منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    قراءة في قصيدة

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    قراءة في قصيدة

    مُساهمة   في الجمعة أبريل 06, 2012 2:12 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عنوان المقال: قراءة في قصيدة "أنا الكون"لـحلام الجيلالي مقاربة تداولية
    بوخشة خديجة: أستاذة مساعدة بجامعة سعيدة الدكتور مولاي الطاهر، الجزائر.
    تمهــيــد:
    تهدف التداولية إلى دراسة أفعال الكلام، ومن الملاحظ في كثير من الكتب المتخصصة، نجد أنّ الأمثلة المبثوثة فـيها هي أمثلة من اللغة العادية المستعملة التي ننجزها ونحن نتكلم بها، فارتأينا في هذا البحث تطبيق أحدث ما توصلت إليه اللسانيات التداولية المعاصرة على المجال الأدبي، من خلال دراسة نظرية الأفعال الكلامية وتطبيقها على قصيدة شعرية (أنا الكون) لـ"حلاّم الجيلالي"، وتحليل القصيدة تحليلا تداوليا بالبحث في الإشاريات وزمن الخطاب ومكانه والضمائر والحجاج. محاولين بذلك الإجابة عن التساؤلات التداولية (من المتكلم؟ من المخاطب؟ ما زمن الخطاب؟ أين حدث الخطاب؟...) للتوصل إلى قصد المتكلم.
    و إن كان هذا الأمر ليس بالهيّن، فإنّه ليس بالمستحيل وصعوبة الأمر تكمن في الاختلاف الموجود بين اللغة العادية واللغة الشعرية، فهدف اللغة العادية هو أن تكون مفهومة.
    ولقد أقام "فاليري" تمييزا بين الفعل الأدبي و الفعل العادي، فرأى بأنّه إذا كانت اللغة العادية ترتكز بوضوح على السهولة في الاستعمال، فإنّ التعبير الأدبي حسب "فاليري" (...يمتلك قوة مختلفة بالكل، إذ لا يتعلق الأمر بإنجاز عملية منتهية، وأنّ نهايتها تتموضع في مكان ما من الوسط الذي يحيط بنا... إنّ القصيدة بعكس ذلك لا تمـوت من أجل أن تعيش، لقد نُظمت حتما لتولد من جديد من رمادها، وتصبح ثانية وبلا نهاية ما توجد عليه في آنها). كما تتجلى قوة التعبير الأدبي في عدد غير محدود من السياقات، حيث يمكن لنا أن نستشهد ببيت من الشعر في سياق آخر مناسب.كما قد يستعمله أي شخص آخر في كلامه، لأنّ الموضوع الـذي يتناوله الشاعر يكون قابلا للقراءة خارج السياق الذي أنتج فيه وفي سياقات أخرى، فمتلقي قصيدة "أنا الكون"" مثلا يمكنه اكتشاف حقائـق أخرى تتصل بما تحيل إليه، لأنّ الشعر يمتـاز بالخيال والإيحاء وتكثيف المعاني القابلة للتأويل.

    من أجل دراسة الأفعال الكلامية في قصيدة "أنا الكون" اعتمدنا على الخطـة الآتية، لابدّ من جانب نظري لهذا البحث نبيّن فيه:
    1/ تصنيف أوستين للأفعال الكلامية.
    2/ تصنيف سيرل للأفعال الكلامية.
    ثم الجانب التطبيقي نتناول فيه:
    1/ عرض المدونة :"قصيدة أنا الكون لحلاّم الجيلالي"
    2/الأفعال الكلامية في قصيدة "أنا الكون" .
    3/الإشاريات.
    4/الضمائر.
    5/زمن الخطاب ومكانه.
    6/الحجاج في قصيدة أنا الكون".
    7-.خاتمة.

    1- تصنيف أوستين للأفعال الكلامية:

    يعتبر "أوستين" Austineأحد مؤسسي الاتجاه التداولي في الدراسات اللسانية المعاصرة إذ جاء بأفكار ثورية منها الأفعال الكلامية، الإنجازية..وفتحت مجالا واسعا أمام المفكرين على دراسة استعمالات اللغة.
    ترتكز نظرية "أوستين" بالدرجة الأولى على فكرة الإنجاز، و التي مفادها أن بعض الملفوظات في حقيقتها لا تصف شيئا في العالم، ولا يمكن الحكم عليها بمعيار الصدق أو الكذب، ولكنها تؤدي أفعالا(مثل الوعد، التحذير.....)
    ثم قام بالتمييز بين العبارات الإنجازية و العبارات غير الإنجازيـة(الوصفية) فوجد أن "قول شيء ما على وجه مخصوص هو إنجازه، من أمثلة العبارات الوصفية التي تصف إحساسات أعتذر، إني متأسف....أما العبارات الإنجازية:أدعم رأيي، أتنبأ، أتوقع...وشـرط العبارات الإنجازية هو ملائمتها للواقع( الإنجاز الحقيقي)" .
    لكنه لاحظ أنّ تصنيفه يفتقر إلى مقياس معياري نحوي لتمييز العبارات الإنجازية، فقسم الأفعال الكلامية إلى ثلاثة أصناف هي :
    ـ فعل الكلام (القول). مثل نجحت في الامتحان.
    ـ قوة فعل الكلام ( الإنجازي، الفعل المتضمن في القول ). مثل:أخبرني بالنجاح.
    ـ لازم فعل الكلام ( التأثيري)، مثل: الفرح أو البكاء
    وقد نقول "سأكون هناك" فعل كلامي يتضمن القيام بشيء ناتج عن هذا القول، فقد تكون خبرا أو وعدا أو تحذيرا حسب السياقات التي تكون فيه ،و معطيات الزمان والمكان.
    فعل الكلام :هـو الفعل الذي ننجزه بمجرد تلفظنا لبعض الكلمات التي لها نفـس المعنى والمرجع
    الفعل الإنجازي: وهو"فعل اتفاقي مبني على التواطؤ والمواضعة،إنه فعل مؤدى ومنجز طبقا للتواضـع. وهو الفعل الذي ننجزه بالقول (سؤال، أمر، تحذير، وعد......)
    الفعل التأثيـري: وهو الآثار المترتبة عن الفعل الإنجازي يقول "أوستين":"عندما نقول شيئا ما قد يترتب عليه حدوث بعض الآثار على إحساسـات المخاطب وأفكاره و تصرفاتـه" ، كأن أجعل مستمعي يقتنع بشيء ما، أو أجعله يخاف، أو يمتنع عن فعل شيء...و قد يكون ذلك عن قصد و نية أو عن غير قصد ، كما أن الفعل الإنجازي و الفعل التأثيري يستلزمان معا الاتفاق .
    1أفعال القرارات التشريعية (المتعلقة بأحكام): وهدفها هو إصدار الأحكام مثلما يفعل القاضي في المحكمة، أو حكم المباراة في الملعب، وليست هذه الأحكام نهائية لأن الحكم قد يكون تقديريا أو على صورة رأي وقانونية، مثل إصدار المذكرات التفسيرية والتعيين، وإعطاء التوجيهات التنفيذية.
    3-أفعال الإباحة( الإلزامية): والهدف منها هو أن يتخذ المرسل بإنجاز فعل معين مثل الوعد والتأييد و الخطبة قبل الزواج.
    4- الأفعال السلوكية: والهدف منها هو إبداء سلوك معين، مثل الشكر والاعتذار وتقديم التهاني والتعازي والقسم و التحدي.
    5-أفعال المعروضات الموصوفة(التفسيرية ): والهدف منها الحجاج والنقاش و التبرير.

    تصنيف" سيـرل للأفعال الكلامية:
    أعاد "سيرل" تصنيف الأفعال الكلامية، لأن اختلاف الهدف من الفعل اللغوي هو ما جعل"سيرل" يعيد هذا التصنيف ، فقد يختلف الهدف من الأمر على أنّه جعل المستمع يفعل شيئا ، والهدف من الوعد هو تعهد المتكلم بإلزام نفسه أن يفعل شيئا وهكذا، فالهدف الإنجازي من "الأمر" هو ذاته الهدف الإنجازي للطلب، كلاهما يجعلان المستمع يقوم بفعل شيء ما، ولكن القوة الإنجازية تختلف عن ذلك.
    كما فرق" سيرل" بين الأفعال اللغوية غير المباشرة والأفعال اللغوية المباشرة، وصنف الأفعال الكلامية إلى خمسة أصناف وهي :
    1-التأكيديات (التقريريات):هدفها هو تعهد المرسل بدرجات متنوعة بأنّ شيئا ما هو واقعة حقيقية، وتعهده كذلك بصدق قضية ما.
    -التوجيهيات: هدفها جعل المرسل إلى فعل شيئا ما، و يحاول المرسل تحقيق هذا الهدف بدرجات مختلفة تتراوح بين اللين وذلك بالإغراء والاقتراح أو النصح، وبين العنف والشدة وذلك بالإصرار على فعل الشيء.
    - الالتزاميات: هدفهـا التزام المرسل بدرجات متنوعة بأفعال المستقبل (التعهد) مبنية على شرط الإخلاص.
    4- التعبيريات: هدفها التعبير عـن حالة نفسية محدّدة بشـرط عقد النيّة والصدق في محتوى الخطاب عن تلك الأمور المحددة.
    5- التصريحيات: هدفها جعل العالم يطابق الخطاب و الخطاب يطابق العالم.
    وقد يكون الخطاب مباشرا أو تلميحيا لذلك ميّز "سيرل" بين الأفعال الإنجازية المباشرة وغير المباشرة، فيرى أنّ الأفعال المباشرة هي: "التي يكون معناها مطابقا لما يريد المرسل أن ينجـزه مطابقة تامة و الدالـة على قصده بنص الخطاب" مثل قول الشاعر:
    عجبت لحكام يسوسون أمة فحينا يمينيا وحينا يساريا
    فالفعل المنجز هنا هو التعجب حيث يظهر مباشرة من الخطاب بمعناه الحرفي.
    وفعل الترجي في قوله ( أرجو نهايتي...)، و يمكن للمرسل أن ينجز الفعل اللغوي بطريقة غير مباشرة، ويتوصل المتلقي إلى فهم قصده من خلال المعرفة المشتركــة وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله (فيا مبدع الأوزان عفوا فإنّني...) بدلا من "أطلب منك أن تعذرني".
    وهناك أدوات لغوية يمكن لها أن تنجز الفعل اللغوي ويجب أن تتوفر على شروط منها:
    - أن تكون الأداة مختصّة دلاليا.
    -أن تستوفي شروطها النحوية.
    -أن تتضمن البنية التحتية للخطاب (أنا) الدال على المتلفظ وإنجاز الفعل في الآن ذاته.
    -أن تكون صيغة الفعل هي الصيغة المضارعة، وكذلك أن تكون مبنية للمعلوم.
    وهذه الأدوات تميّز بين الصيغ الإنجازية و الخبرية ، ومن بينها : لا الناهية تعادل الفعل نهى، ولعل ،ليت،كأنّ...للترجي والتمني والتشبيه على التوالي، ولام الطلب، ولا ولم النافيتين ، والسين وسوف وأدوات الاستفهـام وغيرها الكثير وكل منها ينطوي على قصد معين.
    كما أنّ التقديم والتأخير ينطوي كذلك على قصد معيـّن وهذه الآلية هي(تبديل مواقع العناصر اللغويـة المكوّنة للخطاب مع إبقـاء قوة الخطاب الإنجازية) .
    وقد وظّف الشاعر هذه الآلية في قصيدته وما يتحكّم في ترتيب مكونات الخطاب هو السياق التداولي، وغالبا ما يكون المكون المقدم إمّا بؤرة أو محورا ، أمّا العلاقة النحوية بينها فإنّها تظل كما هي ويحتفظ الخطاب بنفس الدلالة.
    وما يلاحظ على نظرية "أوستين و سيرل " بأنها لا تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية، والنفسية للمتخاطبين مثل المواضعة، التأثيرات النفسية على المرسل إليه كالخوف.
    عرض المدونة :" قصيدة: "أنا الكون
    للشاعر :حلّام الجيلالي بوعزة العربي *
    أنا الكون والأيام تنبيك ما بيا إذا الشوك أدمى معصمي بت راضيا
    ومن كثرة الأرزاء أصبحت هافيا فلا أغمض الأجفان إلا ثوانيا
    ويقضان تاه الموت عني ولم أزل على هامة الأعداء رمحا يمانيا
    فيا كوكب الجوزاء هلا سألتني إذا كنت تبغي أن تصيب المراميا
    تجد محكم الآراء عندي ، وإن تسل مدارا أمين الركب فاركب مداريا
    فقد عشت في دنيا الهوى غير أنني تنازلت شوطا إذ طويت كتابيا
    أجل: كان لي بالأمس سر أذعته فملكت أقواما زمانا حضاريا
    فكم نال طلاب البيان فصاحة وكم نال رواد العلوم تساميا
    على حد أقوال الخليل ترسمت خطانا قوافي الشعر لحنا حجازيا
    وفي العرف ان الشعر لفظ وصنعة فعولن مفاعيلن وتأتي مفاعيا
    خذ البحر وزنا والكلام زورقا وغص لجة الأشعار تشدو القوافيا
    فيا مبدع الأوزان عفوا فإنني أسير قيود ثقلها قد برانيا
    لمن انظم الأشعار والشعر كاسد لمن أشدو الأزجال شدوا مواتيا؟
    أللبدر؟والأقدام صارت تدوسه أللزهر إذما أصبح الزهر ذاويا
    حرام قريض الشعر والشعر كاسد يؤرق قلبا هده الوجد داميا
    هبار نسيح الحرف والغرب سائر يروم المعالي يرصد النجم عاليا
    إلام يظل الغرب للشرق سابقا وأصل الحجا فينا وقد أصبح نائيا
    كفانا ظلام الليل للعجز موعد رويدا فهذا الصبح قد لاح آتيا
    فيا أمة قد طال في الغي نومها أفيقي فصوت الحق صاح مناديا
    ألم يعرف الأحرار من حالف العدا وأهدى سيوف الجد للخصم راضيا؟
    تخلى عن الأصل العريق وليته تعلم انّ الشعب ما زال باقيا
    هو الشعب والتحرير رسم طريقه كفى بكتاب الله للمرء هاديا
    سنعلي لواء الحق مهما تطارلت بغاث الونى يوما تروم الأمانيا
    على مذبح الأحرار أرجو نهايتي فلا خير في الإنسان إن مات طاويا
    إلى مرهف الأسماع أشدو ملاحما لتبقى صلاة ترفع الهام عاليا
    وما خانت الأقدار منا مجاهدا ولكن تبعنا من يحب الكراسيا
    جعلنا فتات الخبر عيشا وفاتنا ركوب المعالي، نحسب الزاد فانيا
    وسرنا نقيم الحكم وفق مذاهب لكل ودعه نشرب الكأس فاضيا
    عجبت لحكام يسوسون أمة فحينا يمينيا وحينا يساريا
    إذا العرب لم يأخذ من الضاد علمه فما ازداد في التجهيل إلا تماديا
    الأفعال الكلامية في قصيدة " أنا الكون:"
    تعدّدت الأفعال الكلامية في القصيدة، وهذا ما يدل على تعدد أهداف الشاعر، فكانت الأفعال الكلامية تارة تعبيرية وتارة أخرى توجيهية، وكان الإنجاز مرّة سلوكيا ومرة أخرى تقريريا، كما جاءت الأفعال بشكل مباشر وأحيانا جاءت تلميحية.
    وهذا ما أدّى إلى نجاح الأفعال الكلامية في تحقيق الأفعال التأثيرية، فقد حملت متلقي القصيدة على الاعتقاد، وحققت هدف الإقناع، وجذبت انتباهه من أوّل بيت "أنا الكون" ففي فعل القول هذا قوة متضمنة وهي التشبيه البليغSad أشبّه نفسي بالكون) والفعل التأثيري هنا هو الفخر... ووظّف الشاعر كلمات في ثنايا قصيدته تنتمي إلى الحقل الدلالي ذاته وهي ( الكون، الأيّام، كوكب الجوزاء، مدارا، زمانا، البدر، الليل الصبح، النجم..) وهذا ما يساعد على جذب الانتباه وإثارة التفكير في فهم وفك شفرات هذا الخطاب.
    وإذا قمنا بنظرة شاملة على الأفعال الكلامية القصيدة، فإننا نجد أنّها بدأت بالتعبيريات ثمّ كانت تنتقل إلى فعل كلامي آخر لتعود ثانية إلى التعبيريات وهكذا دواليك..وقد عبّر الشاعر في البداية بأفعال تعبيرية عن حالته النفسية ثمّ انتقل إلى التوجيهيات (وإن تسل مدارا أميــن السير فاركب مداريا) وفيها يتوجّه الشاعر إلى مخاطبه بطريقة ليّنة عن طريـق النصح والاقتراح، ويدلّ على ذلك أسلوب الشرط الذي استعمله ليجعل مخاطبه يتساءل عن أسباب همومه ويثير تفكيره ويدعوه إلى تتمة قراءة القصيدة، ثمّ يعود إلى التعبيريات ليصف حالة العرب في عصرهم الذهبي وحضارتهم المتألقة، إذ يتقاسم الشاعر ومخاطبه المعرفة المشتركة، ويتحقق شرط عقد النيّة والصدق في الخطاب، إذ أنّ الخطاب يطابق العالم.
    ويعود إلى التوجيهيات (خذ الوزن..غص لجة...)حيث حققّ فعلا إنجازيا هو الطلب إذ يدعو الشعراء إلى الالتزام بالعمود الشعري الذي بناه الخليل والتقيّد بما خلّفه القدامى، وهنا استعمل التلميح إذ أنه يدعو الإنسان العربي إلى التشبث بالقيم والتقاليد العربية لأنّ العرب كانوا الأوائل في العلوم فهُم"~ ...طلاّب البيان..رواد العلوم~".
    والملاحظ أنّ الأفعال التوجيهية تخلق أسبابا للمخاطب كي يؤدّي ما طُلب منه وتحمله على القيام بفعل معيّن وتشجعه، كما تبيّـن أعلاه.
    تنتقل الأفعال الكلامية إلى السلوكيات من خلال فعل الاعتذار (فيا مبدعَ الأوزان عفوا..) أناديك أيها الخليل معتذرا أو اطلب منك أن تعذرني.. ثمّ يعود إلى التعبيريات ليعبّر عن حالة التذمّر من خلال طرح الأسئلة (الاستفهام)، ويستعمل الشاعر آلية التقديم والتأخير للإثبات والتأكيد من خلال الأفعال التقريرية (حرام قريض الشعر...هباءٌ نسيج الحرف) .
    ويرجع مرة أخرى إلى التعبيريات ليعبر عن حالة التذمّر عن طريق الاستفهام بقوله(إلام يظل الغرب للشـرق سابقا). أمّا في البيتين الثامن عشر والتاسع عشر نجد أفعالا توجيهية (كفانا....رويــدا فهـذا الصبح قد لاح آتيا) (أفيقي..) والقوة المتضمنة فيها هو النهي والطلب، والفعل التأثيري هنا هو تشجيع المخاطب وطمأنته.
    وفي البيت العشرين فعل تعبيري باستعمال همزة الاستفهام(أ) ثم السلوكيات في البيت الذي يليه من خلال التمنّي (..وليته تعلّم أنّ الشّعب ما زال باقيا)، ثم التعهّـد (سنعلي لواء الحق) والتحدي (..مهما تطاولت..) أمّا الفعل التأثيري المتحقق في هذا البيت فهو الترغيب والتشجيع. والترجي في قوله (أرجو نهايتي).
    وتعود التعبيريات مرة أخرى ولكن تختلف هذه المرة في أنّها جاءت للتعبير عن حالة العرب في الوقت الراهن (تبعنا..وسرنا..جعلنا..)، ممّا يجعل المخاطب يعقد مقارنة بين الماضي والحاضر.
    ثم تظهر السلوكيات في التعجب بفعل إنجازي صريح (عجِبت لحكام يسوسون أمة..) ولازم فعل الكلام هنا هو جعل المخاطب يستنكر الوضع الراهن، ثمّ يختم الشاعر خطابه بالتقريريات من خلال الإثبات و أسلوب القصر.
    نلاحظ أنّ التعبيريات هي الطاغية على الأفعال الكلامية الأخرى، ولقد استعمل الشاعر جملا إنجازية تشتمل على فعل مضارع مبني للمعلوم المتكلم المفرد، تفيد الإنجاز وتدلّ على الحركية والتفاعل مثلSad أصبحت، أغمض، أنظم، أنشد..)
    كما استعمل البناء للمجهول في قوله( الأيام تُنبيك ما بيا) تُنبيك أصلها تُنبئك للضرورة الشعرية، وكما سبق وأن ذكرنا فإنّ استعمال الفعل الماضي المبني للمجهول بضميـر المخاطب في الزمن الحاضر له قوة إنجازية، هي إخبار عن القيام بفعل (..ستُنبئك الأيام ما حدث..) والمعنى الضمني لها هو أنّ التجربة ستعلمك ما تعلمته.
    كما نجد في القصيدة جملا شرطية تدل على أنّ هناك شيئا معلقا وجوده على وجود شيء آخر، ومثال ذلك:"وإن تسل مدارا أمين الركب فاركب مداريا".
    و استعمل بعض الأدوات النحوية التي قامت بإنجاز أفعال كلامية منها:" إن، إنني، أن، فقد،أجل، أنّ.."وهذه الأدوات حققت قصد التوكيد.
    ووظف كذلك: (كم) في قوله:
    فكم نال طلاب البيان فصاحة وكم نال رواد العلوم تساميا
    والقوة المتضمنة فيها هي التكثير أما الفعل التأثيري فهو الترغيب في البحث في علوم العربية، وما يلاحظ على القصيدة أنّ الشاعر قد أكثر من استعمال أسماء الأفعال لتقوية المعنى (داميا، ذاويا، غازيا،نائيا، آتيا، سابقا...)
    كما استعمل واو الحال في التعبيريات ومن ذلك قوله ( والأقدام صارت تدوسه) (والليل مظلم) ليعبر عن حال الأمة العربية في عجزها وسباتها، وقوله (و الغرب سائر) تعبيرا عن حالة التطور الازدهار التي يشهدها الغرب،و تمثل هذه الأحوال المعرفة المشتركة و الخلفية المعروفة لدى المتكلم والمتلقي على حد السواء، وبذلك يحقق الشاعر فعلا تأثيريا وهو أن يجعل المتلقي يلاحظ الفرق بين الماضي والحاضر فيسهم بتطوير أمته.
    استحضر الشاعر الماضي الزاهر منطلقا من المعرفة المشتركة بينه وبين متلقيه، فلا أحد ينكر مجد تراثنا العربي، وحضارتهم التي سادت العالم وتوصلوا إلى ذلك لأنهم تمسكوا بلغتهم ودينهم يقول:
    أجل كان لي بالأمس سر أذعته فملكت أقواما زمانا حضاريا
    فكم نال طلاب البيان فصاحة وكم نال رواد العلوم تساميا
    ثم انتقل إلى الحاضر الأليم الذي نعيشه، وتأخرنا في العلوم بينما الغرب يسارع لغزو الفضاء حيث يقول :
    حرام قرض الشعر والليل مظلم يؤرق قلبا هده الوجد داميا
    هباء نسيج الحرف والغرب سائر يروم المعالي يرصد النجم غازيا
    وقد استعمل في هذين البيتين آلية التقديم والتأخير محققا بذلك فعلا تأثيريا وهو شد انتباه المتلقي وتحريك همّته، ولقد تكرّرت هذه الآلية في أبيات أخرى مثل( إلام يظل الغرب للشرق سابقا)،(إلى مرهف الأسماع أشدو..)،(على مذبح الأحرار أرجو نهايتي..)
    أمّا في البيت الآتي:
    فيا أمة قد طال في الغي نومها أفيقي فصوت الحق صاح مناديا
    فقد استعمل الشاعر الأفعال الإنجازية التالية: النداء والتأكيد والتقديم والتأخير والطلب في بيت واحد وهي أفعال توجيهية تؤثر على المتلقي بجعله يبتعد عن التقليد الأعمى ويسهم في تطوير أمته.
    ومن الأفعال الإنجازية كذلك السؤال،والإجابة عن السؤال،تقديم معلومات أو تأكيدات، إصدار تحذير... حيث قام الشاعر بطرح أسئلة، ولكنه لا ينتظر جوابا لأنّ:"النص الأدبي لا يهدف إلى إثارة إجابة القبول أو الرفض، التحليل أو الانفعال...الخ لنموذج الفعل اللغوي الذي يقترحه".
    يقول الشاعر:
    لمن أنظم الأشعار والشعر كاسد لمن أنشد الأزجال شدوا مواتيا
    أللبدر والأقدام صارت تدوسه أللزهر إذ ما أصبح الزحر ذاويا
    وقوله :
    إلام يظل الغرب للشرق سابقا وأصل الحجا فينا وقد بات نائيا؟
    ألم يعرف الأحرار ومن حالف العدا وأهدى سيوف الجد للخصم راضيا
    في هذه الأبيات طرح الشاعر أسئلة لكنها لا تثير إجابة؛ بل تبين انفعالات الشاعر مثل التذمر فلم يبق من داع لقول الشعر،فالبدر قد غزاه الغرب... وقد استعمل الاستفهام بالهمزة للتصور والتصديق. وهذا ما يسمى في البلاغة المعاصرة :"بالاقتراح " إذ يطرح المتكلم أسئلة ثم يحاول الإجابة عنها بنفسه فتأخذ بعدا تداوليا.
    وفي قوله:" إلام يظل...؟ ".القوة الإنجازية هي التحريض وإثارة الانفعال حيث يستنهض الهمم الراكدة ويوجهها ويعيد لها الأمل في الوقت نفسه، فالعرب سباقون للعلم (وأصل الحجا فينا..) أما في قوله ( ألم يعرف..) فقوته الإنجازية هي الاستنكار، إذ يستنكر الشاعر صفة الخيانة في العرب.
    الإشاريات:
    إنّ البحث في عناصر الخطاب :المتحدث، والمخاطب، وزمان ومكان الخطاب يقودنا إلى البحث في كلمات تشير إلى هذه العناصر:"أنا، أنت،الآن،هنا " وقـد استعمل الشاعر هذه الإشاريات كضمير المتحدث"أنا" وهذه"الكلمة لا يسعها إلا التدليل(الإشارة) على الفرد الذي قال أنا بهدف الحديث عن نفسه، أنت لا يمكنه الإشارة إلا إلى الفرد الذي خاطبه المتحدث بهدف الحديث عنه باعتباره مخاطبا، هنا والآن لا يمكنها الإشارة إلا إلى مكان و زمان وقوع الملفوظ الذي يشكلان جزءا منه".
    وهذه الإشاريات لا تشير إلا بوجود مرجع ما، وقد استعمل الشاعر ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب. وضمير" أنا" يشير إلى شخص يتحدث على نفسه، يقول "بنفنيست* ": " الملفوظ أنا وعاء يخص مستواه أو نمطه اللساني الذي سمّاه "شارل موريس التداولية الذي أدرجه مع العلامات(الإشارات) المستعملة، لا يمكننا تصور نص لساني ممتد جدا – مقالة علميـة مثلا- بدون أنا وأنت بالعكـس سيكون من الصعـب إدراك نص قصيـر بدون أنا وأنت" .
    يعتبر" بنفنيست" الضمائر وعاء المصطلحات"أنا،أنت،هو"، وكل أنا له مرجع خاص بـه، يقول :"كل مرجع استعمل لاسم يرجع إلى فكرة ثابتة وموضوعية قادرة على أن تبقى وهمية "افتراضية" أو تحدث مع موضوع مفرد." ثم يصل إلى تعريف الضمير" أنا " فيقول :"هو الشخص الذي يتلفظ حاليا ووعاء الخطاب اللساني"أنا" ينتج عن ذلك.." أي ينتج عن مرجعية الخطاب ويعرف الضمير أنت بقوله:"هو الشخص المخاطَب في الزمن الحاضر ويرجع للخطاب. "
    ويرى "بنفنيست" بأنّ دور الضمائر هو أنّها تزودنا بوسيلة اصطلاحية، فمثلا ينطق الشخص وحدة "أنا" وكل المتكلمين يعتمدون عليه بالتناوب، مثل استعمال الفاعل في الخطاب، وكل متكلم كي يعرب عن شعوره الذاتي يبسطه بالضمير الذي يوفر له صيغة دلالية.
    وفي القصيدة "أنا الكون" يشير الضمير"أنا" إلى الشاعر وبمجرد تلفظه بـ"أنا" فقد وضع أمامه وبطريقة آلية شخصا يقابله هو" أنت"، وكأنّ شخصيته تتقدم إلى القارئ لتعرف نفسها لأنّ الضمير" أنا" ذو طبيعة إخبارية، كما أنّ هناك كلمات أخرى في القصيدة تشير إلى ضمير المتكلم مثل"ما بيا، والياء في معصمي، عني، سألتني ، عندي، غير أنني" ،
    وتاء المتكلم في:أصبحت، و الفاعل في : "أغمض، تنازلت، طويت، أذعته، ملّكت، أنظم، أنشد، أرجو، أشدو، عجبت، " كما استعمل ضمير الجمع ليحسّس المخاطب بمشاركته في الخطاب، ويتفاعل مع القصيدة ويتأثر بها، ومثال ذلك :"الفاعل في قوله"جعلنا، نحسب، تبعنا، سرنا، نشرب، خطانا.."وهذه الأفعال تدل على اللوم والعتاب والتحسر، فاستعملها بضمير الجمع حتى لا يخرج نفسه من دائرة اللوم والعتاب.
    واستعمال الضمير"أنت"أو أي شكل آخر من أشكال ضمير المخاطب يظهر حينما يتوجه المتكلم بالحديث على الشخص المخاطَب، وقد توجّه الشاعر في قصيدته بالحديث إلى الإنسان العربي عموما وقارئ القصيدة خصوصا، لكن من دون أن يستعمل الضمير أنت بل استعمل أشكالا أخرى من أشكال ضمير المخاطب، ويظهر هذا في كاف الخطاب "تُنبيك" ثم يقول:" فيا كوكب الجوزاء هلا سألتني" ،ويقصد به كذلك المتلقي وقوله:"خذ الوزن...غص لجّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّة" إذ يدعو المخاطب إلى خوض ميدان الشعر و الفعل الإنجازي هو الطلب.ثم يخاطب الخليل بن أحمد الفراهيدي بقوله:"فيا مبدع الأوزان .." محققا فعلا إنجازيا هو الاعتذار، وقد ساعد قارئ قصيدته على فهم قصده في البيت التاسع:"على حد أقوال الخليل"..
    ولقد خاطب الشاعر الأمة العربية بجملة إنجازية صريحة:"فيا أمة قد طال في الغي نومها.. أفيقي.."الفعل الإنجازي هو الطلب إذ يدعوها إلى تدارك ما فاتها حتى تستفيق من غيبوبتها لتواكب سير الأمم والفعل التأثيري هو لفت الانتباه بالنداء والدعوة .
    ويخاطب القارئ بقوله كذلك :"إلى مرهف الأسماع أشدو ملاحما .." أنادي مرهف الأسماع، فاختار بذلك مستمعا مرهف الحس، ودعاه إلى رفع الهمة حتى يجد خطابه آذانا صاغية، فيحقق بذلك فعلا تأثيريا وهو الاستمالة.
    ضمير الغائب(هو) يعتقد "بنفنيست" أن ضمير الغائب هو عبارة عن (اللاشخص)بحجة أنّه يفتقر إلى علامة لسانية في هذا اللسان أو ذاك* غير أنه يمكن معرفة هذا الشخص من خلال الإسناد سواء أكان صريحا مثل ضمير شخصي أو مستترا. مثلما يعرف في النحو العربي الضمير المستتر حسب السياق، مثلا في قول الشاعر"يرصد النجم"ضمير مستتر تقديره هو يعود على الغرب، و هذا ما يؤكد عكس هذه المقولة إذ يمكننا تحديد وظيفة الضمير الغائب.
    وهذا ما جعل "أوركيوني " تعارض مقولة "بنفنيست" بقولها :" إنّ التصريح القائل بانّ الضمير "هو" تكمن وظيفته في التعبير عن اللاشخص يبدو غير صحيح تماما، إنّما يكون كذلك في بعض الأساليب التي يرغب المتكلم في تحديد طبيعتها".
    فالمتكلم هو الذي يحدد طبيعة الضمير، ومثال ذلك يقول الشاعر "هو الشعب والتحرير رسم طريقه.." فكلمة الشعب تحدد الضمير هو، حيث يقصد الشاعر الشعب العربي، ويذكر قارئه بالشعب الأبي الذي ناضل من أجل حريته ونالها.
    ويوجد في القصيدة كذلك ضمائر مستترة "من يحب الكراسي"،"يسوسون أمة" يعود هذا الضمير على الحكام العرب، وقوله:" يروم المعالي يرصد النجم .." يعود على الغرب، و يوجد أيضا ضمائر متصلة :"نومها"أي نوم الأمة..
    زمن الخطاب ومكانه:
    تنتمي القصيدة إلى الشعر المعاصر عموما، ويظهر هذا من خلال مولد الشاعر من جهة والأحداث الموجودة في القصيدة بين الماضي و الحاضر من جهة أخرى.
    لقد أظهر الشاعر حيثيات الزمن في القصيدة، بغرض إفهام أوضح بما أعدّه للقارئ من عناصر وصيغ دالة على خصوصيته.
    ومن المبهمات الزمنية الموجودة في هذا الخطاب:"أصبحت، بالأمس، بات،مازال، يوما، حينا." ويمكن تصنيفها كما يلي:
    المبهمات القبلية بالأمس
    المبهمات البعدية مازال، أصبح، بات
    المبهمات الحيادية يوما، حينا
    أما بالنسبة للقوة الإنجازية لهذه المبهمات، فقد ساعدت على توضيح حال الأمة العربية في الماضي وحالها في الحاضر، و السياق هو الذي يساعد القارئ على استجلاء هذه المعاني وفهمها، بالإضافة إلى المعرفة المشتركة بين الشاعر والمتلقي بصفتهما ينتميان إلى ثقافة عربية واحدة.
    أمّا بالنسبة إلى المبهمات المكانية: فنجد: " نائيا، عاليا، يمينيا، يساريا"
    نائيا وعاليا تشير إلى البعد غير المحدود
    يمينيا و يساريا معناهما الحرفي جهة مكانية
    أما المعنى الضمني لهما فهو أساليب الحكم الغربية.
    القوة الإنجازية لهذه المبهمات هو أنها تستدعي التحليل و الاستنتاج ، وتحقق فعلا تأثيريا بتقديم الحجة على أن العرب قد اشتهروا بالعلوم عندما تمسكوا بلغتهم، لكنهم تراجعوا عندما ابتعدوا عنها وقلدوا الغرب حتى في أساليب الحكم، وهذا ما يفسره البيت الموالي:
    إذا العرب لم يأخذ من الضاد علمه فما زاد في التجهيل إلا تماديا
    الحجاج في قصيدة "أنا الكون":
    استطاع الشاعر من خلال قصيدته أن يؤثر على المخاطب و يقنعه ، والإقناع وسيلة إخبارية تكمن غايتها في التأثير على الغير، و هذه العملية التأثيرية تدعى بالحجاج .
    و قد ربط "ديكرو* " الحجاج بفعل الاستنتاج ويقصد به:" ليس الفعل النفسي الذي يكمن في تأسيس اعتقاد حول بعض الإشارات، ولكنه فعل كلامي يستلزم فعل كلامي استنتاجي تحقيقه إنتاج الكلام، نقول عن المتكلم إنّه يقوم بفعل استنتاجي حينما يتلفظ بقول ما وفي نفس الوقت يرجع إلى معطى معين يقدمه على أساس أنه نقطة انطلاق لاستدلال سيؤدي إلى إصدار القول" .
    ونقطة الانطلاق في إصدار القول في هذه القصيدة هي :"أنا الكون" إذ قام الشاعر بفعل استنتاجي حينما تلفظ بعدها بالأيام وكوكب الجوزاء، مدارا، رواد، البدر، النجم، ظلام الليل... في مختلف محطات القصيدة،فتحيلنا إلى المعطى الأول أو إلى نقطة الانطلاق للاستدلال عليها.
    ويظهر فعل الاستنتاج في البيت الثاني على سبيل المثال لا الحصر :
    ومن كثرة الأرزاء أصبحت هافيا فلا أغمض الأجفان إلا ثوانيا
    والفعل الإنجازي في هذا البيت هو التبرير فعدم النوم جاء نتيجة لكثرة الآلام والهموم التي تربّصت بالشاعر، وهذا ما يجعل القارئ يتخيل مقدار الهموم التي يعانيها الشاعر فسببت له الأرق ولم يعد باستطاعته النوم.
    ثم يضيف الشاعر في البيت الثاني معاني حجاجية لتأكيد قوله باستعمال صيغة صرفية على وزن فعلان :"ويقضان تاه الموت عني..." هذا ما يدل على الحركة والاضطراب.
    نلاحظ في هذه القصيدة ترتيبا للحجج ، وهذا ما يعرف عند "ديكرو بالسلم الحجاجي؛ إذ يبدأ المتكلم في عرض حججه بالترتيب حتى يصل إلى الحجة الأقوى ، ومن الأمثلة التوضيحية في هذه القصيدة في البيتين الثاني والثالث :"لا أغمض الأجفان إلا ثوانيا، يقضان، تاه الموت عني".وهذا الترتيب التدريجي الدال على شدة الأرق، والحجة الأقوى هنا هو أنّ الشاعر لم يستطع النوم..إلى درجة أنّ الموت تاه عنه ولم يجده.
    شدّة الأرق
    تاه الموت عني السلم الحجاجي
    يقضان
    لا أغمض الأجفان إلا ثوانيا

    كما نجد الشاعر يدعو إلى إتباع النموذج الخليلي في كتابة الشعر، و يلزم نفسه به، وفيه تلميح بإتباع المنهج الأدبي والعلمي الذي سار عليه العرب القدامى، وكانوا السبّاقين في العلم والمعرفة، ويتضح هذا من خلال السلم الحجاجي الآتي:
    اتباع نهج القدامى
    أصل الحجا فينا
    كم نال رواد العلوم تساميا
    كم نال طلاب البيان فصاحة

    وفي اعتذار الشاعر للخليل كان اعتذارا لعلمائنا القدامى كلهم، إذ يقدم حججا لاعتذاره، فلم يبق من داع لكتابة الشعر، ويبرر ذلك بأمثلة منها أنّ مواضيع الشعر عند القدامى كانت تتغنى بالبدر، والبدر توصل إليه الغرب قبلنا بل وصارت أقدامهم تدوسه...فالعرب في سبات والغرب يروم المعالي، يرصد النجم غازيا، وأصبح الغرب سابقا للشرق... ويمكننا تمثيل هذه الحجج في السلم الحجاجي الآتي:
    هموم الشاعر"أسير قيود ثقلها قد برانيا"
    إلام يظل الغرب للشرق سابقا
    الغرب يرصد النجم غازيا
    الغرب سائر يروم المعالي
    و الأقدام صارت تدوسه "توصل الغرب إليه قبلنا"
    لمن أنظم الأشعار....أللبدر؟
    الاعتذار للخليل" فيا مبدع الأوزان عفوا"
    كما استعمل الشاعر أدوات لغوية حجاجية بقصد التأكيد والإقناع، وهذه الأدوات -التي سبق ذكرها- هي " إنّ،إنني، أن، فقد، أجل، أنّ..." الإثبات وأسلوب القصر، الشرط ، الإكثار من اسم الفاعل ،واو الحال،و آلية التقديم والتأخير....
    واستعمل كذلك "الاقتراح" من خلال طرحه لأسئلة ثم إجابته عنها...
    وما يلاحظ أنّ حديثنا عن الحجاج في هذه القصيدة سيقودنا إلى الحديث مرة أخرى عن الأفعال الكلامية حيث أن الأفعال التأثيرية لكل فعل كلامي كانت ترمي إلى إقناع المخاطب من خلال إثارة انفعاله وتحريك مشاعره واستمالته.
    خاتـمـة:
    حاولنا من خلال هذا البحث دراسة قصيدة شعرية بمنظور لساني تداولي، وقد قمنا بخطوتنا الأولى في التقريب بين الجانبين الأدبي واللساني التداولي، وذلك بتطبيق أحدث ما توصلت إليه اللسانيات التداولية على خطاب شعري، ولأنّها المحاولة الأولى من نوعها، لا ننكر أنّه قد يشوبها بعض النقص.
    فلقد تعودنا في دراستنا للتداولية على أمثلة من اللغة العادية التي يسهل التطبيق عليها، أمّا الشعر فيمتاز بتكثيف المعاني التي يمكن أن تعدد تأويلاتها، إذ يمكن لكل متلق أن يؤول مقصدية الشاعر بطريقته الخاصة، مثلا قول الشاعر "فيا كوكب الجوزاء هلا سألتني" فلا ندري إن كان الشاعر يخاطب برجه أو أنه يخاطب الإنسان العربي ولماذا اختار هذا الكوكب بالذات؟.
    والأسئلة التي تتبادر إلى أذهاننا تسمح بإثراء البحث في هذا المجال: إذا كانت الدراسات البلاغية النقدية قامت بدراسة الشعر، فما الذي ستقدمه التداولية في هذا الحقل الفسيح؟ أو إن جاز أن نقول أين تنتهي البلاغة وتبدأ التداولية؟ أو ما هو الشيء الذي أهملته البلاغة وأولته التداولية العناية والاهتمام؟
    المراجع المعتمدة:
    1/أوستين:نظرية أفعال الكلام العامة (كيف ننجز الأشياء بالكلمات)ترجمة عبد القادر قنيني إفريقيا الشرق 1991
    2/ جان سيرفوني: الملفوظية ترجمة قاسم المقداد منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998
    3/عبد الهادي بن ظافر الشهري: استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية دار الكتاب الجديد
    4/-عمر بلخير:تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف طبعة1 سنة .2003
    المجلات:
    5/ فرناند هالين: التداولية، ترجمة وُبا محمد، مجلة، مجلة فكر ونقد العدد 24
    http://aljabriabed.com
    6/صمويل ليفن "هل الصور الذهنية صور لفظية؟" ترجمة خالد التوزاني مجلة علامات العدد 3 السنة الأولى ربيع1995.
    المرجع الفرنسي:
    7/ Benveniste E, Problème de linguistique générale Paris ,E Gallimard d, 1966

    الهوامش: فرناند هالين: التداولية، ترجمة وُبا محمد، مجلة مجلة فكر ونقد العدد24 http://aljabriabed.com
    أوستين جون لانجشو:أستاذ بجامعة أكسفورد مات في سنة1960 أشتهر بالفلسفة التحليلية أشهر مؤلفاته:
    Quant dire,C'est Faire.
    ينظر أوستين:نظرية أفعال الكلام العامة (كيف ننجز الأشياء بالكلمات)ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق،1999، ص. 100
    ينظر المرجع نفسه ص125 .
    ينظر عبدا لهادي بن ظافر الشهري استراتيجيات الخطاب مقاربة لغوية تداولية دار الكتاب الجديد ص155.
    المرجع نفسه ص156
    . أوستين المرجع السابق ص 123
    *سيرل:هو أستاذ بجامعة هارفاد يعتبر من مؤسسي تداولية أفعال الكلام وهو تلميذ أوستين من أعماله Les actes des paroles indirects, Sens et expression…
    عبد الهادي بن ظافر الشهري: إستراتيجية الخطاب ص.158
    المرجع السابق ص.137 .
    المرجع نفسه ص.138.
    المرجع نفسه ص.143.
    *وهما من الوظائف التداولية يُنظر أحمد المتوكل الوظائف التداولية في اللغة العربية.
    * حلام الجيلالي بوعزة العربي":من مواليد1949 بسيدي بلعباس متحصل على دكتوراه دولة في اللسانيات من مؤلفاته ديوان:" تسابيح فجر العرب " عمل مدرسا 1969 فأستاذا مشاركا في جامعة وهران و عضوا مشاركا في اتحاد الكتاب الصحافيين الجزائريين فرع سيدي بلعباس 1986 نال عددا من الجوائز منها الجائزة الأولى في الشعر من جامعة وهران 1969 والثانية في الشعر كذلك في مهرجان مفدي زكريا.
    فرناند هالين: التداولية، ترجمة وُبا محمد، مجلة مجلة فكر ونقد العدد24 http://aljabriabed.com
    ينظر : صمويل ليفن "هل الصور الذهنية صور لفظية"، ترجمة: خالد التوزاني، مجلة: علامات، العدد 3 ، السنة الأولى، ربيع1995.
    جان سيرفوني: الملفوظية، ترجمة قاسم المقداد، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1998، ص.21.
    *إيميل بنفنيست:عالم فرنسي في اللسانيات درس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا عام 1927، Collège de France
    وفي عام1937 تشعبت دراساته اللسانية،حيث شملت أشهر المجالات، ولكنه عرف أكثر بدراساته في التداولية ونظرية الحديث,
    Benveniste E, Problème de linguistique générale Paris ,Ed Gallimard,1966 P.251
    IBID P.252
    IBIDP.253
    Voir :IBID P.254.
    ينظر، جان سيرفوني، المرجع السابق، ص24.
    **أوركيوني كانت طالبة في مدرسة المعلمين العليا، وهي أستاذة مبرزة حازت على الدكتوراه في اللسانيات وهي حاليا أستاذة بجامعة ليون11 .من مؤلفاتها :
    L'implicite, L es actes de langage dans le discours…
    عمر بلخير:تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف، طبعة1، سنة2003، ص71 نقلا عن: O.C.ORCCHIONI-Enonciation de la Subjectivité dans la langage P.31
    *ديكرو: مدير مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية منذ 1968 ،تمركزت دراساته حول تاريخ اللسانيات والروابط بين اللغة والمنطق، وقد تخصص منذ سنوات في الدراسات الدلالية والتداولية من أهم مؤلفاته:
    Les mots du discours, Dire et ne pas dire
    عمر بلخير،المرجع السابق ص 122 عن: D.DUCKROT et ANSCOMBRE OP.CIT P.10

    لمعرفة المزيد http://www.ta5atub.com/t3097-topic#ixzz1rIERJUl5

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:46 am