منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الأسلوبية النصية من خلال مفهوم الانزياح

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الأسلوبية النصية من خلال مفهوم الانزياح

    مُساهمة   في الجمعة ديسمبر 09, 2011 12:50 pm


    الأسلوبية النصية
    من خلال مفهوم الانزياح

    د. جمال حضري


    الجزائر

    (1)

    يستخدم
    مصطلح الانزياح على نطاق واسع اليوم في الدراسات الأسلوبية والبلاغية
    والنقدية واللسانية العربية، مما يعكس قبولا ورضا بما يؤديه من قدرة على
    الوصف من جهة وما يمثله من مناسبة للثقافة العربية تراثا وحداثة، حيث تتسع
    محاولات التأصيل للمصطلح انطلاقا من مصادرة التناسب هذه.

    ورغم
    ما أثاره المفهوم من جدل وما تولد عنه من اتجاهات أثرت الدراسات الغربية
    فإن جهد المثاقفة عند الدارس العربي لم يمتد إلى محاولة استيعاب ذلك الجدل
    الذي يعد توسيعا لأمداء المصطلح بما يهيئه ليشكل نظرية في تحديد ماهية
    الأسلوب.

    في هذه الدراسة
    محاولة تصب في هذا الاتجاه وقد تعقبها أخرى تلقي الضوء على جهود التثاقف
    العربي في محاولته استثمار منظور الانزياح في تأسيس نظرية للأسلوب ومحاولة
    قراءة التراث الأدبي والنقدي العربي في ضوئه.

    عناصر الموضوع:
    1-في البلاغة الكلاسيكية
    2-في الدراسات الحديثة
    الاتجاهات البلاغية الجديدة
    أ-الاتجاه اللساني البلاغي
    ب-اتجاه الشعرية البلاغية
    ج- اتجاه البلاغة والفلسفة
    الاتجاهات الأسلوبية:
    أ-الاتجاه الأسلوبي المثالي
    ب-الاتجاه الأسلوبي البنيوي
    ج-الاتجاه التوليدي التحويلي
    د-الاتجاه الشكلاني


    تعريف إشكالي:
    رغم
    ما تعرض له مفهوم الانزياح من درس وتحليل فإنه لا يزال يرد في معاجم النقد
    واللغة مقترنا بما يثيره من إشكالات، ففي معجم اللسانيات يرد التعريف
    التالي للانزياح:

    "1-حين
    نقارن بين حالتين للغة و نلاحظ في واحدة وجود عنصر في الموضع الذي يشغله في
    اللغة الأخرى عنصر آخر له معنى مكافئ فإننا نحدد انزياحا بين حالتين للغة،
    وهكذا يوجد انزياح بين الفرنسية القديمة rei (le roi) و الذي ينطق[rei ]و
    الفرنسية المعاصرة roi الذي ينطق [rwa]، هذا الانزياح سمح بتشكيل أقسام
    للتنوعات المنتظمة، ونستطيع كذلك تحديد انزياحات جغرافية أو اجتماعية.

    2-حين
    نعرف معيارا، بمعنى استعمال عام للغة المشتركة لعموم المتكلمين، نسمي
    انزياحا كل فعل للقول يظهر منتهكا لواحدة من قواعد الاستعمال، الانزياح
    ينتج إذا عن قرار له قيمة جمالية، الانزياح في أسلوبية معينة يحلل على أنه
    فعل أسلوب"1.

    وفي موسوعة
    علوم اللغة ورد المفهوم مرتبطا بتعريف الصور البلاغية و لذلك جاء متبوعا
    بالاعتراضات الموجهة إلى منظور القاعدة / الانزياح، فمما ورد في الموسوعة
    بهذا الخصوص:"يعتبر الأسلوب أحيانا بمثابة انحراف بالنسبة إلى معيار، ولكن
    لا يمكن القول بأن أسلوب فيكتور هوجو هو انحراف بالنسبة إلى معيار في عصره،
    أولا لأن اعتماد هذا المعيار يطرح مشكلات لا يمكن تخطيها ثم لأن ما يميز
    هوجو ليس بالضرورة ما يميزه عن الاستعمال المشترك"2.

    هذان
    مثالان عن صعوبة الحسم في تحديد مفهوم المصطلح وتحديد مجاله سواء في الوصف
    اللساني أو الوصف الأدبي، وهذا ما يستدعي تتبع المنبت البلاغي للمصطلح ثم
    امتداداته الأسلوبية.

    1-في البلاغة الكلاسيكية:
    ارتبط
    مفهوم الانزياح عند الغربيين بالدراسات البلاغية، ومع أن البلاغة القديمة
    قد تم اختصارها في التعبيرية ELOCUTION) ( فقد عمل الفرنسيون على توسيع
    مداها تحت تأثير الفلسفة والنحو3.

    ويعتبر
    دومارشيه (DU MARSAIS) وفونتانييه (FONTANIER) من أوائل البلاغيين الذين
    اهتموا بإحياء الدرس البلاغي في مجازه وصوره وعلاقتهما بمستويات اللغة، وفي
    حين ركز دومارشيه في دراساته على المعنى من حيث التعدد (la polysémie)
    والترادف (la synonymie) فإن فونتانييه اهتم بالمعنى من حيث علاقته
    بالحقيقة، يقول في تعريفه للمعنى الحقيقي : "يكون لفظ ما في معناه الحقيقي
    في كل المرات التي يكون ما يدل عليه ليس-خصوصا- مدلولا عليه من قبل أي لفظ
    أمكن استعماله في كل المرات، وتكون فيها دلالته أصيلة أولا و متعودا عليها و
    عادية لدرجة لا يمكننا اعتبارها ظرفية أو مجتلبة، و لكن ينظر إليها
    بالمقابل على أنها نوعا ما، إجبارية وضرورية "4.

    فالمعنى
    الحقيقي هو المنبعث من اللفظ المعتاد والضروري والإجباري أما المعنى
    المجازي فهو الذي تحققه الصور التي " تبتعد عن الطريقة البسيطة، عن الطريقة
    العادية والمشتركة للكلام، في الاتجاه الذي نستطيع أن نستبدلها بشيء عادي و
    مشترك أكثر"5.

    فالمعنيان
    الحقيقي والمجازي متقابلان و يعكسان مقابلة بين مستوى بسيط للكلام ومستوى
    يبتعد عنه باستمرار، وبهذا تحدد مجال الدرس البلاغي في المستوى المنزاح عن
    اللغة المشتركة ولكنه تحديد استند في تعريفه إلى مجهول.6

    وسعيا
    إلى بيان هذا المجهول طرح البلاغيون –من وجهات نظر مختلفة- معايير عديدة
    للتفرقة بين الكلام البسيط والشائع أو الطبيعي وبين الكلام المجازي
    (figuré) وذلك في مستوى اللفظ فقط، إذ إن بحوثهم تنصب على المجازات والصور،
    وقد أجمل تودوروف هذه المعايير في أربعة ثنائيات:

    1-منطقي/ لا منطقي:
    فالكلام
    الطبيعي منطقي، أما الكلام المجازي فهو انزياح نحو اللامنطقية، و على هذا
    الأساس اعتبر طلب شيء هو بحوزة من يطلبه صورة، و كذا وصف شيء بتفاصيل كثيرة
    وأفكار فرعية مستوحاة من منبع واحد، وهذه الصورة يوازيها في البلاغة
    العربية الإطناب، فعدّ الإطناب صورة بالنسبة إلى الإيجاز الذي هو أيضا صورة
    بلاغية عند العرب، لكن البلاغيين الغربيين قابلوا الإطناب بالمنطق بينما
    قابل البلاغيون العرب الإطناب و الإيجاز كليهما بالمساواة أو المطابقة.

    ومع
    ذلك فلدى الغربيين صورة الحذف و هي غير الإيجاز و عدوّه صورة لأن جملة
    ينقصها عنصر ليست منطقية، يتضح ذلك في هذا المثال المترجم حرفيا:

    -"ماذا تريدون أن يفعل ضد ثلاثة؟"
    -"أن يموت"
    هذا الجواب غير منطقي، و التركيب الأساسي هو: "ما نريده هو : أن يموت"7
    لكن
    البلاغة الكلاسيكية و تحت وطأة المعيارية أصبحت رهينة هذا المنطق، و عجزت
    عن مسايرة عبقرية اللغة حتى أن دومارشيه يقول:"لا يجب الاعتقاد بأنه يسمح
    بأخذ كلمة مكان أخرى سواء من خلال الكناية أو المجاز، يجب -مرة أخرى- أن
    تكون العبارات المجازية(figurées) قد أجازها الاستعمال، لو قلنا بأن جيشا
    بحريا متكون من مائة سارية أو مائة مجداف بدل مائة شراع من أجل مائة سفينة
    نكون مسخرة، كل جزء لا يؤخذ على أنه كل، و كل اسم جنس لا يؤخذ على أنه نوع
    معين، و لا اسم نوع على أنه جنس، إنه الاستعمال وحده الذي يعطي برغبته هذا
    الامتياز لكلمة دون أخرى"8.

    2-شائع/ قليل الشيوع:
    هذا
    المعيار يجعل من الكلام البسيط غير متضمن للصور النادرة، فعباراته شائعة
    ومشتركة ومألوفة، بينما يقابله الكلام المجازي حيث الصورة النادرة البعيدة،
    يقول فونتانييه: " نستطيع الإثبات بألف مثال بأن الصور الأكثر جرأة …تكف
    عن أن تكون منظورا إليها كصور حينما تصبح مشتركة معتادة"9 و لم يصمد هذا
    المعيار الهش إذ هاجمه دومارشيه بقوله: " إذا كانت الصور تبتعد كثيرا جدا
    عن الكلام العادي للناس، فإنه -عكس ذلك- تكون طرق الكلام دون صور هي التي
    تبتعد عنه إذا كان خطاب ليس فيه إلا عبارات غير مجازية ممكنا"10. الشيوع و
    الندرة ليسا معيارين صلبين، إذ ليست التعبيرات النادرة كلها صورا كما أن
    الصور ليست دائما نادرة و دومارشيه لا يعتبر وفرة الصور أو ندرتها معيارا
    صحيحا حتى أن الكلام دون صور هو النادر بينما الكلام العادي هو الحامل
    للصور عادة.

    ولذلك عدل
    فونتانييه عن هذا المعيار إلى آخر يعتد بالكثرة النسبية، وهو وجود عبارات
    ذات صور أقل شيوعا من عبارات لها نفس المعنى، فالكلام المجازي يفارق الكلام
    الطبيعي من خلال عبارات أقل شيوعا من عبارات لها نفس معناها في الكلام
    الطبيعي.

    ومثال ذلك: الرجل
    الكريم يوصف بـ:"أخو حاتم" و بـ:"ريح مرسلة" فالعبارتان كلتاهما مجازيتان
    ولكن وجود الأولى في كلام لا يعني أنه مجازي لأن الصورة شائعة بينما
    العبارة الثانية الأقل شيوعا بالنسبة إلى الأولى فتدل على أن الكلام
    الواردة فيه مجازي.

    3-القابلية للوصف/ عدم القابلية للوصف:
    هذا
    المعيار وضعه دومارشيه وعلق عليه بالقول: " طرق الكلام التي لم
    يلاحظوا-النحويون والبلاغيون- خصائص أخرى غير معرفة الفكرة تسمى جملا أو
    عبارات أو أدوارا (périodes) ولكن التي تعبر ليس فقط عن الأفكار ولكنها
    أفكار ملفوظة بطريقة خاصة تعطيها صفة خاصة بها هذه الأخيرة تسمى صورا"11.

    فالخطاب
    الذي يعرض أفكاره من غير صور هو خطاب غير مرئي وشفاف وغير موجود فيصبح
    مستحيل الوصف وهو مستوى الكلام العادي والمشترك، بينما الخطاب المجازي هو
    خطاب يعرض أفكارا في صور مخصوصة كرسوم فوق تلك الشفافية مما يجعل هذا
    الخطاب مرئيا وموجودا وبالتالي قابلا للوصف " إن وجود الصور يعادل وجود
    الخطاب" 12، فالخطاب يصبح من خلال البلاغة موجودا بينما ينطمس حين يكون
    إبلاغيا يوصل أفكاره فقط.

    رغم
    أن هذه النظرة تبرز الصور مثل لباس مضاف إلى الخطاب و زينة فوقية –كما هي
    الحال عند البلاغيين العرب- فإن الشعرية الحديثة أفادت من هذا التصور كثيرا
    في تحديدها للخطاب الأدبي من خلال ثنائية الثخونة (opacité)/ الشفافية
    (transparence) وهو ما يبرزه تودوروف بالتفرقة بين الخطاب الشفاف الذي لا
    يهدف إلا ليكون مسموعا والخطاب الثخن الذي يكون مغلفا بصور تجعله مدركا في
    ذاته لا يحيل إلى أي شيء خارجه فهو مكتف بذاته و"كل الملفوظات اللغوية
    تتموقع في فضاء ما بين القطبين مقتربة بقليل أو كثير نحو هذا أو ذاك"13.

    4-حيادي/ قيمي:
    يجب
    التفرقة من خلال هذا المعيار بين ما هو واصف وحيادي و بين ما هو محدِّد،
    وعلى هذا الأساس تكون الصورة محددة غير حيادية، تأتي بامتيازات و بخواص
    إيجابية للخطاب كتجسيد للمجرد، و تحقيقا للتناغم بين التعبير والفكر، و هذا
    الاشتراط هو ما دفع البلاغيين إلى التمييز بين استعمال يشوه الخطاب و آخر
    يحسنه فيما أطلقوا عليه الصورة والخطأ، مع أن كليهما يمثل الوجه المقابل
    للتعبير الصحيح و المعياري. فالصورة هي –على هذا الأساس- خرق لقاعدة، و
    مجال هذا الخرق هو بين اللانحوية و اللامقبول في لغة ما، يعلق فونتانييه
    قائلا: "عبقرية اللغة .. تسمح أحيانا بالانزياح عن الاستعمال العادي أو
    بتعبير أفضل تسمح و تقر استعمالا ليس هو الاستعمال المشترك والمعتاد، وإن
    لم تجز أبدا فوضى حقيقية، تستطيع على الأقل إجازة نوع من التغيير في
    الانتظام، انتظام أو تسوية جديدة و جد خاصة "14.

    لكن
    هذه المعايير التي وضعت لتمييز الكلام المجازي عن الطبيعي هل هي صالحة
    بالنسبة للكلام الشعري؟ و بتعبير آخر-كما يتساءل تودوروف- هل يتماثل الكلام
    الشعري مع الكلام المجازي؟ و إن كان الجواب سلبيا فما العلاقة بينهما؟

    أجاب
    البلاغيون بالنفي15، لأن التجربة أثبتت وجود شعر بلا صور، كما توجد صور أو
    كلام مجازي خارج الشعر و على حد قول فونتانييه:"صور الخطاب ألا تنتمي إلى
    كل أجناس الكتابة؟ ألا تنتمي إلى الشعر مثل الخطابة، و إلى الأسلوب الأكثر
    اشتراكا كما إلى الأسلوب الأرفع، يفهم من ذلك أن المجاز ليس قاصرا على
    الشعر و أن الشعر لا يعني المجاز أو الكلام الصوري(figuré) "16.

    أما
    السؤال الآخر الخاص بالعلاقة بين الكلام المجازي و الشعر فلم يجب عنه
    البلاغيون ولكن التقسيم الذي أجراه رادون فيلييه (RADON VILLIERS) يتضمن
    إجابة ضمنية حين جعل الصور المجازية قسمين17: صور الاستعمال و تكون معجما
    مشتركا بين الكلام المجازي والكلام الشعري (وهي مجازات اللغة) و مجازات
    الابتكار أو مجازات الكاتب و تمثل الابتكار الفردي، فتقاطع المستويين يكون
    في مجازات اللغة بينما تبقى صور الابتكار خاصة و فردية ينصح فونتانييه بعدم
    استعمالها، و يرى فوق ذلك –مثل بلاغيي عصره- أن مجازات اللغة مقننة فلا
    يمكن استعمال أي صورة في أي غرض بل يجب احترام التفرقة العرفية لدرجات
    الأسلوب واختلاف الأجناس الأدبية وكذا اختلاف المواضيع، إذ لكل موضوع معجمه
    الخاص به.

    ولكن تودوروف
    يرى أن الإجابة لا تزال غائبة، خاصة و أن الملاحظ هو ظهور الكلام المجازي
    في الشعر- عادة- بقدر أكبر، و كذا عن التشابه و الاختلاف بين الكلام
    المجازي و الكلام الأدبي ويحاول بناء على وجود هذه الثغرة أن يقدم تصوره
    للصورة والخطاب الأدبي من الناحية الوظيفية والإحالية (fonction et
    référence)، فالصورة هي الثخانة و وظيفتها هي إبراز الخطاب ذاته و ليس
    دلالته، و الكلام الأدبي يهدف إلى جعل الأشياء الموصوفة حاضرة و لا يبرز
    ذاته، فتودوروف يفرق بين ثلاث مقولات18: الخطاب الشفاف والخطاب الثخن و
    اللغة الأدبية، فالخطاب الشفاف –حيث تغيب الصور- تحضر فيه الأشياء التي
    يتكلم عنها، أما الخطاب الثخن فهو الذي يجسد الحضور المادي للكلمات من خلال
    حضور الصور، و اللغة الأدبية ميزتها غياب الأشياء و تصبح الكلمات بلا
    مرجعية خارجية ( على عكس الشفاف حيث حضور الأشياء، والثخن حيث حضور
    الكلمات) ولكن تكتسب إحالة متخيلة:

    -فالخطاب الشفاف (المشترك) توجد فيه إحالة واحدة في التلفظ (حال النطق) و في الملفوظ (بعد النطق).
    -أما
    الخطاب الأدبي (الشعري مثلا) فإن الإشارة إلى المرجع (في حال التلفظ) و
    أدوات الإحالة (في الملفوظ) معزولتان و القارئ هو الذي يثير الثانية (أي
    الإحالة في الملفوظ).

    وبفعل
    هذه الإحالة المتميزة يكون موقف قارئ الأدب متميزا حسب بلانشو(BLANCHOT):
    "معنى الكلمات يعاني نقصا أساسيا وبدل رفض كل إحالة مجسدة إلى ما تعنيه
    مثلما هو في العلاقات المعتادة، يتجه إلى طلب التحقق، إلى إثارة شيء أو
    معرفة محددة تؤكد محتواه"19، فالخطاب الأدبي إذا يعوض غياب المرجع –الحاضر
    في الخطاب المشترك الشفاف- بالإحالة التخييلية و بالتالي يستبدل المعنى
    المجرد (في حال الملفوظ) بمعنى مثار.

    من هذه التفرقة النظرية يخلص تودوروف إلى ثنائيتين متقابلتين:
    -كلام مجازي يقابل الشفاف ليجعل الكلمات حاضرة
    -كلام أدبي يقابل المشترك ليجعل الأشياء غائبة من خلال إحالة متخيلة حيث المشترك يميل إلى التجريد.
    فوجود خصم مشترك يعني قرابة الكلام المجازي و الكلام الأدبي.
    إن
    الأدب من خلال الصور يحاول محو المعنى النقي (pur) الذي أخذته الكلمة في
    الاستعمال اليومي (محو الدلالة المجردة) و مع ذلك فإنه يرى أن هذا الفصل
    يبقى هشا ليعكس العلاقات المتداخلة بين الأدب والكلام.20

    هذه
    الأفكار و إن كانت منصبة في البلاغة القديمة على اللفظ باعتباره صورة، إلا
    أنها لفتات مهمة في دراسة النص، و لذلك بقيت معايير صالحة أعاد البلاغيون
    الجدد إليها الحياة مع استغلال المقولات والإجراءات اللسانية، مما أمكن معه
    دراسة مستويات النص: صوتيا ومعجميا وتركيبيا ودلاليا واستغلال المنظور
    البنيوي من خلال مفاهيم السياق والتضافر والتوازي والمزاوجات (couplages)
    وغيرها من المقولات التي نقلت مفهوم الانزياح من مستوى اللفظ-الصورة إلى
    مستوى النص المنزاح كليا.

    2-في الدراسات الحديثة:
    حين
    يكون الحديث عن الشكلانية أو الأسلوبية أو النقد الجديد كمنطلقات لدراسة
    اللغة الأدبية فينبغي ألا ينسى أن أصحاب هذه الاتجاهات كانوا يتحركون داخل
    نماذج موروثة ولعل أكثرها تأثيرا هو نموذج البلاغة21.

    ذلك
    أن البلاغة كانت هي علم الخطاب الشفهي، نظرا للوظيفة الاجتماعية التي كان
    يؤديها الخطباء في الديمقراطية اليونانية، ولكنها تراجعت لتصبح علم تحسين
    لغوي، فبعد أن كانت علما للنص أصبحت علما للكلمة، بل إن المتأخرين لم يروا
    فيها إلا قائمة من الوسائل التزيينية، و مع ذلك فقد اتضح كيف أن هذه
    البلاغة قدمت الأساس الذي ميز اللغة الأدبية عن اللغة العادية من خلال
    الصورة كأداة، وزيادة على ذلك فإن البلاغة قبل انحسارها –حين كانت علما
    للخطاب- وفرت أسسا هامة من خلال تناولها لثقافة المرسل (الخطيب) و موقف
    المتلقي أو السامع(الإقناع)، و هي بهذا التناول للخطاب والمرسل و المتلقي
    قدمت أفقا لما تصبو إليه الدراسات الأدبية المعاصرة كالتداولية مما يعيد
    البلاغة إلى الميدان بكل أبعادها.

    إن
    البلاغة الكلاسيكية –ذات الجهد التصنيفي- تمد الدراسات المنصبة على اللغة
    الأدبية بآليات متنوعة لمعالجة المستويات المختلفة، كما توفر المنظور لرؤية
    ما هو أدبي و فهمه وفق نموذج موروث مبني على أساسين:

    -وصف
    اللغة الأدبية من داخل اللغة نفسها، فقد طرحت البلاغة فكرة مقابلة اللغة
    الأدبية باللغة العادية البسيطة حيث تشتركان في القاعدة النحوية و الصرفية و
    تفترقان من خلال عمليات تعديل ذي غاية جمالية (زيادة، حذف، تحويل).

    -طرح
    مسألة الانزياح كنتيجة لمقابلة اللغة البلاغية باللغة العادية (القاعدية
    أو النمطية) فمن نموذج الصورة اللفظي انسحب مفهوم الانزياح ليسم اللغة
    الأدبية بالابتعاد عن القاعدة المعيار(المشتركة) وقدمت البلاغة بعض أدواته
    انطلاقا من مقابلة الكلام المجازي بالكلام البسيط (الطبيعي).

    هذا
    المنظور سيشكل القاسم المشترك لكثير من نظريات الشعر العاصرة، وسيتبين
    بتناولها مفهوم الانزياح لديها، و أثر الأسس البلاغية فيها و الأهم من ذلك
    أن مفهوم الانزياح هو الواسطة التي شدت البلاغة الكلاسيكية إلى النظريات
    الحديثة و المعاصرة ثم لعله من أهم العوامل في بعثها الحالي من خلال
    البلاغة الجديدة و نظريات علم النص.

    والبداية تكون باتجاهات حافظت على النزعة البلاغية و بحوثها وهي:
    -الاتجاه
    اللساني البلاغي، و يمثله مولينو و تامين (JEAN MOLINO et JOELLE GARDES
    TAMINE) في كتابهما "المدخل إلى تحليل الشعر" 22(Introduction à l’analyse
    de la poésie)

    -اتجاه الشعرية البلاغية و يمثله جون كوهن (JEAN COHEN) خاصة من خلال مؤلفه "بنية اللغة الشعرية"23(Structure du langage poétique)
    -اتجاه البلاغة و الفلسفة، و يمثله بول ريكور (PAUL RICOEUR) من خلال كتابه "الاستعارة الحية" 24(La métaphore vive).
    الاتجاهات البلاغية الجديدة:
    أ-الاتجاه اللساني البلاغي:
    ينطلق
    المدخل من التمييز بين لغة الشعر و اللغة الجارية (Langage Courant /
    langage poétique) و هذا التمييز ينبني على مصادرة نشوئية ترى أن الشعر
    "ينشأ من تطبيق الإيقاع على الكلام"25 مما يعني "أن الشعر لا يختلط بالكلام
    و لا يتعايش مع الكلام و ليس مظهرا أو وظيفة خاصة للكلام .. إنه الكلام
    مضافا إليه شيء آخر ليس لسانيا بالضرورة ..إن الشعر ليس بناء، إنه ثمرة
    بناء"26 كما ينبني هذا التمييز على الترميز، فالصور المختلفة تدفع الانزياح
    عن اللغة الجارية إلى الذروة بهدف تشكيل عالم مواز للعالم الحقيقي، عالم
    ناشئ عن كلام ثان يضاعف الكلام المشترك27. و خارج الإلزام الوزني و
    الإيقاعي تتميز لغة الشعر عن اللغة الجارية بمعجمها خاصة و-جزئيا- بصيغها و
    تراكيبها28.

    من هذا
    التمييز ينشأ تصور خاص للأسلوب باعتباره نتيجة اختيار و إقصاءات بين أساليب
    ممكنة مختلفة، هذا الاختيار الواعي بقيمة الكلمات هو سمة مميزة للشعر عن
    غيره.

    وحافظ المدخل –كما
    فعلت البلاغة القديمة- على تراتب الأساليب حتى عدّ الشعراء فئة خاصة لها
    لغتها (في نظرة إلى تعدد اللغات في الأمة الواحدة) ، من هنا يتدرج الأسلوب
    من كونه نظاما للتعبير يكرسه المجتمع إلى طريقة خاصة للتعبير إلى كونه
    مجموعة خصائص لشاعر معين كالمفردات و الصور البلاغية التي يستعملها .

    و
    في تناوله للانزياح ينطلق التعريف من الدرس البلاغي القديم "في البلاغة
    الانزياح مزدوج يقاس من جانب إلى البساطة و من جانب آخر بالنسبة إلى النمط
    المحايد للتعبير"29، فمن منظور بلاغي يتحدد الانزياح إلى معيار ثابت لا
    يجوز المساس به و من منظور تكويني ينظر إليه على أنه مسافة أو قطع في
    الزمان إزاء معيار تكويني تنشأ عنه الغرابة و البداهة و الابتكار، كما يتم
    تحديده بالنسبة إلى السياق المباشر المتصل به فيعطي الجسارة اللغوية أو
    الأثر الأسلوبي بإحداثه الانقطاع في نسيج الخطاب، فيتفرع الانزياح إلى:

    -انزياح سكوني: باعتباره بعدا عن التعبير المشترك
    -انزياح حركي: باعتباره قفزة إلى المبادهة
    -انزياح سياقي: باعتباره شذوذا دلاليا30
    إن
    الأثر البلاغي واضح في المدخل خاصة من خلال عمليات التبديل الأربعة:
    الإضافة والحذف والتبديل في الترتيب و التحوير (إضافة+حذف) و الثلاثة
    الأولى تتماشى و عمليات التأليف في مستوى التركيب"إن البلاغة بذلك كله هي
    بمثابة مخبر طبيعي، يضع تحت تصرف العالم الألسني ظواهر و عمليات تساعده في
    بحثه الخاص لأنها على صلة وثيقة بالظواهر و العمليات التي يستعملها"31

    يدرس المدخل من منظور الانزياح : صور البناء و فيها:
    *انزياح بلاغي:
    -الإيجاز بالحذف(Ellipse)
    -حذف كلمات مستخدمة سابقا (Zeugme)
    -فصل الجمل (حذف أدوات الربط) (Asyndète)
    *انزياح شعري:
    -الدمج أو الإدغام (Insertion)
    -المحو أو الإضمار(Effacement) -التبديل أو التغيير(Permutation)
    صور الأسلوب وفيها:
    *صيغ الخطاب: فالكلام إما و صفي يصف العالم كما هو حقيقة: التقرير (Assertion)
    أو تأثري يقدم العالم من خلال الذات (Interrogation .Ordre… )
    *أفعال الكلام: الطلب و الاحتجاج و الأسف(Demander, Se Plaindre)
    صور الألفاظ وفيها:
    -المجاز و الكناية (Synecdoque et métonymie)
    -الاستعارة (métaphore)
    -استعارة-تشبيه(Métaphore-Comparaison)
    -استعارة-صورة(Métaphore-Image)32
    إن
    الانزياح يمر بمرحلتين كي يحقق تحرره، الأولى تحرر من القيود المفروضة على
    اللغة كيفما كانت ثم مرحلة خلخلة المعاني "إن الشاعر حين يخرق تلك القواعد
    التي فرضت عليه، فإنه يكون على وعي بذلك، إنه لا يكتب أي شيء، إنه خبير و
    مبدع للغة، يعيد إنتاجها كما يعيد بناء القواعد، لأن تلك الانزياحات إذا ما
    تأصلت تصير قواعد"33.

    ب-اتجاه
    الشعرية البلاغية: الكلام الجاري عند كوهن هو النثر، و الشعر ابتعاد عنه،
    مع أن هذه المقابلة لا تعرف الشعر و لكن "تقول لنا ما ليس هو"34.

    ولترسيم هذه المسافة يرى كوهن أن الشعر يحلل في مستويين، يتميز فيهما عن النثر و هما:
    -المستوى الصوتي، وفيه خصائص مميزة للشعر وهي مشفرة وتظهر للوهلة الأولى (النظم/Versification).

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 1:15 pm