منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    المرأة وتشاكلات الرمز بالواقع الطيب هلو

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    المرأة وتشاكلات الرمز بالواقع الطيب هلو

    مُساهمة   في الجمعة أبريل 06, 2012 3:04 pm

    المرأة وتشاكلات الرمز بالواقع

    المرأة و تشاكلات الرمز بالواقع

    قراءة في « الحكاية تأبى أن تكتمل» (*)

    بقلم : الطيب هلو



    يتشكل فعل الحكي من مكونات عدة أن على مستوى رؤياه أو لغته أو شخوصه محققا عبر التركيز على بعض هذه المكونات تميزه من جهة و تجانسه من جهة أخرى مع الإبداعات المسماة به أو الراسية على ضفة من ضفافه، كما أن من بين أكثر الشخوص حضورا في المتن القصصي و الروائي المغربي: المرأة، وهذا الحضور يتوزعه قطبان: قطب المرأة / الحبيبة وقطب المرأة / العاهرة، لكن هذه القولبة أو الأمثلة للمرأة لا تخفي، ولا تمنع من القول بإمكانية وجود مواقف أخرى ترسو على مرفئ الكتابة القصصية المغربية، عبر تحميلها دلالات رمزية أو عبر إخراجها من الحيز المألوف إلى اللامألوف في حدود المسطر و المعقول.

    أن القصة المغربية القائمة على حس رومانسي تتيح امكانية البحث عن المرأة / الحبيبة و القصة التي تقوم على حس واقعي انتقادي بالدرجة الأولى، تنطلق من تصور للمرأة /العاهرة. مع هامشية تصورات أخرى، باستثناءات قليلة، لكن الدلالات الرمزية للمرأة قد تجعل منها وطنا أو قضية أو لعبة أو...ولا ننكر، بعد هذا، القول بأن هناك مجاميع قصصية لا تحظى فيها المرأة إلا بنصيب خافت ومنها المجموعة التي سنتناول هنا بالقراءة و التحليل.



    I- تشكلات المرأة في « الحكاية تأبى أن تكتمل»:



    أشرنا إلى أن المرأة لا تحظى إلا بنصيب خافت داخل المجموعة، حيث أن المرأة تعتبر عبورا هامشيا ( الحكاية تأبى أن تكتمل ص27) وتغيب في بعض القصص غيابا مطلقا وتاما( غفوة- لعبة التخمين) وتحضر في بعض القصص، وحضورها هذا يتراوح بين 1) المرأة الحبيبة: كما في ( تقاسيم على أخر مقامات زمن الموت- الكوجيتو- العصفور الشاعر) حيث المرأة هنا تتراوح مواقفها بين القوة( نم مطمئنا يا حبيبي) و الضعف ( تركت الدموع تنحدر على خديها الشاحبين بكل حرية)ص16. وتتراوح علاقة الحب بين انكسار الذات من جراء الفراق نتيجة الموت( العصفور الشاعر) وبين اللقاء ( فتاة التصقت بشاب تحت مظلة سوداء جميلة و كنت وحيدا كنجمة الفجر) ( الكوجيتو) ففي مقابل وحدة السارد كان اللقاء والألفة بين الشاب والشابة ويتأكد في « الكوجيتو» ذلك التجاذب بين القوة والضعف بل و الرغبة في الأضعاف( هناك وسيلة واحدة لهزم امرأة ما...) ذلك أن هذا القول عاكس لقوته، ومبرز لحمله بهزمها المرتقب، بل ذلك يتغلغل في عمق القصة حيث ثنائية القوة و الضعف داخل الشخصية الواحدة( بجمال وسحر حواء الأبدي، وقفت خلف القضبان.رأيت في عينها مقاومة عريضة لرغبة حقيقية في البكاء) (ص46).

    هذه المقاومة سرعان ما تحولت إلى هجوم:

    (- هل تعرف؟

    - ماذا؟

    - أنت لا شيء.

    لم أرها بعد ذلك ولم انس طعنتها) (ص46).

    2) ومن بين الأنثى المقاومة الرافضة حتى لنواميس الحياة ( الحكاية تأبى أن تكتمل) إذ أن المرأة /الدجاجة ترفض العهر بأشكاله( نحن لا نرضى أن نتحول إلى مجرد مومسات يحسن المضاجعة. فلابد من مساواة المرأة و مطالبتها بالمساواة... ولا يقف القاص في حدود الحديث عن امرأة من نوع عادي إذ ينتقل إلى الحديث عن امرأة( تحس بالأسف والخيبة والألم) فهي امرأة متذمرة باستمرار و ساهرة على خدمة ابنها وزجها( تعد له الفطور...تكنس، ترتب الفراش، تفعل أشياء كثيرة، تفكر في إيقاظ ابنها، تجد الوقت مبكرا، تعود إلى فراشها، تستلقي على ظهرها...)( ص50) ثم أنها امرأة مؤمنة تتوضأ و تصلي و تستغفر ولكنها، في ذلك، ساذجة إذ ( تتوضأ وضوءا غريبا و تصلي صلاة خاطفة) ( ص50).

    إن عنونة الفقرة بـ(إمرأة غير عادية) خداع للقارئ ذلك أن ما قيل عن هذه المرأة شيء عادي، إنها الأنثى البسيطة إنها الزوجة و الأم، إنها المرأة البسيطة في حياتها عبر أعمالها المنزلية الروتينية و في أحلامها عبر قول القاص( تعود إلى فراشها، تستلقي على ظهرها، تشتبك أصابع يديها خلف رأسها، تتجاوز رجلاها طول اللحاف، تتذكر مثلا شعبيا قديما) ( ص50) إنها تتذكر المثل القائل( على قدر لحافك مد رجليك)[ مثل عربي] عبر ايحائيته على ضرورة خضوع منطلق الأحلام لمنطق القدرة على الإنجاز و حسب الإمكانيات- ويستمر القاص في تنويعاته « النسائية» حيث يقدم نموذج امرأة متعالية ( طلعت ميمونة فوق الزيتونة ولما صارت ميمونة في أعلى الزيتونة أحتار ميمون، نظر إليها، ثم نظر إلى رجليه المشلولتين و إلى العكازين، بكى و شكى و استظهر أمامها كل أشعار التوسل و العتاب التي يحفظها- قال أنه يستعد لفعل أي شيء من أجلها، يدافع عليها و يدفع عنها القبيلة(...) لمن ميمونة أبت و اشترطت على ميمون، أن كان يحبها، أن يكابد و يصعد الزيتونة)(ص35) لكن المرأة هنا ليست متعالية بالمعنى السلبي و إنما متعالية بالمعنى الإيجابي في محاولة رفع الرجل المشلول العاجز إلى مستوى ما، لكن هي أيضا يخونها ضعفها( بكت، و بكى ميمون لبكائها...فاختلط الدمع بالدم على خده)ص36 و هي امرأة تائبة( ميمونة تستغفر لذنبها) و مقاومة ( تقاوم لعنة العشاق والأشجار والطيور والأحجار). و متنازلة ( لماذا صعدت يا رب فوق الزيتونة الملعونة) ورغم انتقال القاص بين التقاسيم إلا أن ميمونة تستمر في ندمها و حزنها( ظلت ميمونة تندب حظها وتستغفر لذنبها، تتساءل كيف سولت لها نفسها الإعتداء على ميمون، ندبت خدها و نفشت شعرها و شقت أزارها). بل إنها تتحول من معتدية إلى مدافعة عبر فعل التحول الخفي/ الجنون، بقولها: ( أنا المعزة الصينية، و اللي كرونها ذهبية و اللي عور ميمون يخرج هنا يبارزني) أنه عودة إلى الصراع، لكنه صراع مع الذات باعتبارها « فقأتت عين ميمون» و ستبارز من « عور ميمون» (ص35).



    II- « مريم» أو رمزية المرأة/القضية:



    تشكل «مريم» كشخصية عنونت بها إحدى قصص المجموعة دلالات رمزية متعددة انطلاقا من حضورها كرمز تاريخي في مرجعية دينية، فمريم رمز للطهر (مريم العذراء) وهنا تتحدد دلالتها، و مريم في النص هي مريم في المرجعية، مع اختلافات، فإذا كانت في القصة اتهمت بالعهر غير مبالية به( ...أنا لا يهمني أن أنتم نعتموني بالعهر، فليس الععهر حرفتي ولا رغبتي) فمريم في المرجعية الدينية متهمة به أيضا( يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا)، لكن مع اختلاف جوهري و ائتلاف أيضا، يتوضح كالتالي:

    - مريم القصة # مريم ( المرجعية).

    - الاتهام بالعهر # الاتهام بالعهر.

    - عدم الإنجاب # الإنجاب.

    - اغتصبت # لم يمسسها بشر

    - فاعلة ( تبرق ثلاثا بدانا و بزي عسكري) # مسالمة ( تهز جذع النخل لتأكل).

    - تصارع سلطتين: 1) القبيلة عبر الاتهام بالعهر2) الرجال الثلاثة: بزي عسكري# لا تصارع أحدا ( تكلف المسيح بالرد على قومه).

    إن هذه السلطة التي تصارعها مريم قوية ( بدانا- مسلحين) و متعددة( القبيلة - ثلاثة رجال) في مقابل ضعفها ( كنت وحيدة، جردوني من ثيابي يا أمي و ناموا معي تباعا) ( بكيت ضعفي و طفولتي). إذن فالقصة تسير في إطار ثنائية الضعف و القوة( لا تبكي يا أمي، سأنتقم منهم، و سأجدهم من زيهم العسكري و سأحلق رؤوسهم، فقط ، أنت تبكي، فهم إثما أرادوا دمعك و دمي) ( ص32).

    لكن السؤال المطروح هنا، ألا يمكن أن نستخرج من مريم باعتبار مرجعيتها الدينية( أرض فلسطين) و مريم باعتبارها المرأة المغتصبة المتصارعة مع سلطة ما رمز للقضية الفلسطينية المغتصبة؟ يمكن أن نلمح من خلال ما قيل بعض الدلالات على ذلك،إذا أن الاغتصاب كان على حين غرة، و أن التحالف كان قويا( ثلاثة) و اتهامها بالعهر، و عبر الرغبة في التسلح.

    إن استخراج دلالة رمزية للمرأة داخل النص القصصي هو إخضاع ذلك لقراءاتنا و مرجعتنا التي حاولنا التجرد منها قدر الإمكان، لذلك نترك للقارئ حق الاكتشاف و الاستنباط انطلاقا من مرجعيا ته التي يمكنه من خلالها ما لم نقرأ و اكتشاف ما لم نكتشف.

    نختم هذه القراءة بالقول أن المجموعة القصصية « الحكاية تأبى أن تكتمل» للقاص جمال بوطيب، مغامرة على مستوى اللغة و على مستوى الرؤية، ولكن هذه المغامرة تتميز بـ«الانضباط الأخلاقي» لقيم معينة حيث حافظ القاص على أخلاقيات وقيم معينة على مستوى اللغة/المعجم، والموضوع مخرجا مجموعته من دائرة الأعمال الإباحية المتسترة تحت ظل الواقعية، والتي لاترى في المرأة غير عاهرة، إضافة إلى ذلك نشير إلى غياب الوصف الجسدي لهيكل امرأة على مستوى المجموعة ككل.

    ● الطيب هلو

    (*)« الحكاية تأبى أن تكتمل» جمال بوطيب. الطبعة الأولى 1993 مطبعة SNIP (وجدة).




      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:36 pm