منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الانشغال بالزمن والحلم

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الانشغال بالزمن والحلم

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:06 pm

    «نبتة مهملة».. الانشغال بالزمن والحلم
    http://www.alrai.com/img/273000/272946.jpg

    شاكر مجيد سيفو







    يخبرنا الشاعر طارق مكاوي في مجموعته الشعرية الموسومة "نبتة مهملة" بالدال
    السالب في توصيفه اللفظي، وتكشف العنونة عن مشاهدات سينوغرافية لفضاء
    النصوص في حراكها مع الزمن والأشياء والكائنات.


    هذه المنظومة من التمظهرات الحسية تعادل الوحدات الداخلة في إنتاج النص
    وتفرعاتها، فكلمات مثل الجواد والغباء والجسد والغيم والمرأة وكهرباء
    والصباح والورد والعيون، يحرص الشاعر بوساطتها مدعومةً بالفعل المضارع
    المنوط بالذات الشاعرة (مثل: أوشوش وأرسم وأذرف وأرفع وأتنقل)، إلى نقل
    الحال الشعري من حاضنة الذاكرة إلى التخييل الشعري الذي ينطوي على استظهار
    الصور الشعرية ودلالاتها الراكسة في نوع من الإحداثيات التي تستبطن مرامي
    الكلمة التي تتحوّل بفعل الوعي الشعري إلى أرموزة صورية حين يذهب الشاعر
    بأقواله الشعرية:
    "اقترب أيّها الخطّ منّي
    لأزرع تحت شظايا يدي نرجساً
    وأمطره بشراهة ظلّي" (ص 9)
    ولا يكتم الشاعر أهواءه ورغباته، وهو يبوح هنا بفعاليات تتوارى خلف
    الأحاسيس الجيّاشة المثقلة بتكرارات الوحدات الزمنية، حيث يعلّق وظيفة
    الشعر بحركة الأشياء والكائنات للوصول إلى اللحظة الزمنية الممتلئة
    بالمعاني والدلالات في ظاهر الأشياء والرموز وفي باطن المعنى الذي تمنحه
    لغة الشاعر اللينّة والحدسية في تمظهراتها التأملية والخفية:.
    "وأوشوش لي جسدي... لأطير.
    أُلوّن نافذتي ومقاهي المساء بحدسي.
    وأرسم ما يتناثر من شفتي من شتاء" (ص 11).
    وتظل مشهدية القصيدة تتجاور في تصويرها الزمكاني, وينتقل الشاعر من أيقونة
    شعرية إلى أخرى، حتى يعجّ مشهده الشعري في هذه النص القصيدة بالمعاني
    المحتدمة والمتوهجة المرئية واقترانها بالزمن والحلم:.
    "الجواد..
    اصطفى حلماً أخضراً كالنعاس.
    استدار بجوشته المتقطر بالطيب يزرع أنسجتي
    في أصيص معالمه الدافئة" (ص 12).
    في هذ الصورة، يستدعي الشاعر بلغته التقريرية التشكيلية هذه المقابلة بين
    حركتي الجواد: "اصطفى" و"استدار". إذ يتطلّع بهذه اللعبة الصورية المجازية
    إلى ترسيخ الحركة تلك, بالمقابلة النصيّة في بعدها السيميائي ليمنح للّغة
    أبعاداً أكثر إيحاءاً وتصويراً وتخييلاً.
    ويعيد الشاعر تكوينات مقتربات الدلالة لبناء مشهدية درامية مختصرة تختزنها
    الذاكرة مقابل مخزونها الذاكراتي الجمعي، إذْ تتشارك بنى النصوص في
    ملفوظاتها وتتماهى في بؤر الشعرية التنّاصية في خلاصات دلالية حركية تقع
    على البنى الاستعارية ووجود الآخر في استعراض الحادثة النصَيّة:.
    "وإذن يا أمير الشتاء.
    فاءَ لي قلقي
    حينما سقطت في دوالي يدي غيوم اللقاء" (ص 15).
    ويتتبّع دلالاته القائمة على التوليد والتقرير بربط الوحدات الزمنية بوشائج ظليّة تتوالد بالمجاورة والانثيال الذاكراتي:
    "الصباح تغبّر من شهقةِ النافذة.
    الصباح
    تغبرّ في حفرة الهمس بين السطور وفي حضرة الوردة الهامسة
    الصباح توزَّع في مرفأٍ للصباح
    يغسل للورد أجفانه
    ويعلّمه أن يظلَّ أنيقاً
    طافحاً بليالي الصباح" (ص 19).
    يتوالد المكرور اللفظي في هذه المقاطع بدلالته الزمنية لارتباطه بتوصيفات
    لفظية هي الدلالة القائمة على الاستعارة الشفافة التي ترشح عن حساسية شعرية
    متميزة في إرسالياتها النصيّة وارتباطاتها اللغوية الحالمة المبثوثة في
    الكلمات (مثل: الصباح، النافذة، الهمس، الوردة، الأناقة، الطافح
    والاغتسال....).
    وتكاد تغطّي الأنا الساردة على لسان الذات الشاعرة، كلَّ حالات العشق
    والتوحد والتماهي والشطحات الصوفية التي ترشح عن أفعال الروي الأنوية
    لإيصال رسالتها الشعرية والحلمية، وتتوّحد الذات الشاعرة بالفعل المروي
    لتأكيد معادلها الموضوعي في استرجاعات المعرفي ابتداءً بسلسلة من الأيقونات
    الحكائية لمعاينة تموجات البث الشعري وتعالقاته النصيّة ومركبّاتهِ
    الخيميائية:.ل
    "لم أَعنكِ عليَّ
    لم أقل ألقِ هذا السعار
    قليلاً
    والتفتُّ للوزِ عينيك
    إنما كنت أقصد دائماً
    طائر الطرقات الذي طار منكِ ولم يلتفت عليك.
    أَرفع قامته التي سقطت فجأة بعمود القصيدة.
    أُدلَّكُ حاجبيه المتهدلّين كغيمتي حرير على الباب" (ص 26-27).
    تندرج أفعال الحكي هنا، في هذه المصوّرة الشعرية، في الاشتغال على القول
    الشعري "كنت أقصد دائماً"، وفي رفد المبنى والمعنى ببنى شاغلة للبياض النصي
    وتوريد الوقائع وتقريرها: "لم أعنكِ عليَّ.... لم أقل .........."، ومن ثم
    تمظهر النص كرُقية للتدوين في حضرة الطقوسية المتمظهرة بالتوهج الشعري
    الباثّ موجته في "أدلّك حاجبيه المتهدلّين كغيمتي حرير على الباب....".
    يعود الشاعر إلى أرومة انشغال ذاته بالزمن، في قصيدته "ما سأكتبهُ..."، إذْ
    يتبدّى إيقاع التكرار في مقارباته الصوتية والحسيّة واستعذاب الأنا لهذه
    الشفافية في توريد وإرسال القول الشعري للروح الشعري الخالص:.
    "الشجرة التي تفيق عارية من ثيابها.
    ترفع أصابعها – عالية.
    تتمطّى في سماء مبهمة.
    وتمنح الأرض أسئلة الصباح.
    صباح مفاجئ أنسغ الحرير الذي يلهث في برية الأرض.
    صباح الأحلام الذي يتساقط من فوق أصابع الشجرة، فوق التراب الحزين.
    صباح الاثنين الذين يمرّون في الصباح لأعمالهم، يحملون وجوهاً مرهقة وأنيناً طويلاً يلفح الأعشاش الغريبة.
    التي خيّطت كِتف الشجرة".
    تُسايرُ انتقالات أفعال الروي الشعري في هذه القصيدة، تشكّلات التبادل
    والاستعارة بين قوى كائنات الطبيعة، وبين صور الزمان والمكان بمجموعة من
    الصور البلاغية التي تتشكّل بمعاني الفعل الإنساني اليومي وانثيالات الذات
    الشاعرة، وتحقق مديات شعرية من بدائل متداخلة بين عالم الطبيعة وعالم
    الإنسان. وتنزاح القشرة الخارجية للملفوظة الحسية هنا في هذه الصورة ليركّب
    منها الشاعر صورة أيروتيكية قابلة للتمدّد في تشكيلتها الشعرية:.
    "ما سأكتبه
    امرأة،
    تشلح أعضاءها للمرايا
    ليتخطفها الطير
    .......
    وأظلّ أتناسل
    حمامي
    فوق سرير كنت
    أُطعمهُ جسدي، وأترك.
    نملي يحرم على مسكبه النجوم قبل أن أترك هذا الفضاء الغريب" (ص 33-34).
    للصورة الشعرية هنا طاقة للتجديد والنّماء والديمومة، حيث يؤكد الشاعر
    بأفعاله الكيانية (كنت أُطعمهُ، وأظل أتناسل...) على فعل الاستجابة
    المشحونة بالرغبة والحراك العميق في المشغل الإنساني الحسي والفكري
    والجمالي العميق، والتشكيلي الإشراقي (وأظلّ أتناسل حمامي فوق سرير كنتُ
    أُطعمه جسدي وأترك نملي يحوم على مسكبه النجوم..).
    هذه فعاليات تكرّس بلاغة القول الشعري بالاستعانة بالطبيعة الكونية
    والنفسية، وهي مركّزة تضُمر جماليات الدلالية وشحناتها الكهربية الشخصية.
    يجتهدُ مكاوي في اشتغاله الشعري في قصائده الأخرى على التنويع في إثراء
    منظومات عوالم قصائده الدلالية، إذ ينتقّل هنا إلى تأثيث بنية النفي،
    لتحويل العلاقة الشعرية بين مصدرين من مصادر الظواهر الإنسانية، وبتفعيل
    الشرط الإنساني والطبيعي الفيزيائي معاً:
    "لم يعد سادن الريح هنا.
    ليسند ظلام الحلم،
    ولم تعد المجرّةُ تُطرّز غرفة الماء،
    ولم ينمْ المساء على صدر الجدار،.
    الذي يتنفس بالورد يسحب الشهيق فتتفتّح البتلات المبتلة بالضوء" (ص 77).
    نلحظ هنا مديات عناصر النفي في هذه الممارسة للأفعال الفيزيائية وانكشافات الآخر المضمور (فتتفتحّ البتلات).
    للشاعر قدرة متوهجة على استنبات الصور المرهفة الحسية التي تتشاكل فيها
    الرؤية والرؤيا، حيث يتمكّن من تحقيق هذه المعادلات المعرفية والجمالية في
    أنساقها البلاغية بفعل الموازنة بين الدال والمدلول، وتشترك القصائد عبر
    استنطاق المفردة، بهذه الرؤية المتجاورة والتشاركية:.
    "فلتقفي قليلاً على جسدي.
    قفي تتأمل خلفته الخليفة من ثقوب" (ص 93).
    أو كما في:
    "الروزنامة
    تشلح أولادها
    كي تتعرّى على جسد الحائط" (ص 94).
    أو:
    "يأكلون الهواء ويسموّنه تفاحة أحلامهم
    يقرأون فناجين قهوتهم
    معمرّةً بالخيل والخير والنساء" (ص 95).
    وينتهي مكاوي في قصيدته التي حملت عنونة المجموعة "نبتة مهملة"، إلى
    الارتماء في أحضان الحلم الذي يُمسك طاقته ويلقي بها من نافذة قادمة. إذن
    نحن أمام زمن قادم بنوافذ مفتوحة كي نلقي من خلالها أحلامنا التي تذكّرنا
    دائماً ببدائيتنا في وقوفنا الأبدي:
    "سأبقى واقفاً بكامل بدائيتي
    بأحراش يدي،.
    سأبقى واقفاً بأبهة الجبال الملكية
    سأمسك طاقة الحلم،.
    وألقي بها من نافذة قادمة" (ص 116).
    طاقة الحلم عند الشاعر، مخزونة في هذه "السين" الذاهبة دائماً نحو المستقبل
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:02 pm