، وتُنذِرَ بِهِ قوماً لُدّاً ) ( 97) .

    ( وكم أهلكنا قبلَهم من قرنٍ ، هل تُحِسُّ منهم من أحدٍ ، أو تَسمعُ لهم رِكزاً ) ( 98) .

    هذه الوفرة والوضوح في صيغ الخطاب للنبي محمد ، هي التي أتاحت لنا تسمية القسم الثاني من باب التغليب ( قسم الخطاب ) أو ( الخطاب والتعليق ) .

    ومع ذلك نلاحظ أن خطاب النبيّ محمد في هذا القسم مقصود به أن يكون الرسول شاهدَ عدلٍ على تخرصات المعاندين في الدنيا من جهة ، وعلى مصارعهم التي يستحقونها في الدنيا والآخرة من جهة ثانية ، لأنه (يضيق صدراً بما يقولون) ويعاني في دعوتهم الأمرين . وهل هناك أكبر من أن ينكروا يوم البعث والحساب أو أن يزعموا لله ولداً أو شريكاً .

    الملمح الأسلوبي الآخر في هذا القسم هو تغير حرف (الرويّ) في الفاصلة من (ياء ) مفتوحة عند الآية (74) ، إلى (دال) مفتوحة أيضاً بدءاً من الآية (75) .

    الآيات الخمس عشرة الأولى من هذا القسم استمرت على فاصلة الياء التي كانت في فاصلة آيات القسم الأول ، وقد تضمنت هذه الآيات الخمس عشرة ، الآية الانتقالية من القسم الأول القصصي إلى القسم الثاني ، كما تضمنت كلام( جبريل ) ردّاً على طلب المعاندين ، بأنه لا ينزل إلا بحكمة وأمر من الله ، لا على هوى المعاندين ، ثم تضمنت مجادلة الذي يتساءل معانداً أو مكذباً يوم القيامة ( ويقول الإنسانُ : أإذا ما متُّ لسوفً أُبعثُ حيَاً ) ( الآية 66) ، وفي الرد على تساؤله الإنكاري يبدأُ السياق بالترهيب مع الحجج المقنعة . فمن الحجج ( أولا يذكرُ الإنسانُ أنّا خلقناهُ من قبلُ ولم يكُ شيئاً ) (الآية 67) ، ثم تتوالى آيات التهديد والوعيد ( فوربِّكَ لنحشرنَّهم والشياطينَ، ثم لَنُحضِرنَّهم حولَ جهنَّمَ جِثيَاً . ثم لَنَنْزَعَنَّ من كلِّ شيعةٍ أيُّهم أشدُّ على الرحمنِ عِتِيّاً . ثم لنحنُ أعلمُ بالذينَ هم أولى بها صِليّاً ) ( الآيات 68-70) . فارتفاع لهجة التهديد بالوعيد من خلال الألفاظ ( نحشر- عتيَا- جهنم ) والصور( لم يكُ شيئاً – نحضرنهم حول جهنم جثيَا- ننزعن من كل شيعة أيهم أشدّ عتيَاً ) سوف يضاف إليه في الآيات الباقية ، وهي اثنان وعشرون آية ، قوة وتشديد في حرف ( الدال) في الفاصلة ( مدّاً – جنداً – مردّاً ..) لأن هنا قالة فظيعة ( ( تكادُ السماواتُ يتفطّرنَ منه وتنشقُّ الأرضُ ، وتخِرُّ الجبالُ هدّاً ) ( الآية 90) . وهي ( أن دَعَوا للرحمنِ ولداً . وما ينبغي للرحمنِ أن يتَّخِذَ ولداً ) ( الآيتان 91 و92) .

    يقول صاحب الظلال : ( وتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جلياً في هذه السورة ، فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا : ( ذكر رحمة ربّك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداءً خفيًاً ..إلخ ) ، وتليها قصة مريم وعيسى ، فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه : ( واذكرْ في الكتابِ مريم إذ انتبذتْ من أهلِها مكاناً شرقيَاً . فاتخذتْ من دونِهم حجاباً فأرسلنا إليها روحَنا ، فتمثّلَ لها بشراً سويَّاً .. إلخ ) ، إلى أن ينتهي القصص، ويجيء التعقيب، لتقرير حقيقة عيسى ابنِ مريم ، وللفصل في قضية بنوته. فيختلف نظام الفواصل والقوافي .. تطول الفاصلة ، وتنتهي القافية بحرف الميم ، أو النون المستقرَ الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية ، على النحو التالي : ( ذلك عيسى ابن مريمَ قولَ الحقِّ الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذَ من ولد ، سبحانه، إذا قضى أمراً ، فإنما يقول له كنْ فيكون ..إلخ ) ، حتى إذا انتهى التقرير والفصل ، وعاد السياق عادت القافية الرخية المديدة : ( واذكرْ في الكتابِ إبراهيمَ إنه كان صدّيقاً نبيَاً . إذ قال: يا أبتِ لمَ تعبدُ ما لا يسمع ولا يُبصِرُ ولا يُغني عنكَ شيئاً ..إلخ ) ، حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام ، تغير الإيقاع الموسيقيّ وجرس القافية : ( قل : من كان في الضلالةِ فليمددْ له الرحمنُ مدّاً ، حتى إذا رأوا ما يوعَدونَ إما العذابَ ، وإما الساعةَ فسيعلمون من هو شرٌّ مكاناً وأضعفُ جنداً ..إلخ )، وفي موضع الاستنكار يشتدّ الجرس والنغم بتشديد الدال : ( وقالوا : اتخذَ الرحمنُ ولداً . لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكادُ السمواتُ يتفطّرنَ منه وتنشقُّ الأرضُ وتخرُّ الجبال هدّاً ) . وهكذا يسير الإيقاع الموسيقيّ في السورة وفق المعنى والجو ، ويشارك في إلقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة ، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى ) ( 4) .

    الملاحظ أن الانتقال في فواصل القسم القصصي من ( رويّ ) الياء إلى رويّ الميم أو النون ، سوغته الصيغة التقريرية لإثبات بنوة المسيح عليه السلام ، أما الانتقال من رويّ الياء إلى روي الدال أو الزاي في فواصل القسم الثاني ، فقد حافظ عل حركة الفتح في حركات الرويّ كلها ، مما قرب في وقعها الموسيقيَ ، وأسهم في توحيد الجو نسبياً . وسوف نخصص بحثاً مستقلاً لدور حركة الفتح في الفواصل عامة ، وفي فواصل أربع سور هي ( الإسراء – الكهف –مريم – طه ) إن شاء الله .

    لفظ ولد :

    يستوقفنا في هذا القسم لفظ ( ولد) على لسان الذي كفر وقال : ( لأوتينَّ مالاً و ولداً ) ، أو على لسان الذين افتروا على الله تعالى ( أن دعوا للرحمنِ ولداً ) ، مثلما استوقفنا لفظ ( عبد ) في قول المسيح عليه السلام ( قال: إني عبد الله ) ، لأنها من الألفاظ المشعة .

    فادعاء الكافر المعاند بأنه سوف يؤتى المال والولد بغير تقوى الله وطاعته ، يذكرنا بالمقابل بالنقيض في رزق زكريا ومريم وإبراهيم وإسماعيل بالأولاد الذين رزقوهم نعمة من الله وبركة . ومثلما دعا زكريا ربه أن يرث ولده من بعده ميراثه ، كذلك يورث الكافر المعاند ميراثاً أيضاً ( ونرثه ما يقول ، ويأتينا فرداً ) الآية (80) ، وهي تقابلات تحمل فيما تحمل غير التماسك الفني ، تحمل النكاية والسخرية والوعيد الشديد.

    ومثل ذلك لفظ ( ولد) من كلام المفترين على الله ( أن دعَوا للرحمنِ ولداً . وما ينبغي للرحمن أن يتّخذَ ولداً ) ( الآيتان 91و92) ، فالولد من خصائص الإنسان العبد المخلوق ، كما بينا الحكمة من تكرار ألفاظ العبد والرب من قبل ، العبد الذي يولد ويتزوج وينجب ويموت ويبعث ، أما الله ( الرب) الخالق فتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً . فهنا تقابل آخر ، وهنا أيضاً تكرار يزيد في النكارة والاستهجان والتهديد في الوقت نفسه .

    ومثل ذلك تكرار حجة الخلق ، أو برهان أعادة الخلق ، وتكرار ألفاظه في موضعين في الأقل :

    في إقناع النبي زكريا على قدرة الله تعالى : ( كذلك قال ربُّكَ : هو عليَّ هيّنٌ ، وقد خلقتُكَ من قبلُ ولم تكُ شيئاً ) (الآية 9) ،

    وفي ردّ الله تعالى على الكافر المعاند : ( أولا يذكرُ الإنسان أنّا خلقناه من قبلُ ، ولم يكُ شيئاً ) ( لآية 67) .

    وهكذا ينهض التكرار بدور مؤثر ، سواء في تكرار الألفاظ أو الفواصل ، أو التراكيب في بدايات الآيات أو في تضاعيفها أو في أواخرها ، أوتكرار الآيات ما يشبه اللازمة ، و الروسم ( الثيمة ) القصصية .

    واصطبر لعبادته :

    بعض ألفاظ القرآ ن يتجاوز إشعاعه أو ظلاله السورة التي ورد فيها إلى ساحة القرآن كله ، مثل لفظ ( اصطبر) التي وردت في ثلاث سور، اثنتان منها في خطاب الله للنبي محمد في سورتي (مريم) و(طه) ، والثالثة في سورة (القمر) في خطاب الله لنبيه (هود) عليهما السلام . وقد ورد لفظ ( اصبر) في القرآن على صيغة فعل أمر ثماني عشرة مرة ، وكلها من خطاب الله للنبي محمد يدعوه فيها إلى الصبر على ما يعاني من صدود قومه وأذاهم ، لكن لفظ (اصطبر) فيه زيادة حرف (التاء) المنقلبة إلى ( طاء) ، وكل زيادة في المبنى هي زيادة في المعنى ، أي إن الصبر المطلوب في عبادة الله تعالى أشد وأقوى منه في الصبر على عداوة مشركي مكة ، هو صبر ( على إقامتها كاملة ، وعلى تحقيق آثارها . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وهذه هي آثارها الصحيحة . وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحدّ الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك . و إلا فما هي صلاة . إنما هي حركات وكلمات ) (5) والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر . إنما هي كل نشاط : كل حركة . كل خالجة . كل نية . كل اتجاه . وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دون سواه . (6) ، وهذه العبادة الراقية ركن من أركان (العقيدة ) الذي كان موضوع السورة التي نحن بصددها ، فتصحيح العقيدة عند المسلم وغير المسلم مطلوب ، وهو أنواع ودرجات ، بعضها أرقى من بعض في المجاهدة والمكابدة ، والأنبياء هم القدوة والرواد فيها . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه ، فقلت له : لِمَ تصنعُ هذا يا رسول الله ؟ وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ (7) .

    دلالة خطاب الله لنبيه :

    خطاب الله تعالى لنبيه محمد ليس أمراً عابراً في سورة أو سورتين من سور القرآن ، بل هو ظاهرة في معظم السور ، وهي ذات دلالات متعددة منها الحكم على صدق نبوة محمد ، وأن هذا القرآن موحى به من عند الله تعالى ، وهذا غير ما في الخطاب من تعليم أو توجيه أو حتى عتاب ، فضلاً عن التثبيت والمؤانسة والحب . وقد يكون من المناسب تخصيص دراسة شاملة لهذا الخطاب بمستوياته وأنواعه وأغراضه ، ونكتفي هنا بالإشارة إلى الدلالة على صدق الوحي ، لأنه ليس من مألوف البشر أو الأدب العربي أن يخاطب المتكلم نفسه ذاتاًَ أخرى مباينة كل المباينة ، وليست هي المرة الواحدة بل هي ظاهرة ، فيها الأمر والحزم ، وليس الاضطراب أو الجفول (Cool .

    الخطاب في سورة مريم :

    الحوار في هذه السورة حافل ، ولا سيما ما ورد في القسم القصصي ، وهو خطاب من الله تعالى للنبي محمد ولمعظم الأنبياء المذكورين في القصص الحوارية ، وحتى في الرد على قالة الكافرين ( اتخذ الرحمن ولداً . لقد جئتم شيئاً إدّاً ) ( الآيتان 88 و89) . وهو أيضاً خطاب من الأنبياء لله تعالى ، أو بين البشر أنفسهم ، مما يستدعي دراسة مستقلة . لكن يهمنا هنا خطاب الله لنبيه محمد ، ذلك الخطاب الذي كان شفيفاً في القسم القصصي ، وواضحاً بارزاً في القسم الثاني . وهو على كل حال يشمل السورة بأسرها ، وأما الأساليب القصصية والمحاجة العقلية ، فهي أجزاء تندرج في إطار هذا الخطاب . وهو خطاب يوحّد أقسام السورة في الوقت نفسه .

    أما أغراض هذا الخطاب من الله إلى النبي ، فتستنبط من سياق القسمين القصصي وغير القصصي بشكل عام ، فالقصص عن الأنبياء والصالحين فيها التسلية للرسول والتثبيت في مواجهة مشركي مكة ، وهي في الوقت نفسه ترسم صورة مشرقة للصالحين في علاقتهم فيما بينهم أو في علاقتهم السامية مع الله تعالى ، أما خطاب النبي في القسم الثاني ، حيث مجادلة المعاندين وتصوير مصارعهم في الدنيا والآخرة ، فهو نوع آخر من التثبيت للنبي ، والذود عنه في المواجهة المباشرة مع المعاندين من كفار ومشركين ، بمسمعٍ منه ومشهد . وكل هذه الأغراض لم ينص عليها صراحة في تضاعيف السورة ، لكنها مستنبطة استنباطاً من الدلالات ومعنى المعنى كما يقال .

    فاتحة السورة وخاتمتها:

    العلاقة بين فاتحة السورة وخاتمتها علاقة تكامل ، لا علاقة تشابه ، فالرحمة لعبد من عباد الله الصالحين زكريا( ذكرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريا) (الآية 2) يقابلها ويناظرها ويوازيها ويكملها النقمة للكفار المعاندين ( وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ هل تُحسُّ منهم من أحدٍ ، أو تَسمعُ لهم رِكزاً ) ( الآية 98) .

    الحوار في سورة مريم

    بســــــم اللـــــــه الرحمــــن الرحيـــــــــم

    كـهـيـعـص (1) ذِكرُ رحمةِ ربِّكَ عبدَهُ زكريَـا (2) إذ نادى ربَّهُ نِداءً خفيّاً (3) قــــال : ربِ إني وهنَ العظمُ منّي واشتعلَ الرأسُ شيباً ولم أكن بدعائِكَ ربِّ شقيًّاً ( 4) وإني خِفتُ المواليَ من ورائي وكانتِ امرأتي عاقراً فهبْ لي من لدُنْكَ وليّاً ( 5) يرثُني ويرثُ من آلِ يعقوبَ واجعلْهُ ربِّ رَضِيّاً (5) : يا زكريّا . إنَا نُبشِّرُكَ بغلامٍ اسمُهُ يحيى لم نجعلْ لهُ من قبلُ سَمِيّاً (7) قـــالَ : ربِّ أنَى يكونُ لي غلامٌ وكانتِ امرأتي عاقراً وقد بلغتُ من الكِبَرِ عِتِيّاً (Cool قـــالَ : كذلكَ قالَ ربُُّكَ هو عليَّ هيِّنٌ وقد خلقتُكَ من قبلُ ولم تكُ شيئاً (9) قـــالَ : ربِّ اجعلْ لي آيةًً . قـــالَ : آيتُكَ ألا تُكلِّمَ الناسَ ثلاثَ ليالٍ سَوِيّاً ( 10) ( فخرجَ على قومِهِ من المحرابِ فأوحى إليهم أن سبِّحوا بُكرةً وعَشِيّاً ) (11) : يا يحيى . خُذِ الكتابَ بقوّةٍ . ( وآتيناهُ الحُكمَ صَبِيّاً (12) وحناناً منّا وزكاةً وكان تقيًّاً (13) وبَرّاً بوالِدَيهِ ولم يكن جبّاراً عَصًَِّاً (14) وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبعثُ حيّاً (15) : واذكرْ في الكتابِ مريمَ إذ انتبذَتْ من أهلِها مكاناً شرقِيّاً (16) فاتخذتْ من دونِهم حجاباً ، فأرسلنا إليها روحَنا فتمثَّلَ لها بشراً سَوِيًّاً (17) قالتْ : إني أعوذُ بالرحمانِ منكَ إن كنتَ تقيّاً (18) قـــالَ : إنما أنا رسولُ ربِّكِ لأهبَ لكِ غلاماً زكيّاً (19) قالت : أنَى يكونُ لي غلامٌ ولم يَمسَسني بشرٌ ولم أكُ بغيًّاً (20) قـــالَ : كذلِكِ قالَ ربُُّكِ : هو عليَّ هيّنٌ . ولِنجعلَهُ آيةً للناسِ ورحمةً منّا . وكانَ أمراً مقضِيًّاً (21) ( فحملتْهُ فانتبذتْ بهِ مكاناً قصِيًّاً (22) فأجاءها المخاضُ إلى جِذعِ النخلةِ )قالت : يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا ، وكنتُ نَسياً منسِيًّاً (23) فناداها من تحتِها : ألا تحزَني قد جعلَ ربُُّكِ تحتَكِ سَرِيًّاً (24) وهُزّي إليكِ بِجِذْعِ النخلةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جَنِيّاً (25) فَكُلي واشربي وقَرّي عيناً ، فإمّا تََريِنَّ من البشرِ أحداً ، فقولي: إني نذرتُ للرحمنِ صوماً فلن أكلّمَ اليومَ إنسِيًّاً (26) ( فأتتْ بهِ قومَها تحملهُ ) قـالوا : يا مريمُ لقد جئتِ شيئاً فرِيِّاً (27) يا أُختَ هارونَ ، ما كانَ أبوكِ امرَأََ سَوْءٍ وما كانتْ أُمُّــــكِ بَغِيًَاً (28) ( فأشارتْ إليهِ ) قـالوا : كيف نُكلّمُ من كانَ في المَهدِ صَبيًّاً (29) قـــالَ : إني عبدُ اللهِ آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيًّاً (30) وأوصاني بالصلاةِ والزكاةِ ما دُمتُ حيًّاً (31) وبَرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيًَّاً (32) والسلامُ عليَّ يومَ ولدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعثُ حيًّاً (33) ( ذلكَ عيسى ابنُ مريمَ قولَ الحقِّ الذي فيهِ يَمترونَ (34) ما كانَ للهِ أن يتَّخِذَ من ولدٍ سبحانَهُ . إذا قضى أمراً فإنما يقولُ له: كنْ فيكون (35) : وإنّ اللهَ ربي وربُّكم فاعبدوهُ . هذا صِراطٌ مُستقيمٌ (36) ( فاختلفَ الأحزابُ من بينِهم . فويلٌ للذينَ كفروا من مشهدِ يومٍ عظيم (37) أسمِعْ بهم وأبْصِرْ يومَ يأتوننا . لكنِ الظالمون اليومَ في ضلالٍ مُبين(38) وأنذِرْهم يوم َ الحسرةِ إذ قُضيَ الأمــرُ وهم في غفلةٍ وهم لا يؤمنون(39) إنّا نحن نرثُ الأرضَ ومنْ عليها وإلينا يُرجَعــون(40) واذكرْ في الكتابِ إبراهيمَ . إنه كان صِدّيقاً نبيًّاً (41) إذ قالَ لأبيهِ : يا أبتِ لِمَ تعبدُ ما لا يسمعُ ولا يُبصِرُ ولا يُغني عنكَ شيئاً ( 42) يا أبتِ إني قد جاءني من العلمِ ما لم يأتِكَ فاتَّبِعني أهدِكَ صِراطاً سَوِيًّاً (43) يا أبتِ لا تعبدِ الشيطانَ إن الشيطانَ كان للرحمانِ عصِيًّاً (44) يا أبتِ إني أخافُ أن يَمَسَّكَ عذابٌ من الرحمانِ فتكونَ للشيطانِ وَلِيًّاً (45) قـــالَ : أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيمُ . لئن لم تنتَهِ لأرجُمَنَّكَ ، واهجُرني مَلِيًّاً (46) قـــالَ : سلامٌ عليكَ . سأستغفِرُ لكَ ربي . إنهَ كانَ بي حَفيًّاً (47) وأعتزلُكُم وما تدعون من دونِ اللهِ ، وأدعو ربّي ، عسى ألا أكونَ بدعاءِ ربي شقيًّـــاً (48) ( فلما اعتزلَهم وما يعبدون من دون ِ الله وهبنا لهُ إسحاقَ ويعقوبَ وكلاً جعلنا نبيًّاً (49) ووهبنا لهم من رحمتِنا وجعلنا لهم لِسانَ صِدقٍ عَلِبًّاً (50) : واذكرْ في الكتابِ موسى . إنه كانَ مُخلَصاً وكانَ رسولاً نبيًّاً (51) وناديناهُ من جانبِ الطُّــورِ الأيمنِِ ، وقرّبناهُ نجيّاً (52) ووهبنا لهُ من رحمتِنا أخاهُ هارونَ نبيّاً (53) : واذكرْ في الكتابِ إسماعيلَ . إنه كانَ صادقَ الوعدِ وكانَ رسولاً نبيّاً (54) وكانَ يأمرُ أهلًـــهُ بالصلاةِ والزكاةِ ، وكانَ عندَ ربِّهِ مرضِيّاً (55) : واذكرْ في الكتابِ إدريسَ . إنه كان صِدّيقاً نبيّاً (56) ورفعناهُ مكاناً عليّاً (57) أولئك الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم من النبيّينَ من ذُرّيةِ آدمَ ، وممن حملنا معَ نوحٍ ، ومن ذريةِ إبراهيــمَ وإسرائيلَ ، وممن هدَينا واجتبَينا . إذا تُتلى عليهم آياتُ الرحمانِِ خرّوا سُجَّداً وبُكِيّـــــــــــاً (58) فَخَلَفَ من بعدِهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاةَ ، واتَّبعوا الشهواتِ ، فسوف يلقَونَ غَيّاً (59) إلا مــــــن تابَ وأمنَ وعملَ صالحاً، فأولئكَ يدخلون الجنّةَ ، ولا يُظلمونَ شيئاً (60) جنَاتِ عدنٍ التي وعدَ الرحمانُ عبادَهُ بالغيبِ . إنه كانَ وعدُهُ مأتيّاً (61) لا يسمعونَ فيها لغواً ، ولهم رِزقُهم فيها بُكرةً وعشيّاً (62) تلكَ الجنَّةُ نورِثُ من عبادِنا من كانَ تقَيّاً (63) : وما نَتَنَزَّلُ إلا بأمرِ ربّكَ ، لهُ ما بينَ أيدينا وما خلفَنا وما بينَ ذلكَ ، وما كانَ ربُّكَ نَسِيّاً (64) ربُُّ السماواتِ والأرضِِ وما بينهما . فاعبدْهُ ، واصطَبِرْ لِعبادَتِهِ . هل تعلمُ لهُ سميّـــــــاً (65) ويقولُ الإنسانُ : أإذا ما مِتُّ ، لَسوف َ أ ُخرجُ حَيّاً (66)أولا يذكرُ الإنسانُ أنّا خلقناهُ من قبلُ ولم يكُ شيئاً (67) : فوربِّكَ لَنحشُرَنَّهم والشياطينَ ، ثم لنُحضِرَتَّهم حولَ جهنَّمَ جِثِيّاً (68) ثم لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ أيُّهم أَشَدُّ على الرحمانِ عِتيّاً (69) ثم لنحنُ أعلمُ بالذينَ هم أولى بها صِلِيّاً (70) : وإنْ منكم إلا وارِدُها . كانَ على الرحمانِ حتماً مَقضِيّاً (71) ثم ننجّي الذينَ اتقَوا ، ونــــــــذرُ الظالمينَ فيها جِثِيّاً (72) وإذا تُتلى عليهم آياتُنا بيِّناتٍ ،قــالَ الذين كفروا للذينَ آمنوا : أيُّ الفرقينِ خيرٌ مُقاماٌ وأحسنُ ندِيّاً (73) وكم أهلكنا قبلَهم من قرنٍ ، هم أحسنُ أثاثاً و رِئيا (74) قـــلْ : من كانَ في الضلالةِ فلْيمدُدْ لهُ الرحمانُ مَدّاً . حتى إذا رَأََوا ما يُوعَدونَ ، إمّأ العذابَ ، وإمّا الساعةَ فسيعلمونَ من هو شرٌّ مكاناً وأضعفُ جُنداً (75) ويَزيدُ اللهُ الذينَ اهتدَوا هُدىً ، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربِّكَ ثواباً وخيرٌ مَردّاً (76) أفرأيتَ الذي كفرَ بآياتِنا، وقــالَ : لأوتَيَنَّ مالاً وولداً (77) أطَّلَعَ الغيبَ ، أم اتَّخذَ عندَ الرحمانِ عهداً (78) كلا سنكتبُ ما يقولُ ، ونمُدُّ لهُ من العذابِ مَدّاً (79) ونَرِثُهُ ما يقولُ ، ويأتينا فـــرداً (80) : واتخذوا من دونِ اللهِ آلهةً ، ليكونوا لهم عِزّاً (81) كلا سيكفرونَ بعبادتِهم ، ويكونـــونَ عليهم ضِدّا (82) : ألم تَرَ أنّا أرسلنا الشياطينَ على الكافرينَ تؤزُّهم أزّاً (83) فلا تَعجَلْ عليهم ، إنما نَعُـــــدّ لهم عدّاً (84) يومَ نحشُرُ المتقينَ إلى الرحمانِ وفداً (85) ونسوقُ المُجرِمينَ إلى جهنَّنـــَمَ وِرداً (86) لا يَملكونَ الشفاعةَ إلا من اتَّخذَ عند الرحمنِ عهداً (87) وقـــالوا : اتّخذَ الرحمنُ ولداً (88) : لقد جئتم شيئاً إدّاً (89) تَكادُ السماواتُ يتفطَّرنَ منهُ ، وتَنشقُّ الأرضُ ، وتَخِرُّ الجبالُ هَدّاً (90) أن دَعوَا للرحمانِ ولداً (91) وما يَنبغي للرحمانِ أن يتَّخِذَ ولداً (92) إنْ كلُّ من في السماواتِ والأرضِ إلا آتي الرحمانِ عبداً (93) لقد أحصاهم وعدّهم عدّاً (94) وكلُّهم آتيهِ يومَ القيامةِ فرداً (95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ سيجعلُ لهم الرحمـــانُ وُدّاً (96) فإنما يَسّرناهُ بِلِسانِكَ لِتُبِشِّرَ به المتَّقينَ ، وتُنذِرَ بهِ قوماً لُدّاً (97) وكم أهلكنا قبلَهم من قرنٍ هل تُحِسُّ منهم من أحدٍ ، أو تِسمعُ لهم رِكْزاً (98) .

    * * *

    سورةُ (مريم) إحدى سور(المئين) ، لأن عدد آياتها قارب المئة (98 آية ) ، وهي إحدى السور التي غلب عليها الحوار أو القصص الحوارية ، مثل سور المئين الأخرى ( يونس – هود – يوسف ) ، كما غلب عليها في الوقت نفسه تحريكُ حرف الروي في الفاصلة بالفتح أو ألف الإطلاق مدّاً أو ألفاً مقصورة ، مثل سور( الإسراء- الكهف – طه) .

    من أجل ذلك نخصّ الحوار في هذه السورة بدراسة مستقلة .

    ملامح الحوار في هذه السورة:

    هناك ما لا يقل عن ستة ملامح :

    1 – اتساع مساحة الحوار .

    2 – الواقعية النفسية .

    3 – تنوع الحوار .

    4 – تعدد مستويات الحوار .

    5 - الالتفات في الحوار .

    6 – ظاهرة التكرار في الحوار .

    اتساع مساحة الحوار :

    يشغل الحوار في هذه السورة أكثر من ثلثيها أي /72/ آية حوارية من مجموع آياتها التي تعدّ /98/ آية . في القسم الأول أي القسم القصصي /54/ أربع وخمسون ، وفي القسم الثاني أي غير القصصي نعدّ /18 / ثماني عشرة آية حوارية ، عشر منها خطاب من الله تعالى للنبي محمد عليه السلام ، واثنتان من جبريل للنبي محمد أيضاً ، أما الباقيات أي/ 6/ ست آيات فهي على لسان المعاندين المشركين فرداً أو جماعة. وهي نسبة عالية تسترعي الانتباه .

    الواقعية النفسية لا اللغوية :

    المتكلمون في قصص السورة أو في تضاعيفها ليسوا عرباً حتى يكون حوارهم كلهم باللغة العربية ، كما ( أن القرآن يصوغ جملاً تتناسب مع الشخصيات المتحاورة ، وتصدر عنها صدوراً قد يكون كاشفاً لهويتها في التقرير والمباشرة ، والقرآن لا يسف في لغته إذا كانت الشخصية ضحلة ، بل يأخذ بالواقعية النفسية ، وليس بالواقعية اللغوية ) (9)

    زد على ذلك أن الروسم (الثيمة) القصصية اقتضت فنياً ودينياً التماثل في عدد من صيغ التعبير المتكررة في الحوار، لعل أبرزها ما جاء على لسان عيسى وما نسب إلى النبي يحيى عليهما السلام :

    يقول الله تعالى في يحيى : ( وسلامٌ عليِهِ يوم ولدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبعثُ حيّاً ) (الآية 15)

    ويقول عيســـــــــــــــى : ( والسلامُ عليَّ يومَ ولدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعثُ حيّاً ) (الآية 33)

    مثل ذلك قول النبي زكريا: ( ولم أكن بدعائكَ ربِّ شقيّاً ) (الآية 4)

    وقول النبي إبراهيــــــــم : (..عسى ألا أكون َ بدعاء ربي شقيّاً ) ( الآية 48)

    ثم قول مريم عليها السلام : ( ...ولم يمسسني بشر ، ولم أكُ بغيّاً ) (الآية 20)

    وقول قومها لهـــــــــــــــا: (.. ما كانَ أبوكِ امرأََ سَوءٍ وما كانت أُمُّكِ بغيّا ) (الآية 28)

    فهذه التوافقات ـ بل التكرار الفني في الألفاظ والمعاني والصيغ والتراكيب ليست توافقات مسبقة بين قائليها ، برغم قرابة الرحم ، زد على ذلك البعد الزماني والمكاني بين القائلين ، والفروق الشخصية بين كل منهم ، لكن الغرض الفني ثم الديني في إظهار الشبه بين هذه الشخصيات من خلال التوافق في حواراتها ، هو العامل الموحد لها ، أي البعد النفسي : من إيمان بالله وحبّ له وطاعة وتواصل في الرحم ، وهي القواسم المشتركة بين هذه الشخصيات الكريمة ، تعكسها صيغ الحوار التي نطقوا بها ، أو تحدثت عنهم ، وليس من الضروري أن يكونوا كلهم نطقوها حرفياً على هذا الشكل .

    وهذا لم يمنع من ورود ألفاظ متفرقة ، يمكن أن تكون منقولة عن اللغة الأصلية للمتحاورين ، ( فلفظة <سرِيّاً > معناها في السريانية : النهر الصغير ، وفي الموطن الذي ولد فيه المسيح تكثر الجداول التي تنبثق من عيون الماء التي تنبجس في أشهر الشتاء ، وتجف في الصيف ، إلا إذا امتلأ مخزون المياه الجوفية ... لفظة<سريّ> فيها إيجاز واستئناس بالبيئة ، فلغة البيئة كانت سريانية .. وجرس لفظة <سريّ > تناسب السرية التي كانت فيها مريم ) (10) .

    تنوع الحوار :

    من حيث الأطراف المتحاورة هناك أربعة أنواع من الحوار :

    أ – الحوار السردي أو الأحادي .

    ب – الحوار الجدلي أو الثنائي .

    ج – الحوار الذاتي أو النجوى .

    د – الحوار غير المباشر .

    ومن حيث الأسلوب التعبيري هناك نوعان :

    أ – الحوار التصويري، لنفوس الشخصيات وعواطفها ومواقفها .

    ب – الحوار الحجاجي أو العقلي ، المتضمن قضايا عقلية وبراهين وحججاً متقابلة .

    أما الحوار السردي حيث يخاطب أحد الطرفين الطرفَ الآخر ، فيستمع الثاني ولا يجيب ، أدباً أو خشوعاً أو طاعة أو انقطاعاً أو غير ذلك ، فأكثره ورد في خطاب الله تعالى للنبي محمد .. خطاباً شفيفاً في القسم الأول القصصي :

    ( ذِكرُ رحمة ربِّكَ عبدَهُ زكريَا) ( الآية 2)

    ( واذكرْ في الكتابِ مريمَ ...) ( الآية 16)

    ( واذكرْ في الكتابِ إبراهيمً ...) ( الآية 41)

    ( واذكرْ في الكتابِ موسى ...) ( الآية 51)

    ( واذكرْ في الكتابِ إسماعيلَ ...) ( الآية 54)

    ( واذكرْ في الكتابِ إدريسَ ...) (الآية 56)

    ست مرات في بداية ست فقرات أو قصص ، لدرجة تظن أن المقصود هو القص نفسه ، لا شخص النبي محمد ، لكن المآل نفسه ، ألا وهو سوق القصص للنبي محمد ، فيما يساق وأول ما يساق ، لتسليته وتثبيته فضلاً عن تعليمه ، وفي الوقت نفسه للتعريض بنقيضهم من المعاندين المشركين والكافرين .

    كما خوطب النبي محمد في القسم الثاني من السورة ثماني مرات في الآيات (68 و75 و 76 و 77 و83 و 84 و 97 و 98 ) بشكل وافر واضح ، لا يقصد منه شخص الرسول ، بقدر ما يُقصد منه إشهادُه على تخرصات المعاندين في الدنيا ، أي أن الله تعالى يعلم ذلك منهم حق العلم ، كما يُقصد منه الرد عليهم بالحجج الدامغة ، وبالعقوبات الزاجرة ، في الدنيا والآخرة ، لعلهم ينتهون أو يهتدون .

    ( فوربِّكَ لنحشُرَنَّهم والشياطينَ ، ولنُحضِرَنَّهم حولَ جهنّمَ جِثيَاً )

    ( قل من كان في الضلالة ، فليَمدُدْ لهُ الرحمانُ مدّاً )

    ( ... والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندّ ربِّكَ ثواباً ، وخيرٌ مَرَدّاً )

    ( أفرأيتَ الذي كفرَ بآياتِنا ، وقالَ : لأوتِيَنَّ مالاً وولداً )

    ( ألم تَرَ أنَا أرسلنا الشياطينَ على الكافرينَ تؤزُّهم أزّاً )

    ( فلا تَعجَلْ عليهم ، إنما نعَُدُّ لهم عدّاً )

    ( فإنما يسرناهُ بِلِسانِكَ ، لِتُبشِّرَ بهِ المتقينَ ، وتُنذِرَ بهِ قوماُ لُدّاً )

    ( وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ ، هل تُحسُّ لهم من أحدٍ ، أو تَسمعُ لهم رِكزاً )

    خطاب الله لنبيه في نوعيه : الشفيف في القسم الأول القصصي ، والخطاب الصريح الواضح في القسم الثاني .. هو الإطار العام للسورة ، لأن شخص النبي محمد في معركة الإيمان في العهد المكي .. بالغ الأهمية ، من أجل تسليته ومؤانسته ودعمه وتعليمه وتلقينه ، وطمأنته في الوقت نفسه إلى انتصاره ، وإلى هزيمة المعاندين المشركين في النتيجة ، كمن سبقهم من معاندي الأمم الماضية .

    يضاف إلى ذلك في القسم الثاني ما جاء على لسان جبريل عليه السلام ، خطاباً للنبي محمد أو رداً على المشركين في الوقت نفسه :

    يقول جبريل : ( وما نَتَنَزّلُ إلا بأمرِ ربِّكَ . لهُ ما بين أيدينا وما خلفنا وما بينّ ذلكَ . وما كانَ ربُّكَ نسيّاً . ربُّ السماواتِ والأرضِ ، فاعبدْهُ ، واصطبِرْ لِعبادتِهِ . هل تعلمُ لهُ سَمِيّاً )( الآيتان64 و65).

    والواضح من أغراض هذا الخطاب هو الردُّ على المعاندين الذين يطلبون من النبي آيات ، كما طلب منْ قبلهم من معاندي الأمم السابقة ، منها أن ينزل الله تعالى ملائكة من السماء لتشهد على صدق نبوة أنبيائه، في

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 25, 2017 12:18 am