منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    أُهزوجة خادمة في منام الجسد» لآمال نوار

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    أُهزوجة خادمة في منام الجسد» لآمال نوار

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:29 pm


    «أُهزوجة خادمة في منام الجسد» لآمال نوار

    محمد جميل احمد
    (لبنان)

    طاقة
    الشعر، كالحلم تماما، تربك تراتبية الصور المختزنة للذات والعالم، وتخترق
    حيوات متخيلة بنسيج من خيوط خالقة لعالمها المؤثث بجمالية معقّدة، لها
    القدرة على القطع والتبديل السريع للمألوف، وخلخلة وعي المتلقي لجهة الجذب
    إلى عوالم داخلية أليفة، يعيد الشاعر/ ة، بناءها، لأعبر المخيـّـلة فحسب،
    بل عبر تكوين قادر على اشتقاق ودمج مناخات وطقوس لأشياء مختلفة، تنضفر بعكس
    وجودها الطبيعي أو بخلافه، وترحل الكلمات عن قاموسها بتحريك جديد من ضغط
    المعاني المكشوفة أمام التجربة الشعرية، فيما تكف مفردات العالم وعناصره ـ
    بفعل هذه التجربة ـ عن تأويلاتها خارج النص. ذلك أن للشعر هنا طاقة فريدة
    تكشف للشاعر علاقات خاصة، تخضع فيها الأشياء والمعاني لحياة شعرية تنقض
    وجودها السابق وتلتبس بالزمن في رحلة أبدية.


    على هذا التأويل تكتب الشاعرة اللبنانية/الأميركية: آمال نـّـوار (1)
    ، غوايات ومُتــَع بطاقة حُلميه تشد الجسد إلى مصاف صوفية تغرق في المتع
    وتكف عن تحقيقها في الوقت نفسه، في قصيدتها (أُهزوجة خادمة في منام الجسد).


    حيث تضفر بأناقة جسدية عالمها (الشبقي) الشفاف ضمن تكوين يكثف اللحظة
    الجسدية في حالات تختبر أقصى مجاهل اللذة، تلك التي يصقلها الحلم حتى تبدو
    كقناع يستنفد عصارة الوهم في مرايا اللذات السـٍّرية والمتوحدة، دون أن
    تتكسر أو تتحول إلى مسـرّات طينية عابرة. فهي تنزع بكتابة الجسد إلى محايثة
    الوجود والعدم، واكتشاف لممكنات الجسد الروحية من خلال سيرة العطش.
    والشاعرة في كتابتها تلك تكشف عن أطياف مغمورة لا تعين على فهم المعاني
    فحسب، بل تتحول إلى لقطات يشع منها الشعر من قاع يحيل التجربة إلى رؤيا،
    والسرد إلى مناجاة، والجسد إلى أيقونة، والرغبات إلى غيوم ماطرة.


    <blockquote>
    (جاءني طير ٌ في المَنَام ينقرُ وردتي.
    تلسعُه الأشواكُ بملحِها
    فيتخدّرُ فيه القصب.
    جاءني يد وزن عيدان المطر
    ويُحيلُ رخامي إلى شمعةٍ)

    </blockquote>
    فالنص إذ يدخل في الغواية بصورة تلامس مفرداتها الفعل الاستعاري لوظيفة
    الجسد، يلتف في الوقت نفسه على ذلك الفعل برموز وصور رافعة لتأويله عبر
    مجاز شفاف، ينشط بإشارات تختزن طاقة من الرؤيا تفيض عن المعنى المادي
    القريب، إلى
    اختبار الجسد بوصفه صورة للروح. والمنام كفضاء للتجربة
    ومكان للحلم ربما كان مناسبا لإطلاق المعاني الصوفية والعرفانية التي يحتفي
    بها النص ويوظفها. وهو ما يمكن أن يحرر التجربة الجسدية من معاني السلب
    التي تلتبس أحيانا حالة الحرية في علاقات الجسد الأنثوي. فتنفيها الشاعرة
    لتحول كتابة الجسد إلى متعة صافية كما لو كانت تعيد اعتبارا روحيا لعلاقات
    الجسد، بهذه الكتابة، يرفعها إلى مقام شفاف.


    <blockquote>
    ( في دَغْشَةٍ
    لا يُسْبَرُ في بئرها
    شرود الغزلان.
    وكانتْ خيوطُ الشراشف
    أوتارَ غجر
    تلهثُ بألف ليلةٍ من العَطَش
    والعطرُ تغيضُ روحُه
    في حرير النَفَس).

    </blockquote>
    وتوغل الشاعرة في أقاصي الوصف لتحرر رغبتها الأنثوية الحارقة بتجريب
    يقطـّر طاقة الجسد الملتبسة بالروح في ما يشبه حالة أقنومية. فهي تحتفي
    بالجسد في نسيج روحي مشروط بغفلة المنام، وهدوء عميق مطمئن، لا ترن فيه سوى
    (أوتار الغجر) وهو هدوء يقابل عوالم (يوهان فرمير) الحالمة، لكنه يأتي
    لتجسيد ذلك الأقنوم الذي يحتمل الشفافية والكثافة في ذات واحدة، وينطوي على
    تأويل للكينونة الإنسانية الخالصة. والشاعرة تمحو فضاء السرد، أي المنام،
    عندما تتوهم الصحو. لكنه صحو داخل سياج الحلم.


    <blockquote>
    (وكنتُ أصحو وأنام وأصحو.
    تنخرُني الغرائزُ كخليةِ رمّان.
    لا أثر في عُروقي لموهبة
    سوى أنّي مغيضُ رغبةٍ
    عتمةُ فاكهة)

    </blockquote>
    ذلك أن السرد هنا يحرص على متابعة الوصف بلغة متولهة تختزن اللهفة من
    أعماق الجسد للإمساك بخيوط المنام، وحكاية تفاصيل السلب اللذيذ. فالحرص على
    تماهي لذة الأنثى مع حالة السلب ينطوي على تأويل عميق للأنوثة في أقصى
    حالات الجسد فهو سلب ينفي كل ما هو خارجه في لحظة الجسد.
    غير أن هاجس
    الحرمان الذي يتكشف من خلال النص هو الحد المقلوب لأقاصي نشوة المنام، يطلق
    إشارات النفي الاحترازية التي تنطوي على دلالة مزدوجة. فهي لا تحيل فقط
    على اختلاق البراءة فحسب؛ بل تحيل أيضا على إدراك سحيق، وذهول يتعالى عن
    علامات الوعي لفرط لذة الغياب.


    <blockquote>
    (سرّي لا يُـسرُّ لأحد
    خوفي لا يُخيفُ أحداً
    خيانتي لا تخونُ أحداً
    متروكة كالأسى في البحر للصيّاد
    كمرآةٍ في ذُهنها فحوى الحواسّ
    وكنتُ لا أُحدَسُ أو أُسـْتـَشَفُ
    لا أُقـْتـَضَبُ أو أُكـَثـَفُ
    لا أُراوَدُ أو أُستـَعَافُ
    متروكة في بُعْدٍ يُجْهَلُ أنّي فيه أُجْهَلُ)

    </blockquote>
    والنص يشتغل على تصفية الكلام عن المعاني الزائدة لأن الأسرار اللذيذة
    تشف دائما عن تواطؤ ينكتب به النص كما هو تعبير منسجم مع التجربة. وتبدو
    اللغة هنا أشبه بتعبير صوفي يضغط الألفاظ بأقصى حمولة من المعاني، بحيث
    (تعجز العبارة وتقصر الإشــارة)، ويوغل في الخفاء لتكثيف الحضـور المنــسي
    في عتمة المنام.


    <blockquote>
    (أحيا بمواتِ يقظتي
    كخشخاشِ «عمر الخيّام»
    خادمةَ طيورٍ
    وجسدي يُؤْكـَلُ
    لفرطِ المنام)

    </blockquote>
    وفي الختام تشترط حياة المتعة موات اليقظة؛ الأمر الذي يعبر جليا عن
    الحلم باعتباره شكلا من الحياة ينوجد في موازاة عالم آخر تصنعه حالات
    النشوة، وهو بالضرورة لا ينطوي على شرط الوعي، الذي ربما دل على شراكة في
    اقتسام اللذة وبالتالي نفي التوّحد الذي يختزن الحرمان ويقطر الجسد إلى
    حدود غير متناهية. وتتقمص التجربة حياة مشرقية للجسد تستعيد مفهوم السلب
    باعتباره إغراء يرقى إلى مصاف الخدمة التامة لأفعال الخلق الذكوري، تتحول
    بموجبه الذات إلى خادمة/جارية للطيور.
    ربما كان في ذلك نوستالجيا
    استعادية للشرق الذي تعيش الشاعرة بعيدا عنه في (أميركا)، بينما تشف آفاق
    الرؤيا في نصها عن تأويل إشراقي يمتح من لذات الجسد إشارات تستدعي روح
    المشرق، سواء في تلك اللغة الصوفية، أو مجازات ألف ليلة وليلة أو استخدام
    (منطق الطير)، وحتى في موات اليقظة الذي يمنح عالما موازيا للحلم، من
    (خشخاش عمر الخيام).
    هكذا استطاعت الشاعرة اللبنانية المبدعة آمال نوار
    كتابة شفافة للجسد ترقى لمصاف تعبيرية تخترق السائد والمبتذل. وتنتقل من
    وحدة التجربة إلى إشاعة ممتعة تنشل المعاني من على قارعة الجسد، لتعيد
    تأويلها بلغة مشرقة وأحاسيس شفافة تتحول إلى سلطة تملك إغواء الأنثى وسحرها
    في الكلمات. ذلك أن سلطة الإغواء تغمر المتلقي بنبض يشف عن حالة يمكن أن
    يتمثل نشوتها، ويستعيد ذلك الهسيس المخدر لموسيقى الجسد.
    إن كتابة
    الجسد بحسب هذا النص، لا تحيل على محض الإغراء فحسب؛ بل تنطوي بالأساس على
    تجربة إنسانية تمنح حرية النشوة قيمة ذاتية متعالية، وتحولها إلى إشارات
    حسية تختفي وراء الرموز التي ترسل للمتلقي إشارات المعاني لمخيلته. أي أنها
    تمارس كتابة للجسد قابلة للاستعادة والتأويل.


    (شاعر وكاتب سوداني مقيم بالرياض)


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:43 am