منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    النص وآليات البلاغة الجديدة

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    النص وآليات البلاغة الجديدة

    مُساهمة   في الإثنين مارس 05, 2012 1:40 pm



    النص وآليات البلاغة الجديدة
    من خلال «كتاب الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة»
    للبلاغة
    مسارات مختلفة باختلاف الثقافات التي احتضنتها ووظفتها لتحقيق أهداف
    مختلفة؛ إذ من المعلوم أن هذا «العلم» لم يتم تفعيله على المستوى التطبيقي
    بالطريقة ذاتها بين في هذه الثقافة أو تلك، فالتفعيل في ذاته ونقل العلم من
    النظرية إلى التطبيق لا يتم بشكل آلي بل يخضع لنوع من التفاعل مع المعطيات
    والعلوم الأخرى التي تلزم المطبق باستحضار عناصر من هذا العلم وتغليبها
    على العناصر الأخرى، وهذا ما وقع للبلاغة في الثقافة العربية إذ أنه تم
    تغليب شقها الشعري الأسلوبي في دراسة النصوص التي تتوفر على عنصر الأدبية،
    بينما تم تجاوز الشق الحجاجي وأسندت مهمة تفعيله إلى تخصصات أخرى. وهذا
    التغليب لما هو أسلوبي على حساب ما هو حجاجي لم يكن اعتباطيا أو بسبب عدم
    الإحاطة بالعلم في كليته، بل لأن أسئلة الثقافة العربية في مرحلة التأسيس
    الأولى كانت ترتبط بقضايا تتعلق بالإعجاز، فكان طبيعيا أن تركز على هذا
    المستوى دون غيره.


    وعيا
    من الباحثة المغربية أمينة الدهري بهذا التفاوت في الاعتناء بالبلاغة
    بنوعيها الحجاجي واللغوي، أصدرت كتابا يحمل عنوان «الحجاج وبناء الخطاب في
    ضوء البلاغة الجديدة»1، وذلك بهدف سد الثغرة والفراغ الذي تعرفه الدراسات
    البلاغية العربية في هذا المجال، وقد دفعت هذه الثغرة باحثا مثل حمادي صمود
    إلى تكوين حلقة بحث جمع فيها نخبة من الدارسين للنظر في الحجاج في علاقته
    بالبلاغة لكونه ظل مغمورا في تراثنا. البلاغي الذي غلب المسلك اللغوي
    الشعري أي ما يسمى بفن القول.2
    إن أهميته هذا الكتاب الذي نحن
    بصدده تكمن في أنه يندرج في إطار تغيير النظرة إلى البلاغة بعدم ربطها فقط
    بعملية الزخرفة اللفظية التي علقت بها، وفتحها على آفاق (جديدة / قديمة)
    بحيث يتم التعامل معها كأداة لتحليل مختلف الخطابات، وليس فقط تلك التي
    تحترم فن القول. كما تكمن قيمة هذا الكتاب في أنه طرح مفاهيم البلاغة
    الجديدة وعمل على توظيفها في تحليل نصوص عربية تراثية وحديثة. والبلاغة
    الجديدة كما هو معلوم لم تحظى بدورها إلا بالقليل من الاهتمام، بحيث قلو هم
    من طبقوها، ليس فقط في الثقافة المغربية بل في الثقافة العربية كذلك.
    ويكفي أن نعلم أن الكتاب الأساسي الذي يعتبر إنجيل البلاغة الجديدة، والذي
    يحمل عنوان رسالة في الحجاج: البلاغة الجديدة» لصاحبه شاييم بيرلمان
    وأولبريكت تيطيكا3 ، لم يترجم حسب علمي إلى العربية رغم مضي ما يقرب من
    ستين سنة على صدوره، وربما يرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى هيمنة الثقافة
    الفرنسية على الحقل النقدي المغربي، وأقصد ثقافة المركز الباريسي لأن
    الكتاب صادر بالفرنسية هو الآخر ولكنه ارتبط بالجامعة البلجيكية.
    فكتاب
    الأستاذة الدهري أمينة، يمكن اعتباره تذكيرا بأهمية هذا المؤلف وإشارة إلى
    ضرورة الاعتناء به ونقل مفاهيمه إلى الثقافة العربية ولما لا تبيئتها بلغة
    المفكر المغربي محمد عابد الجابري، أي تقريبها من المجال التداولي العربي.
    وعدم
    العناية بالبلاغة بالقدر الذي تستحقه قد يُرد إلى أسباب موضوعية ذكرها
    ميشيل ميير تتعلق بالسمعة السيئة التي ارتبطت بتسمية البلاغة لفترة طويلة
    بوصفها أداة للدعاية ولأشكال الإغراء المختلفة وللتمويه على المتلقين
    وتضليلهم. هذا المصير هو الذي واجهها في الدول الأوروبية والذي تغير اليوم
    بفعل تراجع اللسانيات بوصفها النموذج الذي تحتذيه العلوم الأخرى. وكذا بفعل
    تراجع الإيديولوجيات الوثوقية وانفتاح المجتمعات على الآراء المتعددة
    واتساع أثر وسائل الإعلام التي، رغم ما قد يوجه إليها من نقد، أتاحت الفرصة
    للكثير بأن يعبروا عن آرائهم وأن يعملوا على إقناع الآخرين بها أو
    استمالتهم إليها.
    يمكننا أن نقول إذن بأن هذا الكتاب جاء في أوانه على
    اعتبار أن مجتمعاتنا العربية في حاجة إلى هذه الأدوات التي توفرها البلاغة
    الجديدة وغيرها من المقاربات التداولية التي تتقاطع معها لاكتساب القدرة
    على تحليل الخطابات التي تغمرنا يوميا، والإمساك بآلياتها وفهم خلفياتها،
    وبالتالي تنسيبها وتبين حدودها.
    والكتاب يؤكد على مجموعة حقائق يمكن اعتبارها بمثابة ثوابت حاولت الباحثة التدليل على صحتها بطريقة ضمنية في فصول الكتاب الثلاثة:
    الحقيقة
    الأولى وهي شمولية البلاغة وارتباطها بأكثر من مجال بما في ذلك السياسة
    والقانون والخطاب الفلسفي والأدبي والتواصل اليومي. وهذه النقطة يقع حولها
    الاتفاق بين أصحاب البلاغة الجديدة والقديمة معا، نذكر هنا في هذا الإطار
    ما سبق لابن رشد أن أكده في تلخيص الخطابة حيث اعتبر أن الخطابة، وهي
    الترجمة القديمة لبلاغة أرسطو، لا موضوع لها ، بل كل علم وكل أمر جليلا كان
    أو حقيراً يخضع لسلطانها. وشارح خطابة أرسطو يؤكد أن كل واحد من الناس
    يستعمل البلاغة بنحو من الأنحاء، فيذكر التاجر الذي يجتهد لسلعته وكل ذي
    أمر يروج بها لما يريد.
    هذا الكتاب إذن يمكن إدراجه في إطار
    الاجتهادات الرامية إلى إعادة الاعتبار لمكونات هذا التخصص الذي طالما أهمل
    في شقيه الشعري والخطابي، لدرجة أن أحد الذين طوروا اجتهادات بيرلمان، وهو
    ميشيل مايير، له مقال يحمل عنوانا دالا وهو «كلنا بلاغيون»»Nous sommes
    tous des rhétoriciens» كما أن له مقالا آخر يحمل عنوانا في صيغة سؤال،
    والذي هو كالتالي: «هل البلاغة هي الحاضنة الجديدة للعلوم الإنسانية؟ «»La
    rhétorique est-elle la nouvelle matrice des sciences humaines? «
    الحقيقة
    الثانية التي يقوم عليها هذا الكتاب والتي نجدها متضمنة في الفقرة
    الاستشهادية، هي أن البلاغة إن صح هذا التعبير أداة «للحل والعقد» لأن
    بواسطتها يستطيع المخاطِب أن يبني خطابه وأن يحقق الـتأثير المرغوب في
    المخاطَب، وبواسطتها يستطيع هذا الأخير أن يصل إلى فك «الأسرار» التي تجعل
    من الخطاب «مقنعا» مؤثرا، وفهم الخطاب بوصفه آليات وليس أسرارا كما قد
    يتصور الذي لم يطلع على البلاغة والحجاج. أو كما ورد في كتاب الباحثة أمينة
    الدهري: «أفضل ترياق للبلاغة يظل إذن هو البلاغة ذاتها».
    الكتاب يحاول
    الوقوف عند مسارات البلاغة، وسيسجل، كما اشرنا إلى ذلك أعلاه، أنها في
    أغلب المحطات كان يتم شطرها إلى شطرين؛ شطر حجاجي وشطر أسلوبي، والذي يهم
    هذه الدراسة كما أشرنا أعلاه هي البلاغة الجديدة التي تعرف هدفها كالتالي:
    «دراسة التقنيات الخطابية التي من شأنها إحداث أو زيادة موافقة الآخرين على
    الأطروحات المقدمة إليهم بقصد قبولها»4 مع استحضار الجوانب النفسية
    والاجتماعية والثقافية.
    وفعالية هذا المنهج المعتمد، أو كفايته
    التفسيرية تظهر واضحة في تناول المؤلفة لكتب تنتمي إلى تخصصات مختلفة
    (أدبية فلسفية أخلاقية سياسية نفسية). والمتون التي أخضعتها الباحثة
    للتحليل تجسد هذا الاختلاف بشكل واضح، إذ يجد القارئ نفسه إزاء عناوين مثل
    «رسالة التربيع والتدوير» للجاحظ وكتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي
    ورسالة «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي، بالإضافة إلى النص الذي يحمل
    عنوان «الدكتور طه حسين في إلغ» وهو نص تخييلي فكري في ذات الآن مجتزأ من
    كتاب الإلغيات الذي كتبه العلامة المختار السوسي.
    وقد قسمت المؤلفة
    الكتاب إلى ثلاثة فصول، الأول عمل على التركيز على الخطاب والثاني على
    الخطيب والثالث على المخاطَب. ونحن نعرف أن مما أخذ على بيرلمان تركيزه على
    الخطاب Logos، وهذا ما عمل أحد تلامذته ميشيل ميير Meyer Michel على
    تجاوزه بوضعه لما سمته الباحثة بالمثلث البلاغي والمكون من اللوغوس
    والإيتوس والباتوس على قدم المساواة، وهذا المثلث نجده حاضرا في كل
    تحليلاتها.
    لا شك أن أول ما يمكن أن يلاحظ على هذا المؤلف هو اعتماده
    لمنهجية حديثة في مقاربة نصوص في أغلبها عربية قديمة، وهي ملاحظة لها
    وجاهتها وستظل دائما تطرح كلما اعتمد منهج ما في التحليل، والمحلل مطالب
    بتسويغ اختياراته. ومسوغ تطبيق هذه البلاغة في تأويل نصوص عربية تراثية
    وحديثة يرجع إلى اشتراكهما معا حسب الباحثة في أصل واحد هو الإرث الأرسطي.
    ويجب أن يفهم ذلك بوصفه اعتماد لكليات معرفية إنسانية، وليس تبعية ثقافية
    كما تؤكد ذلك المؤلفة. كما يرجع إلى أنها نصوص حجاجية؛ بمعنى السجال والأخذ
    والرد حول قضية ما.
    لقد توصلت الكاتبة من خلال تحليلها لمجموع هذه
    النصوص إلى إضاءتها من زوايا مختلفة، فرغم وحدة الأداة المستعملة في
    التحليل، فقد اختلف الأمر من نص لآخر، لأن كل نص يفرض على الباحث محورا
    بعينه يستقطب كل عناصر النص الأخرى لتؤول في ضوئه، وهكذا نجد أن السخرية
    كانت هي أداة لتحليل الجاحظ والتوحيدي. ولكون هذين النصين ظهرا في سياق
    احتدام الصراع بين المذاهب الكلامية والمدارس الأدبية والعلوم الدخيلة
    والأصيلة، فقد تطلب ذلك من الباحثة استحضار كل هذه الخلفية بما في ذلك
    الاعتزال والتشيع والمبادئ والمنطلقات المرتبطة بهما والموروث اليوناني
    وخاصة الأرسطي، وذلك لفهم النصين بشكل عميق .
    وبالنسبة لكتاب طوق
    الحمامة، فقد فهم موضوعه الذي هو العشق بوصفه مثار جدل، واستحضرت الباحثة
    مفهوم المسافة في علاقته بالخطيب والخطاب، كما استحضرت كل ما له علاقة
    بالمذهب الفقهي الظاهري الذي ساهم في تشكيل صورة الخطيب الذي هو هنا ابن
    حزم، بالإضافة إلى عناصر الخطاب التي ساهمت في رسم صورة ابن حزم الذي لقوته
    الحجاجية قرن بالحجاج بن يوسف الثقفي، فقيل «سيف الحجاج ولسان ابن حزم
    شقيقان».
    وأخيرا نص «الدكتور طه حسين في إلغ» للمختار السوسي الذي
    هو نوع من المناظرة بين المختار السوسي وطه حسين حول قضية التاريخ العربي
    القديم. والنص حجاجي لكونه يقوم على بذرة خلاف بين رؤيتين أو بين أطروحتين:
    أبو نواس مرآة عصره، العلماء والفقهاء مرآة عصرهم.
    هذه بعض الأفكار
    التي يزخر بها هذا الكتاب الغني، والهدف من خلال هذا التناول السريع لم
    يكن من أجل الإحاطة بما يتضمنه من أفكار ومفاهيم وتحليلات، بقدر ما كان
    الهدف هو ملامسة بعض قضاياه والتنبيه إلى أهمية البلاغة بمعناها الحجاجي
    وإمكانية اتخاذها منهجا للإجابة على الكثير من الأسئلة التي تطرحها نصوص
    التراث والنصوص الحديثة معا.
    هوامش

    1 -الكتاب صادر عن دار المدارس 2011.
    2- انظر الكتاب الجماعي «أهم نظريات الحجاج في الثقافة الغربية من أرسطو إلى اليوم»
    -3
    Traité de l’argumentation : La nouvelle rhétorique, Chaïm Perelman et
    Lucie Olbrechts-Tyteca, Paris, Presses Universitaires de France, 1958
    4- أمينة الدهري الحجاج وبناء الخطاب، ص6

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:32 pm