منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    عبد القاهر ونظمه

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    عبد القاهر ونظمه

    مُساهمة   في الخميس فبراير 16, 2012 8:46 am

    [center]عبد القاهر كما ترى نبهنا على مكان الخبيء في هذه الأبيات لنطلبه وعلى موطن الدفين لنبحث عنه فنخرجه، وفتح لنا الطريق إلى المطلوب لنسلكه، ووضع لنا القاعدة لنبني عليها، وقد حاولنا.
    وهذا النهج منه ليس هو الأوحد المسلوك، ولكنه قد يطلب هو الخبيء، ويبحث عن الدفين فيخرجه، ويسلك الطريق بقدمه، ويبني على القاعدة. أنت واجد ذلك من الإمام في مثل تلك الصورة الشعرية التي نسبت إلى غير شاعر واحد( ). مقول الأبيات كما هي في "الأسرار":
    ولمَّا قضينا من مِنى كلّ حاجــةٍ
    ومسّح بالأركان من هو ماسحُ

    وشُدّت على دُهْم المهارى رحالنا
    ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ

    أخذنا بأطراف الأحاديث بيننـا
    وسالت بأعناق المطيّ الأباطحُ

    تلك رواية الإمام عبد القاهر في "الأسرار" غير منسوبة لشاعر معين( )، ولم يذكر في "الدلائل" إلا الشطر الأخير "وسالت بأعناق المطي الأباطح"، في أربعة مواطن غير منسوبة أيضاً( ). وفي مصادر أخرى جاءت الأبيات منسوبة لكثيّر عزة، كما في "معاهد التنصيص" للعباسي، وفي "زهر الآداب" للقيرواني. أو منسوبة لابن الطَّثْرِيَّة (يزيد بن سلمة) كما في "الوساطة" للقاضي الجرجاني، أو للمضرَّب حفيد زهير كما في "أمالي الشريف المرتضى". ورويت الأبيات على نسق آخر غير الذي ذكر الإمام، وبأعداد أخرى، منها ما يسبقها ومنها ما يتلوها. ولست الآن بصدد بيان هذا، فقد قدّم أحد شيوخ العلم مقالاً في هذا هو النافع المانع، فانظره تغنم( ).
    الذي يعنيني هنا هو أن الإمام عبد القاهر في أوائل كتابه "الأسرار"، وهو السابق تأليفاً على "الرسالة الشافية"، وعلى "دلائل الإعجاز" ـ فيما أذهب إليه ـ قد تناول هذه الصورة الشعرية بالتحليل والتأويل، وهو يعرض بيان أن البصير بجواهر الكلام إذا رأيته يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ، فإنما هو منبئٌ عن أحوال لا ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، ((بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يَقتدحُه العقل من زناده))( ). وأبيات هذه الصورة الشعرية قد ((أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلامة، ونسبوها إلى الدماثة ...))( ).
    وكأنه بذلك يشير إلى ما كان من ابن قتيبة، إذ قالها في معرض وجدانه الشعر أربعة أضرب، منه: ما حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته (كذا) لم تجد هناك فائدة في المعنى، وجعل منها هذه الصورة الشعرية( ).
    وعلى دربه سار بعض الشيء جماعة كابن طباطبا، وإنْ نص على أنّ ما فيها من معنى هو مستوفى على قدر مراد الشاعر( )، وهذه منه حميدة. وكذلك قدامة حين أورد هذه الأبيات في معرض نعت اللفظ السمح السهل المخرج الذي عليه رونق الفصاحة وإن خلت تلك الأبيات من سائر نعوت الشعر الأخرى( ). فهو لا يرى فيها غير سماحة الألفاظ وسهولة مخرجها ورونق فصاحتها وخلوها من المتابعة، فكأنه يردد مقالة ابن قتيبة: "فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى". وغير هؤلاء الثلاثة كثير يدخلون في إشارة الإمام عبد القاهر.
    الذي يعنينا هنا نهج عبد القاهر ونحوه في قراءة هذه الصورة وتلقيها وتحليلها وتأويلها:
    فاتحة القول يطلب الإمام منك (ص22) أن تراجع فكرتك، وأنْ تشحذ بصيرتك، وأن تحسن التأمل، وأن تدع عنك التجوز في الرأي، كأنه يحرضك ويغريك بأنّ ما أنت مقدم عليه جد عظيم، وأنه أيضا جد ضنين بدره على من لا يحسن الغوص، وهو يطالبك بالتحرر من ربقة كل موروث، ويطالبك أن تقوم لهذه الصورة الشعرية حراً غير مكبل بمقالة جاهلية: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة]، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف]. التحرر من ربقة فاسد الموروث، إن معتقداً وإن فكراً وإن ذوقاً، هو السبيل القوي إلى مراجعة الفكر، وشحذ البصيرة، وحسن التأمل، فبغيرها يكون كل فعل عقيماً، وبها تكون كل حركة الولود الودود.
    كأنه يقولها لك: لا تغرَّنك مقالة أبي محمد عبد الله بن قتيبة (ت 276 هـ): "فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى"، من أجل أنها مقالة محدث سني ذي مكانة في باب علوم القرآن والسنة، فكل يؤخذ منه ويرد عليه خلا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وكلٌّ لا يتعبد بقوله من البشر خلا سيدهم المعصوم صلى الله عليه وسلم.
    وكأني بالإمام ذاهب إلى أهمية أن يسبر القارئ المتلقي أغوار نفسه، وأن يفتش فيها، ويختبر طاقات التلقي عنده واستعدادها، وأن يقف على عوائق التلقي ما هو مزيل لها، حتى يكون الجدير بأن يكون الأرض النقية التي شربت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
    مفتاح مقالة الإمام أذانٌ في الناس بالعتق من أسر فاسد الموروث وسلطانه، وبشحذ العزم، والتحريض على الفعل، ويقولها لك إنك إن فعلت الأربعة التي دللتك عليها فانظر في هذه الصورة الشعرية: ((هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفاً إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حُسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيء داخَلَ المعاني المقصودة مداخلةَ الطفيليّ الذي يُستثقل مكانُه، والأجنبيّ الذي يُكره حضورُه، وسلامتِه من التقصير الذي يَفتقر معه السامع إلى تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدل عليها بلفظها الخاص بها، واعتمد دليلَ حالِ غير مُفصِح، أو نيابةَ مذكورِ ليس لتلك النيابة بمُسْتَصْلَح))( ).
    كذلك يدلك الإمام على موطن السحر ومعدنه لتبلغه وتنقب عنه ثَمّ. وهو كما ترى يشير إلى الاستعارة أول ما يشير، على الرغم من أن موقعها في الصورة آخرها، وحسن الترتيب، والسلامة من الحشو المفسد، ومن التقصير في تمام الدلالة. تلك هي مجمل معادن السحر في الصورة عنده.
    ثمَّ يبدأ الرحلة معك، لا يتركك تصل وحدك كما فعل معك في أبيات البحتري المادحة "الفتح بن خاقان"، إنه لك في هذه الرحلة يصاحب، وكأن جوّ هذه الرحلة المصورة قد مسَّه بسحره، فأراد أن يأخذ بأطراف الحديث بينك وبينه، في رحلة التلقي، مثلما فعل ركب الشاعر في رحلة القفول والأوبة إلى الأحبّة، يقول: ((أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: "ولما قضينا من منى كل حاجة"، فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ، وهو طريق العموم))(1).
    يصوِّر لك الإمام الأبيات بالمضيّف المقري، وأنت الضيف المكرَّم، فأول ما يتلقاك من قِرى الأبيات ذلك الإيجاز الآخذ بأعناق المعاني، الجامعها في قوله "كل حاجة"، وهو لم يقل لك "كل شيء"، وإنما "كل حاجة"، إذ هي حاجات حاملة الحجيج إلى تكبّد القدوم من بعيد إلى ذلك المكان المقدس( ).
    والإمام لا يلفتك إلى اصطفاء "قضى" من دون "فرغنا"، ولا إلى تقديم "من منى" على المفعول "كل حاجة"، ولا إلى ما بين "من" و"منى" من التقارب النغمي، ولا إلى اختصاص "منى" بالذكر من دون غيرها. ومن وراء ذلك معانٍ عذاب.
    فقوله: "قضينا" إيحاء بقوة الوفاء بحق ما قصدوا إليه وجاءوا من أجله، وأنه لم يك من وُكْدهم مجرد الفراغ، بل غايتهم الوفاء والإحكام والإتمام والقيام بحق كل ما هم في حاجة إليه، فإن الوفاء بكل ما جاءوا من أجله نابع من داخلهم لأنه حاجاتهم، وليس تكليفاً ألقي على عواتقهم يريدون الخلاص منه. والفعل "قضى" جاء في القرآن مسنداً إلى الخلق في مواضع عدّه منها: {فإذا قضيتم مناسككم …} [البقرة: 200]، {فإذا قضيتم الصلاة} [النساء]، {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} [يوسف]، {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج]، {فلما قضى موسى الأجل} [القصص]، {فلما قضى زيد منها وطراً} [الأحزاب].
    كل ذلك دال على معنى الوفاء والتمام والإحكام( )، وفي إيقاعه على "كل حاجة" دلالة بالغة على أن ما قضوا لم يك تكليفاً، بمقدار ما هو أمر ناشب بنفوسهم، هم في حاجة إليه، أي: في اضطرار إليه، يرون أنفسهم لا قيام لها بغير إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته( ).
    وفي تعليق قوله "من منى" بالفعل "قضى" دلالة على أن حوائجهم التي تملأ جوانحهم، والتي تعلقوا بها، ومن أجلها قصدوا، إنما هي تتم بما من شأنه أن يتم في منى، من نحر هدي هو آية على التمام، ففي ذلك النحو إيماء إلى تمام القربى، فضلاً عما فيه من رمز الرجم لكل ما هو غير حميد من نفوسهم، فذلك النحر والرجم يحمل في نفوس أهل الذوق معاني لطيفة، لا يستشعرها غيرهم.
    وفي تقديم المتعلِّق "من منى" على المفعول "كل حاجة" إشارة إلى أهمية ما يقضى منه على ما يقضى، فإن ما يقضى يفهم من محله: "منى"، فالشأن فيها أن يكون المقضي منها جديراً بها، مَشْعَراً من مشاعر الحج، لا يقضي الحاج وقتاً في غيرها كمثل ما يقضيه فيها.
    وإذا كان ذلك شأن "منى"، وما كان من قضاء حاجتهم منها، فإن واحدة هي عندهم جد عظيمة، إنها التوديع، الذي آيته مسح أركان البيت الحرام. يقول الإمام: ((ثمَّ نبه بقوله: "ومسَّح بالأركان من هو ماسح" على طواف الوداع، الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصودة من الشعر)).
    الذي عنى به الإمام هو دلالة هذه الشطرة على اقتراب المسير، الذي هو مطمع الشاعر من شعره، فغايته ليس حديثاً عن حاله في تلك المشاعر، بمقدار ما هو رام إليه بشعره من وصف حاله والركبان، في ذلك المسير إلى الخُلان والإخوان، فحاله في تلك المشاعر، الحديث عنه توطئة إلى المقصود الرئيس من الشعر، ولعله لذلك جعل ذلك كله في سياق الشرط، الذي المرمى إلى جوابه، ذلك ما يشير إليه مقال الإمام.
    ولعل الإمام يتجاوب في قراءة الصورة الشعرية مع حال الشاعر في إبداعها، فلم يوف هذا المشهد حقه من القراءة. وكان حقه عليه أن يوفيه حقه، ولاسيما أن صنيع ابن جني في قراءته قد يوحي بأن في تصوير هذا المشهد ما يوحي بأن الشاعر في أمره هذا كان على درب ما يعهد عن بعض أهل الهوى في تلك المشاهد، مثل ما يروى من حال ابن أبي ربيعة. فأنت تسمع صدى ابن جني من قبل عبد القاهر يدوّي: ((ألا ترى أنَّ من "حوائج منى" أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواه، لأن منها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلي إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به، وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه، وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت: "ومسَّح بالأركان من هو ماسح". أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي أنضيناها من هذا النحو، الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القربة من الله مجراه، أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح)).
    عبد القاهر طوى النظر، ولم يذكر إلا تنبيه الشاعر على طواف الوداع، الذي هو دليل المسير، الذي هو مقصوده من الشعر. طوى النظر وأنت ترى من وراء التضعيف في الفعل "مسّح"، وهذه "الباء" في "بالأركان"، وفي تعريف المسند إليه بالموصولية "ومن هو ماسح"، وهذه الجملة الاسمية في الصلة ـ ترى من وراء ذلك معان، هي من باب النظم والتصوير، اللذين هما مصراعا الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان (الأدبية/ الشعرية) لهذا البيت.
    أترى أن في التضعيف ما يفيد أن المسح لم يكن من حاجة الشاعر من البيت الحرام؟ أترى في هذه "الباء" معنى لا يدل على التمكن والوفاء والاستيعاب؟ أترى المعنى في "ومسّح الأركان" كمثل "ومسَّح بالأركان"، ألا يستحضر هذا قول الله تعالى {وامسحوا برؤوسكم}، ألا ترى معنى الإلصاق وهو المعنى الرئيس للباء والذي لا تفل منها أبداً معنى حاضراً في "بالأركان"؟ ألا ترى في هذا الجمع "الأركان" وما هو إلا ركنان؟ ألا ترى في هذا إشارة إلى أنهم وهم يمسحون "بالأركان" إنما هي الأحبة هنا مثلما يفعلون بديار الأحبة هناك الذين هم على عزم المسير إليهم؟ أيمكن أن نبصر إشارة إلى أن فعلهم هناك مع ديار الأحبة هو من جنس فعلهم هنا؟ هما فعلان من معدن واحد: معدن الطهر والفضيلة، ليس للشيطان في كلٍّ نصيب.
    وفي قوله "من هو ماسح" معنى دال على أن المسح إنما هو أظهر حاله وأمكنه وأرسخه وأجدره بأن يعرف به ويذكر. وقد يحسب حاسب أن قوله هذا فيه إيماء بأن ذلك شأن بعضهم، والشاعر ليس منهم "من هو ماسح"، ولكن التضعيف في "مسَّح"، وزيادة باء التمكين، وتقديم المجرور، وجعل الصلة جملة اسمية، كل ذلك دال عن أن ذلك الفعل مشهد عظيم في وعي الشاعر، ولم يكن القصد الرئيس منه مجرد التنبيه على اقتراب المسير، الذي هو مقصود الشعر فحسب، فإنّ له عُلقة بالغة بقوله "قضينا كل حاجة" لابدّ من استحضار هذه الجملة التي هي صدر الجملة الشرطية، والتي بنى عليها "ومسَّح …" عطفاً على "قضينا".
    وإذا ما كان عبد القاهر قد طوى القراءة والتلقي لجملة "ومسَّح بالأركان من هو ماسح" طيّاً يوحي بأن ذلك ليس هو مرمى القصد من الشاعر، فليكن شأنه كذلك في باب التلقي، فإنه ينهج النهج نفسه في قراءة البيت الثاني "وشُدَّت على دُهْم المهارى رحالنا …"، فلم يشر إلا إلى أنه: ((وصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زمّ الركاب وركوب الركبان))( ). هكذا لا يرى في هذا المشهد إلا زمّ الركاب وركوب الركبان …
    إن تجاوزت صنيع الإمام عبد القاهر، ونظرت ذلك المشهد، رأيته ذا منـزلة عالية في رسم الصورة النفسية والحسية للركبان. ألا ترى تلك الحركة النشطة من الولدان والفتيان يجتهدون في شد الرحال على دهم المهارى. قوله "شدّت" في غاية التصوير لتلك الحركة المنبثقة من العناية بفعلهم، وذلك مصوِّر لحال نشاطهم وأريحيتهم لما يقومون به. وفي اختيار كلمة "دهم" دلالة على شدة هذه الإبل، فالأدهم من الإبل الشديد الورقة، وهو لون يشبه لون الرماد. والمهارى جمع مهرية، منسوبة إلى حيّ " مَهْرِيَّة بن حيدان": حي من أحياء العرب، وهي ذات شهرة بسرعة السير. فرحالهم مشدودة على إبل شديدة، سريعة السير.
    وفي تقديم "الجار والمجرور" على المعمول "رحالنا" ما يفيد مناط العناية، وهو أن ركابهم شديدة سريعة العَدْو.
    وفي قوله: "ولم ينظر الغادي الذي هو رائح" ما يفيد انشغال الركب بحالهم، وما هم مقدمون عليه، وما هم متطلعون إليه من لقيا حبيب، وما يفيده من كثرة الركاب، وشدة النشاط، وكثرة الحركة، وكل تلك الأحداث والمشاهد جمعها الشاعر في جملة الشرط، ورتّب عليها ما دلّ على استغراقهم في المسير ونشاطهم فيه وتلذذهم بهم واستشرافهم إلى غايته، فقال: "أخذنا بأطراف".
    وعبد القاهر لم يقف عند الفعل "أخذنا"، ومقاربته للفعل "قضينا"، ذاك في صدر جملة الشرط، وهذا في جملة الجواب، وهما من معدن الدلالة على العناية والاهتمام، ففي الأخذ معنى التناول في عناية واهتمام، يقول أبو الحسين أحمد بن فارس: ((الهمزة والخاء والذال: أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى، أمَّا "أخذ" فالأصل: حَوْزُ الشيء وَجَبْيُه وجمعُه))( ).
    وقد جاء هذا الفعل "أخذ" في القرآن الكريم في مواطن عديدة منها: {خذوا ما آتيناكم بقوة …} [البقرة]، {فأخذتكم الصاعقــة …} [البقرة]، {فأخذهم الله بذنوبهم …} [آل عمران]، {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين} [الأعراف]، {ثم أخذتهم فكيف كان عقاب} [الرعد]، {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم …} [القصص]، {خذ الكتاب بقوة …} [مريم]، {فخذها بقوة …} [الأعراف]، {خذوه فغلوه} [الحاقة]، {وما آتاكم الرسول فخذوه …} [الحشر]، وغير ذلك جد كثير، وهو كما ترى دال على ما في هذا الفعل من القوة والتمكن والعناية والاهتمام.
    وفي هذه "الباء" دلالةٌ تعاضِد دلالةَ "الأخذ"، وكان بملكه أن يقول "أخذنا أطراف الأحاديث". وعبد القاهر يشير إلى دلالة كلمة "الأطراف" قائلاً: ((دلَّ بلفظة "الأطراف" على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر، من التصرف في فنون القول وشجون الحديث، أو ما هو عادة المتظرِّفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس، وقوة النشاط، وفضل الاغتباط، كما توجبه أُلْفة الأصحاب وأَنَسةُ الأحباب، وكما يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة، ورجا حسن الإياب، وتنسَّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان))( ).
    الإمام كما ترى ينفذ ببصيرته في كلمة "أطراف"، ويرى فيها المرآة العاكسة لما يعتمر في صدر الشاعر، وما يأخذ بحاله وحال رفاقه. يرى فيها تصويراً لحال الرفاق في سفره الطويل، الذي يستشرفون به لقيا الأحبة، تكون نفوسهم ذات بهجة، تقبل على المحادثة، وتتسع الحياة وأحداثها وأخبارها، على نحو يحملهم إلى أن يأخذوا من كل حدث وخبر وحال بطرفه، فلا يجهزون عليه ولا يستوعبونه من كثرة ما يتوارد على نفوسهم المشرقة بذلك المسير.
    ذلك شأن الرفاق في السفر الرغيب والمسعى الحبيب، ولا يفهم من هذا أن حديثهم ليس ذا اعتناء به ونشاط فيه، فيتعارض مع ما يدل عليه اصطفاء الفعل "أخذ"، وزيادة "الباء" في "بأطراف"، بل أخذهم ما يأخذونه من تلك الأحداث والأخبار والأحوال المتكاثرة عليهم هو أخذ نشاط واعتناء منبثق في نشاط نفوسهم وأريحيّة صدورهم بذلك المسعى، وأنه ليس تنقلاً في الحديث من سأم وملل، ولذلك جاء بقوله "بيننا" الدال على مجاذبة الحديث، ورغبة كل واحد من الركبان المشاركة فيه إرسالاً واستقبالاً.
    فهذا المشهد "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا" ذو دلالة بالغة على مزيد عنايتهم ونشاطهم وأريحية نفوسهم وانشراح صدورهم. وإذا قيل إن ذلك آتيهم من أنهم مقدمون على لقاء الأحبة، فإن عبد القاهر كان ذا فراسة بيانية عالية حين جعل مبعث نشاطهم وطيب نفوسهم ثلاثة أشياء: ألفة الأصحاب وأَنَسة الأحباب، وقضاء العبادة الشريفة ورجاء حسن الإياب، وتنسّم روائح الأحبة والأوطان واستماع التهاني والتحايا من الخلان والأخوان، هذه من الإمام بديعة. والثانية: (قضاء العبادة …) دال على الذي قلته في "ولمّا قضينا … من هو ماسح"، وأن هذا مصوِّر مزيدَ عنايتهم بالوفاء بحق تلك العبادة حقها.
    وما ذكره الإمام من أن كلمة "الأطراف" دالة على "ما هو عادة المتظرِّفين من الإشارة والتلويح …"، فتلك التي أخذها وأخرها من مقالة ابن جني، على الرغم من أنه أعرض عن مقالته في البيت الأول. يقول ابن جني في هذا: ((وأما البيت الثاني، فإن فيه: "أخذنا بأطراف الأحاديث"، وفي هذا ما أذكره لتراه فتعجب ممن عجب منه ووضع من معناه، وذلك أنه لو قال: "أخذنا في أحاديثنا"، ونحو ذلك لكان فيه معنى يكبره أهل النسيب، … وذلك أنه قد شاع عنهم واتسع في محاورتهم علو قدر الحديث من الأليفين، … فإذا كان قدر الحديث مرسلاً عندهم هذا، على ما ترى، فكيف به إذا قيده بقوله: "بأطراف الأحاديث"؟ وذلك أن في قوله: "أطراف الأحاديث" وحياً خفياً، ورمزاً حلواً، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبّون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون من التعريض والتلويح والإيحاء دون التصريح، وذلك أحلى وأدمث وأغزل وأنسب من أن يكون مشافهة وكشفاً، ومصارحة وجهراً))( ).
    إذا ما كان عبد القاهر قد استجمع بصره في دلالة "أطراف"، ولم يمنح "أحاديث" ما تستحق من العناية، فإن ابن جني كان أكثر عدلاً ووفاء؛ وقف عند قيمة كلمة "أحاديث"، في سياق أهل النسيب أنه قد شاع واتسع في محاوراتهم علوّ قدر الحديث من الأليفين، فكلمة "حديث" في لسان الأحبة ومعجم بيانهم ذات دلالة غير التي هي لها في معجم بيان غيرهم. يريد ابن جني أن يقول: إن مجرد ذكر كلمة "أحاديث" في هذا البيت على افتراض أن الشاعر أوردها مرسلة غير مقيدة بكلمة "أطراف"، إنها وحدها تثير شجوناً، وتستدعي ذكريات، وتحرك مشاعر، يكبرها العشاق، وتخفق لها قلوبهم.
    كلمة "حديث" تمردت على جذرها اللغوي، وخرجت على المعجم ودَخَلَتْ في معجم أهل العشق والنسيب، فأصبحت مصطلحاً من مصطلحاتهم الشعرية، يكبرونها، ويطعمون حلاوتها، لما تحمله من معاني الوصال والعتاب والتشاكي، وكل ما يتبادله المحبان إذا التقيا( ).
    ثم يورد " ابن جني " أبياتا يدعم بها رؤيته، ألا ترى إلى قول الهذليّ:
    وإن حديثاً منك لو تعلمينه جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل
    هكذا فسر ابن جني كلمة "أحاديث" في قول كثيّر … مفترضاً فصل هذه الكلمة من سابقتها "أطراف" مرة، وناظراً إلى واقع العلاقة بينهما مرة أخرى، حين يقول: "فإذا قدر الحديث ـ مرسلاً ـ عندهم هذا، على ما ترى، فكيف به إذا قيده بقوله "بأطراف الحديث"؟ ...". كلمة "أحاديث" وفق استثمار ابن جني، لها ملمح جمالي ورامز معنوي في الوقت نفسه( ).
    وفي جعل الشاعر الفعل "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا" جواباً لقوله "ولما قضينا"، وما نسق عليه من أحداث جسام، وهو فعل (أي الأخذ بأطراف الأحاديث …) لا يكون في مفتتح المسير، بل حين تغيب بهم الركاب في جوف الطريق المديد ـ في جعله هذا ((طيّ مسافات زمنية ومكانية؛ لأن ذلك لا يكون إلا بعد أن تغيب مشاهد الأرض الحرام))، كما يقول شيخنا أبو موسى أعزه الله( ).
    وفي هذا الطيّ ما يفيد أن ما كان بين شدّ الرجال، والأخذ بأطراف الأحاديث، قد انقضى من غير أن تشعر النفس به من عظيم استشرافهم إلى غايتهم، من "تسنّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخُلاَّن والإخوان"، وهذا من فصاحة المسكوت عنه، فإنك في مثل هذا ترى: ((الصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بياناً إذا لم تبن))، كما يقول عبد القاهر في فاتحة باب "القول في الحذف"( ).
    وقراءة أدبية الإضمار والطي للأحداث في التصوير الشعري، تمنح المتلقي متعة عالية، إذ تجعله قائماً بعقله وذوقه في نسيج الصنعة الشعرية، وهذا يمنح الصورة الشعرية تجددها وتنوعها بتنوع القراء، فلا تبلى الصورة ولا تنضُب.
    وهذا الذي قاله الشاعر في "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا" كان منه توطئة لمقدم استعارة بديعة، مكَّن لها فلاطت بالقلوب وتغلغلت: تلك التي في قوله: "سالت بأعناق المطي الأباطح". يومئ عبد القاهر إلى ذلك قائلاً: ((ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبَّق فيها مَفْصِل التشبيه، وأفاد كثيراً من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه، فصرّح أولاً بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرواحل، وفي حال التوجه إلى المنازل، وأخبر بعدُ بسرعة السير، ووطَاءة الظَّهْر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكِّد ما قبله، لأن الظهور إذا كانت وَطِيئة وكان سيرها السير السهل السريع، زاد ذلك في نشاط الرُّكْبان، ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيباً))( ).
    فهو كما ترى يربط بين علاقات الأحداث وتناسلها، فـ"الأخذ بأطراف الأحاديث" إنما هو ثمرة من ثمار وطَاءة الظهر وسرعة السير، المدلول عليها بقوله: "سالت بأعناق المطي الأباطح"، فقدَّم لك ما كان من حالهم في نشاط نفوسهم وانشراح صدورهم وأريحية أفئدتهم، البادية في تنازعهم أطراف الحديث، لتعلم منها أولاً أنما كان ذلك وارداً عليها من روافد عدة، منها نشاط سيرهم، فتأتيك الاستعارة، وقد وطأ لها، ومهَّد الطريق إلى قلبك، فتدخل عليه دخول أُنْس. فهذا ضرب من تناسل المعاني والصور الشعرية يزيد من إحكام النسج وشدة الحبك.
    وعبد القاهر في "دلائل الإعجاز" يقف عند الاستعارة في "سالت" وقفة يوفي بها بعض حق الاستعارة من القراءة والتلقي، ويجعل الاستعارة في قوله "سالت بأعناق المطي الأباطح" من الخاصّي النادر، الذي لا تجده إلاّ في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال، كما يقول. ويبين أن الشاعر ((أراد أنها سارت سيراً حثيثاً، في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سيولاً وقعت في تلك الأباطح فجرت بها))( ).
    ويشير إلى مناط الغرابة المعجبة الآخذ بالنفس في هذه الاستعارة، فلا يراه في أنه ((جعل المطيّ في سرعة سيرها وسهولته كالماء يجري في الأباطح، فإن هذا شَبَه معروف ظاهر، ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها، بأن جعل "سال" فعلاً للأباطح، ثمًّ عداه بالباء، بأنْ أدخل الأعناق في البين (أي بين الكلام ونسجه)، فقال: "بأعناق المطي"، ولم يقل :بالمطيّ"، ولو قال: "سالت المطي في الأباطح" لم يكن شيئا))( ).
    كذلك يبين الإمام مناط الإبداع في هذه الاستعارة، وإخراجها من حيّز المبذول المتداول في ألسنة الدهماء إلى خصوصيتها الشعرية الفريدة، التي هي أجدر بالانتساب إلى الشاعر. وإبصار مناط الجدة الشعرية فيما لاكته الألسن، فأُخلق من كثرة الرّد، إنما هو من نفاذ بصيرة القارئ المتلقي.
    ويزيد الإمام الاستعارة بجلاء في إبداعها فيشير في "الأسرار" إلى أنه: ((قال: "بأعناق المطي"، ولم يقـل "بالمطيّ"؛ لأنَّ السرعة والبطء يظهران غالباً في أعناقها، ويَبِين أمرُهما من هواديها وصدورها، وسائرُ أجزائها تستند إليها في الحركة، وتتبعها في الثقل والخفة، وتعبّر عن المرح والنشاط، إذا كان في أنفسها، بأفاعيل لها خاصة في العنق والرأس، وتدل عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم))( ).
    كأنك بالإمام عبد القاهر يومئ إلى أنَّ الشاعر في قوله "بأعناق المطي" يشير فيما يشير إليه من المعاني المتكاثرة، ما كان من نصيب هذه المطي من الأريحية والنشاط والمرح. فإذا ما كان ذلك الأنس والاستشراف إلى لقاء الأحبة وتنسّم روائح الأوطان قد جعلهم يأخذون بأطراف الأحاديث بينهم، بدلاً من أن يأخذوا بأطراف ـ بأرسان ـ تلك المطي، فإنَّ مثله قد كان بأنفس مطيهم "دهم المهارى"، فأخذ النشاط منها كل مأخذ فسالت بأعناقها الأباطح. وفي هذا من التجاوب الشعوري بين الركاب والركبان ما يُوحِّدُ بين الركب كله، وما ينشر عليه عبق التواصل وجلال التراحم.
    جزى الله مؤلِّفه خيراً ، ولا تنسوا مخرجه من صالح دعائكم.
    21/9/1421هـ، ثمّ 14/10/1421هـ

    فاصلة الهَمْهَمَة:
    كانت هذه الورقة راغبة في أن تلج قضايا ذات رحم بنظرية النظم الجرجانية. من تلك القضايا:
    • المعدن الذي تخلق فيه جوهرها وجرثومتها، والأطوار التي مرت بها ـ ولاسيما عند أبي علي الفارسي، والقاضي عبد الجبار ـ حتى كانت في فكر عبد القاهر ولسانه.
    • نظرية النظم وتعدد المعاني في النص الشعري.
    • نظرية النظم والغموض الأدبي ومستوياته.
    • نظرية النظم والعدول في مجال الإبداع الشعري (الحرية والالتزام).
    • نظرية النظم والسياق في نقد الشعر.
    • نظرية النظم وجدليّة الطبع والصنعة: قراءة في شعر الطائيين والمتنبي من خلال اختيارات الإمام.
    • نظرية النظم والمصطلح النقدي.
    • نظرية النظم فيما بعد عبد القاهر.
    • أثر التصريف النظمي في التصريف المعنوي.
    • التفصيل النظري والتحليلي لمرجعية بلاغة الفروق والوجوه النظمية التي عينها عبد القاهر في ضوء تذوق النص الشعري: قصيدة "الربيع" عند الطائيين مثلاً. أو صورة الواثق أو الثغري أو ابن وداد بين الطائيين نموذجاً.
    تلك عشرة وعشرات أخرى يمكن ـ بل يجب ـ اقتحام حرمها، وتخطي شطآن قاموسها المحيط، ولكن الأمر فوق الطوق الزمني والجهدي والفكري، ولعل الله عز وجل يمنح من يشاء من فيض إحسانه توفيقاً واقتداراً وتسديداً واحتساباً ما يوفي به بعض الحق.
    بقيت إشارة إلى أني لا أرغب في سعيين:
    سعي من سعى إلى المقارنة بين ما جاءت به نظرية النظم الجرجانية، وما جاءت به بعض نظريات النقد الأعجمي من بنيوية وتفكيكية... وغير ذلك مما يمت به فرقة ممن ينقدون الأدب العربي بمنهاج أعجمي مبير.
    وسعي من سعى إلى توهم خيوط هيلينية أغريقية في نسيج نظرية النظم الجرجانية، وإن كانت لا أقطع أن عبد القاهر لم يطلع على ما ترجم إلى العربية من تلك المقالات، ولا ما كان من مطارحات في الخطاب النقدي بلسان فارسي. وثم فرق جدّ شاسع بين الاطلاع على ما تموج به الثقافات من حولك، فتلك فريضة لازبة على أهل العلم وطلابه. معابة وأي معابة التشاغل عن الاطلاع عليها، بله التغافل والتجاهل، وبين التأثر في البناء والتشكيل والتوجيه المعرفي والذوقي. كان عبد القاهر طلعة ولم يكن إمعة، وذلك شأن كل مسلم. وكان عبد القاهر مسلماً عربي العقل والقلب واللسان، وإن كان جرجاني المولد والأرومة، وليس لنا ـ نحن طلاب علمه ـ إلا عقله وقلبه ولسانه. أسبغ الله عز وجل عليه شآبيب الرحموت، ورفع ذكره في الدارين في عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.

    وكتبه
    محمود توفيق محمد سعد
    7/8/1421هـ

    مصادر الورقة ومراجعها:
    1. أسرار البلاغة، عبد القاهر، ط: شاكر.
    2. أصول النقد الأدبي، ط: أبو كريشة، ط: لونجمان.
    3. البيان والبيتين، الجاحظ.
    4. تاريخ النقد العربي، إحسان عباس.
    5. تحرير التحبير، لابن أبي الإصبع، ت: شرف.
    6. الحيوان، الجاحظ.
    7. الخصائص، لابن جني، ط: النجار.
    8. دلائل الإعجاز، عبد القاهر، ط: شاكر.
    9. الشعر والشعراء، لابن قتيبة.
    10. العمدة، لابن رشيق، ط: محي الدين عبد الحميد.
    11. مجلة جامعة الإمام، عدد (13)، 1415هـ، مقال عبد الرحمن العقود.
    12. مدخل إلى كتابي عبد القاهر: د. أبو موسى.
    =====================

    مكتبة البحث:
    هذه من أهم المصادر والمراجع التي تجب الإحاطة بها في إتمام هذه الورقة النجية:
    1. أبو هلال العسكري ومقاييسه النقدية، بدوي طبانة.
    2. أثر القرآن في تطور البلاغة العربية حتى نهاية القرن الخامس الهجري، كامل الخولي، ط 1381هـ.
    3. أثر القرآن في تطور النقد الأدبي، زغلول سلام.
    4. أثر النحاة في البحث البلاغي، عبد القادر حسين.
    5. الأسلوب في الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، محمد الكوار، بنغازي.
    6. بحوث ودراسات في الأدب والنقد، عبد الله عسيلان.
    7. بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، إبراهيم سلامة.
    8. البلاغة العربية في دور نشأتها، سيد نوفل.
    9. بلاغة القرآن في آثار القاضي عبد الجبار، عبد الفتاح لاشين.
    10. البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، د. محمد أبو موسى.
    11. البيان العربي، بدوي طبانة.
    12. تأثير الفكر الديني في البلاغة العربية، مهدى صالح السامرائي.
    13. تاريخ النقد العربي (جزءان) الأول حتى آخر الرابع الهجري والآخر حتى نهاية العاشر، زغلول سلام.
    14. التراث النقدي والبلاغي للمعتزلة، وليد قصاب.
    15. تربية الذوق عند عبد القاهر، عرفه.
    16. التفكير البلاغي عند العرب: أسسه وتطوره إلى القرن السادس، حمادي حمود، تونس.
    17. التفكير النقدي عند العرب، عيسى علي العاكوب، دمشق.
    18. دراسة في البلاغة والشعر، د. محمد أبو موسى.
    19. الصبغة الأدبية لبلاغة عبد القاهر، السيد عبد الفتاح حجاب، مجلة أضواء الشريعة، جامعة الإمام، عدد (7)، سنة 1396هـ.
    20. الصورة الأدبية عند عبد القاهر، أحمد دهمان.
    21. فكرة النظم بين وجوه الإعجاز، فتحي أحمد عامر.
    22. في الميزان الجديد، محمد مندور.
    23. قراءة في معنى المعنى عند عبد القاهر، عز الدين إسماعيل، فصول، مجلد .
    24. قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، محمد زكي العشماوي.
    25. قضية اللفظ والمعنى وأثرها في تدوين البلاغة العربية، علي العماري، مكتبة وهبه.
    26. اللفظ والمعنى بين الأيديولوجيا والتأسيس المعرفي للعلم، طارق النعمان، دار سينا، مصر.
    27. معالم المنهج البلاغي عند عبد القاهر، محمد بركات حمدي، عمان/ الأردن.
    28. المغنى في أبواب التوحيد والعدل، القاضي عبد الجبار، ج 16.
    29. مفهوم النظم عند عبد القاهر، نصر حامد أبو زيد، مجلة فصول، مجلد (5)، عدد (1)، سنة 1984م.
    30. منهج عبد القاهر بين الموضوعية والذاتية، السيد عبد الفتاح حجاب، مجلة كلية اللغة العربية، جامعة الإمام، الرياض.
    31. نظرية العلاقات أو النظم بين عبد القاهر الجرجاني والنقد الغربي الحديث، محمد نايل أحمد.
    32. نظرية اللغة في النقد العربي عبد الحليم راضي، مكتبة الجاضي.
    33. نظرية المعنى في النقد العربي، مصطفى ناصف.
    34. نظرية النظم عند عبد القاهر، السيد حجاب، مجلة اللغة العربية، جامعة الإمام، عدد (9)، سنة 1399.
    35. نظرية عبد القاهر في النظم، درويش الجندي.
    36. النظم في دلائل الإعجاز، مصطفى ناصف، حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، المجلد (3)، يناير 1955.
    37. النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال.
    38. النقد التحليلي عند عبد القاهر الجرجاني، أحمد السيد الصادي، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
    39. النقد العربي نحو نظرية ثانية، مصطفى ناصف، عالم المعرفة، عدد 255، 1420هـ.
    ============================

    الفهرس:
    سياق القول في النظرية : خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    مقومات بلاغة الخطاب وفصاحته: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    قضية اللفظ والمعنى: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    بلاغة الخطاب في تأليفه وما يخرج من تأليفه: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    عمود بلاغة الخطاب: النظم خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    مفهوم النظم عند الإمام عبد القاهر: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    مستويات النظم: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    أهمية نظرية النظم في نقد النص الأدبي: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    من صور نقد عبد القاهر النص في ضوء نظرية النظم خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    فاصلة الهَمْهَمَة: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    مصادر الورقة ومراجعها: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    مكتبة البحث: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    الفهرس: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
    والحمد لله رب العالمين.

    عبد القاهر كما ترى نبهنا على مكان الخبيء في هذه الأبيات لنطلبه وعلى موطن الدفين لنبحث عنه فنخرجه، وفتح لنا الطريق إلى المطلوب لنسلكه، ووضع لنا القاعدة لنبني عليها، وقد حاولنا.
    وهذا النهج منه ليس هو الأوحد المسلوك، ولكنه قد يطلب هو الخبيء، ويبحث عن الدفين فيخرجه، ويسلك الطريق بقدمه، ويبني على القاعدة. أنت واجد ذلك من الإمام في مثل تلك الصورة الشعرية التي نسبت إلى غير شاعر واحد( ). مقول الأبيات كما هي في "الأسرار":
    ولمَّا قضينا من مِنى كلّ حاجــةٍ
    ومسّح بالأركان من هو ماسحُ

    وشُدّت على دُهْم المهارى رحالنا
    ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ

    أخذنا بأطراف الأحاديث بيننـا
    وسالت بأعناق المطيّ الأباطحُ

    تلك رواية الإمام عبد القاهر في "الأسرار" غير منسوبة لشاعر معين( )، ولم يذكر في "الدلائل" إلا الشطر الأخير "وسالت بأعناق المطي الأباطح"، في أربعة مواطن غير منسوبة أيضاً( ). وفي مصادر أخرى جاءت الأبيات منسوبة لكثيّر عزة، كما في "معاهد التنصيص" للعباسي، وفي "زهر الآداب" للقيرواني. أو منسوبة لابن الطَّثْرِيَّة (يزيد بن سلمة) كما في "الوساطة" للقاضي الجرجاني، أو للمضرَّب حفيد زهير كما في "أمالي الشريف المرتضى". ورويت الأبيات على نسق آخر غير الذي ذكر الإمام، وبأعداد أخرى، منها ما يسبقها ومنها ما يتلوها. ولست الآن بصدد بيان هذا، فقد قدّم أحد شيوخ العلم مقالاً في هذا هو النافع المانع، فانظره تغنم( ).
    الذي يعنيني هنا هو أن الإمام عبد القاهر في أوائل كتابه "الأسرار"، وهو السابق تأليفاً على "الرسالة الشافية"، وعلى "دلائل الإعجاز" ـ فيما أذهب إليه ـ قد تناول هذه الصورة الشعرية بالتحليل والتأويل، وهو يعرض بيان أن البصير بجواهر الكلام إذا رأيته يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ، فإنما هو منبئٌ عن أحوال لا ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، ((بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يَقتدحُه العقل من زناده))( ). وأبيات هذه الصورة الشعرية قد ((أثنوا عليها من جهة الألفاظ، ووصفوها بالسلامة، ونسبوها إلى الدماثة ...))( ).
    وكأنه بذلك يشير إلى ما كان من ابن قتيبة، إذ قالها في معرض وجدانه الشعر أربعة أضرب، منه: ما حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته (كذا) لم تجد هناك فائدة في المعنى، وجعل منها هذه الصورة الشعرية( ).
    وعلى دربه سار بعض الشيء جماعة كابن طباطبا، وإنْ نص على أنّ ما فيها من معنى هو مستوفى على قدر مراد الشاعر( )، وهذه منه حميدة. وكذلك قدامة حين أورد هذه الأبيات في معرض نعت اللفظ السمح السهل المخرج الذي عليه رونق الفصاحة وإن خلت تلك الأبيات من سائر نعوت الشعر الأخرى( ). فهو لا يرى فيها غير سماحة الألفاظ وسهولة مخرجها ورونق فصاحتها وخلوها من المتابعة، فكأنه يردد مقالة ابن قتيبة: "فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى". وغير هؤلاء الثلاثة كثير يدخلون في إشارة الإمام عبد القاهر.
    الذي يعنينا هنا نهج عبد القاهر ونحوه في قراءة هذه الصورة وتلقيها وتحليلها وتأويلها:
    فاتحة القول يطلب الإمام منك (ص22) أن تراجع فكرتك، وأنْ تشحذ بصيرتك، وأن تحسن التأمل، وأن تدع عنك التجوز في الرأي، كأنه يحرضك ويغريك بأنّ ما أنت مقدم عليه جد عظيم، وأنه أيضا جد ضنين بدره على من لا يحسن الغوص، وهو يطالبك بالتحرر من ربقة كل موروث، ويطالبك أن تقوم لهذه الصورة الشعرية حراً غير مكبل بمقالة جاهلية: {حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة]، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف]. التحرر من ربقة فاسد الموروث، إن معتقداً وإن فكراً وإن ذوقاً، هو السبيل القوي إلى مراجعة الفكر، وشحذ البصيرة، وحسن التأمل، فبغيرها يكون كل فعل عقيماً، وبها تكون كل حركة الولود الودود.
    كأنه يقولها لك: لا تغرَّنك مقالة أبي محمد عبد الله بن قتيبة (ت 276 هـ): "فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى"، من أجل أنها مقالة محدث سني ذي مكانة في باب علوم القرآن والسنة، فكل يؤخذ منه ويرد عليه خلا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وكلٌّ لا يتعبد بقوله من البشر خلا سيدهم المعصوم صلى الله عليه وسلم.
    وكأني بالإمام ذاهب إلى أهمية أن يسبر القارئ المتلقي أغوار نفسه، وأن يفتش فيها، ويختبر طاقات التلقي عنده واستعدادها، وأن يقف على عوائق التلقي ما هو مزيل لها، حتى يكون الجدير بأن يكون الأرض النقية التي شربت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.
    مفتاح مقالة الإمام أذانٌ في الناس بالعتق من أسر فاسد الموروث وسلطانه، وبشحذ العزم، والتحريض على الفعل، ويقولها لك إنك إن فعلت الأربعة التي دللتك عليها فانظر في هذه الصورة الشعرية: ((هل تجد لاستحسانهم وحمدهم وثنائهم ومدحهم منصرفاً إلا إلى استعارة وقعت موقعها، وأصابت غرضها، أو حُسن ترتيب تكامل معه البيان حتى وصل المعنى إلى القلب مع وصول اللفظ إلى السمع، واستقر في الفهم مع وقوع العبارة في الأذن، وإلا إلى سلامة الكلام من الحشو غير المفيد، والفضل الذي هو كالزيادة في التحديد، وشيء داخَلَ المعاني المقصودة مداخلةَ الطفيليّ الذي يُستثقل مكانُه، والأجنبيّ الذي يُكره حضورُه، وسلامتِه من التقصير الذي يَفتقر معه السامع إلى تطلب زيادة بقيت في نفس المتكلم، فلم يدل عليها بلفظها الخاص بها، واعتمد دليلَ حالِ غير مُفصِح، أو نيابةَ مذكورِ ليس لتلك النيابة بمُسْتَصْلَح))( ).
    كذلك يدلك الإمام على موطن السحر ومعدنه لتبلغه وتنقب عنه ثَمّ. وهو كما ترى يشير إلى الاستعارة أول ما يشير، على الرغم من أن موقعها في الصورة آخرها، وحسن الترتيب، والسلامة من الحشو المفسد، ومن التقصير في تمام الدلالة. تلك هي مجمل معادن السحر في الصورة عنده.
    ثمَّ يبدأ الرحلة معك، لا يتركك تصل وحدك كما فعل معك في أبيات البحتري المادحة "الفتح بن خاقان"، إنه لك في هذه الرحلة يصاحب، وكأن جوّ هذه الرحلة المصورة قد مسَّه بسحره، فأراد أن يأخذ بأطراف الحديث بينك وبينه، في رحلة التلقي، مثلما فعل ركب الشاعر في رحلة القفول والأوبة إلى الأحبّة، يقول: ((أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال: "ولما قضينا من منى كل حاجة"، فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها، والخروج من فروضها وسننها من طريق أمكنه أن يقصّر معه اللفظ، وهو طريق العموم))(1).
    يصوِّر لك الإمام الأبيات بالمضيّف المقري، وأنت الضيف المكرَّم، فأول ما يتلقاك من قِرى الأبيات ذلك الإيجاز الآخذ بأعناق المعاني، الجامعها في قوله "كل حاجة"، وهو لم يقل لك "كل شيء"، وإنما "كل حاجة"، إذ هي حاجات حاملة الحجيج إلى تكبّد القدوم من بعيد إلى ذلك المكان المقدس( ).
    والإمام لا يلفتك إلى اصطفاء "قضى" من دون "فرغنا"، ولا إلى تقديم "من منى" على المفعول "كل حاجة"، ولا إلى ما بين "من" و"منى" من التقارب النغمي، ولا إلى اختصاص "منى" بالذكر من دون غيرها. ومن وراء ذلك معانٍ عذاب.
    فقوله: "قضينا" إيحاء بقوة الوفاء بحق ما قصدوا إليه وجاءوا من أجله، وأنه لم يك من وُكْدهم مجرد الفراغ، بل غايتهم الوفاء والإحكام والإتمام والقيام بحق كل ما هم في حاجة إليه، فإن الوفاء بكل ما جاءوا من أجله نابع من داخلهم لأنه حاجاتهم، وليس تكليفاً ألقي على عواتقهم يريدون الخلاص منه. والفعل "قضى" جاء في القرآن مسنداً إلى الخلق في مواضع عدّه منها: {فإذا قضيتم مناسككم …} [البقرة: 200]، {فإذا قضيتم الصلاة} [النساء]، {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} [يوسف]، {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج]، {فلما قضى موسى الأجل} [القصص]، {فلما قضى زيد منها وطراً} [الأحزاب].
    كل ذلك دال على معنى الوفاء والتمام والإحكام( )، وفي إيقاعه على "كل حاجة" دلالة بالغة على أن ما قضوا لم يك تكليفاً، بمقدار ما هو أمر ناشب بنفوسهم، هم في حاجة إليه، أي: في اضطرار إليه، يرون أنفسهم لا قيام لها بغير إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته( ).
    وفي تعليق قوله "من منى" بالفعل "قضى" دلالة على أن حوائجهم التي تملأ جوانحهم، والتي تعلقوا بها، ومن أجلها قصدوا، إنما هي تتم بما من شأنه أن يتم في منى، من نحر هدي هو آية على التمام، ففي ذلك النحو إيماء إلى تمام القربى، فضلاً عما فيه من رمز الرجم لكل ما هو غير حميد من نفوسهم، فذلك النحر والرجم يحمل في نفوس أهل الذوق معاني لطيفة، لا يستشعرها غيرهم.
    وفي تقديم المتعلِّق "من منى" على المفعول "كل حاجة" إشارة إلى أهمية ما يقضى منه على ما يقضى، فإن ما يقضى يفهم من محله: "منى"، فالشأن فيها أن يكون المقضي منها جديراً بها، مَشْعَراً من مشاعر الحج، لا يقضي الحاج وقتاً في غيرها كمثل ما يقضيه فيها.
    وإذا كان ذلك شأن "منى"، وما كان من قضاء حاجتهم منها، فإن واحدة هي عندهم جد عظيمة، إنها التوديع، الذي آيته مسح أركان البيت الحرام. يقول الإمام: ((ثمَّ نبه بقوله: "ومسَّح بالأركان من هو ماسح" على طواف الوداع، الذي هو آخر الأمر، ودليل المسير الذي هو مقصودة من الشعر)).
    الذي عنى به الإمام هو دلالة هذه الشطرة على اقتراب المسير، الذي هو مطمع الشاعر من شعره، فغايته ليس حديثاً عن حاله في تلك المشاعر، بمقدار ما هو رام إليه بشعره من وصف حاله والركبان، في ذلك المسير إلى الخُلان والإخوان، فحاله في تلك المشاعر، الحديث عنه توطئة إلى المقصود الرئيس من الشعر، ولعله لذلك جعل ذلك كله في سياق الشرط، الذي المرمى إلى جوابه، ذلك ما يشير إليه مقال الإمام.
    ولعل الإمام يتجاوب في قراءة الصورة الشعرية مع حال الشاعر في إبداعها، فلم يوف هذا المشهد حقه من القراءة. وكان حقه عليه أن يوفيه حقه، ولاسيما أن صنيع ابن جني في قراءته قد يوحي بأن في تصوير هذا المشهد ما يوحي بأن الشاعر في أمره هذا كان على درب ما يعهد عن بعض أهل الهوى في تلك المشاهد، مثل ما يروى من حال ابن أبي ربيعة. فأنت تسمع صدى ابن جني من قبل عبد القاهر يدوّي: ((ألا ترى أنَّ من "حوائج منى" أشياء كثيرة غير ما الظاهر عليه والمعتاد فيه سواه، لأن منها التلاقي ومنها التشاكي ومنها التخلي إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به، وكأنه صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه، وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت: "ومسَّح بالأركان من هو ماسح". أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي أنضيناها من هذا النحو، الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القربة من الله مجراه، أي لم يتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح)).
    عبد القاهر طوى النظر، ولم يذكر إلا تنبيه الشاعر على طواف الوداع، الذي هو دليل المسير، الذي هو مقصوده من الشعر. طوى النظر وأنت ترى من وراء التضعيف في الفعل "مسّح"، وهذه "الباء" في "بالأركان"، وفي تعريف المسند إليه بالموصولية "ومن هو ماسح"، وهذه الجملة الاسمية في الصلة ـ ترى من وراء ذلك معان، هي من باب النظم والتصوير، اللذين هما مصراعا الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان (الأدبية/ الشعرية) لهذا البيت.
    أترى أن في التضعيف ما يفيد أن المسح لم يكن من حاجة الشاعر من البيت الحرام؟ أترى في هذه "الباء" معنى لا يدل على التمكن والوفاء والاستيعاب؟ أترى المعنى في "ومسّح الأركان" كمثل "ومسَّح بالأركان"، ألا يستحضر هذا قول الله تع

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:09 pm