منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.

    الخطاب وأنواعه

    شاطر


    تاريخ التسجيل: 31/12/1969

    الخطاب وأنواعه

    مُساهمة   في الخميس يناير 12, 2012 8:45 pm

    [color=darkred][b][center]
    الخطاب وأنواعه:
    الخطاب بين المفهوم والاصطلاح :
    في الكافي لمحمد الباشا، الخطاب: " مصدر خاطب: المواجهة بالكلام، ويقابلها الجواب - :الرسالة. والخطابة مصدر خطب: عمل الخطيب وحرفته. والخُطَب: مصدر خَطَب: الحال والشأن. " قال فما خطبكم أيها المرسلون "(2) - الأمر الشديد يكثر فيه التخاطب، وغلب استعماله للأمر العظيم المكروه. (ج) خطوب. الخطبة: مصدر خَطَبَ: ما يخطب به من الكلام"(1).

    وفي معجم المصطلحات العربية الخطاب، " الرسالة Letter، نص مكتوب ينقل من مرسل إلى مرسل إليه، يتضمن عادة أنباء لا تخصُّ سواهما، ثم انتقل مفهوم الرسالة من مجرد كتابات شخصية إلى جنس أدبي قريب من المقال في الآداب الغربية- سواء أكتب نظماً أو نثراً – أو من المقامة في الأدب العربي"(2).

    وفي المعجم الوسيط: ( خاطبه ) مخاطبة، وخطاباً: كالمه وحادثه، وخاطبه: وجه إليه كلاماً، والخطاب الكلام وفي القرآن الكريم: فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب"(1).

    أما في المعاجم الأجنبية فإن الخطاب " مصطلح ألسني حديث يعني في الفرنسيةDiscourse ، وفي الإنجليزية Discourse، وتعني حديث ، محاضرة ، خطاب ، خاطب ، حادث ، حاضر ، ألقى محاضرة، وتحدث إلى" (2). وفي معجم أوكسفورد الموجز للغة الإنجليزية، يعرف الخطاب بأنه:

    "عملية الفهم التي تمر بنا من المقدمة حتى النتيجة اللاحقة.

    الاتصال عبر الكلام أو المحادثة، القدرة على المناقشة.

    سردي.

    تناول أو معالجة مكتوبة، أو منطوقة لموضوع طويل مثل بحث أو أطروحة أو موعظة أو ما أشبه ذلك.

    الاتصال المألوف، المحادثة.

    أن يقوم بخطاب تعني أن يتحدث ويناقش مسألة ما.

    أن يتكلم أو يكتب بشكل مطول عن موضوع ما.

    أن يدخل في نقاش منطوق أو مكتوب، أن يخبر، أن ينطق.

    أن يتحدث مع، أن يناقش مسألة مع، أن يخاطب شخصاً ما.

    المخاطب هو الذي يخاطب، المخاطب هو الذي يفكر.

    عملية أو قدرة أو مقدرة التفكير على التوالي منطقياً، عملية الانتقال من حكم لآخر بتتابع منطقي، ملكة التفكير"(1).

    وفي معجم المصطلحات الأدبية الحديثة لـ (محمد عناني) : "الخطاب ومعناه " اللغة المستخدمة ( أو استخدام اللغة) Language in use لا اللغة باعتبارها نظاماً مجرداً. ولكن ثمة ضروباً منوعة من الدلالات لهذا المصطلح حتى في نطاق علوم اللغة. فيقول مايكل ستابز Stubbs في كتابه " تحليل الخطاب" ( 1983) تعليقاً على استخدام مصطلحي النص والخطاب Text and discourse إن ذلك كثيراً ما يتسم بالغموض ويبعث على البلبلة. وهو يقول إن الخطاب كثيراً ما يوحي بأنه أطول وبأنه قد يتضمن أو لا يتضمن التفاعل ( ص9).

    وهكذا فبعض اللغويين يعتبرون أن الكلام الذي يقال في حلقة دراسية Seminar يمثل كله خطاباً، بمعنى عملية تبادل للأفكار تكتسي ثوباً لفظياً، على حين يعتبر آخرون أن بياناً واحداً في الحلقة يعتبر خطاباً، طال أو قصر. كما يختلف اللغويون في إمكان " جمع " الخطاب، فبعضهم يقول إنه يجمع (خطابات) والبعض الآخر يقول إنه يجمع وغير قابل للعد والإحصاء، ويذهب فريق ثالث إلى إمكان جمعه في أحوال معينة. فإذا كان الخطاب " يجمع " فسوف تكون المشكلة التالية هي البت فيما يشكل حدود تعريف الخطاب الواحد، ويقول ستابز إن وحدة خطاب محدد يمكن تعريفها من حيث البناء أو الدلالة أو الوظيفة (ص5).

    أما جيرالد برنس فيقول في كتابه " معجم علم السرد " ( 1988) إن للخطاب معنيين منفصلين في إطار نظرية السرد: الأول هو المستوى التعبيري للرواية لا مستوى المضمون، أي عملية السرد لا موضوعه، والثاني يتضمن التمييز بين الخطاب والقصة Story ( وبنفنيست Benvenisite يستخدم الخطاب و histoire في كتابه بالفرنسية)، لأن الخطاب كما يقول ستابز يوحي بعلاقة بين " حالة أو حادثة وبين الموقف Situation الذي يوحي فيه لغوياً بهذه الحالة State أو الحادثة Event (ص21). أي إن التعريف هنا يستند إلى التفرقة بين الخبر والإخبار به، أو بين الواقعة والإبلاغ عنها، مما يماثل الفرق بين enonciation و enonce .

    ويفضل بعض كتاب الإنجليزية الاحتفاظ بالصورة الفرنسية للكلمة ( أي دون حرف الـ (e ) الأخير) عند استخدم الخطاب بالمعنى الذي استخدمه فيه بنفنيست ).

    وأما فوكو فيقول إن الخطاب يمثل " مجموعة كبيرة من الأقوال أو العبارات" ("أثرية المعرفة " – 1972 ، ص 37) – ويعني بها " مساحات لغوية تحكمها قواعد"، وهي القواعد التي تخضع لما يسميه فوكو " بالاحتمالات الاستراتيجية ". ومن ثم فإن فوكو يقول إنه في لحظة معينة من تاريخ فرنسا مثلاً سيكون هناك خطاب معين ( أي لغة معينة ) للطب – ويعني بها هنا مجموعة من القواعد والأعراف والنظم (نظم التوسط (mediation التي تحكم أسلوب الحديث عن المرض والعلاج، ومتى يكون ذلك وأين وعلى أيدي من؟ ولكن المشكلة، لا تزال قائمة وهي كيف نضع حدود خطاب معين؟ ويرجع أحد جوانب المشكلة إلى استخدام فوكو لتعبير Discursive formation بطريقة توحي بأنه يمكن أن يعني تقريباً ما يعنيه " الخطاب" ؛ إذ إن كلمة discursive هنا تستعمل صفة من discourse لا بمعناها المألوف أي باعتبار صفة من " اللف والدوران " – مما جعل ناقداً آخر هو جون فراو Jone Frow ( في كتابه " الماركسية والتاريخ الأدبي" – 1968) يقترح استخدام تعبير بديل عنه وهو " عالم الخطاب" universe of discourse ويقدم نماذج له من أنواع الخطاب الديني والعلمي والبراجماتي والتقني اليومي والأدبي والقانوني والفلسفي والسحري، وما إلى ذلك بسبيل، ويفرق بين ذلك كله وبين أنواع الخطاب genres of discourse التي يعرفها، استناداً إلى فولو شينوف بأنها " مجموعات من الملامح الشكلية والسياقية والموضوعية، ذات أبنية معيارية، أو " طرائق الحديث" في موقف من المواقف." (ص67) .

    ويقول فوكو، إن لكل مجتمع وسائله في " ضبط " أنواع الخطاب فيه، واختيار بعضها وتنظيمه وإعادة توزيعه، وأن الهدف من هذا " الضبط " هو تفادي " الأخطار والقوى" ( 1981-ص52).

    وهذه الوسائل تتحكم فيما يطلق عليه فوكو تعبير discursive practices ( ممارسات الخطاب) وdiscursive strategies ( استراتيجيات الخطاب) و discursive objects ( أهداف الخطاب) بحيث تتضح الملامح المنتظمة للخطاب discursive regularities في كل حالة.

    وتعلق ليندا نيد Lynda Nead على استخدام فوكو لهذا المصطلح قائلة إنه يتسم بعدم الاتساق ومن ثم فإن المرء لا يثق فيما يعنيه المصطلح على وجه الدقة حتى داخل كتاب واحد أو مقال واحد من مقالات فوكو، وهي تدلل على ذلك بتحليل استخدامات فوكو للمصطلح في كتاب " تاريخ النزعة الجنسية " History of Sexualit ( 1988-ص4).

    وإذا نظرنا إلى المعجم الصغير الملحق بكتاب باختين " الخيال الحواري" (1981) وجدنا أن كلمة الخطاب تستخدم ترجمة للكلمة الروسية Slovo، التي قد تعني كلمة واحدة، أو طريقة في استخدام الكلمات توحي بدرجة ما من السلطة ( ص 427) والمعنى هنا ليس بعيداً عن معاني فوكو، فخطاب الثقة أو حديث الثقات authoritative discourse هو اللغة ذات المزايا التي تأتينا من خارجنا، وتفصلنا عنها مسافة، وهي محرمة، ولا تسمح بالمساس بسياق إطارها" ( ص424). أما خطاب الإقناع الداخلي Internally persuasive discourse فهو الخطاب الذي يستخدم نفس ألفاظنا ولا يقدم نفسه في صورة "الآخر" أي باعتباره ممثلاً لقوة أجنبية، أي غريبة عنا. وأما الخطاب السامي ennobled discourse فهو الذي أضفي عليه الطابع " الأدبي" وأصبح رفيعاً وليس في متناول أيدي الجميع. ويورد تودوروف Todorov في كـتـابه عن باختين

    (1984) مقتطفات من كتاباته تدل على الاختلافات القائمة بين شتى معاني الكلمة لديه ( أو ما يقابلها بالروسية ) – منها " الخطاب"، أي اللغة في مجموعها المجسد الحي"، و " الخطاب، أي اللغة باعتبارها ظاهرة مجسدة كلية "، و " الخطاب، أي النطق" (بالروسية) vyskazyvanie . ويصر باختين على أن الخطاب يعني اللغة المجسدة الحية ذات الشمول والاكتمال في كتابه عن دستويفسكي ( 1984-ص181)، وينكر أنها اللغة " باعتبارها موضوع دراسة علماء اللغة والتي يعرفونها من خلال عملية تجريد ضرورية ومشروعة من شتى جوانب الحياة العملية للكلمة" (نفس الصفحة) .

    والواضح، كما يقول هوثورن ( 1994)، إن الإيديولوجيا بشتى تعريفاتها، من "الجيران الأقربين" للخطاب طبقاً لمفهوم فوكو وباختين. ولم ينس تودوروف أن يأتي بمصطلحين جديدين هو الآخر للحاق بأسرة الخطاب، هما الخطاب الأحادي التكافؤ monovalent discourse، والخطاب المتعدد التكافؤ polyvalent discourse ". (1)

    " هذا من الناحية اللغوية البحتة، أما الخطاب في التعريف الاصطلاحي للخطاب، كما جاء في الكتب النقدية. فقد تجاذبته اتجاهات متعددة، وقع بعضها في مزالق أدت إلى الخلط بين مفهوم الخطاب كمصطلح نقدي، وبين الكلام بمفهوم" دي سوسير".

    أما النص فهو وحدة معقدة من الخطاب ، إذ لا يفهم منه مجرد الكتابة فحسب وإنما يفهم منه عملية إنتاج الخطاب في عمل محدد(1).

    وبين الخطاب والنص علاقة قوية جداً " فالخطاب مجموعة من النصوص ذات العلاقات المشتركة أي أنه تتابع مترابط من صور الاستعمال النصي يمكن الرجوع إليه في وقت لاحق، وإذا كان عالم النص هو الموازي المعرفي للمعلومات المنقولة والمنشطة بعد الاقتران في الذاكرة من خلال استعمال النص فإن عالم الخطاب هو جملة أحداث الخطاب ذات العلاقات المشتركة في جماعة لغوية أو مجتمع ما … أو جملة الهموم المعرفية التي جرى التعبير عنها في إطار ما" (1) .

    أنواع الخطاب :

    تتعدد أنواع الخطاب العربي وتختلف باختلاف مرجعيتها، ولقد قسمها منذر عياشي إلى ثلاثة أنواع؛ يأتي على رأسها الخطاب القرآني. وهو خطاب إلهي، مطلق ولا نهائي في دواله ومدلولاته "ليس كمثله شيء "(2)، كتب الله على نفسه حفظه، قال تعالى : " إنا له لحافظون "(3) .

    " النوع الثاني: ويمكن تسميته " الخطاب الإيصالي " ونماذجه متعددة سياسية، وإرشادية ووعظية وقضائية وإقناعية، واجتماعية، وإعلامية إلى آخره. - يقول د.الجابري: " صنفنا الخطاب …إلى أربعة أصناف: الخطاب النهضوي وجعلناه يدور حول قضية النهضة عامة والتجديد الفكري والثقافي خاصة، والخطاب السياسي ومحورناه حول "العلمانية" وما يرتبط بها والديمقراطية وإشكاليتها، والخطاب القومي وركزناه حول " التلازم الضروري" – الإشكالي الذي يقيمه الفكر العربي بين الوحدة والاشتراكية من جهة وبينهما وبين تحرير فلسطين من جهة ثانية. ويأتي الخطاب الفلسفي أخيراً ليعود بنا إلى صلب الإشكالية العامة للخطاب العربي الحديث والمعاصر، وإشكالية الأصالة والمعاصرة –"(1).

    والنوع الثالث: ويمكن أن " نسميه الخطاب الإبداعي ( الشعري ) ونماذجه متعددة هي الأخرى، ولكن يتميز عن الأول بأنه خطاب يقوم على مبدأ الأجناس الأدبية"(1).

    1- الخطاب القرآني :

    إن الخطاب القرآني خطاب إلهي، لم يستطع أحد تسميته إلا كما سماه الله عز وجل في كتابه الكريم حيث سماه (الكتاب) متفرد عن غيره من الخطابات وفي كل مستوياته الصوتية، والمعجمية، والتركيبية، والإيقاعية، والتداولية.

    أصواته منسجمة متماسكة، ألفاظه واحدة لا تقبل التعدد وتركيباته وإيقاعاته مطلقة ولا نهائية، خطابه متفرد " ليس كمثله شيء " ورغم ذلك فقد أخذت عنه كل الخطابات والأجناس، وليس لأحد أن يأتي ولا بآية من مثله، ولقد تحدى القرآن بذلك قال تعالى: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إذ كنتم صادقين "(1).

    وإن أهم ما يميز الخطاب القرآني هو مرجعيته فالله سبحانه وتعالى هو المرسل، والقرآن كلمة الله نزلت على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كلمته التي تحمل كل صفاته ولانهائيته وبقائه على خلاف الأنواع الأخرى من الخطابات التي تفرض بعض النظريات المعاصرة مثل موت المرسل بمجرد الانتهاء من إنجاز عمله وخروج عمله إلى النور وتسلمه من قبل المتلقين.

    الخطاب القرآني لانهائي الدال والمدلول أو التركيب " خطاب يميل إلى مرجعية ثلاثية فهناك مرجعية الدال، ويكون النص على مثال مرسله. وهناك مرجعية المدلول، ويكون النص فيها على مثال متلقيه. وهناك أخيراً، مرجعية النص نفسه على نفسه ويكون النص فيها دالاً ومدلولاً خالقاً لزمنه الخاص ودائراً مع زمن المتلقين في كل العصور، وسمة القراءة في كل ذلك، أن كل واحدة من هذه المرجعيات تستقل بذاتها وتطلب الأخرى في الوقت ذاته"(1).

    الخطاب القرآني خطاب لا ينطق إلا بلفظه، حيث لا يجوز لقارئه أن يقرأه إلا بلفظ داله، وإن اختلفوا في لغات المدلول، فالخطاب القرآني موجه للناس كافة هادياً ومنيراً، ولكل متلق حاذق الحق في تأويل مدلولاته اللانهائية المستمرة المطلقة المنسجمة مع حاجات الناس في كل زمان ومكان، ولكل الحق في إعادة إنتاج النص الديني معرفياً بالإيمان الحق.

    الخطاب القرآني لا يترجم وإنما تشرح مدلولاته بكل اللغات، ولا يستطيع أحد أن ينقله إلى أي لسان آخر كما ترجم الإنجيل والتوراة إلى العربية وغيرها. وإذا كان الأسلوب يعرف أحياناً بأنه الشيء الذي يفقد العبارات عند ترجمتها إلى لغة أخرى، كما يحدث في ترجمة الشعر حيث تقتل روحه وإيقاعه أي خاصيته، أسلوبه بالترجمة، وكذلك فإن القرآن بالترجمة يفقد إعجازه في مستوى من مستوياته، وإن لم يكن بها جميعاً فلم يستطع أحد ترجمة " حتى يلج الجمل في سم الخياط " أو " رؤوسها كأنها طلع الشياطين" وغيرها من الأمثلة مما لا يحصر فلقد كتب الله على نفسه أن يحفظه.

    2- الخطاب الإيصالي ( النفعي ) :

    إن عملية الإيصال لا تكون إلا بوجود الأقسام الثلاثة المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والخطاب الإيصالي " يقوم على لغة نفعية استهلاكية مباشرة، وهذا طبيعي ما دام الإيصال هو غايتها، وما دام الخبر والإفهام، عبر الرسالة المنقولة هو هدفها، ولذا فإن المرسل يقول فيها لغته المكتسبة طبيعياً، ويخضع عفوياً ودون تكلف أو إعمال للذهن إلى قضاء المكونات القاعدية المتعارف عليها: صوتاً أو نحواً وصرفاً وتركيباً، ومعنى ودلالة وهو في التزامه هذا يعبر عن خضوعه إلى قضاء الاتفاق الحاصل مع المرسل إليه"….

    ولقد ذهبت بعض الدراسات الحديثة، إلى دراسة هذا النوع من الخطاب تحت اسم ( La Pragmatique- النفعية أو التداولية" ، وهذه الدراسات كما تقول (فرانسواز آرمينغو) تدرس " اللغة ظاهرة استدلالية، وإيصالية واجتماعية في الوقت نفسه"(1).

    تبدأ مرجعية الخطاب الإيصالي النفعي من الخطاب وتنتهي بالمرسل .. يقول منذر عياشي " إذا كان الخطاب هو بالضرورة فعل الكلام " كما يقول تودورف(2) ، فإن الخطاب الإيصالي، يشذ عن هذه القاعدة لسببين: أولاً: لأن الإيصال قد يكون بأدوات غير لغوية، ثانياً: لأن اللغة ليست هدفاً إيصالياً بحد ذاته، ولا هي أيضاً جزء من أهداف الإيصال…

    ويرى أنه كلما اشتدت غيبة الخطاب كائناً مستقلاً وطغى حضور المرسل كائناً باثاً، ازدادت عملية الإيصال وضوحاً وحققت أهدافها … حيث أن هدف الإيصال هو نقل فكرة المرسل لا نقل لغة الخطاب التي يتم الإرسال بها … فالخطاب الإيصالي في مقصوده، هو المرسل فيما يريد أن يخبر عنه، وهو بهذا. أي المرسل، يستمر بقاؤه لأنه يحقق وجوده الاجتماعي"(1).
    3- الخطاب الإبداعي :

    يقوم الخطاب الشعري الإبداعي على ستة عناصر كما حددها جاكبسون تغطي كافة وظائف اللغة بما فيها الوظيفة الأدبية. فلقد وجد أن السمة الأساسية التي من أجلها وجد النص هي الاتصال، هذا ويأخذ النص سماته الخاصة من خلال تدرج وظائف عناصر الاتصال، والتي فصلهما جاكبسون في نظرية الاتصال (Communication theory )، وليس من خلال احتكاره لواحدة منها.

    وفي نظرية الاتصال " يذكرنا جاكبسون بمبدأ المحورين الذي عرضه سوسير : محور التزامنات (Axedes Simultaneites ) أو محور الانتقاء(Selections) ومحور التعاقبات (Successitivites) أو محور التركيب ( Combinaison) ويطلق عليهما اسمي المحور الاستبدالي (Axe paradigmatique) والمحور النظمي( Axe Syntagmatique) فالعلاقات التركيبية هي معطيات الجملة القابلة للملاحظة، أما العلاقات الاستبدالية فتقع على محور الانتقاء باعتبارها أفعالاً بالقوة(Virtualites)….

    ويتم الانتقاء بناء على قاعدة التكافؤ (Equivalence) والتماثل (Similarite) والتباين (Dissimilarite) والترادف (Synonymie) والتضاد (Antonymie)، بينما يستند التركيب إلى التجاور (Contiquite). غير أن الوظيفة الشعرية تـسقـط

    (Projettee) مبدأ التكافؤ لمحور الانتقاء على محور التركيب فيصبح التكافؤ إذاً إجراء مكوناً للمتتالية ( Sequence)" (1).

    أما العناصر فهي :

    - " المرسل: الذي يرسل الرسالة إلى شخص ما، ومن يتكلم أو يكتب.

    - الرسالة: موضوع الإيصال.

    - المرسل إليه: مستقبل الرسالة ( المتلقي )وغاية إرسالها.

    - المحيط ( السياق ): المرجع الذي يحيط المرسل إليه به علماً، ( حتى يستطيع إدراك مادة القول ).

    - رموز الإيصال ( الشفرة ): وهي مشتركة بين المرسل والمرسل إليه، وهي الخصوصية الأسلوبية لنص الرسالة.

    التماس أو قناة الإيصال: وهي مادية ونفسية وبموجبها يقوم التبادل ويستمر دوامه.

    سياق

    رسالة

    مرسل ___________________________ مرسل إليه

    وسيلة

    شفرة

    وكل قول يحدث إنما يدور في هذه المدارات الستة مهما كان نوع ذلك القول، واختلاف الأقوال في طبيعتها إنما يكون في تركيزها على عنصر من هذه العناصر أكثر من سواه فليست المسألة مسألة الوظيفة الوحيدة، بل مسألة الوظيفة المهيمنة وبذا تختلف الوظائف حسب تركيزها على العناصر"(1)، ولقد حدد جاكبسون تلك الوظائف على النحو التالي:

    " الوظيفة الإخبارية، التعليمية، التفسيرية، فنحن نتكلم لكي نقول شيئاً، أو نعرف به.

    الوظيفة التعبيرية، فنحن لا نتكلم لكي نعبر وحسب، وإنما نتكلم أيضاً لكي نخبر عن أنفسنا، والرسالة في هذه الحالة مركزة على المرسل، يعبر فيها عن خوفه، وغضبه، وسخريته، ومعتقده ... الخ وهو هنا ينقل كذلك خبراً، لكنه مختلف عن الأول.

    وإذا كنا نقدر أن نطرح حول الوظيفة الأولى سؤالاً وهو؛ هل الخبر حق أم باطل؟ فإن السؤال حول الوظيفة الثانية هو: هل الخبر صادق أم كاذب؟

    الوظيفة التحريضية : يمكن أن نتكلم أيضاً لكي نحرض، لكي ندفع إلى العمل، كأن نعطي أمراً أو نصيحة، والرسالة هنا مركزة على المرسل إليه ( المتلقي )، ووظيفتها تحريضية وهي لا تدخل في مجال الخطأ والصواب، وإنما مجالها المشروعية واللامشروعية: هل لي الحق في إعطاء هذه الرسالة أم لا؟

    وظيفة المؤانسة (Phatique): الرسالة هنا لا هدف لها إلا إقامة علاقة اتصال، أو تثبيتها، أو قطعها. لا نتكلم هنا لنقول رسالة، بل لنأنس إلى ما حولنا وليأنس به، وهنا لا نبحث عن حقيقة، هنا نأنس مع العالم.

    الوظيفة الوصفية النقدية: وهي التساؤل حول لغتنا، حول ما لا يفهم من كلامنا: ماذا تريد أن تقول؟ ماذا تعني؟

    الوظيفة الشعرية: وهي أن يكون هدف الرسالة ذاتها، بوصفها واقعاً مادياً، باستقلال عن معناها، وتتجلى هذه الوظيفة بقدر ما يكون الدال أكثر أهمية من المدلول وبقدر ما تتغلب كيفية القول على مادة القول"(1).

    ا- المؤلف ( المرسل):

    تحتوي مفردات قضايا الحداثة كما يقول د. محمد عبد المطلب: " على طرفين أخذا عناية خاصة من الدارسين هما: المبدع والمتلقي، ذلك أن اكتمال الإطار اللغوي مرهون بهذين الطرفين، وهذا يعني الجمع بين الإنتاج والاستهلاك على صعيد واحد، وقد طرح هذا الجمع نفسه بشكل لازم في جميع التيارات النقدية قديماً أو حديثاً"(1).

    ويؤكد بوفونBuffon على دور المبدع فيقول: " إن المعارف والوقائع والكشوف يسهل نقلها – وتعديلها، بل تكتسب كثيراً من الثراء إذا تناولتها أيد كثيرة خبيرة، فهذه الأشياء خارجة عن الإنسان، أما الأسلوب فهو الرجل نفسه"(2).

    وتعتبر الرومانسية من المدارس التي أعطت المبدع أهمية وذلك لاهتمامها بالذات، فهي ترى أن "العمل الإبداعي تعبير عن العالم الداخلي للفنان، وأن فهمنا للنص الأدبي يعتمد – قبل كل شيء – على فهم المبدع أولاً، وذلك يتم بتجميع كل ما يمكن الحصول عليه عن حياة هذا المبدع وسيرته الخاصة، وبهذا يتأكد تميز كل أسلوب عن أسلوب آخر، وتفرده بخصائص لا توجد في سواه من خلال ارتباطه بهذا التكوين الخاص لمبدعه"(1).

    ولكن يعد المؤلف ميتاً في كل من البنيوية وما بعد البنيوية، ويؤكد بارت " أن الكتابة هي في واقعها نقض لكل صوت كما أنها نقض لكل نقطة بداية ( أصل )، وبذا يدفع بارت المؤلف نحو الموت. بأن يقطع الصلة بين النص وبين صوت بدايته، ومن ذلك تبدأ الكتابة التي أصبح بارت يسميها بالنصوصية (Textuality ) بناءً على مبدأ أن اللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف. والمؤلف لم يعد هو الصوت الذي خلف العمل أو المالك للغة أو مصدر الإنتاج، ووحدة النص لا تنبع من أصله ومصدره، ولكنها تأتي من مصيره ومستقبله، ولذا يعلن بارت بأننا نقف الآن على مشارف عصر القارئ. ولا غرابة أن نقول إن ولادة القارئ لا بد أن تكون على حساب موت المؤلف وبذا يحسم بارت الصراع بين العاشقين المتنافسين على محبوب واحد فيقتل رولان بارت منافسه ليستأثر هو بحب معشوقه ( النص ) وينتصر القارئ على المؤلف ويخلو الجو للعاشق كي يمارس حبه مع محبوبه الذي لا يشاركه فيه مشارك. وتتحول العلاقة بين المؤلف والنص من علاقة بين أب وابنه على وجود الابن، إذ تتحول إلى علاقة (ناسخ) و( منسوخ ). أي أن المؤلف لا يكتب من اللغة التي هي مستودع إلهامه، ولا وجود للمصدر إلا من خلال النص، ولولا النص ما كان المصدر"(1)، فالنص هو الأصل وليس المؤلف.

    وبذلك نكون قد شهدنا على يد بارت " مصرع النقد التقليدي الذي ينهزم آسفاً على منظر موت المؤلف حيث تختفي السيرة الذاتية، وتاريخ حياة الكاتب وأزماته النفسية معه، في فناء قاتل. وتحل محل ذلك نظرية فنية في ( استقبال ) النص حيث يقوم القارئ إلى جانب ( الناسخ ) لينعش النص بحياة جديدة. وكنتيجة لهذا فإن الكتابة لم تعد موضعاً لتسجيل الحدث أو مجالاً للتعبير أو انعكاساً وجدانياً، لقد أصبحت الكتابة حالة تمثُّلٍ ذاتي. وبذا يجهز بارت على نظرية ( المحاكاة ) الكلاسيكية التي تعتبر الأدب مرآة تعكس ما هو موجود في الحياة سلفاً. وذاك على نقيض المبدأ الجديد الذي يؤكد أن الناسخ إنما ينسخ نصه مستمداً وجوده من المخزون اللغوي الذي يعيش في داخله مما حمله معه على مر السنين"(1).

    وبذلك فإنه بحسب تصور بارت إن وحدة النص لا تستمد وجودها من أصله بل من النهاية التي ينتهي إليها وهي القارئ، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يكون فيها للنص مستقبل وتستوجب بالتالي أن يمرر حكم الإعدام على المؤلف.

    وموت المؤلف مقولة لها تأثيرها على النصوصية، " فهي مقولة لا تعني ظاهر معناها اللغوي، وهي لا تعني إلغاء المؤلف وحذفه من ذاكرة الثقافة. إنها تهدف إلى تحرير النص من سلطة الظرف المتمثل بالأب المهيمن: المؤلف، إنها تفتح النص على القارئ بما أن القارئ هدف أولي للنص، وتزيح المؤلف مؤقتاً إلى أن يمتلئ النص بقارئه والقارئ بالنص ثم يصار بعد ذلك إلى استدعاء المؤلف ليحضر حفلة زفاف النص إلى قارئه ليبارك العلاقة الجديدة وينتظر الولادة الآتية فرحاً لابنه… لكي يتزوج الابن ويتمدد في أسرة جديدة من النصوص الموازية، ولكي تدخل الشاردة في خصام مع الخلق يجعلهم يسهرون حيث ينام المؤلف/ الأب سعيداً بمجد نصه وتاريخانيته المستديمة.

    وموت المؤلف ليس إذن فناءه ولا نهايته، بل هو – فحسب – ترفيع للنص عن شروط الظرفية وقيودها، ومن ثم فتح المجال لنصوصية النص لكي يدخل النص إلى آفاق الإنسانية عابراً للزمان والمكان، حيث يكون النص والإبداع هو الأصل الذي يلتقي عنده المؤلف والقارئ. ولن يتسنى للنص أن يأخذ مداه مع القارئ ومع التاريخ إلا بعد أن يستقل عن سلطة المؤلف وهيمنته"(1).

    ب – المتلقي ( المرسل إليه):

    يكتب الشاعر وهو يتخيل في ذهنه القارئ، ونوعية جمهوره الذين يكتب لهم وما يريد أن يوصله إليهم. يقول محمد بنيس إن الكتابة الجديدة " التي مارسها أدونيس بأناقة متمردة، ونظر لها، وهي الطرف الأقصى لحداثة شعرنا في هذا العصر، مشعة بالشفوية، وخصيصتها الإنشادية ذات صرح مكين"(1).

    وبذلك بدأ الاهتمام المتزايد بالمتلقي وكان ذلك منذ ظهور ما بعد البنيوية ( Post- structuralism) : " فقد أثار " قتل البنيوية للمؤلف، وتحويلها التواصل البرغماتي إلى لعبة المنطق الشكلي التركيبية، واعتبارها النص الأدبي بنية مغلقة لا علاقة لها بالذات المتلفظة وبسياق التلفظ … ردود فعل متباينة لعل أبرزها تبلور خطاب نقدي يحتفي بالعلاقة المتبادلة بين القارئ والنص. بحيث ينظر إلى القراءة بما هو فعالية تعيد كتابة النص المرصود للقراءة. كما أن النظرية اللسانية ساهمت بدورها في لفت النظر إلى المتلقي فهي تصادر على موضوعها هو النص، باعتباره " مرسلة مشفرنة " (Message Code ) تنتقل عبر سيرورة تواصلية من " مرسل" (Destinateur) إلى مرسل إليه (Destinataire) ويتعين على المرسل إليه أن يحل شفرات تلك المرسلة، مما يعني أن التواصل لا يتحقق إلا حين يتم حل الشفرات هذا بذلك، يقضي " المنهج العلمي بدارسة النص ليس انطلاقاً من المرسل، أي المؤلف بل من زاوية المرسل إليه خاصة أي المتلقي"(1).

    " ويتجه الدارسون إلى الأسلوب باعتباره قوة ضاغطة يسلطها المتكلم على المخاطب بحيث يسلبه حرية التصرف إزاء هذه القوة، فكأن الأسلوب أصبح بمثابة قائد لفظي للمتلقي. هذه القوة الضاغطة تتمثل فيها عملية الإقناع بوسائلها العقلية والتي من خلالها يسلم المتلقي قياده للفكرة الموجهة إليه، كما تتمثل فيها عملية الإمتاع التي تلون الكلام بكثير من المواصفات العاطفية والوجدانية، بحيث تكون هناك مزاوجة بين الجانب الإقناعي والجانب الإمتاعي، كما تتمثل فيها ثالثاً عملية الإثارة والتي بها يوقف المبدع المشاعر التي كانت مختزنة عند المتلقي – أو يجمدها – تمهيداً لإحلال انفعالات جديدة، مسببة عن الطاقة الفكرية والعاطفية الموجهة إليه، ومن ثم يمضي الشخص المثار في اتجاه ردود الفعل المثارة"(1).

    ومع ذلك نستطيع القول إن المتلقي كان سابقاً مستهلكاً، يستمع ويستمتع بجمال ما يسمع، ولم يعد كذلك في الوقت الحاضر فلقد تحول إلى منتج ينقد ويكتب نصاً نقدياً موازياً للنص الأول ومتداخلاً معه، " وهكذا شهدنا، ومنذ الستينات، اتجاهاً نقدياً مؤثراً يقوم على سلطة القارئ، ويستند إلى استجابته للنص الإبداعي: نقد استجابة القارئ Reader – Response Criticism . وهكذا تحولت عناية النقاد من النص باعتباره بناء متحققاً للمعنى إلى استجابة القارئ وهو يتابع النص مطبوعاً على الورق(1). ما عاد معنى النص، إذن، إنجازاً لمؤلفه. بل صار نتاجاً أو خلقاً لمتميز يقوم به القارئ(2) وقد ازدهر هذا الاتجاه، الذي يستند إلى فاعلية القراءة، ازدهاراً بيناً في بيئات نقدية محددة. حتى غدا تياراً مهيمناً. إن النقد البنيوي الفرنسي، كما يقول جونثان كيلر، يقوم جوهرياً على نظرية القراءة(3). ولا شك أن هذا الاتجاه قد جعل من نشاط القارئ مولداً لعدد كبير من الدلالات والمعاني. كل قارئ للنص يجسد، في حقيقته، أحد المعاني الممكنة للنص المقروء. ويمثل القراء، بعددهم المتنامي، تشظيات للدلالة، وتفجرات لها في كل اتجاه. كان ارتباط النص بمؤلف بذاته يعني انغلاقه على معنى نهائي واحد لا يقبل التعدد كما يرى نقاد هذا الاتجاه. أما الركون إلى استجابة القارئ فهو طريق لا نهاية له صوب معان للنص لا نهاية لها(1) أيضاً" (2).

    وكان الجمهور سبباً في دراسة ظاهرة الغموض من قبل النقاد، وعلى من تقع أسبابها، وسبباً في أن يضع الشاعر له من العقبات الكثير لفك مغاليق النص عليه، حيث يضع له في العناوين ما يلفت انتباهه، وفي الغلاف ما يرمز له بشكل كثيف إلى مراد الشاعر، وفي الإهداءات ما يضيء له، وفي الهوامش ما يدله على مفاتيح النص، ويعمل كل ما بوسعه في التشكيل البصري عند الطباعة من أجله ومن أجل التأثير عليه.

    " وإن ما يميز المتلقي امتلاكه حاسة التوقع والانتظار، وكلما قدم له المبدع ما يخالف هذا التوقع وذاك الانتظار فإنه يمتلك قمة البيان الأسلوبي الذي لا يكون إلا مجموعة طاقات وإمكانيات لغوية، والمبدع الفنان هو الذي يمتلك ناصية هذه الطاقات بحيث لا يكتفي بأداء المعنى وحده وبأوضح السبل، وإنما يجب أن يكون الوضوح في أجمل ثوب، بحيث يختار المبدع الشكل الملائم ليعبر عما يخالجه"(1).

    لذلك لا يوجد إبداع أدبي دون متلق، فالمبدع يكتب لمن سيقرأ له، والمتلقي هو الشخص الذي يشغل ذهنه أثناء الإبداع.

    ج- الرسالة Message:

    مالت بعض الدراسات إلى اعتبار النص مرآة للمبدع ولعصره، بل واعتبر بعض النقاد مثل بوفون أن الأسلوب هو الرجل، وبعضها اتجه نحو المتلقي وما لديه من إمكانات وتقانات، بل وأقاموا نقدهم انطلاقاً من فكرة موت المؤلف بإتمام عمله وصدوره إلى الدنيا وتواجده بين أيدي المتلقين. ولكن لم يمنع كل ذلك من اعتماد بعض الدراسات في التحليل على الرسالة بذاتها دون النظر إلى أي عنصر خارجي.

    و" لقد استطاعت هذه الثورة التحليلية المناهجية قتل محاولات الرومانسيين (أسطرة المؤلف) على حساب النص، واستطاعت إلغاء ( الناقد) بصفته مالكاً ومنتجاً لحقائق وثوقية حولته إلى قارئ من بين قراء عديدين. واستطاعت إنهاء الانطباعات السوسيولوجية والتاريخية والنفسانية المحيطة بالنص وطردها عن مركز التحليل إلى درجة ثانوية، واستطاعت بالفعل تدمير مقولة الأنواع الأدبية. إذ بعد التحليل ثبت أن ما يجعل الشعر شعراً ليس هو الوزن والقافية. فهناك كمية هائلة من (الشعر) في الرواية مثلاً.ولكن من ناحية أخرى لم يتم إنتاج ( نص الكتابة) ففي الوطن العربي ورغم شيوع مصطلح (الكتابة) كمفهوم نظري، إلا أننا لم نقرأ حتى الآن نصاً مكتوباً واحداً، إلا تلك المحاولات الساذجة لخلط ( بعض الشعر) ببعض ( النثر) (1)".

    والرسالة - كما نعلم - " عنها تتولد الوظيفة الإنشائية وهي الوظيفة التي تكون فيها الرسالة غاية في حد ذاتها لا تعبر إلا عن نفسها فتصبح هي المعنية بالدرس، وقد جر البحث في العلاقة بين الرسالة والوظيفة الأدبية إلى بعض المواقف المتباينة، فقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الوظيفة ليست موجودة في الكلام العادي التي تؤدي فيه اللغة وظيفتها الاجتماعية الأساسية قائلين إن الوظيفة الأدبية تكون إذ ذاك في الدرجة صفر، واعترض عليهم آخرون محتجين بأن ذلك يدفع بالبحث في شعاب تقف دون تقدمه إذ يصعب تحديد نقطة الانطلاق، أو المعيار الذي تكون فيه اللغة في الدرجة الصفر. وقد ذهب جاكبسون حسماً لهذا النزاع إلى أن كل رسالة مهما كانت غايتها تتضمن وظيفة أدبية بقي أن درجة هذه الوظيفة تختلف من نص لآخر"(1).

    ويقول أدونيس " إن للنص مستويين: الأول هو النص كإمكانية لمعان محتملة، أي كبؤرة للدلالات. والثاني هو النص كمجموعة من المعاني التي كونتها القراءات المختلفة. الناقد/ القارئ هو، في هذا المستوى، شريك في معنى النص"(2).

    وعن علاقة النص بالمبدع يؤكد د. عبد المطلب أن النص الأدبي حقيقة " وليد تجربة ذاتية للمبدع، ولكن التعبير عن هذه التجربة يعطيها لوناً من الموضوعية يتيح للباحث أن يتوجه إلى هذا التعبير باعتباره إفرازاً ذاتياً اصطبغ بتجربة الحياة المعيشة التي تتجاوز إطار الذاتية من خلال وسيلة موضوعية هي اللغة، ولعل اكتساب التجربة المعيشة طابع العموم والشمول – باعتبار – أن البشرية كلها تلتقي في تجربة الحياة – مما يؤكد طابع الموضوعية الذي يكتسبه التعبير الأدبي، لأننا جميعاً في غالب الأحيان نحاول التعرف على ذواتنا في العمل الأدبي الذي نعايشه مما يعطيه طابع العموم الموضوعي الذي يكسبه استقلالية عن المبدع في لحظة التلقي، بل إنه يعطيه استقلالاً خاصاً حتى يمكننا القول إن هذا النص لم يعد ممثلاً للعالم بقدر ما يتمثل العالم فيه.

    ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن الأسلوب يتجسد من خلال المعطيات اللغوية للنص الأدبي، باعتبار هذه اللغة نظاماً من العلاقات مغلقاً على نفسه، تؤسس عالماً قائماً بذاته بحيث تتصل فيه كل وحدة أو تركيبة بما يجاورها ويوافقها أو يخالفها، مكتفية بنفسها اعتماداً على هذه العلاقات التركيبية(1)".

    ويؤكد "أدونيس" على أن النص الشعري له خصوصية حيث " لا تكون له هوية إلا بها، تتمثل في كونه عملاً لغوياً، من جهة، وعملاً جمالياً من جهة ثانية، أي في كونه طريقة نوعية في استخدام اللغة، وطريقة نوعية في الاستكشاف والمعرفة"(2).

    ولعل "بالي" كان من أكثر الأسلوبيين تمسكاً بالرسالة ففي تمييزه بين الأسلوب والأسلوبية و" حينما أحس باحتمال الخلط بين المفهومين لا سيما وقد كان بصدد تأسيس تصورات مستحدثة، فحصر مدلول الأسلوب في تفجر الطاقات التعبيرية الكامنة في صميم اللغة بخروجها من عالمها الافتراضي إلى حيز الموجود اللغوي، فالأسلوب حسب تصور "بالي" هو الاستعمال ذاته فكأن اللغة مجموعة شحنات معزولة والأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع البعض الآخر كما في مخبر كيماوي. ولا شك أن هذا البسط هو وليد نظرية سوسير اللغوية ولذا سيلتقي في منعطفه جل الأسلوبيين بعد "بالي"، سواء منهم من تأثر به مباشرة، ثم طور نظريته، أو من استمدوا مبادئهم النقدية مما أفرزته نظريات سوسير من مناهج هيكلية، ومن هذا اللقاء سينشأ منهج تعريف الأسلوب بالاعتماد على خصائص انتظام النص بنيوياً"(1).

    ويرى الناقد الجديد أن" معنى النص داخل النص ولا نستطيع فرضه عليه من الخارج، من تاريخ المؤلف أو الظرف الاجتماعي أو السياسي الذي كتبه فيه ولا من انطباعات وآراء المتلقي أو نظرته إلى العالم. بمجرد الفراغ من كتابة النص يصبح ذلك النص دائرة مستقلة كاملة مغلقة منفصلة عن كل من ذات المبدع وذات الناقد أو المتلقي. لكن هذا لا يعني أحادية التفسير أو موت المؤلف من منظور النقد الجديد"(2).

    ولكن النصانية لا تأخذ بمفهوم الاقتصار على الرسالة في تحليل النص، بل إنها تستعين بكل ما من شأنه توضيح الغائب من الرسالة.


    د – قناة التوصيل:

    وقد تكون التلفاز، الراديو، الهاتف، الفاكس، الجوال ، الكتاب وجميع أنواع المطبوعات، والانترنت وغيرها من القنوات التي يتم الاتصال من خلالها والتي تتطور بتطور الزمان، وقد تتطورت في عصر المعلومات بدرجة هائلة.


    هـ – السياق :

    أما السياق فهو مفهوم يتعلق بقضايا التأويل والإيديولوجيا والعالم الخارجي كله، لذلك فإن الحديث عنه في النصانية يتطلب ضرورة حصره في الإطار المعرفي المتقاطع مع النص بشكل مباشر.

    ولقد كان ممن تبنى مفهوم السياق فيرث Firth، حيث " يفسر في رأيه الكثير من العمليات المصاحبة لأداء اللغة ووظيفتها التواصلية لدى كل منتج للكلام، والمتلقي.

    والسياق أو القرينة، نوعان، هما: السياق اللغوي Linguistic context والسياق أو القرينة الحالية Context of situation . ويرى فيرث أن الأول منهما هو الذي يعطي الكلمة، أو العبارة، معناها الخاص في الحديث أو النص، وينفي عنها المعاني الأخرى التي يمكن أن تؤديها في حديث أو نص آخر"(1).

    والسياق عند ( جاكبسون ) هو " الطاقة المرجعية التي يجري القول من فوقها، فتمثل خلفية للرسالة تمكن المتلقي من تفسير المقولة وفهمها. إنه الرصيد الحضاري للقول وهو مادة تغذيته بوقود حياته وبقائه … ولا تكون الرسالة بذات وظيفة إلا إذا أسعفها السياق بأسباب ذلك ووسائله … فلكل نص أدبي سياق يحتويه، ويشكل له حالة انتماء، وحالة إدراك …. وهو سابق له في الوجود. فالسياق أكبر وأضخم من الرسالة… وموضع النص من السياق مثل موضوع الكلمة من الجملة، فلا قيمة للكلمة من دون الجملة، مثلما أنه لا وجود للجملة من دون الكلمة" (1) .

    و" ليس للنص وجود خارج سياقه ولذلك فإنه ليس للقصيدة أن تعني وإنما يكفي أن تكون Apoem should not mean but be ، لذلك فإننا في حالة دراسة إنتاج أديب معين، تحتاج إلى سبر هوية (السياق ) الرئيسي للكاتب لنعرف من ذلك كيف نفسر نصوصه" (2) .

    " فالقراءة إذاً هي عملية دخول إلى السياق ، وهي محاولة تصنيف النص في سياق يشمله مع أمثاله من النصوص التي تمثل ( أفقية ) فسيحة للنص المقروء تمتد من دخوله ومن قبله وتفتح له طريقاً إلى المستقبل"(3).

    إن " الضابط في كل قراءة هو السياق فالمعرفة التامة بالسياق، شرط أساس للقراءة الصحيحة، ولا يمكن أن نأخذ قراءة ما على أنها صحيحة إلا إذا كانت منطلقة من مبدأ السياق لأن النص توليد سياقي ينشأ عن عملية الاقتباس الدائمة من المستودع اللغوي ليؤسس في داخله شفرة خاصة به تميزه كنص ولكنها تستمد وجودها من سياق جنسها الأدبي والقارئ حر في تفسير الشفرة وتحليلها، ولكن مقيد بمفهومات السياق"(1).

    ويؤكد بارت " على السياق كضرورة فنية لإحداث فعالية الكتابة، والكتابة لا تحدث بشكل معزول أو فردي، ولكنها نتاج لتفاعل ممتد لعدد لا يحصى من النصوص المخزونة في باطن المبدع، ويتمخض عن هذه النصوص جنين ينشأ في ذهن الكاتب، ويتولد عنه العمل الإبداعي الذي هو النص، وهذا التفاعل بين النصوص في توارثها وتداخلها هو ما يسميه رواد مدرسة النقد التشريحي (Deconstructive Criticism ) بتداخل النصوص ( Intertextuality)" (1).


    و - الشفرة :

    " إن السياق هو الذي يحمل للمتلقي ماهية الرسالة، لكن ذلك لا يتحقق من دون فهم الشفرة التي تصاغ بها الرسالة. الشفرة … بالنسبة لجاكبسون هي وسيط medium لا يتم الاتصال من دونه في حالة النص الأدبي. الاتصال هنا في المعادلة الجاكبسونية يعني الاتصال مع المنطوق، أي قراءة الكلمات المكتوبة أو الاستماع إليها"(2).

    ولما كانت " الشفرة هي اللغة الخاصة بالسياق، فهي الأسلوب الخاص بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص الأدبي. وللشفرة خاصية إبداعية فريدة ، فهي قابلة للتجدد والتغيير والتحول، حتى وإن ظلت داخل سياقها، ويستطيع كل جيل أدبي أن يبدع شفرته المتميزة، بل إن المبدع نفسه – كفرد- قادر على ابتكار شفرته التي تحمل خصائصه، هو جنباً إلى جنب مع خصائص شفرة السياق الخاصة بجنسه الأدبي الذي أبدع فيه …

    ولذلك فإن الشفرة مهمة جداً في ابتكار النص أولاً، ثم في حمايته من الذوبان في السياق، هي خصوصية النص وروح تميزه…، والعلاقة بين السياق والشفرة متشابكة تشابكاً عضوياً مكيناً، فلا وجود لأحدهما دون الآخر"(1).

    و" النص يوجد هويته بواسطة شفرته ( أسلوبه )، ولكن هذه الهوية لا تكون ذات جدوى إلا بوجود السياق فالسياق ضروري لتحقيق هذه الهوية، كما أن السياق لا يكون إلا بوجود نصوص تتجمع على الزمن لينبثق السياق منها، وهذا يعني اعتماد السياق والشفرة على بعضهما لتحقيق وجودهما" (1).


    اللسانيات واللسانيات النصية ( Textual Linguistics)

    بدأت منذ الخمسينات محاولات تجاوز اللسانيات الوصفية والسلوكية، الصوتية أو التركيبية وتجاوز الجملة. وذلك منذ أن " بدأ التوجه نحو تحليل الخطاب ( Discourse analysis )، ففي عام 1952م قدم (هاريس) منهجاً لتحليل الخطاب المترابط Connected سواء في حالة النطق Speech أو الكتابة Writing (1)، استخدم فيه إجراءات اللسانيات الوصفية Descriptive Linguistics: بهدف اكتشاف بنية النص Structure of the text .

    ولكي يتحقق هذا الهدف، رأى هاريس Harris أنه لا بد من تجاوز مشكلتين وقعت فيهما الدراسات اللغوية ( الوصفية والسلوكية )(2)، وهما:

    الأولى: قصر الدراسة على الجمل والعلاقات فيما بين أجزاء الجملة الواحدة.

    والثانية: الفصل بين اللغة Language والموقف الاجتماعي Social Situation، مما يحول دون الفهم الصحيح … ومن ثم اعتمد منهجه في تحليل الخطاب على ركيزتين (3):

    العلاقات التوزيعية بين الجمل.The Distribution Relations Among Sentences

    الربط بين اللغة والموقف الاجتماعي ".(1) The Correlation between language and social situation

    وكان زعيم هذا الاتجاه Firth الذي وضع تأكيداً كبيراً على الوظيفة الاجتماعية للغة(2). مما حدا بعلماء لغة النص إلى الاهتمام بهذا السياق، وما يتصل به من أمور تتعلق بمنتج النص ومستقبله والمحيط الثقافي والمقاصد والغايات، وهي " أمور يشملها مصطلح ( مقاميات ) pragmatics، ومن ثم يجيء تعامل علماء لغة النص مع النص بوصفه حدثاً اتصالياًCommunicative Occurrence(3)"، واعتبار محور اللسانيات النصية هو"كيف تؤدي النصوص وظيفة التفاعل الإنساني Human Interaction "(4).

    وبدأت النصية منذ الستينات " تتجاوز مستوى الجملة إلى مستوى النص، وتربط بين اللغة والموقف الاجتماعي مشكّلة اتجاهاً لسانياً جديداً على نحو يتخذ النص كله وحدة للتحليل" (1).

    هذا و" لعب ثلاثة من اللسانيين دوراً في تطوير الدراسات النصية وهم : فرديناد دوسوسير Ferdinand De Sausure الذي يعد نظرية الدليل signe أساس الأبحاث التي تدور حول النص والشعر باعتبارهما بنيتين ونظامين مستقلين نسبياً … ولقد وضع أسس السيمولوجيا ، وعلى هداه سار رومان جاكبسون Roman Jakobson وقام بدراسة حول الفونولوجيا وحول وظائف اللغة، وفتح باب البحث في الشعرية La Poeticte وفي الاستقلالية النسبية للظاهرة الأدبية .

    ونفذ اميل بنفيست Emile Benveiste - بوصفه لمفهوم المسند إليه Sujet Le في مركز تصوره للغة - إلى مسألة التخاطب Interlocution ومسألة الأنواع الأدبية، التي تتحدد بعلاقتها بالخطاب Discourse وباختصار فقد مهد في آن معاً، للشعرية المقارنة ولبراغماتية القراءة. وعمل هؤلاء الثلاثة جميعاً وفق منظور رسمي منذ ذلك الحين يعرف بـ" البنيوي " Structural " (1). فتحليل النص أخذ يتجاوز لسانيات الجملة من منظور دوسوسير والمعايير البلاغية وهيمنة النقد الأدبي .

    " ويرى دوبوجراند أن الدراسات النصانية مرت بثلاث مراحل رئيسة:

    المرحلة الأولى: هي التي انتهت بحلول الستينيات ولم تكن ذات أثر يذكر على تيار ألسنية الجملة الغالب، وكان من رواد هذه المرحلة ( انجاردن وبوهلر وهمسلف) وغيرهم .

    وبدأت المرحلة الثانية : في نهاية الستينيات وعلى وجه التحديد عام 1968م، حين بدأ عدد من العلماء مثل"رقيه حسن " و " بايك " و" ايسنبرج " يعملون بشكل منفرد في مجال الدراسات التي تتجاوز مستوى الجملة، إلا أن اتجاه هؤلاء لم يحرز أثراً حاسماً لكونه نظر إلى النصوص على أنها تتابعات لمجموعات من الجمل ...

    ومهما يكن من أمر فقد كان الاتجاه في المرحلة الثالثة التي بدأت عام 1972 م، يتركز على محاولة إيجاد نظرية بديلة تحل محل النظريات الألسنية السائدة والتي ثبت عدم قدرتها على الصمود في وجه التساؤلات الأساسية التي تستجوبها الدراسات اللغوية المتكاملة، وقد قام هذا الاتجاه على جهود طائفة من العلماء كان في مقدمتهم "فان دايك "و" دوبوجراند و" درسلر" وغيرهم، ويلاحظ أن كثيرين ممن أسهموا في هذه الاتجاهات كانوا من العلماء الذين ظلوا يحتجون على استقلالية الدراسات الألسنية عن ( السياق الاجتماعي ) بالإضافة إلى علماء الحاسوب الذين حاولوا أن يدرسوا الكيفية التي تتم بها برمجة اللغة في عقل الإنسان "(1).

    و" يرى دوبوجراند أن محاولات (هاريس) والتحويليين في إيجاد قواعد عرفية لإنشاء النصوص آلت جميعها إلى الفشل، لأنها لم تستطع أن تضع معياراً ثابتاً للكيفية التي يتصرف بها الناس في إنشاء النصوص، ولأنها لم تستطع أن تحدد موقفاً واضحاً من النصوص غير النحوية ومن اختلاف الأساليب في داخل النصوص"(2).

    ولذلك ركز بعض العلماء على تعريف النص من خلال مكوناته، كما في تعريف تودورف للنص حيث يقول:"يمكن للنص أن يكون جملة، كما يمكنه أن يكون كتاباً تاماً، وهو يعرف باستقلاله وانغلاقه ". ويقول في وصفه: إنه يكون نظاماً لا يجوز أن نطابقه مع النظام اللساني، ولكن لأن نضعه في علاقة معه:" إنها علاقة تجاور وتشابه في الوقت نفسه ". ويقول مفسراً فكرة النظام بما قاله هيلمسف، فيصبح نظاماً تضمينياً، وذلك لأنه نظام ثان بالنسبة إلى نظام معنوي آخر(1).

    ويذكر في مكونات النص أنه: " إذا كنا نميز في الجملة الشفوية بين مكوناتها الصوتية والنحوية والدلالية، فإننا سنميز في النص مثيلها، ولكنها لا تأخذ الموقع نفسه في الحالتين ... وإذا كنا هكذا فإننا نستطيع أن نتكلم عن الوجه الملفوظي للنص، ونقول إنه مكون من " كل العناصر التي تكون الجمل: العناصر الصوتية والقاعدية إلى آخره " كما نستطيع أن نتكلم بالرجوع إلى العلاقات القائمة بين الوحدات النصية مثل: الجمل ومجموعات الجمل "ويمكننا أن نتكلم أخيراً عن الوجه الدلالي للنص، وهو عبارة عن منتوج معقد للمضمون الدلالي تنتجه الوحدات اللسانية "(1).

    ولقد انتقد البروفيسور روبرت دوبوجراند في كتابه ( Text, Discourse and process Toward a multidisciplinary science of texts )، ما فعله الوصفيون من تفتيت أجزاء نماذجهم المثالية باصطناع وحدات صغرى يفرغونها من خلال التصنيف بحسب سماتها المميزة ويجعلون كل مستوى من مستويات هذه الوحدات الصغرى نظاماً من التفاعلات المشتركة كالوحدات الصوتية والصرفية. ثم ما ارتضوه من تجاهل العلاج للمعاني لكونه في نظرهم مستحيلاً.

    ثم انتقل التوليد بين الذين بدءوا من الطرف الآخر وهو القواعد النحوية بوصفها مجموعة من الضوابط التي تحدد ما ينتمي وما لا ينتمي إلى اللغة، وأجلوا النظر في مسألة شمول قوا

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت يوليو 26, 2014 1:03 am