منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    كيمياء الكتابة

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    كيمياء الكتابة

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:09 pm

    كيمياء الكتابة" .. الوقوع في حب كلمات





    محمد عطية محمود*

    "ما الأدب إلا لغة جيدة مشحونة بالدلالات"، إزرا باوند

    تتميز قراءات الشاعر والناقد العراقي المبدع "عذاب الركابي"، في كتابه
    الفارق "كيمياء الكتابة ـ تأملات في الأدب الليبي المعاصر"، بإيغالها
    الحسي والنفسي في عمق النصوص المختارة سواء كانت شعرا، أو سردا، أو حوارات
    أدبية مستفيضة تتفاعل فيها الأسئلة المنتقاة بعناية ودربة لتشكل إبداعا من
    نوع جديد.. يتجاور مع إبداعه الموازي في القراءات/ التأملات ذاتها؛ حيث
    يتجلى حس الشاعر في التفاعل مع النصوص ليعطي رؤية لها مذاق خاص، وحالة خاصة
    تنفذ إلى داخل النص وتتفاعل معه، بما يمكن أن نطلق عليه عملية كيميائية
    أخرى جديرة بالدراسة والتوقف عندها، أحد عناصرها هو وعي الشاعر وثقافته
    التي تمكنه من الالتفاف حول النص، والإيغال فيه في ذات الوقت، مع براعة
    انتقاء النصوص التي تعبر عن حالات وجدانية ملتبسة تنشد أروقة مغايرة من
    الشعر والنثر.. حيث يقول في مقدمته للكتاب (ص6 ): "ولي الحق في أن أبتهج،
    وأحتفي بحروفهم وإبداعاتهم.. وأقيم موكبا شعريا لهمومهم، لأفرح بنصوصهم على
    طريقتي.. وأعلن في حضرة الكلمات ـ النساء الجميلات ـ إن همومنا واحدة..
    وهكذا هم المبدعون أخوة، نبيون، وأبديون، وماضون.. وساطعون كالكواكب".

    بهذه الرؤية الفلسفية الشاعرة للقراءة الإبداعية الكاشفة، والتي تلعب على
    بؤرة الشعور، بقدرة المبدع على امتصاص رحيق الكلمات والمعاني، وإعادة طرحها
    رياحين عطرة، في تفاعل كيميائي مشغول بهاجس إكمال دائرة الإبداع المتميز
    بالإبداع الموازي.. تمضي دفقات/ تأملات الكتاب، وفصوله التي تنقسم إلى خمسة
    أقسام رئيسية يحتفي أولها بالشعر، وثانيها بالقصة القصيرة، وثالثها
    بالرواية، ورابعها بالمقال والسيرة، ثم تختتم بالحوارات الأدبية الكاشفة مع
    نخبة من المبدعين الليبيين.

    "الوقوع في حب الكلمات"

    ربما كان هذا التعبير الذي اقتنصه الركابي من مقولة لـ أحلام مستغانمي، هو
    الأقرب للتعبير العام عن الدواوين الثلاثة التي تتضمنها زاوية الشعر في
    الكتاب؛ ففضاءات دواوين الفزاني، والجريشان، والعماري.. تحتفي في مجملها
    بهذا الزخم الشعري اللغوي الراقي المحمل، متجاورا مع ملكة الشعر وروحه
    وحرفيته، بحيث تبقى للكلمة المتوهجة الدالة قصب السبق في هذه الاحتفالية
    الشعرية التي ينتجها هؤلاء الشعراء، ويحتفي بها الركابي في تأملاته، (ص
    13): "والشاعر علي الفزاني يرسم بأصابع مرتعشة جغرافية لعشق أكبر وأعمق،
    وهو يبدع المدهش الروحي في عذابات هذا العشق، فالمعشوقة هي مبدعة هذا
    الجنون المستحيل"
    ويسوق لنا هذا المقطع من ديوانه "فضاءات اليمامة العذراء" ما يحيلنا إلى
    هذه الأجواء التي تسم الشعر بالجنون، وتعقد علاقة بينها وبين العشق وتجلي
    المعشوق في صور يعبر عنها المقطع، من خلال لغة طيعة، معجونة بالمجاز، ترتعش
    بجمال الكلمة الشاعرة:
    "لك أسماء كثيرة/ في البساتين وفي تضاريس الضجة الصامتة
    لك أسماء كثيرة تنز باللذة المنتقاة/ أحمل أسماءك كلها في جراب القلب طالعة كالسنابل"
    بحيث تتحقق له الرؤية المتسعة لمعنى الشعر المتدثر بالجمال وعشق الكلمة، والتي تعضدها الكلمات الشاعرة التي تسبِّح للعشق والجمال:
    "إني توضأت من جدول في العيون/ وأعلنت أسماءك للصلاة"
    ليضع الركابي لإبداع الفزاني الشعري، عنوان "جسد جريح.. مكهرب بالعشق
    وقريحة صافية مكهربة بهاجس الكتابة.. وأصابع واثقة ترتعش أحيانا تحت وابل
    يرد حروف الكلمات المتزاحمة.. والملحة.. !! " ( ص 15 )

    ربما كان لتعريف الشاعر والقصيدة لدى الركابي، شأن آخر في جدلية علاقتهما
    بالوجود، ومحوريتهما، فالشاعر لدى الركابي: " مخلوق كوني، يحارب دفاعا عن
    الحقيقة والوجود أينما يوجد المحارب".

    والقصيدة: " وردة وقذيفة جاهزة للانفجار في مكان يتعذب فيه عاشق بريء"، وهو
    بصدد التعرض لـ "كوابيس الليلة الأخيرة " للشاعر الليبي جيلاني الطريبشان
    الذي يحمل شعره سمات المعاناة، والحنو في الوقت ذاته، في سبيل السلام
    والحرية مستشهدا بقول بول ايلوار في شأن الشعراء الذين ( ينزفون من نار،
    ويحاربون مثل الجداول)؛ فهو يقول عن تجربة جيلاني في هذه القصيدة: ("كوابيس
    الليلة الأخيرة "قصيدة تضاف إلى ديوان الشعر الليبي الحديث، وهي من أكثر
    قصائد جيلاني نضجا، وتفوقا من الناحية الفنية والفكرية، فهي نقطة مضيئة في
    رحلته الشعرية، وهي تعكس مدى تجربة حياتية صعبة عاشها الشاعر") ص 18

    ويمضي مع زخات قصيدته متوسما هذا العبق الآسر المتخم بالعشق، والمدله به،
    والمتماهي مع رموزه، ودلالات الانكسار والضياع اللذين يظهران جوهر الإنسان،
    وتطلعه إلى التماهي مع حليب الأرض وخضرة الشجر، التماسا لهذه الرؤية التي
    تربط بين الشاعر وكل ما حوله من طبيعة تأسر حواسه، وتتعانق مع رغبته في
    الانعتاق والحرية. لا ألحظ شيئا في الظلمة,/ لكن حين أعود إلى نفسي, /
    وتعود بي الذكرى أراك أمامي / امرأة من ورق الشجر الأخضر، / سمراء، سمراء..
    لتشهد قراءة الركابي، على لغة الشاعر المتميزة التي تتجاوز قصائده
    القديمة اتجاها نحو التميز والحضور الأكثر إبداعا.. " أزخ في وجه الليل / و
    لكن جناحي يتكسر / فوق الألوان المخبوءة / في اللوحات "
    ***
    عبر اللغة المتميزة المنحوتة بعناية، والمنتزعة كالجمرات، يعرِّج الركابي
    نحو البساطة والعمق اللذين يميزان النتاج الشعري لـ مفتاح العماري، حيث
    تتلاقى الكلمة العذبة، مع التجربة الصادقة الهادئة، والوعي بالهم، وبحب
    الكلمات ـ كما أشرنا ـ وببراعة التكثيف الذي تحدده القراءة، وتعبر عنه
    كنتاج لثقافة متأنية، وببراعة المفردات الدالة لديه حيث يقول: " يذهب في
    الريح / لينتشر نعناعا وقرنفل, / يذهب في المطر / ليؤكد أن ما من امرأة
    خضراء/ إلا وتلفحت به / فسلام عليه " (ص 20).

    تلمح هذه القراءة إلى قدرة الشاعر على التمكن من استخدام المفردات التي
    تشكل لديه ما أسماه بتعبير"ذهب الكلمات"، كما يرصد ظاهرة تماهي القصيدة
    باللوحة كمعبر عن الحالة البصرية التي تنزع إليها القصيدة، كالتباس مقصود
    من الشاعر الذي يمتلك حاسة تشكيلية تميز وعيه الشعري، ويسوق له هذا
    النموذج: (ص 29) "الشمس على الكرسي كانت / حين قدم الشاعر مرفلا بالنشيد، /
    سحب كرسيا ليجلس / سقطت الشمس على أرض من قش جاف / واحترقت / حينها ظل
    الشاعر يغني / وظل زيته ينسكب".. وتعبر القراءة في نهايتها عن الإبداع
    الشعري لدى العماري، إيجازاً (ص 30)، "إن لغة الشاعر الدافئة لا تبتعد عن
    فوضى جراحه، وصخب همومه وأحزانه التي لها تعليقها الجريء، ورويها الإنساني،
    وتفاصيل حياته الصغيرة التي يلونها باحتراقه ورماده ودمه".
    ليصل الركابي بهذه الإطلالة الواعية، من خلال قراءاته / تأملاته، ومن خلال
    هذا الملمح الذي تميزه لغة الشعر المتدفقة المطواعة في أيدي مبدعيها، إلى
    حد كبير من التمايز بين الشعراء الثلاثة على اختلاف تجاربهم الشعرية
    والإنسانية واختلاف أجيالهم الإبداعية، من منطلق الإيمان بحتمية ضرورة
    جريان نهر الشعر، وبديمومته المستمدة من وجوده الكائن والفاعل بالحياة، ومن
    خلال هذا التواصل والتمازج الإبداعي مع حركته الهادرة التي لا تتوقف،
    وكدور فاعل للإبداع النقدي الموازي الذي لا ينبت عن الحركة النقدية من
    منظور الوعي الإبداعي.

    القصة القصيرة.. الحالة الشعرية

    حينما يكتب الركابي عن القصة القصيرة، فإنه حتما لا يخرج عن هذا المفهوم،
    وهذا الإطار الذي يجعل منها حالة شعرية بمعني الاستيلاد من رحم القصيدة
    التي تهب جو النص القصصي بعدا شعريا مميزا يخرج بها من حيز تقليديتها شكلا
    ومضمونا ولغة، إلى رحابة التعبير الشعري/ الشاعري الذي تتمخض عنه صور فنية
    ومجازات ضافية تلقي بأبعاد مثيرة ومتجددة على مشهدية النص القصصي، وهو ما
    تلمحه هذه الإطلالات / التأملات التي يلج فيها عوالم نخبة من مبدعي القصة
    الليبيين...

    *** ففي مجموعة "خديجار" للقاص والناقد سالم العبّار، تجسد رؤية الركابي
    هذا الملمح بعوالمه الخاصة حيث تنفذ رؤية الكاتب إلى مجموعة النصوص التي
    تتموسق مع هذا الاتجاه في الكتابة والذي يقول عنه الركابي: " يؤسس لقصة
    ليبية جديدة !! ربما تتفوق في لغتها وموضوعها، ودلالاتها، وجديتها على
    العديد من النماذج القصصية التي قرأناها، وعشنا أسيري فعلها" ص 33.

    ومن هذا المنطلق تحبو كلمات الركابي الشاعرة لتلتمس هذه المواطن المتعددة
    في إبداع العبّار، وتتوقف عند محطاتها الهامة على مدار المجموعة، لترصد
    الملامح الإبداعية للنصوص المنتزعة من عوالم شعرية أذكتها في القاص طبيعة
    الشاعر وقريحته المتأصلة فيه، ومدت لها جسورا عبر نصوص المجموعة التي تعانق
    معاني الانتماء، والعبث الضروري للانتصار على الواقع، وتجسيد أشكال الحياة
    بصورها المتعددة، وإعادة تشكيل صور الحياة ، يقول الركابي عنها ص 39:
    "خديجار.. قصص حالمة فعلا سربتها الروح الشاعرة المهمومة المعذبة التي
    تعلقت بالحياة من خلال لحظة عشق صادقة، وقد امتزجت لحظة الكتابة المريرة
    بلحظة العشق الصافية، وكان وقتها واحدا يشبه الصلاة" لتكتمل الرؤية بالتحام
    تلك الصور الضافية الحسية بمعاني الحياة من منظور أكثر اقترابا وحميمية
    وتعبيرا عن الواقع من منطلق شاعريته المعبرة الدالة.

    ***
    كما يلج الركابي عالم محمد على الشويهدي، كقاص له الحضور المميز على مستوى
    القصة العربية، راصدا ملامح إبداعه في مجموعته "أحزان اليوم الواحد"، حيث
    تتمثل نصوصه هذا الاتجاه الذي يشير إليه الركابي، قائلا: "الحب في قصص محمد
    علي الشويهدي ليس فانتازيا خادعة، بقدر ما هو صورة مدهشة من واقع يرغمك
    القاص بلغته المتدفقة كنهر، أن تعيشه بكل جزئياته ودقائقه ليصير جزءً من
    مخيلتك ...... " ص43؛ لتصير التفاصيل الدالة، بعدا جديدا من أبعاد النص
    القصصي المرهف، والمعبر كسمة من سمات الكتابة المتكئة على إحداثيات جديدة
    وطرق مغايرة من التعبير، كنتاج لحلم إنساني دافيء، وعلاقات قد يقودها الرمز
    الإنساني المعبر على العموم والشمول؛ مما يؤصل هذا المد الشاعري المتغلغل
    في النفس، والذي يقود هذا النوع من الكتابة، كسمة جديدة من سمات التعبير،
    وكعلاقات موسومة بالتعقيد تتجاور مع شاعرية النص والكلمات، تضافرت له
    الكثير من العوامل التي ساهمت في إبراز هذه المجموعة القصصية، بنظر الركابي
    الذي يقول عنها: " أحزان اليوم الواحد.. قصص حب، تربتها الخصبة الحلم..
    ينسجها خيال خصب، مقنع كثيرا، عبر معالجة قصصية ناجحة، جذابة ومثيرة، الفضل
    فيها لأصابع القاص المبدع ( محمد علي الشويهدي ) الذي هيأ جفنيه لهذا
    الحلم الراقي " ص 50 يقرن هنا الركابي بين الحلم والكتابة، كرافد من روافد
    عن الكتابة القصصية الملتحفة بالشعر، وتتسق مع ذات المفهوم.
    ***
    لينتقل إلى تجلٍ جديد من تجليات الحالة الشعرية، في "الظل الثالث" للقاص
    خليفة إحواس، التي يلمح فيها الركابي هذا البعد الجديد للشاعرية حيث
    التكثيف والإيجاز من أهم السمات التي تميز القصيدة، وهي هنا تتحرك في فضاء
    النص القصصي معبرة عن واقع لا يكتفي القاص بنقله، وإنما يسعى إلى تلوينه
    شعريا، حيث تأتي كلمات الركابي الكاشفة عن هذا البعد: " في قصة (الأبتر)
    أولى قصص المجموعة لم يكتف القاص بنقل الواقع، بل حاول تجميله بهذا
    الارتباط الشعري بالمكان، واحتفال طفولي مشروع بالزمان" ص52.

    وأيضا يشير إلى ملمح تعامل القاص مع أدواته وكلماته المنتقاة بحميمية وحب،
    مما يحيلنا مرة أخرى إلى تعبير "الوقوع في حب الكلمات" الذي ساقه لنا
    الركابي في قسمه الأول، مضيفا إليه هذا البعد النفسي في علاقة القصة ـ
    الحلم، كوعاء آخر من أوعية التنقل بين أودية القص المتشعبة التي يسوق لنا
    فيها هذا البعد الجديد للسخرية كملمح مميز من ملامح القص لدى القاص، الذي
    يتميز أيضا بكتابة القصة القصيرة جدا، ذلك الفن المستعصي على القولبة أو
    الإدراج في مدارج السرد القديم، لما له من تأسيس لغوي، وتشكيل عال، يقترب
    حتما من خصوصيات الشعر من التكثيف والاختزال، بصورة أكثر التصاقا بالشعر.
    ***
    لعلنا قد نلتقط ملمحا، من بين ملامح القص التي أبرزها الركابي لدى إحواس،
    ليستمر معنا في إطلالته على نموذج للقاص د. زياد علي، في قراءة في "الطائر
    الذي نسى ريشه" حيث تميزه القراءة بهذه الصبغة التهكمية الساخرة، والتي
    يربط بها الركابي، في اعتقادي بحنكة، هذه السلسلة المترابطة من الأعمال
    القصصية المنتقاة، ويجعل من التهكم عنوانا لتأملاته في نموذج قراءته، الذي
    يلمح إلى سمات القص بأنه "يعانق الواقع بكل تفاصيله الجارحة" مما يجعل
    للتآلف بين اللغة المعبرة والواقع الجارح، وقع هذه العلاقة الإبداعية
    ببساطة وعمق وتلقائية في التناول تفتح مجالا للتهكم والسخرية اللاذعة،
    والتي يضعها القاص، نموذجا، في موضع توظيف الحكاية الشعبية ومزجها
    بالفانتازيا، كوعاء للقص، تشكل نسيجه الصور المتتابعة الجذابة: "في قصة
    (الطائر الذي نسي ريشه) يعتمد القاص في توظيف حكايته الشعبية على الأسلوب
    الفانتازي .. تشكل نسيجه هذه الصور المتتابعة الجذابة التي أبدعتها أصابع
    قاص ماهر مجدد ومتمكن له أفضال في إعطاء هذه القصة ما تحتاجه من الشفافية
    والشاعرية الهادئة" ص 58
    ***
    مع الإطلالة على قصص "شهوة السكين" لـ سالم أحمد الأوجلي، نلمح هذا
    الاقتران بين القصة والحلم ـ الذي ربما كان تمثيلا للرغبة في تغيير واقع
    مؤلم محبط، وكرد فعل نفسي بحت تمليه ضرورات الإبداع والحياة على حد السواء
    أحيانا لمحاولة التخلص من هذه الوطأة ـ والذي يمتد هنا أيضا، ويتصل بالخيط
    الذي بان طرف منه في قصص خليفة إحواس، حيث تعمد القراءات إلى هذا التلاقي
    والربط، وتنوع العزف على ذات مدلول/ علاقة، لتتنوع بذلك الدلالات باختلاف
    طرق المعالجة، ولعل الشهوة/ شهوة الكتابة هنا تتخذ هذا المفهوم الذي يعمق
    ماهية الإبداع لدى المبدع، كمؤرخ لذاته ولمجتمعه، يقول الركابي: "والقاص
    سالم الأوجلي تغريه القصة ـ الحالمة ..!! ربما تحقق له مساحة من الحرية
    للتعبير عن مكامن الروح.. يجسدها للقاريء ـ على إيقاع قصيدة هادئة، وهو
    ينتصر لموضوع قصته وحكايته، ومطالب بطله الذي (هو) غالبا، دون أن يستسلم
    لشرود القصيدة وخيالها الجامح" ص63.

    من خلال القراءة تبدو سمات القص لدى الأوجلي، بميله نحو التشكيل الذي يرتبط
    بالإيقاع الحياتي اليومي البسيط، حيث يقود السرد الشفيف الدال إلى الإحساس
    بهذه السريالية الهادئة والمقنعة، والتي تعكس حال الإنسان وما يتهدده في
    واقعه، كما تشير الإطلالة إلى هذا الميل العفوي للتجريب كملمح من ملامح
    الكتابة التي تعتمد الشعرية، وأدواتها، لتعود القراءة في ختامها إلى
    العلاقة بين الحلم والواقع لترصد ملمحا إبداعيا هاما لدى الأوجلي: "فتارة
    يمزج بين الواقع والحلم، لخلق نوع من التشويق، وتارة يعالج واقعه، بل يتخلص
    منه بالرحيل على جناحي الحلم الأسطوريين" ص 65.

    لتشكل هذه المجموعة المتمايزة من الإبداعات القصصية زخما لغويا وفنيا يعج
    بالمفردات والرؤى المتقابلة أحيانا والمتفقة أحيانا من خلال نسيج لغوي
    محكم، حيث يبدو الاقتران باللغة أمرا هاما لا تريد الإطلالة تخطيه، ربما
    كان اعتمادا على ما قال به إزرا باوند "ما الأدب إلا لغة جيدة مشحونة
    بالدلالات".

    الرواية تقول ما يتمنع التاريخ عن قوله ... ( كارلوس فوينتس )

    في حقل الرواية تعانق تأملات الركابي، هذا الوهج الروائي لمبدعين يتميز كل
    منهما باختراق حجب بيئته ومجتمعه، وينطلق نحو كسر وهدة المسكوت عنه، وسبر
    غور مجتمعه، حيت يطل الركابي على رواية "التبر" للروائي الكبير إبراهيم
    الكوني، منفتحا على المكان الذي ترتكز عليه الرواية وتقتحمه، لتمثل سيرته
    مختلطة برموزه من البشر والكائنات قائلا: "رواية التبر هي المفتاح الذهبي
    لأبواب عالم هائل غامض، مجهول وعظيم هو الصحراء!! هذه الرواية الجميلة نسجت
    حروفها الليليكية مدينة (غات) الليبية الواقعة على الحدود الليبية
    الجزائرية، حيث تطل سلسلة جبال أكاكوس.." ص70؛ معتمدا ما قاله ميشيل
    بوتور، حول العلاقة بين الروائي وشخوصه التي تمثل مجتمعه، حيث: "الروائي
    يبني أشخاصه، شاء أم أبى، علم ذلك أو جهله، انطلاقا من عناصر مأخوذة من
    حياته الخاصة" نحو هذه الرواية التي تفتح كتاب الصحراء ـ بحسب تعبير
    الركابي ـ الذي ينطلق مع الرواية التي تعتمد الصحراء في كل تفصيلاتها
    وتداعيات أمور كائنيها، حيث تشغل عناوينه الفرعية للقراءة هذه المفردات
    الدالة على التوحد بين الصحراء وابنها البار(الروائي نموذجا)، وحيث
    تعبير"النعيم مستحيل" كحكمة من حكم الصحراء الدالة على شظف العيش ومرارته
    بها، وحيث الصراع بين الخالد من القيم، والزائل من المادة (التبر كمعادل
    قيمي للذهب)، وحيث السعي الحثيث نحو التحرر، وحيث الحكمة الدالة التي تأتي
    في سياق السرد الروائي "لا تودع قلبك في مكان غير السماء" في رصده للحالة
    الجدلية التي تعقدها الرواية بين الحياة والموت، والتي يدفع بها الركابي ـ
    محللا، وراصدا ـ في اتجاه لغة روائية صافية تضيف إلى الحدث/ السرد ألق
    الشعور وزخم الإحساس بالمكان، والتوحد فيه، والعيش مع مفرداته من خلال حكمه
    المتشبعة بها النفس، حيث يقول: "تلك هي لغة الجسد الخاشع في محراب من
    يحب ويهوى..!! لغة القداسة، لغة الصحراء التي تبزغ شمسها وهي تشق السحاب
    بعناد وتتفتح لها زهرة عاشقة، مثقلة بأغاني ألوانها وأريجها، لغة السكون..
    لغة الوجود.. لغة الحياة..!!" ص 77
    ***
    ينتقل الركابي، مع رواية "حلق الريح" للروائي د . صالح السنوسي ـ والذي
    تعددت أعماله الروائية التي يعلو فيها النبض القومي والهم العروبي ـ إلي
    هذه البيئة المنتزعة من التراث بحس الخيال البارع الذي تختلط به، والذي
    يسوقه الروائي في هذه الرواية الغنية بأبعاد المكان، وعبقرية ارتداد
    الزمان، وبهذه الروح، فهي: " تستلهم الموروث بشكل فانتازي ممتع، وتعتمد على
    الرمز الشفاف المثير، وتحفز وتفتح الشهية للقراءة، دون الشعور بالملل
    والضجر، وكأن أبطالها، وزمنها، ومكانها قريبون منك، وذلك لأن التربة التي
    فجرت هذه التساؤلات بحميمية كبيرة هي تربة واحدة من صنع الوجدان الصادق،
    والضمير الحي." ص 80.

    كما تعتمد الرواية هذا النسيج الواقع، وتحتفي القراءة بكونها ـ الرواية ـ
    عالية الصوت والنبض، وربما تصل إلى حد الصراخ الجارح بتقنيات الرواية، لكون
    الواقع الذي تنقله ـ بحسب الركابي ـ ماض مؤلم، مضحك مبك، من خلال سيرة
    أبطالها الطارئين، والزائلين، في ملحمية لا تنقطع فصولها المتتابعة،
    وسيرتهم هي سيرة المكان الذي ينتسبون إليه، ويصبغهم بصبغته، فهم: "الريحيون
    عصب الرواية النابض المتجدد، هم عرب الأمس واليوم" في تاريخ للمقاومة ربما
    تحاول الرواية أن تستنهضه، وكما يقول الركابي: "حلق الريح رواية تنتصر
    لتعب الإنسان العربي.. تبعث على العمل، وتهاجم اليأس ـ صديق الورود الذابلة
    ـ في عقر داره، لتميته في سرير آثامه وذنوبه.. لتحيي في المكان الألفة..
    والمحبة.. والتضامن على إيقاع المطر العربي القادم.. الدافيء" ص86
    لتشكل هذه الرواية رؤية مغايرة لمعنى الحلم المختلط بالغضب، بالحرص على
    مغنطة أحداث التاريخ، واستعادة الروح، من خلال تراث يتعانق مع واقع، أملا
    في حاضر يبحث عن مستقبل يستنبت من رحم رواية/ إبداع يتمسك بجذوره، ويتجلى
    فيه المكان كفاعل.

    بين المقال والسيرة والوفاء، كروافد إبداعية

    ثمة علاقة مقاربة وتكامل، ووشائج من الحس المشترك المتكامل بين المقال
    المبدع، والسيرة الكاشفة لأغوار الذات في علاقتها مع ما حولها، وكذا
    الحوارات الدالة الذكية، التي يسوقها الركابي بين دفتي كتابه/ وثيقته التي
    يؤرخ بها لحقبة زمنية من تاريخ الأدب الليبي المعاصر، والذي يشهد موجات مد
    أدبي وإبداعي تمخضت عنها الطبيعة بتضاريسها المادية، والطبيعة الإبداعية
    الحسية لمبدعين أدمنوا الإبداع، وعانقوا الهم الإبداعي، والذاتي والعام،
    في احتفاليات مدادها الأرق والمعاناة، والصدق، والاغتراب الذي يقارب
    الركابي مفهوما له لدى الكاتب والأديب"سيد قذاف الدم"، حيث يسوق لنا
    الركابي هذه القراءة في "هوامش على جدار الغربة" حيث يلمح إلى هذا الحس
    الشجي بالاغتراب، بلجوء الكاتب إلى الأسئلة التي وسمها الركابي بالـ
    "عمياء" و"ثقيلة.. و.. غامضة.. و .. حجرية كالغربة" .

    ويشير إلى لغة الكاتب التي تتراوح بين الشعري والواقعي، والفضائي اللاذع،
    والمحلق في سماء الوطن اغترابا، وعشقا لا ينقص منه هذا الاغتراب وحسه
    المرير.. يقول الركابي: "هكذا تأتي (هوامش على جدار الغربة).. لغة سهلة
    منسابة كنهر رقراق، وشاعرية ملفتة ومثيرة، ووعي مقنع، وهو ثمرة ثقافة
    هادئة، وبساطة محببة، بعيدة عن التكلف، يزينها خيال واسع" ص 92.

    ليتخطى مفهوم الإبداع لدى الركابي، هذه الأطر المعتادة، والزوايا الحادة
    للإبداع انطلاقا إلى الرحابة نحو التماس صور للإبداع من خلال نص مفتوح.
    ***
    كذلك يلج الركابي عالم نصوص الأديب والقاص المبدع محمد علي الشويهدي، في
    ميدان المقال، و"صرخات في زمن الصمت"، والتي يقول عنها في معرض تأمله لها: "
    نصوص لها أهميتها، ربما لأنها أرخت بجرأة، وشجاعة لحقبة زمنية قاهرة،
    ولحالة عربية كانت تستحق فعلا الدراسة، حالة الصمت، والضعف، والخضوع،
    .......... " ص 93
    وهو توجه يعطي تنوعا في درس تلك الزاوية من الكتابة التي تستمد قوة التعبير
    من كون كاتبها مبدعا، ومتعاملا مع اللغة في أوج عنفوان سحرها الجاذب،
    والمعبر بشحناته عن لواعج النفس، والذات ومن ثم المجتمع، بتاريخه وحاضره،
    في علاقات عكسية وطردية على حد السواء، يعاود الركابي: "هي مقالات تستعدي
    الماضي، تحاكمه، وتقلق الحاضر لتحفزه، لا تجرح، ولا تفتح جرحا، ربما هي تحك
    على جرح لم يندمل بعد.." ص 94.

    ويلمح الركابي إلى سمة من سمات الكتابة لدى الكاتب، وهي بروز التقنية
    القصصية، في تلك المقالات والنصوص الكاشفة لتتوحد هذه السمات، في مجموعها،
    مع نظيرتها لدى قذاف الدم، لكونهما يعالجان هموم الوطن والمواطنة، ويعانقان
    تيمة الحلم معنويا لتجسيد الأمل، وماديا على الورق لتوثيق التاريخ، ولكن
    كل من سبيل ومعين يخصه، ويدفعه نحو عملية المواجهة / المقاومة بالكتابة
    المبدعة وإن اختلفت صورها، أو توارى الإبداع الفني في تضاعيفها.

    *** وفي قراءة بعنوان "منابت الريح.. كتاب الوفاء" لـ محمد عقيلة العمامي،
    يرصد الركابي لمحة الوفاء، التي يقدمها الكتاب ومؤلفه إلى روح الراحل خليفة
    الفاخري، وهو الكتاب الذي يعتبر إضافة هامة للمكتبة العربية والليبية، في
    الفن القصصي، حيث يسرد سيرة الكاتب الراحل، ويبرز الذاكرة الصافية، اللاقطة
    والمختزنة للراحل، ومقالاته وإبداعاته التي أسهمت في الحركة الثقافية
    الليبية.. " في منابت الريح الكثير مما يقرأ ويفيد، ويوقظ، والكثير مما
    يستحق وقفة ودراسة"، وذلك لكونه: "وثيقة هامة، وإضافة رائعة لكتب السيرة
    الذاتية في ثقافتنا وأدبنا المهددين بالاندثار" ص 105
    ***
    كما يقارب الركابي فن المقال لدى محمد على السنوسي، الذي تعدد القراءة
    مواهبه الإبداعية، ودأبه على الكتابة والإبداع، واتساعه على مجالات الكتابة
    الإبداعية، والنقدية والصحفية، لتكون لمحة وفاء من الركابي لهذا الفنان
    المتعدد بهذه الكلمات المحبة العاشقة يسجل الركابي شهادته عن المبدع
    السنوسي، مختزلا، في قوله: "كمبدع وكاتب قصة فانه يربض في إيقاع كلمة هادئة
    بسيطة ،.......، وكناقد يقترب من العمل الأدبي برئتيه وحنجرته،
    وأصابعه"ص107
    ***
    هذا التجسد في الكتابة والتوحد بها يعطي لإطلالات/ إشعاعات الركابي، وميض
    خاص، وعبق لكتاباته، التي تعانق اللغة الحميمية، المترعة بفيض العشق
    للكتابة والقلم والحرف والكلمة، دون أفضليات أو ترتيب، تتجاور معها توقدات
    الذكاء المبدع، في حواراته الجاذبة التي تحتل ركنا هاما من ذاكرة هذا
    الكتاب/ الوثيقة، والتي لم يفته أن يدرج بها هذا الزخم من التجارب الحياتية
    والإبداعية لعدد من الشعراء الليبيين المتميزين (حسن السوسي، وعلي
    الفزاني، وفرج العربي) لا تقل آراؤهم و كلماتهم وخبراتهم المنسكبة على
    الورق إبداعا وتميزا ـ عما نحتته إبداعاتهم في ذاكرة الإبداع الشعري
    الليبي ـ وتستحق أن تفرد لها قراءة خاصة لما تحويه من جماليات الحوار،
    وطيب الكلمات العاشقة للكتابة، وللحياة..

    لاشك هي حكاية عشق مع الكتابة/ الكلمات/ الحروف، وعصير الروح الذي تنز به
    عقول وأفئدة كتاب لابد أن يحتفى بهم، وتقدم لهم الورود، وورود الركابي في
    هذه التأملات الإطلالات، هي الكتابة التي تفاعلت كيميائيا مع عصير الروح/
    النصوص المبدعة، بحس إبداعي مرهف، وسجلت مشاعرها، لتكون إبداعا موازيا،
    وقراءة إبداعية واعية حملت العالم بين يديها بنصوص هؤلاء المبدعين لتطرح
    زهورا جديدة ورياحين، ولتؤسس لنوع من الرؤيا الإبداعية القائمة على عشق
    الكلمة.. المتماهية مع تجلياتها..
    منقول


    نزهة زاد

    عدد المساهمات : 3
    تاريخ التسجيل : 05/03/2012

    رد: كيمياء الكتابة

    مُساهمة  نزهة زاد في الأربعاء مارس 21, 2012 7:03 am

    [center]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك على هذه القراءة على القراءة والتي منختها بعدا فنيا وفكريا
    \


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    شكر

    مُساهمة   في السبت مارس 24, 2012 10:41 am

    العفو..كله من عند الله عز وجل

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:09 pm