منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    السرد و الرؤي...2

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    السرد و الرؤي...2

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:55 pm



    هذا البيت الذي يسكنه حليم وبهيجة . تاسس اذن على هذه الذكريات (المرايا) , لذلك
    هو قصر عال, يتارجح في فضاء هذه الذكريات , التي اضيفت اليها ذكريات اخرى بتعاقب
    الزمن . واضيفت اليها ايضا وقائع واحداث حياة حليم وبهيجة التى نهضت - الوقائع
    والاحداث - , في هذا البيت ذي الغرفة الوحيدة , لكن الكافية لرعاية ميلاد زواجهما
    ونموه, و ذكريات حبهما التي سبقت هذا الزواج , حتى مرحلة الصبا فالشيخوخة , لتتشكل
    من كل هذه المراحل التي تعاقبت على البيت مزيدا من المرايا ( مزيدا من الذكريات ) ,
    التي يرون فيها انفسهم, كانهم هم وليس هم , بين بين .. ففي لحظاتهما السعيدة , تسقط
    احاسيس الغبطة على البيت , فيشاركهما هذه الغبطة , مثلما شاركهما لحظات صراعهما
    الانساني العديدة ..




    والطرف الاخر من عنوان القصة هو ( المرايا ), وهي المفتاح المركزي لعالم هذا القصر
    . فالمرايا في السرد , تقنية وأداة تعبير فني , قبل ان تكون سطحا املسا , دوره
    ينحصر في تأدية الانعكاس , انها مرايا الذات .. يقول حاتم الصكر " المرايا مقترح
    شعري ارتبط بادونيس , الذي عرف عنه استخدامه المبكر للرمز والقناع, وهما ممهدان
    ضروريان للمرايا (15).



    ان
    اى دراسة للامكان السردي , في( قصر المرايا) يجب ان تبدأ اولا بتامل دلالة المرايا
    من شتى وجوهها : الظاهرية بحكم وجودها الشيئي ضمن وعينا وشعورنا.. والنفسية لما
    تحمله من دلالة وجود القرين , ورؤية النفس , وتعرفها عليها, ضمن حيز المرآة: جذرا
    رمزيا يربطها برغبة( نرسيس) في رؤية وجهه منعكسا على صفحة الماء . والفنية بكونها
    دالا شعريا وادبيا عاما , يمكن ان يحمل معه تقنيات خاصة , ترتبط بالانعكاس وتشويه
    الانعكاس معا , او التشظية والتناثر ..




    فقصر المرايا تشظت داخله حياة حليم وبهيجة, كما تشظت داخله, كل الذكريات الماضية
    منذ تاسيسه .. حليم وبهيجة رأيا ذاتيهما , بكل غروريهما - حب ذاتهما : اذ توهما
    انهما يحبان بعضيهما, بينما هما يحبان الحب لذاته , متمثلا في ذاتهما: فهما, الحب
    .( كنرسيس النرجسي ).. تشظيا عندما رأيا ذلك في مرايا نفسيهما .. واول ما يجب
    ملاحظته , ان وجود المرايا بالنسبة الى الجسد , يرتب تغير موقع المتلفظ ايضا ,
    وموقعه كراو او سارد من هذه المرايا .. وهم كانوا محاصرين بالمرايا .. المرايا
    التي امامهم والتي خلفهم .. المرايا من حولهم, وداخلهم.. غرقا في لعبة المرايا ..
    المرايا التي لها




    وجودا شيئيا, اكثر عمقا وتاثيرا مما يحسب المبصرون, المتعجلون . والمرايا التي هي
    اول ما يقع عليه بصرنا .. والمرايا تقتضي وجودا لشيء ما يتمرأى فيها . وبذلك تصبح
    موضوعا دائما, لذات تمارس فعلها عليه, لكن وظيفة المرآة, تتعدى التاثيث ولوازم
    الوجود الكمالي, على الجدران او فوق المكاتب والزوايا , لأن الحيز الذي تشغله , في
    تفكير الانسان وافعاله وسلوكه, هو الاكثر اهمية , وهو الذي اثر في حياة حليم وبهيجة
    ..



    ان
    المرايا توهمنا بانها حيادية, تعكس ما ينطبع عليها , او يتراءى امامها او يعرض
    عليها . وفي حقيقة الامر تكمن وظيفة المرآة, في كونها تضاعف. وعبر فعل المضاعفة هذا
    تعطينا "صورة القرين " . الاناالاخر. غير المرئي ولكنه موجود ..




    ورغم ان المرايا ترينا ما تقتنصه اعماقنا فانها - كما يلاحظ فوكو - الى جانب كونها
    تضاعف , لا ترينا ما لا يظهر عبر سطحها . فيظل ثمة فاصل بين ما نرى وما نقول ..
    فالمرايا لا تقترح علينا آخرا, بل ترينا هذا الآخر الذي نقترحه عليها ..





    اننا لا نبحث في المرايا, عن واحدية اجسادنا وصورنا , بل نسارع الى البحث, عن
    تفاصيل منسية او مطمورة , كي نؤلف منها صورة القرين , الذي يشاركنا خطانا وحياتنا
    .. وهو ذو وجود سردي , لانه يمثل الجانب الثاني في حوارية شخوصنا . وقد استثمر
    القصاصون المزايا السردية لوجود قرين المرآة وطوروه ليغدو صوتا داخليا ثانيا لوجود
    الراوي او الشخصية ..




    وترينا الحكايات والاساطير انواعا متعددة من المرايا منها : مرايا الزمن : حيث
    كانت( سندريلا) تهرب من مرآة زمنية , فلو انها تأخرت عن ساعة محددة, لعادت الى
    صورتها الاولى فتاة فقيرة . ومرايا الاسطورة : حيث يتحول كل ما يقع عليه بصر(
    ميدوزا) الى حجر . وثمة في هذه المرايا الاسطورة وجود نرسيسي ( او نرجسي بالمصطلح
    العربي المتداول ) (16) لكن ما يدعوه المحلل النفسي الشهير" جاك لاكان" (1901 -
    1981) بمرحلة المرآة يستحق التأمل . فهو يرى ان الطفل يستطيع التعرف, على صورته في
    المرآة في سن مبكرة , على انها صورته , ويختبر حركات الصورة , ومحيطها المنعكس في
    المرآة, ثم العلاقة بين ذلك, والواقع المزاوج له , اى جسد الطفل والافراد والاشياء
    المحيطة به ..




    والمهم في مفهوم( لاكان) لمرحلة المرآة بانها تماه, وبان تمثل الصغير لصورته
    المرآوية, مع عجزه الحركي, والغذائي. شبيه بالرحم الرمزي. حيث يندفع ضمير الذات الى
    شكل اولي , قبل ان يتموضع في جدلية التماهي مع الاخر . ان المرايا تنطوي علي طبيعة,
    او جوهر من جوانب ذاتها الاصلية , تحتفظ بها مهما اخضعت لتحولات .. بوصفها رمزا من
    رموز الشخصية , وتقنية سردية يقف امامها ليرصد, ما يتراءى في اعماقها .. يلاحظ(
    جبرا ابراهيم جبرا) ان اللحظة( النرجسية) هي لحظة لا زمنية . لحظة الممثل على
    المسرح, وقد انفلت من قيد التسلسل.. والنرجسية هي الخط الدقيق الذي ينظم وجود
    الرموز الاسطورية والتاريخية على مستوى الرؤية .




    يفسر بعض النقاد( قتل المرايا) بانها اعدام وحرق للكل الثقافي - كما عند ادونيس -
    الذي تعادله المرايا ( فالقصر ينهار ليعود الى مكوناته كما يراها الجيران: مجرد
    غرفة مبنية من الاجر الاحمر, المخلوط بالحصى. شأن كل بيوت ام درمان القديمة ..
    ينهار بانهيار ذكرياته , باختفاء ابطالها , بحيث لا تعود ثمة اهمية لذاكرة المكان "
    القصر", دون شهود او سكان, يحيون هذه الذاكرة , فينهار باختفاء حليم وعوض زهران
    وموتهما .. وينهار بطرد سميرة منه ورحيل بهيجة ) = وفي المثل السوداني ما معناه
    اذا كان للانسان منزلا من زجاج فليحذر رمي الاخرين بالحجارة . وهي كناية تحذيرية
    عن عدم الحديث عن عيوب الناس لان لنا عيوبنا , التي سيتحدثون عنها ايضا اذا تحدثنا
    عن عيوبهم .. عيوبنا التي ستستحيل ايضا الى ذكريات , لكنها تظل احدى مكوناتنا
    النفسية , فهي جزء من تاريخنا الاجتماعي على مر السنين , وتستطيع مرايانا منحنا
    رؤيتها بوضوح , كأنها جسم مادي ..




    وثمة مرايا لا يمكن اخضاعها للتقابل الثنائي, او للتفسير الرمزي العابر , وهي - كما
    تسميها( خالدة سعيد) مرايا الاعماق حيث تتقاطع الرؤي جميعا .. واشار احسان عباس الى
    المرايا باعتبارها اسلوب نظر الى الماضي(17) . وتقنية انعكاس المرايا في القص
    الحديث , من ابرز التقنيات لاستدعاء التاريخ الذاتي ...



    فأى
    نوع من المرايا تلك التي شيد منها قصرالمرايا , و الشخصيتين اللتين تسكنانه (حليم
    وبهيجة ) . مما تقدم قدمنا اشارات, حول طبيعة هذا القصر التي يصفها لنا الحلو -
    مقرؤة في سياق علاقتها بطبيعة علاقة هذين الزوجين - على لسان الراوي" كانا : حليم
    وبهيجة . زوجين من الارق والتوتر . وذلك عندما وضعا , بمحض حريتهما, علاقتهما
    الزوجية على حافة الخطر . اذ كانا بحياتهما المشتركة يلهوان . فبعد مضي العام من
    الزواج. شعرا بالسأم . وهكذا انخرطا في اللعب المهلك , ان يكتشفا في الحياة شيئا
    بينهما اعمق واصدق , وان يريا في علاقتهما, نفسيهما على المرايا (..) كففت عن
    الكلام مجبرا . ومن ثم .. في نهاية الامر, اخذوا يكلمون المرايا, المحتشدة بالصور
    (18).. ثم على لسان بهيجة بابا دبلوس " يأتلق كله قصرا من الزجاج الكريستال, ومن
    المرايا , بحيرة من الجمال الصافي (..) أرفع رأسي . رأيت صورنا على المرايا . كنت
    انا وحليم.. وانا الاخرى مع عوض زهران . وعوض زهران تارة اخرى مع سميرة.. ورفع حليم
    عينيه من الكتاب : - ما بك ؟ انت شاحبة جدا ؟! وكنت ارى صورا على المرايا, شديدة
    العجب, الزمن فيها يجري كيفما شاء . الماضي والحاضر والمستقبل . كل الزمن المستدير
    يأتي (..)..( اجلس وحدي وصوري تتكاثر, على سطوح المرايا . وتجيء صورة حليم وعوض
    زهران (..) وتداخلت في هذا الوقت كل الاشياء .. الخواطر والافكار والاحداث .. حتى
    بت اشك في القصة بمجملها (19).. ويمضي الحلو في عرض شخوص نصه , معتمدا على تقنية
    تعدد الاصوات التي اشرنا اليها سابقا . منتقلا الى شخصية اخرى فيطل علينا حليم
    مصطفى زوج بهيجة , مستعرضا وجهة نظره بضمير الانا المتكلم " كنا في داخل هذا القصر
    الزجاجي, اشبه بسمكتين صغيرتين ملونتين . نسبح داخل هذا الماء الزجاجي (..) كانت كل
    الايام تمر متشابهات . نجلس ثلاثتنا نحلق في وجوهنا, التي تنطبع على سطح المرايا,
    المحيطات بنا . فنرى دواخلنا حتى النخاع (20)..




    ثم نعود الى شخصية الراوي مرة اخرى , مضيفا الى وجهة نظره, التي استهل بها هذه
    القصة, لننتقل بعد ذلك الى بهيجة - لكن هذه المرة هي ليست ابنة" بابا دبلوس"
    والدها الحقيقي بل - ابنة عوض زهران الذي تبناها "انني ارى حياتي في عزلتي . ارى
    هذا الحب الغريب الاطوار . دائرة تجري في الاتجاهات الاربعة . وكيف ان هذا الدوار
    قد قاد كل منا, الى طريق مختلف . فكنا ندور في متاهة, وشعور يجعلني موقنة, اننا
    سنلتقي على تخوم ذلك العالم . مكان يشبه قصر المرايا (..) اهو صورة بهيجة على
    مرايا عوض زهران ؟ ام جئت ابحث عن صورتي.. عن معنى وهدف هذه الحياة ؟ (21)...




    ليطل علينا بعد ذلك الوجه الاخر لبهيجة : بهيجة بابا دبلوس , ثم ننتقل الى الراوي
    " الذي يحكي حياة سميرة, بعد ان انهى حكاية بهيجة " كانت سميرة بالجمال تضيء بدرا
    مكتملا . لقد توقف دوران الزمن فيها عند الثلاثين . وكانت الاقدار تمسح غبار الزوال
    عنها . رغم بلوغ سميرة السبعين, وعندما تنظر في المرايا, كانت تحدث نفسها بصوت عال
    (..) الضؤ امواجا من الوان الطيف المزبدة . يرفرفون . يشقشقون . وعلى سطوح المرايا
    هالات زرق (..) وكلما كانت على سطوح المرايا صور , وكلما كان في الفضاء جناح , فانا
    بدونهم لا شيء .. لا شيء البتة (22) وهكذا يمكننا ان نستخلص من طرفي العنوان : "
    قصر - المرايا " .. اضافة الى ما اشرنا اليه , ان المرايا هي ذكرياتهم وطريقتهم في
    النظر الى ماضيهم وحياتهم . وهي نزعتهم الانانية في تكريس ذواتهم , دون رغبة في
    عطاء هذه الذات للاخر , بل عطاءها فقط لنفسها , فحتى في تصور - بهيجة مثلا -
    لنفسها ما بعد هذه الحياة - الموت - ترغب في ان تلتقيهم ( عوض زهران / سميرة / حليم
    ) وتتصور انهم سيلتقون, في قصر شبيه بقصر المرايا .. تريد ان تلتقيهم لتأكيد
    وجودها المطلق , ليس لأي شيء اخر فهي " لا شيء بدونهم " وحتى تكون شيئا, يجب ان
    تكون معهم . وهي ذات الرؤية التي توصل اليها حليم , فقد ادرك منذ البداية ان
    انسحاب اى طرف من اطراف, علاقتهم الثلاثية. يعني ان ينهار كل شيء . فلا احد من
    ثلاثتهم يعني شيئا, دون الاخرين . كذلك الراوي يستمد وجوده عبرهم في حياتهم , وعبر
    اطيافهم التي تلاحقه, بعد ان آلوا الي مختلف طرق .. وهكذا تشكل رمزية المرايا ايضا
    , في علاقةالذات بالاخر ..





    (2)





    عالم علي المك القصصي ..



    الحديث عن القصة القصيرة لدى جيل علي المك , ( منتصف الاربعينيات والخمسينيات ) ,
    لهو حديث محفوف بالمخاطرة ولا يخلو من مغامرة ومعاناة الولوج الى عالم من الاحاسيس,
    وفيوضات المشاعر والتدفقات الحدسية , التي يعيشها القاريء وهو يقرأ ( هل ابصر أعمى
    المعرة ) أو ( حمى الدريس ) , الخ ..



    اذ
    يجد نفسه لا يقرأها بقدر ما هو يعيشها , فمن خلال نصوص علي المك, بصياغاتها اللغوية
    ذات العالم الخاص , والنظام اللغوي االاكثر خصوصية , في ترابطاته وعلاقاته الخاصة.
    بسبب ان اللغة عند المك تختلف, عن اللغة النمطية التي تجعل هدفها الاساسي التوصيل
    والابلاغ - فلقصة علي المك خصوصيتها- رغم انها تجري على النهج الموباساني -
    فبسبب هذه الخصوصية, لم انشغل عند قراءة علي المك, بالبحث عن صور مجازية تضيء( حمى
    الدريس- القصة ) او حتى البحث عن مجموعة, من الرموز والدوال اشغل نفسي بحلها ,
    وانما هي لحظات من التوتر, والترقب والحذر , تملكتني وانا احاول في جهد مضن,
    متابعة المك عبر تخوم عالمه , الثر . لاتوقف اخيرا عند كوّن اللغة والحس الشعبي
    ..




    تنبع أهمية علي المك من كونه أحد أبرز , الكتاب الذين ارسوا, وكرسوا لكتابة القصة
    القصيرة في السودان . وفقا للنهج " الارسطي - الموباساني " : ( بداية - ذروة -
    نهاية ) .. وساد هذا الاسلوب في كتابة القصة , منذ فترة الخمسينيات حتى الستينيات ,
    ويعتبر هو قاعدة الانطلاق , للا ساليب الاخرى في كتابة القصة - ما أفضى الى كتابة
    القصة الحديثة في السودان , نتيجة لجدل التلاحم بين مختلف الاساليب والذي مهدت له
    مجهودات علي المك وغيره من ابناء جيل الاربعينيات والخمسينيات بارسائهم لدعائم
    المنهج الموباساني - الذي شكل القاعدة لانطلاق الأساليب الأخرى في القصة الحديثة
    في السودان ابتداء من ستينيات القرن الماضي ..




    ولذلك يعتبر بروفيسور علي المك, احد رواد القصة القصيرة في السودان, بشكلها
    الارسطى الموباساني ..




    وتجدر الاشارة هنا الى ان القصة عند علي المك, اعتمدت بشكل اساسي على الفضاء
    المفتوح( قصة كرسي القماش - مثلا ) وهذه القصة ( حمى الدريس ) (23) التي يلعب فيها
    " هذيان الحمى " كفضاء ميتافيزيقي شاسع , تيمة اساسية لهذا النص, الذي تتفاعل فيه
    هذيانات اللغة والفكرة ..




    فبطل هذه القصة , لا يكتفي بتحديد الشارع, كفضاء مفتوح للهذيان الواعي او اللاواعي
    , بل يتعداه الى مناقشة قضايا جمالية معنوية , تجسد علاقته بالنيل الازرق, الذي
    تمت الهيمنة عليه من قبل الابيض , فينطلق من هذه العلاقة, بالنيل لممارسة هذياناته
    , التي هي في واقع الامر ليست هذيان محموم, بقدر ما هي محاولة لتكيف انسان, مع عالم
    كل شيء فيه قاهر.. حتى الطبيعة ..




    حمى الدريس نموذج للقصة, التي يهيمن فيها صوت الراوي المتكلم, كما هو الحال في
    قصص الاسلوب الموبساني عموما , وقصص علي المك خصوصا ..



    ان
    الدخول الى النص وعلاقاته في سياق معين , انما يتحدد بمحاور عديدة , تبدأ بالخطاب -
    يعرف بنفيتست الخطاب بانه : اى منطوق او فعل كلامي يفترض وجود راو ومستمع وفي نية
    الراوي التأثير على المستمع بطريقة ما , والخطاب عند فوكو : هو مجموعة من المنطوقات
    التي تنتهي الى تشكل واحد يتكرر على نحو دال في التاريخ , بل على نحو يغدو معه
    الخطاب جزء من التاريخ هو بمثابة وحدة انقطاع في التاريخ (24) - وعلاقته باللغة
    ومدى تفاعل النص مع السياق الناشيء فيه ...





    مغامرة اللغة والحس الشعبي في حمى الدريس :




    تتسم كتابة علي المك بالحميمية والحس الشعبي , والبراءة ( وتلك هي وفاء . تقول لها
    : - من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟... اهل منغوليا .. قالوا . بل قرأت مرة.. كذبا
    كاذب ..".. فعلي الملك يعيد صياغة الحوارات التي تدور بين الاطفال, و يعمل على
    توظيفها في لغة النص بكل ما تتركه من اثر على هذه اللغة .. لاغناء تجربة الانسان مع
    اللغة , بما هي كون تنتظم فيه الحياة الانسانية , حيث تتكشف في النص عن علاقة
    الانسان بتأثيرات الحياة والتجربة




    الاجتماعية ,التي يمثلها المك هنا بعلاقة الورق بالكتابة عليه , فمهما ارتدى
    الانسان من مظهر خارجي ففي خاتمة المطاف يبقى الجوهر الانساني , كذا مهما تسودت
    الاوراق باللغات المختلفة , تبقى اوراق ( كشخص ما يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً
    ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي.. هي ..) ..




    الحس الشعبي ينعكس لدى علي المك, على مستوى لغة القصة , فلا تخلو منه الكثير من
    مفرداتها - وبذات الوقت العالم موضع اهتمام الراوي - العالم الشعبي في اقصى
    تفاصيله وحكاياه, يتماهيان معا حتى يشكلان شيئا واحدا, هو كوّن اللغة : ( ذاك
    الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاجر) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد
    يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان
    عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي ) .. ( وما شانك بالقماير..
    ).. ( قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي
    فيفر) ..) .. ( ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من
    العطس. انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك
    ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر
    جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية )..




    وقد تميز علي المك بقدرة مدهشة على الانسياب في الحكي- طبيعة اللغة الانتقالية
    التي يستخدمها : سنأتي اليها لاحقا - والتنقل في القصة الواحدة بين مواضيع
    مختلفة, دون ان تدرك اللحظة التي تم فيها هذا الانتقال, ففي هذه القصة( حمى الدريس)
    التي يستهلها بعشقه للنيل الازرق, وتحسره على اطفاء المقرن للونه , يمضي مع(
    وفاء) في اللحظة ذاتها, للحديث ببراءة تتلائم وهذا الشعور بالانتماء, الى النيل
    الازرق . ثم لا يلبث ان يقدم اشارات عن هذا المجتمع الذي يحيا فيه ووفاء ,
    والطامعين في وصالها من الاصدقاء واهتماماتهم,الخ ..




    هكذا ينساب في بساطة وسرعة لا نستشعر معها, انه يتحدث الان عن موضوع اخر , ليس هو
    ذاك الموضوع, الذي كان يتكلم فيه منذ قليل, وكل ذلك يتم بحس شعبي عالي - رغم رصانة
    اللغة الفصحي - , التي يجري عليها التركيب الدارجي السوداني, والتي عندما يوظفها
    في هذا التركيب الشعبي للغة الدارجة, تتحول الى لغة مدهشة تتماس مع الفصحى القحة ,
    التي كتبت بها امهات الكتب..



    -
    تمتلك لغة علي المك هكذا خصائص مرونة مدهشة, تجعل قدرتها على الانتقال, في التعبير
    عن مواضيع مختلفة , غير محسوس - , فتخال نفسك عند بعض المقاطع, تري تلك اللغة تبعث
    في طبعة جديدة عند علي المك ( اذا كانت اللغة اداة للتوصيل والتواصل الانساني, في
    المستوى الاول من وظائفها , الا انها كنواة للنظام الدلالي , ولما تتمتع به من قدرة
    سيميو طيقية خلاقة ومتجددة , بتجدد استخداماتها , فهي تعتبر وسيلة الادب, الذي يعد
    مستوى ارقى من التعبير ومن استخدام اللغة, على مستوى الشكل والمضمون , لذلك فارتباط
    اللغة بالخطاب الادبي وثيق , وبالاضافة لخصوصية هذا الارتباط , فالخطاب هو الذي
    يحدد لغته الخاصة, التي تفرز شكلها الملائم. وتتحرك فيه وفقا لقوانين هذا الخطاب ,
    التي تحقق لكل منهما تميزه عن الخطابات واللغات الاخرى , وتحقق لكل لغة جمالياتها
    الخاصة (25)..




    يمضي راوي حمى الدريس في القول وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً
    ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت :
    نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان
    لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى
    الدريس انقضين وسفر الصيف ".." صدر كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة ..
    اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين
    نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في
    وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ،
    يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا
    عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر
    صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .."




    ولنلاحظ في المجتزأ أعلاه كيف استخدمت اللغة " وقال قدم الى لورنس..." كأنك تقرأ في
    مفتتح من كتب السير والاخبار العتيقة .. لكنك ما ان تمض قليلا حتى تفاجا بانك خارج
    من بطن المعاجم , الى لغة العصر التي اختلطت بلغة هذه المعاجم : " يتحرى اصول
    البلوز .." وهكذا مرورا بالتناص مع لغة القرآن وتراكيبها " عيونا تغشاها حمرة
    .."..ويمضي راو على المك في حمى الدريس ليفتحنا على مزيد من اغوار هذا الكون :
    اللغة( تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة
    طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله.. حكة تبدأ
    علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو، تظن انك قضيت
    علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم . يقولون الاحتواء واء
    .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " ..




    قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها
    معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحة اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها
    بظفر،وقد تبلغ مكانها بناب،اوانت اعسر تكون اليد اليسري،او ايمن فباليمني .. بديهي
    ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي
    اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد
    اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر
    نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها..) وفي هذا المجتزا
    نلاحظ بوضوح تخلل الحس الشعبي, لكل ثنايا اللغة:" حكة تبدأ على الاذن تقول تعالجها
    بظفر".."الاعسر يخالطه الشيطان "..وفي المجتزا التالي يوظف المك الذاكرة الشعبية
    المشتركة , بتوظيفه لاشارات تنتمي اليها مثل حكاية دخول النيم السودان :




    (
    شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت
    ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري
    ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟..




    حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر
    شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي ..
    والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة– مصادفة اتفاقاً كان صوته
    الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون
    هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا
    امرعينيك تكون كارثةلوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني
    وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا.....



    اول
    مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما
    يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت
    انت .. قال صديقك الطالب في مصر " تغير الهواء " ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة
    وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها..) ..
    فنجده يستخدم احدى اشارات هذه الذاكرة المشتركة للتعبير عن موقف نفسي راهن لا يخلو
    من الاسقاط التاريخي ...



    على
    سبيل المثال نلاحظ رصانة اللغة في : عيونا تغشاها حمرة - ان جفت عروقها قضيت ايضا,
    الخ -.. ومثالا للغة الفصحى التي اجراها مجرى الدارجة السودانية : وما حكاية
    الناس في القماير والنزلات المعوية -انك اندهشت - المصادفة قاعدة - الفرق بين
    امريكا وأم ريكا, الخ .. ومثالا ثالثا للتركيب المألوف في القص : حين نظرت الى
    عيني وفاء اول مرة كانت حمى الدريس كما تعرفها انت ..




    وهكذا نجد ان علي المك في دمجه,الاسلوبين الذين اشرنااليهما : ( رصانة اللغة -
    والفصحى التي تجرى مجرى الدارجة السودانية ) في تركيب اللغة , مع الاسلوب( القصصي
    المالوف) الذي يحاول انتقاء الكلمات الادبية في التعبير السردي, خلق اسلوبه القصصي
    المميز في مغامرة اللغة.. فمن هذا الهجين كانت( حمى الدريس) النص القصصي ترتبط
    بحمى لغة النص وشكله . بحيث شكل علي المك من كل ذلك توحدا مع موضوعه : هذيان
    الحمى, التي سعى لتحديدها وتأكيدها على مستوى اللغة والفكرة- التي حملتها هذه
    اللغة - . ما خلف اثرا كبيرا فينا . ليس هو بموضوع هذه القراءة. واخيرا نجد ان
    المك يتميز بقدرة على التوليدات في اللغة , بسبب قدرته العالية على الاختيار
    الواعي الحر للغته وقدرته الفائقة على بناء علاقات خاصة من عناصر اللغة العادية ,
    كاشفا عن الطاقات التعبيرية الكامنة فيها : من حيث اللفظ وتركيب الجملة وبناء
    الفقرة - وفقا لما اشرنا اليه - وهو ما عناه تشوفسكي بقوله :" ان اللغة خلاقة
    تتكون من عناصر محدودة وتنتج او تولد انماطا لا نهاية لها " .. ولغة المك بحاجة
    لدراسة متأنية فهي لغة متوترة مشحونة مقطعة متداخلة ومركبة تركيبا خاصا ..



    يظل
    بروفيسور علي المك احد العلامات المضيئة في تاريخ القصة القصيرة في السودان - التي
    من الصعب تجاوزها دون الوقوف عندها طويلا - , ومرحلة من عمر هذا الجنس القلق
    المتوتر المسمى بالقصة القصيرة ..






      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:40 pm