منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    نظرية الدكتور شكرى عيـــاد النقدية

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    نظرية الدكتور شكرى عيـــاد النقدية

    مُساهمة   في الإثنين يناير 02, 2012 12:57 pm



    نظرية الدكتور شكرى عيـــاد النقدية




    نظرية الدكتور شكرى عيـــاد النقدية

    بقلم: صلاح عبادة

    لم يكن الدكتور شكرى عياد
    (1921-1999) مجرد امتدادٍ مجترٍّ لمبادىء مدرسة «الفن والحياة» التى أرساها
    الشيخ أمين الخولى (1895-1966) بل كانت له إضافته المنهجية، التى تدل
    دلالة صادقة على شخصيته النقدية المستقلة، فقد أضاف إلى نزعتها الجمالية
    الاستاطيقية نزعة اجتماعية، مستمدة من مدرسة الخطاب الاجتماعى الإصلاحى
    بزعامة الإمام محمد عبده (1849-1905) ومز ج بين التيارين، ويعد هذا المزج
    نواة لما يمكن أن يطلق عليه «النزعة التركيبية الخالقة» فى فكره النقدىّ،
    الذى ظلت تتصادى فى أرجائه ثلاث قضايا كبرى مؤرقة هى «التأصيل»
    و«الدراسة العلمية للأدب» و«ربط الأدب بسياقه الحضارىّ الشامل»


    فى التأصيل

    لقد أعطى الدكتور شكرى عياد
    جُلّ اهتمامه وجهده لقضية «التأصيل» بوصفها ضرور ة حضارية ملحة، فى محاولة
    لتحديد موقع الثقافة العربية، ومعاينة مدى إسهامها الأصيل من خريطة الثقافة
    العالمية


    ففى مجال «تأصيل» البلاغة
    والنقد العربيين، فى ضوء تأثير كتاب أرسطو طاليس «فن الشعر» كان الدكتور
    شكرى عياد يتحرك داخل إطار من الرؤية الإنسانية الشاملة، همّه الأساسىّ
    هو التوصل إلى «الحقيقة»، دون إشفاق على ثقافته وتراثه أى ذاته القومية
    والحضارية من مواجهة الحضارة الغربية فوجود التأثير لا يعد دليل انتقاص
    للثقافة العربية، بل دليل قوة ومجلى ندية وتحاور خلاق بين الحضارات


    وقد سدّ عياد بدراسته لأثر
    كتاب «الشعر» الأرسطى فى البلاغة والنقد العربيين، وفى الإبداع الشعرى
    كذلك؛ سدّ ثغرة تركها استاذاه أمين الخولى وطه حسين، عندما أكدا تأثير
    كتاب «الخطابة» الأرسطى فى البلاغة العربية والنقد العربى، وتركا أمر
    كتاب «الشعر» فنهض هو بهذا العمل خير قيام، فبدأ من حيث انتهيا، وأثبت فى
    نهاية الشوط حيوية الثقافة العربية التى تعطى دون زهو وتستمد دون صغار


    وفى مجال تأصيل «الأسلوبية
    العربية» حقق شكرى عياد ـ إلى حد مُرضٍ ـ حلم تحويل البلاغة العربية العجوز
    إلى علم أسلوب فتىّ وحديث، ذلك الحلم الذى لطالما خايل أستاذه أمين الخولى
    ووضع لبنته الأولى فى كتابه «فن القول» وقد كانت خطة شكرى عياد تنهض على
    أساسين التراث البلاغى وفق منظور اصطفائى يستصفى منه العناصر الحية
    الخالدة ويجدلها مع عناصر علم الأسلوب الغربى الحديث وهذا هو الأساس الثانى
    وأثمر هذا المزج بين بُعدى الموروث والوافد فى ثقافتنا علم أسلوب
    أصيلاً بقدر ما هو حديث، تتجاور فيه ـ تجاورًا خلاقاً فاعلاً ـ عناصر
    الموروث، و ما توصلت إليه النظرية الأسلوبية الغربية الحديثة


    وفى مجال تأصيل «فن القصّ»
    العربى تجلى إيمان شكرى عياد بالتراث؛ فقد كشف فيه عن وجود «فن قصصى»
    حىّ، نامٍِ، ومتطور، بدأ «خبرًا» فـ «مقامة» ثم «مقالة قصصية» ثم «قصة
    حديثة» على يدى عميد الأدب العربى طه حسين، ثم فناً تام النضج، بيّن
    الاكتمال، يساير الاتجاهات الحداثية مثل «تيار الوعى» و«السيريالية»
    وغيرهما


    ومما يجدر التنويه به فى هذا الصدد أن
    إسهام شكرى عياد فى تأصيل فن القصّ العربى، كان إسهاماً واعيًا ومخلصًا فى
    بناء الثقة بالشخصية العربية الكسيرة فى كارثة العام السابع والستين
    المزلزلة، وذلك ضمن مراجعة قاسية وشاملة للذات؛ للوقو ف على نقاط الضعف
    واستئصالها، والتعرف على نواحى الابتكار والأصالة وتنميتها


    والقمين بالإكبار هو موقف
    ناقدنا شكرى عياد فى أثناء ممارسته لعملية التأصيل، فقد كان موقفه هو ذلك
    الموقف المتوازن، الذى لا يعادل إيمانه بتراثه إلا إيمانه بتقدم الثقافة
    الغربية، ومن ثم استحالة تجاهلها


    فى التنظير

    قدم شكرى عياد فى مجال «التنظير
    النقدى» جهدًا متفردًا، فقد أسس للنقد الأسطورى فى الثقافة العربية،
    مستفيدًا من مدرسة «النقد الجديد» الأمريكية وتقنياتها، وقد كان باعث دراسة
    هذا اللون من النقد هو الوقوف على الأبعاد النفسية والأسطورية فى شخصية
    البطل العربى «عنترة بن شداد» وقد ترك الناقد فى هذا الصدد كتابًا ظل
    ـ إلى اليوم ـ فذًا يتيماً وهو كتاب «البطل فى الأدب والأساطير» كما
    أسهم بجهد ممتاز فى »نظرية النقد» بمحاولته صياغة «نظرية نقدية» ذات جذور
    عربية إسلامية تتخذ من «الذوق» أداة ومن «التذوق» منهجًا، ومن «القيمة»
    مرتكزًا


    وعياد بهذه النظرية يسهم فى «علمية
    النقد الأدبى» علمية العلوم الإنسانية وليس العلوم الطبيعية التجريبية،
    كما أنه يسهم فى إعادة الاعتبار لـ «القيمة» ذلك العنصر الذى كاد يغيب
    من أفق النقد الحديث


    كما أسهم شكرى عياد فى «نظرية الأدب»
    إسهامًا يعد دليلاً على تكامل وعى الناقد وتماسك رؤيته النقدية، حيث يتضح
    إيمانه بالبعد الاجتماعى للأدب، وما يمكن أن يؤديه من دور فى تغيير المجتمع
    نحو الأفضل، ومن استشراف لآفاق الحياة المستقبلية ومن تعبير صادق عن الروح
    العميق للعصر


    وفى «تاريخ الأدب» يتجلى جهد شكرى عياد
    التنظيرى فى إعادة الروح الفنى إلى هذا النوع من أفرع الدراسة الأدبية،
    بدعوته إلى ضرورة الاعتماد على دراسة النصوص الأدبية، والنأى به عن السير
    فى ركاب التاريخ السياسى للدول، ونبذ التقسيم العشرى للحقب الأدبية من
    «خمسينيات إلى ستينيات إلى سبعينيات إلخ كما يتجلى جهده ـ أيضاً ـ
    فى بلورته مفهوماً ومنهجًا جديدين لتاريخ الأدب، وإيمائه إلى آفاق رحبة،
    وممكنات مغرية يمكن أن يرتادها هذا العلم؛بوصفه ذاكرة حضارية للأمة،
    ومتحفاً تُستجلى فيه أصدق لحظات الإبداع الإنسانى


    فى التطبيق

    يلاحظ ـ ابتداءً ـ أن ثمة تناظرًا بين
    هذا البعد التطبيقى من فكر الناقد، والبعد السابق عليه، فالتطبيق يعد وجه
    العملة الآخر للبعد التنظيرى، وهذا الملحظ مما يضفى المصداقية على دعاوى
    الناقد النظرية، التى لا ينى يضعها على محك التطبيق الفعلى المباشر


    بدأ شكرى عياد ناقدًا تطبيقيا أسلوبيا
    من خلال دراسته القرآنية القيّمة «من وصف القرآن يوم الدين والحساب»
    ثم توالت من بعدها دراساته الأسلوبية التطبيقية المتعددة مثل «صيغة
    أفعل التفضيل فى شعر المتنبى» و«دراسة أسلوبية لشعر حافظ» وغيرهما وقد
    كان عياد يتغيا من وراء تطبيقاته فى «الأسلوبية» غايتين اثنتين أمّا
    أولاهما فهى تأكيد الدراسة العلمية للأدب وأما الأخرى، وهى مبنية على
    الأولى فهى إشاعة روح الانضباط والتحديد فى الذائقة الأدبية للدارسين
    والمتلقين جميعًا، نفياً لروح الميوعة التى سرت فى الأدب بل فى حياتنا
    كلها


    وفى النقد التطبيقى الكلاسىّ يتبدى
    جليًا نجاح الناقد فى الإفادة من كتاب أرسطو طاليس «فن الشعر» الذى يعد
    عمدة هذا النقد ففى تلك الدراسات التطبيقية التى انتجها الناقد يشيع
    الروح الكلاسى التقويمى التشريعى، الذى يقف للمبدعين بالمرصاد، ليلزمهم
    جادة قوانين الصناعة الشعرية التى وضعها أرسطو فى كتابه «فن الشعر»


    وفى دراساته التطبيقية فى مجال تاريخ
    الأدب، تتجسد واضحة بارزة، تلك القضية بالغة الأهمية، وهى اتكاء الناقد على
    تأكيد دور السياق الحضارى للأدب، ورده الظواهر الفنية إلى ظواهر حضارية،
    وتأكيده انبثاق الرؤية الفنية من الواقع الحضارى، وتقيدها بطابعه، وحملها
    خصائصه


    من أجل ذلك استحق الناقد الدكتور شكرى
    عياد تلك المكانة السامقة التى احتازها ـ بأستاذية واقتدار ـ فى صلب خارطة
    المشهد النقدى المعاصر، بوصفه أحد أهم نقاد الأدب فى النصف الثانى من القرن
    العشرين








      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 7:31 pm