منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    ظاهرة التذكير والتأنيث في العامية الجزائرية وعلاقتها بالفصحى

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    ظاهرة التذكير والتأنيث في العامية الجزائرية وعلاقتها بالفصحى

    مُساهمة   في الأحد أبريل 29, 2012 3:15 pm




    ظاهرة التذكير والتأنيث في العامية الجزائرية وعلاقتها بالفصحى
    الدكتور عبد الكريم عوفي
    أستاذ محاضر بمعهد اللغة العربية وآدابها
    جامعة باتنة (الجزائر )
    ظاهرة (التأنيث والتذكير) من الظواهر اللغوية التي تشترك فيها اللغات البشرية جمعاء، ولكن معاملة الجنس تختلف من لغة إلى أخرى0

    فاللغات السامية الأولى تفرق بين المذكر والمؤنث بوضع كلمة للمذكر وأخرى للمؤنث(1 ) 0
    وفي
    اللغات الهندية الأوروبية يستعمل لفظ للمذكر ولفظ آخر للمؤنث، ففي
    الإنجليزية يستعمل لفظ (Son ) ويعنى (ابن ) مقابل لفظ (daughter ) ويعني
    (ابنة )، وفي الألمانية يستعملون لفظا للمذكر، ولفظا للمؤنث، ولفظا
    للمحايد(2 ) 0
    إن " لغة الألجونكين algonquin تميز بين جنس حي وجنس غير حي، ولا يهمها بعد ذلك ما يدخل تحت كل واحد من الجنسين من أشياء(3 ) 0
    وقد ذكر فندريس أيضا أن " في لغة الماساي masai من شعوب شرق إفريقية يوجد جنس لما هو كبير وقوي، وجنس آخر لما هو صغير وضعيف "(4 ) 0
    وبعض
    اللغات تقسم الأسماء الموجودة فيها من حيث الجنس إلى ثلاثة أقسام: مذكر
    ومؤنث وقسم ثالث هو ما يعرف في اللغات الهندية الأوروبية باسم (المحايد) أو
    (المبهم) neuter وهو في الأصل ما ليس مذكراً ولا مؤنثاً(1 ).
    وقد
    عرف فندريس المبهم neuter بقوله : " والمبهم في الهندية الأوربية جنس على
    حدته، فهو يقابل الجنسين الشخصيين معاً، ولكنه أقل انتشار منهما "(2 ).
    وذكر
    الدكتور إبراهيم أنيس أن أفرع اللغات اللاتينية القديمة، كالفرنسية
    والإسبانية والإيطالية فقدت الظاهرة الشائعة في اللاتينية القديمة (الأسماء
    المحايدة )، وأصبحت في اللغات الحديثة إما مؤنثة أو مذكرة (3 )0
    ويرى
    الدكتور رمضان عبد التواب أن الساميات – ومنها العربية – قد وزعت القسم
    المحايد على القسمين الآخرين، وصارت الأسماء فيها إما مذكرة وإما مؤنثة(4
    ). لكن المستشرق برجشتراسر يفترض أن اللغات السامية كانت تقسم الأسماء في
    الزمن القديم تقسيمات متفرعة أكثر من الحاضر، ولا يعرف ما إذا كان تمييز
    المذكر والمؤنث، في ذلك التقسيم الأصلي أم مازجه حديثا(5 ).
    وتختلف
    اللغات فيما بينهما من حيث التذكير والتأنيث داخل الفصيلة اللغوية
    الواحدة، فما كان مؤنثاً في لغة قد يكون مذكراً في لغة أخرى، والعكس أيضاً.
    فكلمة (شمس ) مثلا اسم مذكر في الفرنسية، ومؤنث في العربيـة(6 ).
    و(الكف ) في العربية تذكر وتؤنث، وفي العبرية والسريانية مؤنثة، وهي مذكر في الآرامية(7 )0

    وقد
    أولى علماؤنا الأوائل هذه الظاهرة عناية كبيرة، فألفوا فيها كتبا ورسائل
    جمعوا فيها الألفاظ التي يقع فيها التذكير والتأنيث، وبينوا المذكر والمؤنث
    منها، سواء كان اللفظ حاملاً لعلامة من علامات التأنيث المنصوص عليها، أو
    كان اللفظ المؤنث سماعيا(1 ) 0
    والمقصود بالمذكر
    والمؤنث عند علمائنا العرب هو ما نقرأه في قول ابن الحاجب : "المؤنث ما فيه
    علامة تأنيث لفظا أو تقديرا، والمذكر بخلافه، وعلامة التأنيث التاء و
    الألف مقصورة وممدودة " (2 )0 وكذلك ما نقرأه في قول ابن عقيل :" أصل الاسم
    أن يكون مذكرا، والتأنيث فرع عن التذكير، ولكون التذكير هو الأصل استغنى
    الاسم المذكر عن علامة تدل على التذكير، ولكون التأنيث فرعاً عن التذكير
    افتقر إلى علامة تدل عليه وهي التاء، والألف المقصورة أو الممدودة، والتاء
    أكثر في الاستعمال من الألف، ولذلك قدرت في بعض الأسماء، كعين وكتف "(3 ) 0
    وإذا
    أردنا التعرف على الظاهرة في اللغات السامية فإننا نجد الدراسات المقارنة-
    شقيقات العربية- تفيد أن العربية تشترك مع الساميات في استعمال علامات
    التأنيث (التاء والألف المقصورة أو الممدودة ) للدلالة على اللفظ المؤنث(4
    ).
    ويرى برجشتراسر أن التاء مع الفتحة قبلها، أي (At)
    سامية الأصل، وأن الألف المقصورة توجد في العبرية والآرامية، والألف
    الممدودة لا يقابلها في اللغات السامية إلا القليل (5 ).
    وبعد
    هذا العرض الموجز لملامح ظاهرة التذكير والتأنيث في اللغات عامة والعربية
    خاصة(6 )، أقدم وصفاً تحليلياً للظاهرة في العامية الجزائرية مع إبراز أوجه
    التقائها مع العربية الفصحى وافتراقها عنها0
    سلك
    العامة مسلكا مغايرا للعربية الفصحى في تأنيث الأسماء وتذكيرها، إذ تكــاد
    (التاء) تكون العلامة الرئيسة للتأنيث في العامية الجزائرية0 فقد تبين من
    المادة المسموعة من أفواه الناس في أماكن مختلفة، وفي جهات عدة من الجزائر
    أن :
    الألفاظ التي وردت في العربية الفصحى مؤنثة أو
    يستوي فيها التذكير والتأنيث()، أو خالية من إحدى علامات التأنيث، تؤنث
    بالتاء، وذلك في مثل:
    الألفاظ الدالة على أحوال
    المؤنث، أو يشترك فيها الجنسان (المذكر والمؤنث)، والتي على وزن (فاعل)، و
    (فعول)()، نحو: طالقة، وعانسة، وطاهرة، وحاملة، وصابرة، وصارفة()،
    ودافعة()، وعاقره()، وقد حولوا (فاعل وفعول ) في نطقهم إلى (فاعلة)، ونطقهم
    هذه الصفحات بالتاء هو الأكثر وبلا تاء هو القليل 0
    وهذه الصفات جاءت في العربية الفصحى بلا تاء، لأنها أصلية في التأنيث()0
    الألفاظ
    التي يستوي فيها المذكر والمؤنث، والتي تجيء على وزن (فعول) نطقها العامة
    على الأصل كما في الفصحى بلا تاء وهو قليل، أو يلحقون بها التاء وهو
    الأكثر، كقولهم : عْرُوسةعْجوزه، فحولــوا (فعول ) إلى فعولة ).
    ولفظ
    (عجوز) يستعمله العامة للشيخ والمرأة على حد سواء، بالتاء وبلا تاء، فهم
    يقولون للمرأة؛ صغيرة كانت أم كبيرة : (عْجوزه، وعْجوز )()، وبعض الناس من
    الكبار في المجتمع الجزائري يتحاشون ذكر اسم المرأة عامة، لاعتقادات معينة
    فيكنون عن ذكرها باسم (لَعْجُوزْ)، وإذا ورد فى سياق الحديث الكلام عن
    المرأة قالوا: (داري، أو أهلي، أو عبادي، أو عيالي، أو عجوزي، أو مولات
    الدار) مع إلحاق كلمة من هذه الكلمات المستعملة عبارة (أكرمكم الله)، وهذا
    الاستعمال جار على ألسنة العامة ممن يسكنون الأرياف والقرى، ولا سيما مناطق
    الجنوب، لأن لفظ المرأة من الألفاظ المحظورة، التي تعرف في علم اللغة باسم
    (ألفاظ اللامساس) taboo (1)0
    وهذا الاستعمال للفظ
    (عجوز) بلا تاء مروي عن العرب الفصحاء، فقد أورد صاحب اللسان أن " العجوز
    والعجوزة من النساء: الشيخة الهرمة "(2).
    ج- يؤنثون
    لفظ (زوج) فيقولون: (زوجة) إذا كانوا يريدون زوجة الرجل، واللفظ مطّرد
    الاستعمال، ولا يستعملون(زوج) للمؤنث إطلاقاً وقديما" ذكر الفراء أن زوجاً
    المراد به المؤنث فيه لغتان : (زوج) لغة أهل الحجاز، و(زوجة) لغة تميم
    وكثير من قيس وأهل نجد "(3).
    وقد ورد الاستعمالان في
    القرآن الكريم، إذ قال تعالى : (وَقُلنا يا آدمُ اسْكُنْ أنتَ وزوجُكَ
    الجنَة )(4). وقال أيضا : (يَا أيُها النبيُّ قُل لأزواجِكَ إنْ كُنتُنَّ
    تُرِدْنَ الحياةَ الدُنيا وزينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتّعُكُنَّ
    وأُسَرّحُكُنَّ سَرَاحاً جَميلاً ) (5).
    ويظهر أن
    العامة في الجزائر قد سلكت مسلك التميميين، لأن لغتهم أكثر شيوعاً في
    الاستعمال(6) 0 ولعل ذلك يرجع إلى تأثير القبائل العربية – ومنها التميمية،
    التي نزلت عقب الفتح الإسلامي في مناطق مختلفة من الجزائر، وقد يكون
    الاستعمال ناتج عن القياس الخاطئ 0
    وقد روت لنا كتب
    اللغة ومعجماتها أن الأصمعي كان ينكر على أبناء عصره استعمال لفظ (زوجة)
    ويراه لحنا0 يقول : " ما أقل ما تقول العرب الفصحاء فلانة زوجة فلان، إنما
    تقول : زوج فلان "(7). والدراسات المقارنة أثبتت أن لفظ (زوجة) ليس من أصل
    سامي، فهذا الدكتور محمود فهمي حجازي يقول: إن لفظة (زوجة) يوناني (zeugos)
    دخل الآرامية أول الأمر وكانت تنتهي بفتحة طويلة (زوجا) تكونت إلى جانب
    صيغة (زوج) غير المنتهية بأداة التعريف، ثم انتقلت إلى العربية فحملت معنى
    كلمة (بعل) التي تعني الرجل المتزوج، وزوجته هي (الزوج) ثم اختصت كلمة(زوج)
    بالمذكر و(زوجة) بالمؤنث، وبالتالي يكون مما اقترضته العربية في عصورها
    الأولى من اللغات الأخرى، وعلى مر السنين أخذ مكانته في المعجم اللغوي
    العربي، فصار يؤدي وظيفته، وهي دلالته على المؤنث (امرأة الرجل) إلى جانب
    كلمة (زوج) (1).
    وقد حاول عبد الجليل مرتاض أن يفسر
    استعمال اللفظ في منطق القبائل العربية فقال: إن أهل الحجاز قاسوا (زوج)
    على كلمات مماثلة بلا تاء، مثل: عنق، وذراع، وسبيل، وطريق(2). لكــن هذا
    التفسير- فيما يبدو لنا – مستبعد، لأن هناك كلمات كثيرة أنثت بلا تاء0
    د-
    ألفاظ وردت في العربية الفصحى مؤنثة عن طريق السماع، أي : تلك الألفاظ
    التي لا تلحقها علامة من علامات التأنيث، والعامة يؤنثونها بإلحاق آخرها
    تاء، مثل: القدر(3)، والكبد(4)، والقدوم(5)، والفرس(6)، والعقرب(7) هذه
    الألفاظ سمعت كثيراً من عوامنا- ولا سيما في منطقة الجنوب – ينطقونها
    بالتاء (القدرة(Cool ، والكبدة، والقدومة، والفرسة، والعقربة) أما نطقهم
    الكلمات السابقة بلا تاء فهو مسموع لكنه قليل0 والملاحظ أن هذه التاء التي
    تلحق آخر الأسماء والصفات، مثل : رْحِيمه، وحْنِينه، وكْبِيره،
    وصُغَيْرَه(1)، وخْشِينه، ومْلِيحه، لا يتلفظ بها تاء خالصة، بل يقفون
    عليها، فهي كالهاء في حالة الوقف في العربية الفصحى 0
    ويرى
    الدكتور رمضان عبد التواب أن ظاهرة الوقف " انتقلت إلى الكلام المتصل كذلك
    في كل من الآرامية والعبرية، إلى ألف مد فيقال في الآرامية (bisa )
    (رديئة)، وفي العبرية (yalda) (بنت)، وفي اللهجات العربية (sagarakbira)
    (شجرة كبيرة)، ولم تبق التاء المفتوح ما قبلها إلا عند الاتصال بمضاف
    إليه(2).
    هـ – ويؤنثون ما كان في الأصل على صيغة
    (فَعلى) بفتح الفاء وكسرها بإلحاق اللفظ تاء في الأخير، فيقولون : دفله،
    وحلوه، وليله، وسلوه، ونجوه0 في : دفلى، وحلوى، وليلى، وسلوى، ونجوى0
    الأسماء
    التي جاءت في اللغة العربية الفصحى مؤنثة بألف التأنيث المقصورة، وهي التي
    جاءت على صيغة (فَعلى) بفتح الفاء، أو على أوزان أخرى يؤنثها العامة
    بالتاء، فيقولون : شبعانه، وجوعانه، سكرانه(3)، وعطشانه، وكسلانه، وزعفانه،
    وحيرانه، ومليانه، وفرعانه، وتعبانه، وبردانه، وفشلانه، وقلقانه، وندمانه،
    وهربانه، وفرحانه، غضبانه(4) ،
    ويلاحظ على هذه
    الأسماء (الصفات) أن العامة جاءت بها على (فعلانة) وهو مسلك مغاير للفصحى
    يطرد في ألسنة الجزائريين عامة، ومسموع في بعض اللهجات العربية المعاصرة في
    الوطن العربي(5) 0
    إن هذا الاستعمال اللهجي في ألسنة
    العامة له أصول في عربيتنا القديمة إذ أوردت كتب اللغة ومعجماتها أن قبيلة
    بنى أسد- وهي من القبائل التي أُخذت عنها العربية الفصيحة- كانت تقول:
    سكرانة، وملآنة، أي أنها خالفت الفصحى في تأنيث النعوت التي على (فعلان
    وفعلى) (1) 0
    وقد أجاز المجمعان اللغويان المصري
    والعراقي، في أثناء انعقاد دورتهما في بغداد عام 1965م، أن يؤنث كل وصف على
    صيغة (فعلان)، على (فعلانة) (2)0
    الأسماء المؤنثة في
    العربية الفصحى، التي جاءت على صيغة (فعلاء)، مثل: حمراء، وزرقاء، وصفراء،
    وينطقها العامة بإسقاط الألف والهمزة، ويلحقون آخرها تاء، فيقولون: حمره،
    وزرقه، وصفره، وبيضه، وخضره، وعميه، وكحله، وسوده، وعرجه 0
    وهذا
    الاستعمال في ألسنة عوامنا له نظير في معظم اللهجات العربية المعاصر في
    الأقطار العربية(3) وقد خالفت العاميات العربية الفصحى في هذا الاستعمال 0
    ويبدو
    أن علامتي التأنيث؛ الألف المقصورة والممدودة في طريق الانقراض من اللهجات
    العربية المعاصرة، ولعل " السر في زوال هاتين العلامتين وحلول العلامة
    الأولى، وهي التاء محلهما هو ميل اللغة إلى أن تسير في طريق السهولة
    والتيسير، فبدلاً من أن تكون عندنا للتأنيث ثلاث علامات تصبح في اللغة
    علامة واحدة لكل أنواع المؤنث "(4) 0
    أما الجنس المميز
    واحده بهاء التأنيث فإنهم يذكرونه ويؤنثونه، وتذكيره أكثر اطّرادا0 فهم
    يقولون : هذا البقر، هذا النخل، هذا التمر، هذا النحل، ويقولون في المفردة
    المؤنثة: بقرة ونخله، و تمره ونحله وهذا الاستعمال يوافق استعمال العربية
    الفصحى(5).
    وهذا المسلك في التذكير والتأنيث كان
    شائعاً في اللهجات العربية القديمة إذ أورد أبو حيان في البحر المحيط أن"
    الجنس المميز مفرده بهاء التأنيث يؤنث في لغة الحجاز ويذكر في لغة تميم
    ونجد، وقد جاء القرآن بهما "(1)0
    إن هذا الاستعمال عند
    عوامنا لا يقتصر على الألفاظ التي مُيِّز مفردها بهاء التأنيث، بل هو عام
    ويشمل الأسماء الأخرى التي عُرف تأنيثها عن طريق السماع0 وهذا ما تتناوله
    الفقرة التالية0
    ألفاظ يستوي فيها التذكير والتأنيث، والتأنيث ورد فيها عن طريق السماع، لأنها لا تحمل علامات التأنيث المعروفة.
    فالعامة
    عندنا يذكرون ما أصله التأنيث باسم الإشارة، كقولهم: هذا الدار، وهذا
    لَكْرَاع، وهذا البير، وهذا الفأس، وهذا لْكَرْش، وهذا البيت، وهذا
    لَعْجوز، وهذا السوق(2).
    لكن العامة عندما يخبرون عن
    هذه الألفاظ نجدهم ينطقون صفاتها مؤنثة، فيقولون: هذا الدار كبيره، وهذا
    الكرش مليانه، وهذا لعجوز مسكينه، وهذا البير ضيقه، وهذا لكراع سمينه0 وهذا
    الاستعمال مسموع في مناطق الشرق الجزائري والجنوب عامة0
    واسم
    الإشارة في الجمل المتقدمة يلاحظ أنه متقدم على المشار إليه، لكنهم عندما
    يؤنثون تلك الأسماء فإن اسم الإشارة يأتي مؤخرا في الرتبة وقد لا يتلفظ به
    ويكتفى بالصفات لاغير، نحو: اليد ذِى لَمَّنْهِ؟ (هذه اليد لمن؟)، والريح
    قاويه (الريح قوية)، والموس ذِى ماضيه (هذه الموسى حادة)، والفرس ذِى
    جرَّايه (هذه الفرس سريعة الجري)0
    ومن الأسماء أيضا
    التي يقع فيها التذكير والتأنيث: الذراع، والطريق، والنحل، والكف، والرجل،
    ولَرنْب، ولَعْسل، والسماء، والموت، ولَكْتف، والزقاق، واليد، ولَبْصل،
    والعود (الفرس)، والصبع، والزيت0 يقول " بني فتح " : الزيت الحرّه دوا 0
    فلفظ (الزيت) مؤنث، ويقولون: كِصّفِّيوْ الزِّيت يَطْلَعْ فُوكْ0(1) أي:
    عندما يصفى الزيت فوق الماء0 فلفظ (الزيت) في العبارة مذكر(2).
    وقد ثبت من استقراء الصيغ المسموعة أن استعمال اسم الإشارة المفرد المذكر أكثر اطِّراداً مع هذه الأسماء 0
    ولعل
    هذا الاستعمال، أي تذكير الأسماء المؤنثة، يرجع إلى إحساس العامة عندنا
    بأن من سمات التذكير التعظيم كما هو الحال عند القبائل العربية القديمة(3) 0
    وليس الأمر ببعيدأن تكون العامية الجزائرية مسايرة في تطورها للغة العربية
    الفصحى، لأن " الأسماء التي تدل في العربية على التذكير والتأنيث في آن
    واحد تميل في تطورها إلى الاستقرار على حال واحدة، وهي التذكير"(4).
    إن
    هذه الألفاظ التي وردت على ألسنة العامة بالتذكير والتأنيث تعود إلى أصول
    قديمة في العربية الفصحى ولهجاتها، ولذلك لانجانب الصواب إذا قلنا: إنها
    امتداد لما استعملته العربية0 فقد روت كتب اللغة ومعجماتها بعض الألفاظ
    معزوة بالتذكير إلى قبيلة وبالتأنيث إلى قبيلة أخرى، فمثلا:
    السوق : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(5) 0
    الزقاق : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(6) 0
    الطريق : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(7) 0
    السماء : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(Cool 0
    التمر : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(9) 0
    الذهب : يذكره التميميون ويؤنثه الحجازيون(1 )0
    ومن
    الألفاظ التي وردت بالتذكير والتأنيث ولم تعز لقبيلة معينة: العرس (2
    )0والموسى(3 )0، والذراع(4 )0، والزبد(5 )0، وهذه الكلمة الأخيرة يستعملها
    العامة بالتأنيث لاغير، قتنطق بالتاء (الزبده ) (6 )0ومثلها أيضاً المشط،
    فالعامة ينطقونها بالتاء(المشطه)(7)0
    هكذا تبدو ظاهرة
    الجنس من الظواهر الصعبة التي يقف الدراس إزاءها حائراً في تحديد الضوابط
    التي تتحكم فيها0 فهذا برجشتراسر يقول بشأنها :" ظاهرة التذكير والتأنيث من
    أغمض أبواب النحو، ومسائلهما مشكلة"(8 )0
    أما
    فندريس فيرى أن " التمييز بين الأجناس النحوية لا يقوم على شيء من العقل:
    إذ لا يمكن لإنسان كائناً من كان أن يقول لماذا كانت table (مائدة) وchaise
    (مقعد) و salieret (إناء ملح ) مؤنثة في حين كانت tabouret (مقعد مطبخ ) و
    fauteuil (مقعد بجوانب ) sucrier (إناء السكر ) مذكرة "(9 ).

    وعلى
    هذا الأساس فإن معرفة سبب تأنيث هذا اللفظ وتذكير ذاك، أو لمذا استوى
    التذكير والتأنيث في ألفاظ دون أخرى أو لماذا جاءت علامات دالة على التأنيث
    في ألفاظ، ولم تجئ في ألفاظ أخرى. تبقى من الأمور الغامضة، ولعلها ترجع
    إلى ما ارتبطت به صفة الجنس في أذهان الشعوب من أفكار متباينة، هذه الأفكار
    التي يقف الباحث إزاءها حائراً في تحديد طبيعتها(10 )0 ولهذا قال الدكتور
    إبراهيم أنيس: " يجب أن نعترف بتلك الحقيقة الملوسة في كل اللغات وهي أن
    فكرة التأنيث والتذكير قد اختلطت بعناصر لا تمت للمنطق العقلي بسبب "(11 ).
    لكن هذه الصعوبة لم تثن عزيمة الدراسين- منذ القديم-
    في محاولتهم تفسير ظاهرة الجنس، فهذا الدكتور علي عبد الواحد وافي يقدم
    لنا تفسير التأنيث لفظ (الرأس) في عامية بعض المصريين، إذ أرجع ذلك إلى
    تأثير الأعضاء المؤنثة المجاورة لها، وهي العين والأذن(1 ).
    وهذا
    اللفظ نفسه جاء في العربية الفصحى مذكرا، وفي العامية الجزائرية مذكراً
    ومؤنثاً، ولعله كذلك في لهجات عامية أخرى في الأقطار العربية مما يستوي فيه
    التذكير والتأنيث أيضاً، لكن الأعضاء المجاورة لها هي نفسها0 فهل نقول :
    إن لفظ (الرأس) استعمل مذكراً في عامية الجزائريين أو في عاميات أخرى لأنه
    مجاور لأعضاء مذكرة مثله؟0 سؤال يحتاج إلى إجابة مقنعة0 ولعل تأنيث كلمة
    (الرأس) يرجع إلى- كما يقول الدكتور إبراهيم أنيس- : " رواسب سامية قديمة
    احتفظت بها اللهجات الحديثة "(2 ) 0 وهذا
    الأمر يحتاج إلى تحقيق علمي دقيق 0
    لا
    شك أن " تطور انتقال الكلمة في تطورها من التذكير إلى التأنيث أمر يحتاج
    إلى معرفة الظرف الاجتماعي الخاص، الذي يبرز مثل هذا التطور"(3 ) 0
    هذه
    هي الملامح العامة التي تحدد استعمال ظاهرة الجنس في العامية الجزائرية
    وصلة هذا الاستعمال بما ورد في العربية الفصحى ولهجاتها؛ القديمة والحديثة،
    وكما ذكرت فإن تحديد الضوابط اللغوية المتحكمة في الظاهرة تبقى من الأمور
    التي يصعب على الباحث أن يقدم بشأنها رأيا قاطعا، رغم اهتمامات الباحثين
    المستمرة0
    وفي ضوء ما تقدم يمكن أن نخلص إلى الملاحظات الاتية:
    الجنس ظاهرة عامة في اللغات البشرية، وتختلف اللغات في استعماله.
    تقسم
    اللغات البشرية الأسماء من حيث الجنس ثلاثة أقسام: مذكر، مؤنث، ومحايد،
    ولا تعرف اللغات السامية- ومنها العربية ولهجاتها- المحايد0
    علامات التأنيث في اللغات السامية ثلاث، هي: التاء والألف المقصورة والممدودة0
    اختفت العلامتان الألف المقصورة والممدودة من العامية الجزائرية، والعاميات العربية المعاصرة، وحلت محلهما التاء 0
    خالفت
    العامية الجزائرية الفصحى في تأنيث الأسماء والصفات التي جاءت على
    أوزان(فاعل، وفعول، وفَعلى، وفَعلاء )، إذ أنثت بالتاء في العامية0
    يطّرد
    استعمال لفظ (زوجة) بدل (زوج)، وهو استعمال قديم أُثر عن قبيلة تميم
    استعماله، وهي من القبائل التي أخذت عنها العربية الفصيحة، مع أن بعض
    اللغويين أدرجوا هذا الاستعمال ضمن ما أسموه باللحن 0
    تعامل العامة الألفاظ المؤنثة السماعية في الفصحى معاملة الألفاظ التي تؤنث بالتاء0
    تتفق
    العامية الجزائرية مع العاميات العربية المعاصرة، ومع بعض اللغات السامية،
    كالعبرية والآرامية في ظاهرة الوقف بالفتحة على آخر الاسم الذي ينتهي
    بالتاء0
    موافقة العامية الجزائرية اللهجة التميمية في تذكير ما مفرده هاء التأنيث0
    استعملت العامية الجزائرية الأسماء التي وردت في العربية الفصحى بالتذكير والتأنيث، - وكان التذكير فيها أكثر- بنفس الاستعمال0
    مالت العامة إلى تذكير الأسماء المؤنثة، وهو مظهر عام في العربية الفصحى0
    ظاهرة الجنس من الأمور التي يصعب تحديد طبيعتها، لأنها اختلطت بعناصر لاتمت للمنطق العقلي بصلة(1 ).
    وأخيرا
    فإن ظاهرة الجنس لا تخضع لقياس مطرد، وقد ألمح إلى هذا الأمر قديما أبن
    التستري الكاتب (ت361هـ)، إذ قال: " ليس يجري أمر المذكر والمؤنث على قياس
    مطّرد، ولا لهما باب يحصرهما كما يدّعى بعض الناس"(2 )
    مصادر البحث ومراجعه
    إصلاح المنطق: يعقوب بن إسحاق، تح : أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، ط:3، (د0ت)0

    أضواء على لغتنا السمحة" سلسلة كتاب العربي" : محمد خليفة التونسي، مطبعة حكومة والكويت، 1985 م0
    البحر المحيط: أثير الدين أبي عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، مطبعة السعادة بمصر، ط:1، 1328هـ0
    البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث: أبو البركات ابن الأنباري، تح : د/ رمضان عبد التواب، مطبعة دار الكتب، 1970 م0
    التطوير النحوي للغة العربية: ج0 برجشتراسر، تح : د/ رمضان عبدالتواب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ودار الرفاعي بالرياض، 1982م0
    التطوير
    اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه : د/ رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي
    بالقاهرة، ودار الرفاعي بالرياض، ط : 1981م، ط: 2، 1991م0
    تهذيب اللغة: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، تح: عبد السلام هارون وآخرين، الدار المصرية للتأليف والنشر، القاهرة، 1964- 1967 م0
    الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث: محمد حسين آل ياسين، دار مكتبة الحياة، بيروت، ط :1، 1980م0
    دور الكلمة في اللغة : ستيفن أولمان، ترجمة : د/ كمال محمد بشر، مكتبة الشباب، القاهرة، 1973م0
    شرح
    ابن عقيل : بهاء الدين بن عقيل المصري المهمذاني، تح : محمد محيي الدين
    عبد الحميد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط: 6، 1974 م0
    شرح جمل الزجاجي: ابن عصفور الإشبيلي، تح : د/ صاحب جعفر أبو جناح، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق، 1982م0
    شرح الفصيح : ابن هشام اللخمي، تح : د/ عبد الكريم عوفي(دكتوراه مخطوطة)، جامعة الجزائر، 1992 م0
    صبح
    الأعشى في صناعة الإنشا، القلقشندي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف
    والترجمة والطباعة والنشر، " نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية"، (د0ت)0
    الصحاح " تاج اللغة وصحاح العربية ": اسماعيل بن حماد الجوهري، تح : أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، ط :3، 1984م0
    العامية الجزائرية وصلتها بالفصحى : د/ عبد المالك مرتاض، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981م0
    علم اللغة : د/ علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة ط:7، (د0ت) 0
    علم اللغة العربية " مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية " : د/ محمود فهمي حجازي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1973م0
    الفوارق النحوية بين اللهجات العربية الفصيحة، : عبد الجليل مرتاض، رسالة ماجستير مخطوطة، جامعة الجزائر، 1982م0
    الكافية
    في النحو: جمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر، المعروف بابن الحاجب، شرح:
    رضي الدين الأستر ابادي، دار الكتب العلمية، بيروت، (د0ت)0
    لسان
    العرب المحيط : ابن منظور الإفريقي، تقديم عبدالله العلايلي، ترتيب يوسف
    خياط، دار الجيل، بيروت، دار لسان العرب، بيروت، ط : 1988م0
    اللغة : ج0 فندريس، تعريب عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، مطبعة لجنة البيان العربي، 1950 0
    لهجة بريكة وعلاقتها بالعربية الفصحى " دراسة لغوية وصفية " : عبد الكريم عوفي (ماجستير مخطوطة)، جامعة قسنطينة، 1986م0
    لهجة تلمسان وعلاقتها بالعربية الفصحى(ماجستير مخطوطة): التيجيني بن عيسى، جامعة تلمسان، 1990- 1991م0
    لهجة جيجل وعلاقتها بالعربية الفصحى " دراسة لغوية للهجة بني فتـــــح " (ماجستير مخطوطة ): بلقسام بلعرج، جامعة عنابة، 1986م0
    لهجة تميم وأثرها في العربية الموحدة: غالب فاضل المطلبي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1978 0
    المخصص : أبو الحسن علي بن إسماعيل، المعروف بابن سيده، تح: لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (د0ت)0
    المذكر والمؤنث: ابن التستيري الكاتب، تح : د/ عبد المجيد هريدي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ودار الرفاع بالرياض، ط : 1، 1984م0
    المذكر والمؤنث : أبو بكر بن الأنباري، تح : محمد عبد الخالق عضيمة، مطابع الأهرام التجارية بالقاهرة، 1981م0
    المزهر
    في علوم اللغة وأنواعها: عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، تح : محمد أحمد
    جاد المولى وآخرين، دار التراث بالقاهرة، ط :3، (د0ت)0
    معجم تيمور الكبير في الألفاظ العامية ج 2 : أحمد تيمور، تح : د/ حسين نصار، الهيئة العامة للتأليف والنشر، 1971م0
    من أسرار اللغة : د/ إبراهيم أنيس، مكتبة الآنجلو المصرية، القاهرة، ط :6 ، 1978.
    الموشح : أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني، تح : على محمد البجاوي، دار نهضة مصر، 1965م
    (التحميل)

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:40 pm