منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    التأويلُ ومتخيَّلُ النصِّ قراءةٌ تفكيكية في رواية

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    التأويلُ ومتخيَّلُ النصِّ قراءةٌ تفكيكية في رواية

    مُساهمة   في الأحد ديسمبر 25, 2011 1:37 pm


    [center] التأويلُ ومتخيَّلُ النصِّ قراءةٌ تفكيكية في رواية (كواليس القداسة)

    لسفيان زدادقة(*) لـــ عبد الغني بارة- الجزائر

    في المهاد النظري:‏

    [size=21]إنّ
    الولوج إلى عالم النصّ رحلة إلى مجاهيله وطبقات الغياب فيه، فهو، أي
    النصّ، على حدّ تعبير "محمود درويش": "أغنية ترسي لتعرف نفسها قانون غبطتها
    وترحل ولا شيء يعنيها سوى إيقاعها"(1). هذا الإيقاع الذي يعطي للنصّ
    فرادته وخصوصيته، هو ما يصطلح عليه علماء اللّسانيات بـ"النّظام"، فالنصّ،
    والأمر كذلك، نظام من العلامات الدالّة، ليس لغرض التّبليغ أو الإيصال،
    وإنّما هي دوال تكتفي بالإشارة والتلميح دون أن تسمّي أو تعطي دلالة قارّة
    للأشياء التي تشير إليها.‏

    [size=21]إذاً،
    فالنصّ، والحال هذه، لا يروم الكشف أو التّعريف بالأشياء، بقدر ما يعمل
    على جعلها دالّة داخل سياق نظامه الخاصّ، متّخذاً من القارئ المبدع شاهداً
    على ذلك، فهو، أي النصّ، "فاعل، حييّ، مغلق، لا يكاد يُبين. أمّا القارئ...
    فهو نشاط فحولي يستولي على المكتوب، يفضّه ويهتك حجاب حيائه، يجوبه ويثقب
    أسوار انغلاقه"(2).‏

    [size=21]هكذا،
    انطلاقاً من هذه الرؤية، أصبح للنصّ مطلق الحريّة؛ إذ تحرّر من كلّ سلطة
    خارجة عنه، بما في ذلك صاحبه، فهو من هذا المنظور: "سابق على كتابته، وفاعل
    يبرز ذاته وفق مقتضيات سياقية يخلقها، وأنَّ كلّ ما يأتي بعده، إنّما هي
    مفاعيل كلامية يضمنها هذا الجنس أو ذاك، ويسجّلها فيه"(3).‏

    [size=21]يرتبط
    مصطلح التأويل ارتباطاً وثيقاً بمصطلح القراءة الإبداعية، لأنّه فعل أو
    نشاط يقوم به القارئ المبدع، ويكون النصّ، والأمر كذلك، هو موضوع هذا
    النّشاط، على أن يكون النصّ منفتحاً وليس بنية مغلقة كما هو معروف في
    النّقد البنيوي، وهو الأمر الذي يجعلنا نفرّق بين "التفسير" و"التأويل"،
    فالأوّل، والقول لغادامير، يرتبط بفعل الفهم(4)، والثّاني، "فهو يتّصل
    بالنّقد الأدبي وينصب على عمل محدّد يندمج فيه النّاقد ويتمثّله حتّى
    يتحوّل إلى خالقه الثّاني"(5). إذاً، فالتأويل، تأسيساً على هذا المنحى،
    فعالية نقدية تناهض الأحكام الموضوعية التي أرساها النّقد البنيوي، مادام
    أنّه لا توجد معايير قارّة يُحتكم إليها أثناء التحليل، فكلّ قارئ له
    الحريّة في تأويل النصّ وفق ما يرتضيه من آليات مقاربة، دون أن يوصف عمله
    بالجودة أو الرداءة، بالخطأ أو الصواب، وعلى حدّ تعبير "تودوروف": ".... لا
    يكون التأويل صحيحاً أو خاطئاً، لكن يكون غنياً أو فقيراً، خصباً أو
    عميقاً، فاتناً أولاً"(6).‏

    [size=21]التأويل،
    انطلاقاً من هذه الرؤية، هو القراءة الممكنة للنصّ، كون هذا الأخير ليس
    مغلقاً على ذاته، كما هو في المفهوم البنيوي، بل مفتوح على القارئ، يدخله
    من أي زاوية يشاء، فينتج نصّاً جديداً فوق النصّ الأوّل، وكأنّ النصّ
    يتجدّد بوساطة هذا النوع من القراءة مع كلّ قارئ. فالنصّ، على حدّ قول "بول
    ريكور"، كان: "يمتلك معنى واحداً [من وجهة نظر التفسير]، أي علاقات داخلية
    أو بنية خاصّة، ولكنه الآن [= مع التأويل]، أصبح يمتلك دلالة ما، أي أصبح
    إنجازاً داخل الخطاب الخاصّ بالذات القارئة"(7).‏

    [size=21]هذا
    ماجعله ، أي "ريكور"، يميّز بين التفسير والتأويل، على غرار ما رأينا من
    قبل، "التفسير يعني إبراز البنية، أي مجموع علاقات الترابط العميقة التي
    تؤسّس الهيكل الستاتيكي للنصّ. أمّا التأويل، فيعني السير في الطريق الفكري
    الذي يفتحه النصّ"(Cool. وكأنّ التّفسير، من هذا المنطلق، هو القراءة
    بالمفهوم البنيوي، أمّا التأويل، فهو القراءة بمفهوم نظرية التلقي
    الألمانية، والقراءة بالمفهوم التفكيكي.‏

    [size=21]إنّ
    القراءة التفكيكية تكون، تأسيساً على ما تقدّم، أبرزَ الاتجاهات النقدية
    قرباً من التأويلية، فهي دعت على لسان زعيمها دريدا، إلى تقويض مركزية
    الفكر الغربي، الذي تأسّس على فكرة الحقيقة القارّة القابعة داخل النصّ
    بالمفهوم البنيوي، والعقل بالمفهوم المثالي الميتافيزيقي، وليتمّ ذلك "يجب
    أن يهدم النصّ حتّى يتهاوى نسيجه التعبيري.... النصّ لا يتحدّث عن خارجه
    (مرجعه)، بل إنّه لا يتحدّث عن نفسه وإنّما تجربتنا في القراءة هي التي
    تحدّثنا عنه. إنّ النصّ يمكن أن يقرأ بتجاوز لمعناه التواضعي والاصطلاحي،
    وهذه القراءة هي نوع من اللّعب الحرّ. وعلى هذا الأساس، فإنّ تأويلات النصّ
    وتعدداتها متعلقة أساساً بمؤهلات القارئ، فالنصّ بمثابة صلة ضخمة لا ينتهي
    تقشيرها"(9).‏

    [size=21]ويعدّ
    الناقد الإيطالي أمبرتو إيكو، على غرار أيزر وياوس، من النقاد الذين
    استطاعوا وضع ضوابط للتأويل، خلافاً للتفكيكيين، "هكذا يجد القارئ أمبرتو
    إيكو قائلاً بالقراءة المتعدّدة والدلالة اللاّمنتهية والقارئ النموذجي
    والتشاكل، ولكنّه مع هذا لا يسير في طريق التفكيكيين القائلين بلا تناهي
    التأويل... كما أنّه لا يأخذ بالتأويل الوحيد الموافق لمقاصد المؤلف"(10)،
    وهو، إذ يفعل ذلك، يروم وضع أسس وقيود يقوم عليها التأويل، تتمثّل في أنّ
    النصّ، وإنْ انفتح بشقوقه وفجواته على القارئ ليملأها، فهذا لا يعني البتّة
    أنّ القارئ يفرض سلطته عليه، ويغدو المالك الأصلي له، بل إنّ النصّ أعمق
    من أن تطاله يد قارئ، فهو فلوت، مهجر، كتوم، حرُون، متعدّد المداخل
    والمخارج، لجّي، بحر بلا شواطئ، عمق بلا قرار، بحر من فوقه بحر، من فوقه
    سبعة أبحر، وما قراءة هذا القارئ إلاّ مجرّد إنتاج لدلالة يحافظ بها النصّ
    على نضارته وحيويته. فهو، أي النصّ، يملك قرار نفسه، يهب نفسه لمن يشاء،
    ويلين جنبه لمن يرتضيه محاوراً، دون أن يُفقده ذلك الاحتفاظ بأخص خصوصياته،
    أي دلالته النهائية، لأنّه ببساطة تناص...‏

    [size=21]إنّ
    التأويلية، انطلاقاً من هذا الأفق، قضت على النّقد السياقي، الذي ينطلق من
    مقصدية صاحب النصّ، كما أنّها بفتح باب تعدّد القراءات، تكون قد تجاوزت
    الممارسة البنيوية، التي أغلقت النصّ على نفسه، وجعلته حبيس أنساقه، مجبرة
    القارئ على الخضوع لنظامه القارّ، دون أن يضيف شيئاً من عندياته، وليس هذا
    وحسب، بل إنّ البنيوية، بهذا المنطلق، ساوت بين جميع النصوص، بدعوى
    الممارسة المحايثة ـ الموضوعية، التي تنطلق من النصّ كبنية لغوية، وهو ما
    لم يجد قبولاً لدى أهل الدراية من النقاد. أمام هذا التراجع للمدّ البنيوي،
    استطاعت التأويلية من على شرفة نظرية التلقّي الألمانية، والاتجاه
    التّفكيكي، أن تجد مكاناً في مسرح الدراسات النّقدية، قادمة من حقل
    الفلسفة.‏

    [size=21]في التطبيق النّقدي:‏

    [size=21]شعريةُ المدنّس/ الهامش/ الفوضى:‏

    [size=21]يعدّ
    العنوان في خطاب نقد الحداثة أحدَ المداخل المشروعة لفكّ إسار مجاهيل
    النصّ؛ إذ هو المفتاح الذي نلج به إلى فضاء النصّ ومناطقه المحرّمة، مناطق
    الغياب، أو قل هو أوّل ما يبوح به النصّ لقارئه. واستناداً إلى ما أ قرّه
    "رومان ياكبسون" في تحديده للوظائف الست التي يستقيم بها وجود النصّ
    إبداعاً، يمكن القول، إنَّ أهم وظيفة أخذت عناية هذا اللّغوي، هي ما اصطلح
    عليه "الوظيفة الشّعرية"، التي ـ في رأيه ـ ليست الوظيفة الوحيدة التي
    تحدّد قيمة الإبداع، وإنّما هي وظيفة مُهيمنة dominante(11)، وهذا لكون لغة
    الإبداع لغةً منزاحة بطبيعتها عن اللّغة المعيار.‏

    [size=21]سنحاول
    ـ انطلاقاً من على شرفة ما تقدّم ـ التقرّب من نصّ هذا الخطاب، ونحن إذ
    نفعل ذلك، لا ندّعي امتلاك الحقيقة الشافية القارّة التي تتسلّط بما
    تعتقده، فهي قراءة حسبُها أن تراود النصّ عن نفسه، لتخرج بعض ما سكت عنه،
    هذا إذا ما لان وانفتح النص، وشاء لها؛ إذ هو من يملك قرار نفسه، فهو لسان
    حاله، يهب نفسه لمن يشاء ويعرض عمّن يشاء، بيده أن ينفتح لمن يرتضيه
    مُحاوراً فتكون لذّة الأنس ثمرة هذا اللّقاء، وإن أبدى تمنّعه وأشاح وجهه
    عنّا، فليس أمامنا من سبيل إلاّ أن نسعى لإرضائه، عساه يتكرّم علينا ببعض
    من الدلالة يُبقي لنا بها أمل التواصل معه. ويكفي هذا القارئ فخراً، والأمر
    كذلك، أنّه نال هذه الحظوة، وظفر بودّ معشوقه الذي طالما تمنّع وتدلّل،
    فهي، أي ا لقراءة، نوعٌ من المكابدة، على حدّ تعبير نقادنا القدامى؛ فأفخر
    الشّعر ـ على حدّ تعبير فخر الدّين الصابي ـ "ما غمض فلم يعطِك معناه إلاَّ
    بعد مماطلة منه"، أو هي نوع من العدوى يُصاب بها القارئ، إذ على حد قول
    "إليوت"، قراءة الشّعر ليس غايتها الوصول إلى تحديد معناه، بل يكفي أن
    تصيبك عدوى الشّعر، أو اللذّة بمفهوم "بارت".‏

    [size=21]إنّ
    المتأمّل في عنوان هذا الخطاب يجد نفسه، منذ البدء، أمام ثنائية ضدّية
    تكاد تكون البؤرة المهيمنة التي تشكّل كيان النصّ، هذه الثنائية يشكلّها
    المركّب الإضافي "كواليس القداسة"، فالكولسة هي الغياب المقصود/الغموض/
    المخادع/ ما وراء الستار، هذا ما يجعل الكلمة تحيل على خطاب زائف يتمظهر،
    أو يتمرأى في ثوب المخادع/ المخاتل الذي يُرجى من ورائه استدراجُ القارئ،
    وإغراؤه بالبحث عن هذا الغياب، أو قل هي الحلقة المفقودة في هذه الثنائية،
    والتي بها يتمّ إرجاء الدلالة وتعليقها إلى حين...‏

    [size=21]لكن
    ألا يمكن اعتبار "الكولسة" نوعاً من الخداع الحقيقي الذي يضمر وراءه أ
    مراً مدبَّراً، وشرّاً منتظراً، فتتحوّل "الكولسة"، والحال هذه، إلى شيء
    قبيح أو "مدنّس"، وهو ما يستحضر في أذهاننا المقابل الضدّي الذي يشكل
    العنصر الثاني من هذه الثنائية، وهو "القداسة"، التي تعبّر ـ بهذه الصيغة ـ
    عن الأصل، ذلك الشيء المتعالي الذي يروم كلّ إنسان الوصول إليه لتحقيق
    كينونته، فهي عالم الصفاء والطهارة.‏

    [size=21]إذاً،
    وتأسيساً على ما تقدّم، ألا يمكن اعتبار "كواليس"، أو انتقالها وتحوّلها
    بفعل المحور الاستبدالي/ الغياب إلى معنى "المدنس"، وما دام هناك بالمقابل
    "القداسة" كأصل لكل جميل وبريء وطاهر... ألا يمكننا قراءة العنوان: "تدنيس
    القداسة"، "قتل القداسة". لكن ما القداسة؟ أهي ذلك المفهوم المشبّع
    بالمعاني الدينية، فتكون، والأمر كذلك، "المتعالي"، أو "المحرّم"، وإذا كان
    ذلك كذلك، فأيّ محرّم هذا الذي يدّعي هذا الخطاب تدنيسه وهتكه؟ أم هو
    محاولة لإعادة قراءة ما يُظن أنّه مقدّس، ذلك الخطاب الوهم/ النصوص
    الثواني، الذي يعتقد أصحابه بأنّهم يملكون مفتاح الحقيقة، وأنّهم من يملك
    الوصاية على حماية كلّ ماهو مقدّس، وعداهُ مبتدعٌ أو ضال؟‏

    [size=21]هو
    ـ إذاً ـ خطاب ينبش في المسكوت عنه في هذا الخطاب، ليعيد بناء وتشكيل
    الأسئلة والأشياء المُصَادَرة، أو على الأقل خلخلة هذا المقدّس وإثارة
    إشكالية المرجعية التي تأسّس عليها هذا الخطاب، "لأنّ مركزية تعليمنا
    وثقافتنا تلقننا التلقي وتقديس الجاهز المعطى، بل وتحرّم كلّ محاولة للخروج
    عن المألوف. يغدو السؤال إذن عنصراً جوهرياً... كنصّ مختلف. ويصبح
    الاختلاف في حدّ ذاته سؤالاً لا حدود له ولا ضفاف... يطالب بإعادة صياغة
    سؤال الذات العربية في الزمن الراهن بشكل مختلف في جذريته" (12). إنّه خطاب
    الحداثة، الذي يرفض كلّ مقدّس أو يقين، ويدعو إلى تجسيد خطاب الاختلاف
    /المدنّس/ الشكّ/ التيه/ اللايقين..‏

    [size=21]بيدَ
    أنَّ هناك تواؤماً بين هذين المتضادّين "الكواليس" و"القداسة"، من خلال ما
    يُحدثانه من تأثير على القارئ بفعل الصفير والهمس، بوساطة حرف السّين،
    الذي يعبّر عن لغة الغياب، إذا اعتبرنا الهمس هو ذلك الصوت الخافت الذي
    بالكاد يصل إلى السّامع. وكأنّ هذا الخطاب الروائي يُعلن وينذرُ قارئه، منذ
    البدء، بصعوبة المبتغى في الوصول إلى تحديد قارّ للدلالة، فهو لا يقدّم
    إلا ضجيجاً خافتاً نصطلح عليه"فوضى بصرية"، تجعل القارئ يتيه في فجواتها
    ومناطقها المعتمة.‏

    [size=21]ثمّ
    هناك عنوان فرعي "ككلّ القصص"، الذي كان منتظراً أن يوضّح أو يبوح بما
    أخفاه العنوان المركزي، لكن ـ كما تمّ رصده ـ تكون ترنيمة الغموض الفوضى/
    اللاّمعنى قد تسرّبت وحاصرت هذا الخطاب الروائي من خلال "كاف التشبيه"،
    التي تعبر عن اللاّقيمة واللاّ معنى، والخطاب إذ يفعل ذلك، يكسر الهالة
    التي يخفيها العنوان المركزي، فالأمر لا يعدو أن يكون مجرّد قصص كسائر
    القصص، كما أنّ من معاني كلمة "قصص" في الثقافة العربية "الحكاية"، أي تلك
    الخرافات والخوارق التي تتنافى والواقع، أي، في المحصلّة، غياب
    المعنى/الحقيقة/ الدلالة/ القداسة...‏

    [size=21]هذا
    الغياب /الفوضى/ الغموض الذي يبدو من خلال هذا العنوان، يجعل القارئ منذ
    البدء، أمام نصّ فلوت متمنّع يأبى الانصياع، يُحسن لغة الكرّ والفرّ، ما
    إنْ يكاد القارئ يحسّ بأنّه قد أمسك بخيط يتوسّل به في القبض على الدلالة
    إلاَّ وينفلت معلناً بداية البحث عن المعنى، وكأنّها أسطورة "سيزيف" تتبدّى
    معلنةً عبث ما يقوم به القارئ في سعيه للإمساك بشيء اسمه "النصّ"، فهو
    متعالٍ، أكبر من أن يحيط به منهج أو قارئ مهما أوتي من كفاءة، الأمر الذي
    يجعل هذا القارئ مستعداً ـ على حدّ تعبير "أيزر" ـ لتعديل آفاقه كلّما خيّب
    النصّ أفق انتظاره، والقارئ، إذ يفعل ذلك، يروم التفاعل مع النصّ، هذا
    الأخير يقوم، من خلال مبدأ "كسر الألفة"، نزع الألفة عن أفكار القارئ
    السابقة التي جاء بها إلى النصّ، هذه هي، إذاً، وظيفة الفن، "هي أن يجرّد
    إدراكنا من عاديته، وأن يعيد الشيء إلى الحياة مرّة أخرى، ومن هنا يصبح دور
    المتلقي بالغ الأهمية، وبمعنى ما يكون الشخص المدرك هو من يقرّر الخاصيّة
    الفنيّة للعمل".(13).‏

    [size=21]هذه
    العملية، عملية التعديل، هي ما يصطلح عليها أنصار نظرية التلقّي "المعنى"
    أو "نصّ النصّ"، هو نوع من الحوار ينشأ بين مقول النصّ/ الحضور ومُتخيَّل
    النصّ/ الغياب، وبين أفق توقع القارئ/الغياب، بين الأسئلة التي يطرحها
    النصّ والإجابات التي يقدّمها القارئ، بين الأجوبة التي لا يقدّمها النصّ
    والأسئلة التي يثيرها القارئ/ المبدع الجديد للنصّ، أو ما يمكن تسميته
    ترسبات الخبرات القرائية التي اكتسبها القارئ، وأصبحت تشكّل ثقافته
    القرائية، أي مجموع الأفكار التي يُقبل بها على النصّ في حوارهما معاً، أو
    ما يسمّيه "ياوس"، مبدأ تحاور الآفاق"؛ أفق النصّ باعتباره مجموعة من
    النصوص (تناص)، كما أ نّه نتاج ثقافة أسهمت في تشكّله كمشروع فكرة قبل أن
    يُلفظ في شكل مفهوم نصّي له وجوده المتفرّد، وأفق القارئ كونه ينتمي إلى
    منظومة قرائية تساعده على قراءة النّصوص، فيما يصطلح عليه "ستانلي فيش"،
    "الجماعة المفسّرة"، أو قل الأصول المعرفية والأعراف النّقدية التي شكّلت
    ثقافة هذا القارئ، حتّى أصبح يَدين بمبادئها، وكلّما غيّر هذه الجماعة
    المفسّرة، كلّما تغيّرت قراءته للنصّ "مبدأ تعدّد القراءات". هذه العملية
    تعرف باسم "فعل القراءة" أو "التأويل".‏

    [size=21]كما
    يستخدم هذا الخطاب ـ سيراً على مبدأ كسر الألفة ـ تقنية التصدير بالشّعر
    كمقابل ضدّي للخطاب النّثري، بل وكتابة البيت الشّعري العمودي كتابة شعر
    التفعيلة، أي بنظام الأسطر، أضف إلى ذلك فإنّ البيتين اللّذين اختارهما
    الخطاب لم يكونا من باب التجميل، بل يعدّان الأساس الذي يقوم عليه السّرد؛
    إذ كلّ كلمة منهما تشكّل حلقةً من حلقات السّرد الروائي. كما أنّ كتابة
    البيتين كانت مغايرة للمألوف؛ إذ كُتبَا بطريقة عمودية، وهي طريقة نحسبها
    متعمَّدة، مأربها إثارةُ القارئ ولفتُ انتباهه، أو قل هي تعضيد لمبدأ
    "الفوضى البصرية"، حيث يتم تشتيت رؤية القارئ؛ فالكتابة العمودية تكسر
    التواؤم والتعاضد الدلالي بين الكلمات؛ إذ تبدو الكلمة، بصرياً، منفصلةً عن
    غيرها، فتحيلك، والأمر كذلك، إلى التي هي أسفل منها، إلى ما لا نهاية من
    الأسطر المبتورة. وهي ـ فيما نعتقد ـ استراتيجية تؤكد مبدأ الفوضى /الغياب/
    اللاّمعنى/ المدنّس الذي أعلنه الخطاب في أوّل بوح له. هذه الطريقة في
    الكتابة لا تعدو أن تكون إلاَّ طرحاً لسؤال الهوية والاختلاف، إذ يتناسل
    الخطاب الشّعري "ويتمفصل مع الخطاب الفكري بشكل خارق، حدودهما اللاّحدود،
    على اعتبار أنّ النصّ الشعري ـ أو الروائي ـ تتداخل فيه نصوص أخرى، تعمل
    ضمن صيرورتها العامة، على نسج "تداخل نصّي" لا يستجيب للتعامل التقليدي،
    الدوغمائي، في القراءة"(14).‏

    [size=21]ولم
    يتوقّف الخطاب عن اللّعب وفوضى المعنى على طريقة السرياليين، في تعمّد لغة
    الغموض آلية يستقيم بها كيان هذا الخطاب، أو ما يصطلحون عليه "اللّغة
    الآلية" أو "التجريب الكتابي"، فتراه يجعل عبارة نثرية "استراحة الصعلوك"
    متوسّطة للبيتين الشّعريين، تتمّة للتناقض. ليس هذا وحسب، بل إنَّ لحضور
    كلمة "صعلوك" ما يبرّره في مثل هذا السّياق، فهي إحالة على ذلك الزّخم
    الفكري في تراث الشّعر العربي، حيث يشكّل الشّاعر الصعلوك انزياحاً في
    المرجعية الشعرية العربية، فهو ذلك الهامش الذي تمرّد على المركز/ القبيلة/
    المقدّس/ المحرّم، هو الآخر/ المغايرة الذي احتقرته الذات/ القبيلة، فلم
    يجد غير الرّفض وحياة الفوضى/ الصعلكة وسيلة تعبير ليلفت الانتباه إليه.‏

    [size=21]هذا
    النمط في الكتابة الروائية ليس بدعاً من القول استحدثه صاحبه حتّى يثير
    ضجّة يصنع لنفسه بها اسماً في فضاء الإبداع، بل إنَّ لها أصولاً أو نصوصاً
    يتناص معها، ليس على سبيل الاجترار والتّقليد فحسب، إنّما هو تناص يعبّر عن
    لغة الغياب، غياب النموذج/ الأصل، وتشظّي المعاني ورحلتها في المجهول، هو
    نوع من "التناص الحواري"، حيث يتمّ التحاور مع النموذج لا على سبيل التطابق
    والمماثلة، بل على سبيل الاختلاف والمغايرة، أو قل هو خلخلة للأصل من
    داخله لإعادة تشكيل البناء على حدّ تعبير التفكيكيين. هي كتابة روائية
    "تعمل على تكسير أشكال السّرد التقليدية، بحيث لا نعثر فيها على وحدة في
    الموضوع... بل إنّنا نجد دائماً نصاً متعدّداً من حيث موضوعاتُه وأشكالُه
    الكتابية"(15).‏

    [size=21]هي
    كتابة تتقاطع مع رواية "ربيع أسود" للكاتب الأمريكي "هنري ميللر Henry
    Miller"، وهي رواية تعبّر عن رؤيا سريالية، تبحث في المجهول، وتعمل على
    تجريب اللّغة، والتمرّد على كل يقين أو ثابت، بدعوى أنّهم أي السرياليون،
    يبحثون عن المطلق في اللّغة، فيجرّبون كل أنماط التّعبير، وهم، إذ يفعلون
    ذلك، يعتقدون، على غرار أنصار التفكيك، أنّ اللّغة عاجزة عن التّعبير،
    الأمر الذي يجعلها ترجئ المعنى وتؤجله إلى حين استحضارها المدلول الغائب
    الذي يبقى الدالّ يلاحقه في محاولة للإمساك به، غير أنّه يتحوّل بدوره إلى
    دالّ، ليبقى المعنى غائباً، واللّغة غير مكتملة إلى حين. أو ما نجده عند
    "توفيق الحكيم" في محاولته الأولى في نهاية الخمسينات لتأسيس المسرح العبثي
    في مسرحيته "يا طالع الشجرة".‏

    [size=21]قد
    يتوهم القارئ أنّ هذا الكلام لا يعدو أن يكون هرطقة، أو مماحكات لفظية
    تنضاف إلى فوضى ما ارتضيناه لقراءة نصّ هذا الخطاب، لكن الذي لا ريبَ فيه،
    هو أنَّ التضاد الذي بدا في الظاهر هو تجانس، من خلال تواؤم المركز مع
    الفرع، كما أنّ هذا التجانس يعضّد أصالة هذا الخطاب الروائي "كواليس
    القداسة"، الذي وإنْ كان يملك خصوصيته وتفرّده كإبداع، فإنّ له أصلاً
    نظرياً يتّكئ عليه.‏

    [size=21]أمّا
    إذا دخلنا مسرح السّرد، فإنّ الخطاب نفسَه يتبدّى، خطاب الفوضى/ الغموض،
    الذي يعتبر بؤرة مهيمنة؛ إذ تغيب الدلالة، وهو، كما أثبتنا في غير هذا
    الموضع، غياب متعمَّد يعبّر عن قدرة وتحكم في اللّغة الروائية، الهدف منه،
    هو ترك القارئ المتمرّس لإنتاج الدلالة وكتابة النصّ المسكوت عنه. هذا
    التفلّت يبدو في غياب الوحدة الزمانية والمكانية؛ إذ لا يكاد يقف بنا عند
    معنى يتسنّى لنا من خلاله تتبّع مكان الأحداث أو زمنها، حتّى يتجلّى
    الغياب/ اللاّزمان/ اللاّمكان/ اللاّمعقول، وهو ما يؤكد المنحى السريالي
    لهذا الخطاب الروائي.‏

    [size=21]كما
    أنّ هذا المنحى في الكتابة، من خلال تقنية كسر النمطية، نمطية السرد، يسعى
    إلى الممكن أو المطلق في اللّغة، إذ تجده يجرّب كلّ أنواع السّرد، فلا يقف
    عند معنى بعينه، فالأمكنة والأزمنة والشخصيات متعدّدة، بل إنّه يوظف
    الشّعر لغة مغايرة لتكسير نمط السّرد الروائي، وهو إذ يفعل ذلك، يؤكد خرق
    ما يعرف بنظرية الأنواع الأدبية، فلا شكل يتمظهر فيه هذا الخطاب، أو به
    يحدّد جنسه الأدبي، فهو مزيج بين النثر والشّعر. وهو بذلك، أيضاً، يُعمل
    ذهن القارئ ويجعله يعدّل آفاقه كلّ حين، بل إنّه ينزاح عن اللّغة الشعرية
    الفصحى كمعيار للإبداع إلى اللّغة العاميّة جرياً وراء استراتيجية الكتابة
    التي تنفي ذاتها، الكتابة المغايرة، إذ يقول:‏

    [size=21]راجعْ عيونكْ حبيبي راجعْ‏

    [size=21]وانظرْ قُدّامْ البيبان كيفْ جايعْ‏

    [size=21]هدُو الديارْ على ولدْهمْ صايعْ‏

    [size=21]لا تكونْ مرابطْ‏

    [size=21]سلُّمولي نهارْ وكانْ الكاسْ‏

    [size=21]فريثهُمْ على نارْ عَوْدِي خيار الناس‏

    [size=21]وجبتْ السمّا وطفتْ جبال حواسْ‏

    [size=21]لا تكونْ مرابطْ(ص112).‏

    [size=21]الأنا المتخيّل/ الكتابة المغايرة/ الوجه الآخر:‏

    [size=21]إنّ
    لغة الغياب التي يتكئ عليها هذا الخطاب جعلته يتمرّد على كلّ سلطة وثوقية،
    أو مرجعية يقينية، بل تراه يثور على أناه في إطار ما يعرف بمفهوم "موت
    المؤلّف"، أو "الكتابة والمغايرة"، حيث تنفصل الذات المفكرة/ العارفة/
    المتعالية، ذات المبدع، عن الذات الجسد (دماً لحماً)، وحتّى يتمّ هذا
    التملّص تحاول الذّات المبدعة التقنّع والتماهي في ذات متخيّلة، أو مجموعة
    من الذوات التي تصطنعها داخل فضاء السّرد، أو تقحمها كشخصيات رئيسة. يعدّ
    "بارت" أحد أبرز النقّاد الذين أشاعوا هذه المفاهيم، في كتابة: "لذّة
    النصّ"، و"سرازين" و"شذرات من خطاب في العشق"، و"رولان بارت بقلم رولان
    بارت"، حيث اعتبر الكتابة شيئاً يتفلّت من صاحبه في كلّ لحظة. والمغايرة،
    معناها، "المعرفة بأنّ شيئاً ما لا يعبّر عمّا أنا عليه"(16)، يقول
    تودوروف: "إنّه بدون تماهٍ نجهل الآخر، وبدون تفتق للاختلاف نضيع ذواتنا.
    إنَّ العالم الذي يحلّل الموضوع بدون أن يقيم عملية إسقاط معه، يضيع الحالة
    الأولى من العملية (أي التماهي)، والعاشق الذي يتلاحم مع الآخر، يضيع
    الثانية، لذلك يجب أن يكون المرء إغرابياً لكي يستطيع الجمع بين
    الاثنين"(17). وهو ما نلمسه في خطاب هذه الرواية؛ إذ تعلن الشخصية البطلة
    "عمّار" في حوار صحفي أجري معها ثورتها على صاحب الرواية، قيل له:‏

    [size=21]"ألهذه الدرجة أنت تعاديه؟ (أي الروائي).‏

    [size=21]أنا
    لا أعادي أحداً، فقط عندما يكبت الإنسان لمدّة طويلة تتولّد لديه حرارة
    وأشياء نارية لقول الكثير، وحالما ينزع الرباط من على فمه ينطلق يتكلّم ولا
    يقيم لكلامه وزناً أو معياراً من اعتدال أو منطق، وعلى العموم فلا عمل له
    هذه الأيام إلاَّ كتابتي".ص 67.‏

    [size=21]وعندما سئل بخصوص مصيره، قيل له:‏

    [size=21]"هل تطمح في رحمة الروائي؟‏

    [size=21]الوضع
    مقلق بالنّسبة لي، لكنّي بالطبع أحتفظ برباطة جأشي كما يجب، أحاول أن أعيش
    هدوئي كما يجب، الشخوص المحيطة بي لا تخيفني، لكنّي لا أخشى أن يحملني
    الروائي أبعاداً جديدة، لكنّي مع ذلك أجزم أنه لن يفعل ذلك، لسبب بسيط وهو أ
    نّه سيضرّ بالبناء الدرامي للرواية وهو ما لا يتحمله، خصوصاً وأنا أعلم
    شدّة تطلّعه للنظريات الأدبية"ص 68.‏

    [size=21]هو،
    إذاً، خطاب الذات المفكّرة، مجسّداً في الشخصية البطلة "عمّار"، أو قل هو
    خطاب الروائي يتماهى ويتقنّع في هذه الشخصية، حتّى يعبّر عن المتخيّل، هو
    "سفيان زدادقة"، إذاً، بقلم "سفيان زدادقة"، فأناه تتنازعها شخصيتان
    متناقضتان هما: شخصية "فارس" الفتى الجميل/ الوسيم، المثقّف، من عائلة
    غنية، ابن السيّد "مزيان" صاحب المصنع، وحيد أبويه، الذي يهوى حياة الترف
    والبذخ، ويسعى إلى إقامة علاقات مع مختلف أصناف النّساء، وهنّ: مريم،
    أحلام، آمال، سهام، والمرأة المتخيّلة "سوزان"، ويبدو حضوره في مسرح
    الأحداث بضمير المتكلّم "أنا"...‏

    [size=21]أمّا
    الشخصية الثانية، فهي "عمّار"، وهو عكس "فارس" تماماً، فهو إنسان فقير،
    ظروفه الاجتماعية سيئة، يعمل في مصنع والد فارس، يقيم علاقة مع امرأة اسمها
    "زاهية"، وهي امرأة عانس، يحيا حياة الصعلكة واليأس واللاّحب، ناقم على
    وضعه، إذ يذهب به الأمر إلى محاولة الانتحار، ويتبدّى في النصّ بضمير
    المتكلّم، أيضاً، "أنا"، غير أنَّ هذا الحضور مخادعٌ، إذ تهيمن على لغة هذا
    البطل مشاعر "اليأس"، "الملل"، أي الغياب، لذا فالحضور هو المظهر المزيّف
    الذي تتبدّى فيه لغة هذا البطل. إلاَّ أنَّ الجامع بينه وبين "فارس" هو
    الفشل في علاقتهما بالنّساء. وهو ما يطرح سؤال "المرأة المتخيّل/ الممكن"
    الذي سيتم التطرق إليه في حينه.‏

    [size=21]تُرى،
    هل المبدع وهو يصنع في هذه الشخصيات، باعتبارها شخصيات ورقية متخيّلة لا
    تحيل إلاّ على سياق السرد الذي وردت فيه، كان يعبّر عن أناه الغائبة،
    القابعة في ذاكرته المفقودة/النصّ المتخيّل، فلمَ استخدم ضمير المتكلّم
    "أنا" الذي يعبّر عن الحضور/ البروز في وصف شخصية "فارس"، ولجأ إلى ضمير
    الغائب، الذي لم يظهر بطريقة مباشرة في لغة البطل/عمّار، والذي يعبّر عن
    الغياب/ الهامش في وصف هذه الشخصية؟‏

    [size=21]أهو
    حديث الذات إلى الذات، فكان التماهي بهذه الثنائية ا لضدية "الحضور/
    الغياب"، أم إنَّ الذّات /الأنا/ فارس تنفي جانبها الآخر/ عمّار، فتعمل على
    تغييبه وتهميشه، أم إنّ هذا الآخر/ الهامش هو من يسعى للبروز من خلال فعل
    الغياب، إذ كما هو معروف، فإنّ الأصل في الأشياء هو الغياب، فيكون غياب
    "عمّار" علامة على حضوره، وحضور "فارس" إشارة إلى غيابه، وإذا كان ذلك
    كذلك، فهل يكون الأمر، في المحصّلة، محاولةً من الذات المفكّرة/ المبدعة
    التعبيرَ عن المُضمر فيها، مجسّداً في "عمّار"، لإبرازه، وتحطيم المركز/
    الحضور "فارس".‏

    [size=21]ثمّ
    ألا يكون "فارس"، انطلاقاً من ملامح شخصيته، هو الذّات المبدعة، التي
    تحاول أن تنفلت من نفسها إلى ماهو متخيّل فيها أو هامش، فتتمظهر في لغة
    الأنا/ الحضور، لكنّ مأربها هو الآخر /الخفي/ الغياب؟ بل إنّ الشخصية
    البطلة "فارس" لا تتردّد في القول بموت المؤلّف "كاتب الرواية"، والتمرّد
    عليه، بل وشتمه، إذ يقول:‏

    [size=21]وعلى
    كلّ فقد شتمت سفيان وأشبعته ضرباً، حتّى أنّه راح يترجاني والدم يسيل من
    فمي وأنفي أن أكفّ عنه العذاب، فسلّطت عليه عقابي المفضّل الذي استمر يعاني
    منه طويلاً حتّى جاء حبيبته فأنقذته من براثني الوحشية، وعادا أدراجهما
    وهو يتوعّدني بكتابة رواية عنّي يلصق فيها أشنع الصفات بي، وبينما كان
    سفيان يشتم ويتوعّد بلا حساب كنت أنا أخمد آخر سجائري وقد شعرت براحة
    عميقة، أخيراً آن لأبطال الروايات أن يعاقبوا صانعيهم، وكنت أدرك مدى خطورة
    تهديده لي، إلاَّ أنّني أعرف أنّ قلبه طيّب وعيونه جريحة ولن
    يؤذيني.................. ص88‏

    [size=21]المرأة المتخيّل: بين الحضور والغياب:‏

    [size=21]إنّ
    الذات المبدعة بوصفها ذاتاً متعدّدة، لا يمكن القبض عليها لأنّها تحيا بين
    وجودين؛ وجود بالقوّة/ الغياب/ الآخر/ الهامش/ الهو، ووجود بالفعل/الحضور/
    الذات/المركز/ الأنا، لا تكتفي بهذا التفلّت، بل تراها تصارع الآخر/
    الأنثى، وهي إذ تفعل ذلك، تبحث عن التمايز وتحقيق مبدأ "الفحولة" الذي
    يعبّر عن "المركزية الذكورية" في مقابل "الهامش الأنثوي"، الذي يبقى في
    إطار هذه الثقافة تابعاً للخطاب الذكوري.‏

    [size=21]يقول بطل الرواية:‏

    [size=21]"وسأكون
    سعيداً لو أسلمتني أمر شرفها، وهل هناك من يستطيع أن يحمي القافلة ونون
    النسوة سواي؟ أنا العشيرة والأهلون والصحب والرسم والجنس والرمل، أنا الماء
    والصهد والعز والفرس وعزى ومناة وهادية الصوار قوامها"(ص19).‏

    [size=21]ألا
    يكون التعبير بهذه اللّغة إحالةً إلى مبدأ "الفحولة" في التراث العربي،
    ويكفي دليلاً على ذلك ما استحضره من رموز هذا التراث، كما أنَّ التعبير
    بلغة "الأنا" تأكيد لمبدأ السريالي في الحياة، فهو وحده مركز العالم وغيره
    عدم، هو الحقيقة وعداه وهم.كما تتجسّد "المركزية الذكورية" في رفض "فارس"،
    التعدّد بالنّسبة للمرأة وقبوله لنفسه؛ إذ يقول:"إنَّ الفضاء لا يحتمل
    إلهين فكيف يحتمل قلب المرأة حبّ رجلين..".‏

    [size=21]بخلاف
    عمّار الذي لم يكن ليرضى إلاّ بعلاقة واحدة مع "زاهية"، التي تجسّد
    "الحضور الأنثوي"، فهي تدعو إلى التعدّد (موقف الشرطي)، فهي ها هنا تحاول
    تأسيس "المركزية الأنثوية"، والخطاب الروائي، إذ يثير هذا التناقض في
    الآراء، يروم خلخلة بعض المفاهيم التي أرساها "الخطاب الذكوري"، أو "السلطة
    الأبوية"، مثل قضية تعدّد الزواج بالنسبة للرجل، إذ أضحى مسلّماً به في
    ثقافتنا أنّ الرجل له مطلق الحرية في التعدّد، يستندون في ذلك على نصوص
    القرآن الكريم، التي، وإن فتحت باب التعدّد، فإنّها قيّدته بجملة من
    الشروط، يجهلها غالبية هؤلاء.‏

    [size=21]ليس
    هذا وحسب، بل يسعى هذا الخطاب إلى إزاحة ومصادرة كلّ محاولة حضور تجسّد
    مبدأ الكينونة لهذا الآخر/ الأنثى، وإن كان هناك اهتمام به، فهو اهتمام
    الجسد/ المادّة، الأمر الذي يجعلنا ـ سيراً على مفهوم المهيمنة ـ تسمية هذه
    الظاهرة "شعرية الجسد"، الذي يعدّ بؤرة مهيمنة تتحكّم في مسار السّرد، إذ
    يقول البطل في وصف مغامراته:‏

    [size=21]"سأرتمي عليها وأنا في غمرة من الذهول، ولن أنظر إلى عينيها ستفضحني وستكتشف أنّي أ حبّها ببلادة...".ص20.‏

    [size=21]ويقول في وصف علاقته بأحلام مثلاً:‏

    [size=21]"أحلام كانت تمنحني اللذّة ولا يهم إن كنت أهبها الألم"ص29.‏

    [size=21]يقول في وصف سوزان:‏

    [size=21]"ما
    أشدّ عشقي لذلك الجسد الأنثوي الذي تذوب فيه بكامل الراحة والانسجام روح
    سوزان، والتي هي انسياب في اللا معنى من انسيابات روحي العميقة"ص42.‏

    [size=21]يقول البطل "فارس":‏

    [size=21]"سؤال
    واحد كان يؤرق أجفاني ويمنع عنّي لذّة النوم، متى يمكنني أن أعبّر عن
    استيعاب لكلّ دروس الجسد المحرّمة على خلفية من البياض الأنثوي؟ متى ألونه
    وأغمس أسناني في عجينه غير آبه بعرف ولا معترف بقانون"ص 45.‏

    [size=21]هذا
    الحضور للغة الجسد، قد يوحي بأنّ الرواية تركز على كلّ ماهو مادي في
    المرأة، باعتبارها جسداً ليس غيرُ، بيدَ أنَّ المتمعّن في هذا الخطاب يجد
    أنّ غياب المرأة/النموذج/ الأصل، هو الذي جعل تعدّد الأنثى هو الحضور
    المهيمن؛ إذ نجد بطل الرواية "فارس" يقيم علاقات مع مجموعة من النساء،
    وهنّ: "آمال، سهام، أحلام، مريم" تنضاف إليهن "سوزان" كمتخيّل أجنبي،
    والبطل، إذ يفعل ذلك، يعبّر عن حضور الأنثى وغياب المرأة، فكلّ واحدة منهنّ
    تفتقد صفاء المرأة/المتخيّل، التي رسمها البطل في خياله، فأضحى، في ظلّ
    هذا الغياب، يعيش واقعاً يوتوبياً (متخيّلاً)، يسعى من خلاله إلى إيجاد
    الأنثى/المرأة، الجسد/الروح. يقول البطل: "فارس": "سؤال واحد كان يؤرق
    أجفاني ويمنع عنّي لذّة النوم، متى يمكنني أن أعبّر عن استيعاب لكلّ دروس
    الجسد المحرّمة على خلفية من البياض الأنثوي؟ متى ألونه وأغمس أسناني في
    عجينه غير آبه بعرف ولا معترف بقانون".‏

    [size=21]و"فارس"
    إذ يقيم هذه العلاقات بحثاً عن المرأة المتخيّل يتناص مع خطاب "شهريار" في
    قصص "ألف ليلة وليلة"، فقد أضحت المرأة بالنسبة له رمزاً للخيانة، فلم يجد
    غير القتل سبيلاً للقضاء على الأنثى/الرّمز، وهو إذ يُقدّم على ذلك إنّما
    يقتل الأنثى المتخيّل، أصل الخيانة، الذي ارتبط بالأنثى، لكن بالمقابل تخلص
    "شهريار"، فيما بعد، من هذا المتخيّل، وكانت "شهرزاد" المخلّص، وهي بذلك
    ترمز إلى المرأة /النموذج/ المتخيّل التي يبحث عنه "فارس" من خلال هذه
    العلاقات، فكانت "بختة" هي المرأة التي جمعت صفات المرأة /المتخيّل/
    النموذج. لكن لمَ هذا الاسم بالتحديد، أهي المرأة/ البخت/ الصدفة. وهو ما
    سنحاول الوقوف عنده من خلال البحث عنه فيما يحمله كلّ اسم من علامة أو رمز
    تتمرأى فيه الشخصية.‏

    [size=12] [size=21]رمزية الأسماء:‏ [/color:b0

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 1:12 pm