منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    قراءة سيكولوجية لرواية دملان

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    قراءة سيكولوجية لرواية دملان

    مُساهمة   في الأربعاء يونيو 13, 2012 10:29 am



    قراءة سيكولوجية لرواية دملان



    [center]
    عرض:
    د . معن عبدالباري قاسم
    (استاذ مشارك / قسم العلوم السلوكية /كلية الطب والعلوم الصحية / جامعة عدن
    رئيس الجمعية اليمنية للصحة النفسية)

    بناء
    على دعوة كريمة تلقيتها من زميل الدراسة الجامعية طيب الخلق ، والمعشر
    الأخ/ عبد الرحمن عبد الخالق، رئيس اتحاد الأدباء ، والكتاب فرع – عدن،
    للمشاركة في أمسية ثقافية بالمركز الثقافي الفرنسي ، وذلك لإستعراض ما تيسر
    إستعراضه من رواية "دملان" للبرفسور عدني المولد فرنسي الجنسية حبيب سروري
    على هامش زيارته الصيفية السنوية إلى مسقط رأسه، العام2005م، كنت قد قدمت
    قراءة متواضعة لتلك الرواية من منظور سيكولوجي. ولأن الفرق شتان بين ما
    يرتجل في دقائق محشورة تقتضيها قواعد المكان ، والزمان للفعاليات في مثل
    هذه المناسبات ، وبين إسهاب السطور المنثورة في صدر الصفحات المقروءة
    لوسائل الاعلام ،أو دوريات البحث والتوثيق.
    لهذا
    فقد تناولت رواية دملان في بضعة مقالات حاولت من خلالها تسليط الضوء على
    بضعة جوانب من العطاء الابداعي للمولف، و الرواية بنمطها التوثيقي :
    للمكان ، الزمان ، الاشخاص ، والأحداث مع مقاربة سيكولوجية في قراءة
    النص آملا بتلك المقاربة تاكيد العلاقة المنهجية في اعتبار العمل الأدبي
    مادة معرفية ثرية في وصف، وتعريف السلوك البشري (السوي منه او المضطرب )،
    وفي ظل محدودية، وشحة الموارد للبحوث، والدراسات النفسية عن الشخصية
    اليمنية فانني ارى هنا مدى اهمية الاستعانة بالعمل الأدبي او الفني، او
    الموروث الشعبي لتحقيق ذلك،رغم بساطة العرض، وتواضع التحليل والمناقشة بشكل
    مختصر، إلا أنني آمل ان أكون قد وفقت فيما هدفت إلى تناوله في هذه
    المقاربة السيكو- أدبية.


    اولا: حبيب سروري : المهندس و الأديب في دملان
    النضج التخصصي
    تعرف
    بعض المراجع عملية النضج بأنها التغيرات الارتقائية التي تطرأ على النواحي
    البيولوجيه و الفسيولوجية و النيرولوجية و تحدث في بنية الجسم الإنساني
    ،ووظائف أعضائه نتيجة للعوامل الوراثية في أغلب ألاحيان ((أبو حطب 1990).
    ويحدد
    قاموس علم النفس لارثر ريبير( 1995) بان النضج هي حاله الرشد، و اكتمال
    النمو الكامل للوظائف بأنها نهاية لعملية الإنضاج ، ويمكن أن يعكس التعبير
    عن مختلف أنواع نضج الإنجاز مثل: النضج الجنسي ،و النضج العقلي ، النضج
    الانفعالي ، النضج الاجتماعي .... الخ .
    وحين يمكن تعريف بعضها بشكل منطقي دقيق مثل النضج الجنسي فإن الغالبية يتصعب الأمر فيها
    وتلعب
    عملية التعلم ، وهي التغيرات التي ترجع في جوهرها إلى دور، و تأثير
    الظروف البيئية (الخبرة او الممارسة والتدريب) من حيث تأثير عوامل البيئة
    في التنشئة و الثقافة السائدة ونمط الحياة الاقتصادية(زراعي بدائي او
    صناعي) ريف أو حضر . فما يكون طائشاً مرفوضاً في هذه البيئة قد يجد فهماً
    وقبولا و إعجابا أكثر في بيئة أخرى.
    لهذا
    تشير بعض الدراسات السيكولوجية (إنانييف 1968،الان سارتون1987) إلى أن
    هناك فروقا في النضج التخصصي بين المشتغلين في العلوم الطبيعية ، والعلوم
    الإنسانية، حيث يكون النضج في حقل الاختصاص مبكراً لدى علماء الرياضيات،
    والفيزياء والكيمياء، والتي تقدره تلك المراجع بأنه يكون ما بين السنوات 27
    – 29 سنة من سنوات عمر أولئك الإختصاصيين، في حين يصل النضج الاختصاصي
    (المهني) لدى المشتغلين ، أو المتعاطين في العلوم الإنسانية ما بين السنوات
    30 – 45 سنة.
    على
    أن تلك القاعدة لا تعني عدم وجود إستثناءات، وخصوصاً في العلوم الإنسانية،
    ففي الأدب العالمي نجد أسماء لمعت مبكراً في حياتها من حيث قدرتها على
    العطاء ، والإنتاج الأدبي العظيم أمثال الأدباء الروس (بوشكين، ليرمنتوف،
    مايكوفسك)،و الانجليزي أوسكار وايلد، الفرنسي رامبو والاسباني لوركا.
    وعربياً
    ويمنياً كانت العطاءات المبكرة في مسيرة حياة بيرم التونسي، سيد درويش،و
    محمد عبد الولي نموذجاً تاريخياً لجيل الشباب المبدع في الأدب العربي
    والداعي إلى الاستيقاظ والتحرر من عصور العبودية، والاستعمار.
    من كل ما تقدم نوجز بأن في قراءة سيرة حياة البرفسور حبيب سروري تأكيد لمضمون ما أفادتنا به تلك الدراسات في علم نفس الشخصية.
    فسيرة
    حياة البرفسور حبيب المنشورة عبر الانتيرنيت على الموقع www.abdurab.free
    تفيدنا بان حبيب المولود في عدن عام 1956 قد دشن حياته الاختصاصية المهنية
    بحصوله على الماجستير بامتياز في الرياضيات التطبيقية(قسم الكمبيوتر )1983
    من جامعة روان الفرنسية ( أي وعمره 27 سنه) وهو ما مكنه نيل لقب البرفسور
    (الاستاذية) في تدريس علوم الكمبيوتر بقسم الهندسة الرياضية في المعهد
    القومي للعلوم التطبيقية بجامعة روان الفرنسية عام 1992 أي عن عمر يناهز 36
    سنة وأستحق بذلك تكريماً مبكراً عالياُ، كونه من الاساتذة الشباب الذين
    يصلون إلى هذه المواقع وفي سن مبكر. علماً بأنه قد حصل على لقب
    الدكتوراة(Ph.D )في عام 1987وعمره 31.عاما
    نشر
    روايته الأولى"الملكة المغدورة" عام 1998 وعمره أنذاك 42 عاما،
    وجاءت رواية دملان والتي صدرت في عام 2004 وعمره حينئد 48 عاما وهي ما
    يمكن أن نعتبرها بحق قمة عطاءه الإبداعي حتى الأن وواحدة من أهم الروايات –
    على قلتها في الأدب اليمني – والتي تمثل سجل توثيق لحياة مرحلة تاريخية في
    مسيرة الانسان اليمني المعاصر.
    تفيدنا
    قراءات السير الذاتية لحياة الأدباء والعلماء من المشاهير في مختلف العصور
    بتنوع إهتماماتهم إلى درجة شيوع شهرتهم من خلال تغير إختصاصات، ومجالات
    نشاطهم سواء المهني أو الذهني. أخفق البعض منهم ووفق آخرون في محاولة تبديل
    تلك الأدوار. ربما هي صفة إنسانية بحتة تعكس غريزة حب المعرفة، التي تجعل
    الإنسان في حراك دائم للبحث عن الحقيقة لما يجري من حوله يخفق كثيرون ويصيب
    قليلون وإن كان التطور التكنولوجي منذ النصف الثاني من القرن العشرين قد
    ساعد كثيراً في تسارع عجلة تحقيق الإكتشافات والإبتكارات مما سهل في تدقيق
    الوصول إلى مايصبو إليه.
    فلقد
    عرف عن الأديب الالماني (جوته) جهوده الحثيثة لدراسة قوانين فيزياء الضوء
    وتوزعه من خلال طيف الالوان في المنشور الزجاجي ، إلا أن الحقيقة النهائية
    في محصلة جهوده تلك والتي وصل إليها شخصياً وعززها لديه بعض زملائه من كبار
    العلماء - أنذاك في العلوم – إلا أن ميدان عطائه وإبداعه الحقيقي ليكون
    فارسه اللامع، إنما هو الأدب. ذلك الحال كان مع الرسام الايطالي الشهير
    ليناردو دافينشي الذي عرفت عنه اهتماماته الكبيرة بعلم التشريح والهندسة
    الميكانيكية.
    من
    الجانب لآخر حاول بعض الأطباء والعلماء في العلوم الطبيعية الخوض في
    الأدب وكتابة الروايات والشعر ولكن ذيوع شهرتهم المهنية وعطاءاتهم في حقل
    الاختصاص دثرت تلك الجهود (كما كان الحال مع الطبيب النفسي النمساوي
    (سيجموند فرويد) الذي أشتهر بالتحليل النفسي، أو العالم الفيزيولوجي
    الأمريكي سكنر الذي أشتهر بتطبيقاته لنظريات التعلم السلوكية وغيرهم كثر).
    على أن آخرين كان لهم حظ أوفر، بل والبعض منهم فاقت شهرته وعطاؤه في الأدب عنه في مجال اختصاصه.
    ولعلنا
    نذكر على سبيل المثال لا الحصر هنا من جيل المشاهير في القرن العشرين
    الطبيب الروسي تشيخوف ، والطبيب الفرنسي البير كاميه، والطبيب المصري يوسف
    إدريس إن كل أولئك معروفون عالمياً وعربياً بفضل روائعهم الأدبية
    والإنسانية المتميزة.
    وأعتقد
    – إن ما جاز لي قوله – بأن البرفسور حبيب سروري يمكن أن يمثل إضافة يمنية
    جديدة ضمن قائمة القرن الواحد والعشرين من خلال روايته الأخيرة دملان.
    فقد
    أصبح لدينا مهندساً وأديباً يمنياً يحق لنا أن نفتخر بكليهما في وقت واحد ،
    ولشخص واحد،و الأكثر مبعثة للإفتخار هو تفوقه في خاصيتين: الأولى قدرته
    على الاحتفاظ ، والتواصل لنشاطه الذهني في مجالين متآزرين في نشاطهما
    العصبي المركزي لشقي الدماغ :الشق الايسر، والذي يعبر عنه من خلال اهتمامه
    بهندسة الحاسوب كنشاط في العلوم الطبيعية ذات خاصية اكثر تجريدية من حيث
    التعامل مع الرموز، والأرقام ،و الشق الأيمن من الدماغ الذي يعبر عنه من
    خلال اهتمامه بادب الروايةكنشاط في العلوم الانسانية اعتمد على توظيف اللغة
    ، الحروف ، والكلمات للتعبير عن المشاعر ، والذكريات بنسقها الزماني
    ،المكاني والانساني المتعدد الأبعاد) ، الخاصية الثانية أنه استطاع ان
    يتجاوزحدود الثقافات – عبر ثقافي- حيث انعكس ذلك في ان فرنسا شكلت بيئة
    وفرصة الإنطلاق والعطاء ، والاختصاصية المهنية في علوم الهندسة الحاسوبية،
    وبالتالي بيئة وفرصة مشجعة على تحقيق،و تطوير، تأكيد الذات في الاتجاه
    الإيجابي المبدع لصياغة شخصية حبيب.
    وبهذا
    أدراك حبيب بحسه ربما الفطري، بمنشائه وتكوينه السيكولوجي، والاجتماعي
    المرتبط بمسقط رأسه أن بيئة وفرصة الانطلاقة الابداعية في مجال الأدب
    والرواية تحديداً سيكون أكثر حظاً توفيقاً، وإزدهاراً، واستمرارية من خلال
    لغته العربية تصويراً وتوثيقاً لبيئته اليمنية بحلوها ومرها، سلباً
    وإيجاباً، فرحاً وحزناً، إعجاباً وكرهاً، استذكاراً أو نسياناًً.
    إن
    في استرجاع تناول كل ذلك بلغته وفي وسط قومه خلافا لما هو هناك في فرنسا
    إنما يحقق ذاته أكثر من خلال حالة التفاعل المتبادلة مع أبناء وطنه، سواء
    كانت سلبية أم أيجابية ، قبولاً أو رفضاً اليوم أو غداً.
    نجح
    البرفسور حبيب في دملان بجعلها نقساً إطاراً شاملاً لسيرته، و الكثير من
    أبناء جيله ،والأجيال المقاربة لسنه (سيجد الكثيرون ممن يحاكونه في الذكاء
    والشخصية أن الرواية تذكير ، حنين ، لواحدة من أجمل محطات العمرلحياتهم
    الشخصية – وجدت نفسي في كثير من صورها وأحداثها ).
    ثانيا : دملان موسوعة في رواية
    سأتناول
    وبشكل مقتضب هنا , مكتفيا بالإشارة الدالة المرجعية لحجم المعلوماتية،
    والعرض الموسوعي للرواية وفقا لما سمحت به لي قراءتي المتواضعة والسريعة من
    التركيز عليه بالفرز، والرصد فيما اجتهد المؤلف (البرو فسور حبيب ) من
    سرده للكثير من المعلومات متعددة الموضوعات: ثقافية , فنية , علمية,
    اجتماعية , جغرافية,... الخ .
    لقدعكست ثقافة ،وسعة اطلاعه، ودقة طرحه وهو بحق ما يكسب الرواية صفة الموسوعية التي أبداها بالتسلسل التالي:
    1. المعلومات الجغرافية :
    في
    الصفحات ألأولى من الرواية نجد معلومات جغرافية حيت يعرفنا بأن " لودو
    لاجيري- أحد أهم قمم جبال الهملايا الأربعة عشر" وإن " جبال الإفرست ترتفع
    نحو 90 كم عن سطح البحر" (ص-13).
    2. معلومات عن علم الحيوان :
    ( إلياك حيوان مجتر , يسمى الغطاس، أو القوقاس، أو الحشتاء (ص-14)
    3. المعلومات النباتية :

    يعرفنا المؤلف عن بعض نباتات المناطق الاستوائية من" أشجار البهارات
    الزكية مثل القرنفل ,الزنجبيل ,القرفة, الهيل , الفلفل , الكمون، والنارجيل
    ،والاناناس" (ص-17)
    4. المعلومات الانتربولوجيه(علم الإنسان)

    :


    يفيدنا

    بان " مهد البشرية .. منذ ثلاثة مليون سنة في وادي اولدوناي ,السيد زينجان
    تربوس بوساي , أقدم إنسان وجد هيكله حتى آلان ... في متحف نيروبي" (ص-23)
    "قبائل
    الماساي التي تعيش على نفس هذا المنوال منذ قرون بعيدة ...تمارس وحدها ذلك
    النمط من الحياة حيث تقتصر مهمة رجل الماساي فيها على اختيار موقع بناء
    قرية محصنة له، ولنسائه وأطفاله , فيما يقمن هن بما تبقى من العمل .."
    (ص-37)
    5. المعلومات الفلكية :
    "أحد أعوام البروج... "عام الثعبان" الذي يتبع "عام التنين " في بروج الصين" (ص-33)
    6. المعلومات الصيدلانية :
    "النامس .. .. لا تفيد ضده أقراص عقاقير النيفاكين ولاالبالورين ولا حتى اللاريام" (ص-33)
    7. المعلومات الرياضية (تسلق جبال) :

    "جورج مالوري الرحالة الانجليزي ورفيقه- ، اندرو ايرفاين
    توفيا في عام 1924 بسبب أعاصير الهملايا العاتية، بعد وصولهما المحتمل الى
    قمة الافرست"...وان " الرحالة النيوزيلندي ادموند هيلاري، ورفيقه النيبالي
    تنزنج سربا ( ..اول من وضع قدميهما فوق راس العالم في عام 1953)" (ص-19)
    Cool معلومات في السياسية ، الفن ، الادب:

    نقتطف بشيْ من الإيجاز اسماء لامعة في السياسة ،
    العلم والفن مثل : جيفارا ، اينشاتين , ميتران (ص-54) دالي بيكاسو ,تشاجال
    (ص-284) أدباء وفلاسفة عرب مثل أحلام مستغانمي ، اودنيس ، صنع الله
    إبراهيم ,عبدالرحمن منيف , علي المقري , محمد شكري ,غادة السمان , صادق
    جلال العظم , توفيق الحكيم( ص-433) ممثلين :الفس برسلي ، أحمد رمزي (ص-54) .
    أفلام القمة في السبعينات عربيا، وعالميا ,عاطفيا، وسياسيا مثل : آبى فوق
    الشجرة لنادية لطفي وعبد الحليم حافظ (ص –52) ،"أحلام الملوك " لاأنتوني
    كوين , وفلم "Z" الذي أخرجه كوستا جافراس ، الفلم الراقص " البال" لمخرجه
    الأيطالي اتورسكولا (ص-55)
    - كذلك التعريف بمؤسسات يمنية كمؤسسة العفيف الثقافية، وموسوعتها "الموسوعة اليمنية " (ص-38)
    9. معلومات عن أطباق المأكولات :

    حظيت بالذكرأنواع المأكولات كالمأكولات اليمنية
    مثل : " شفوت ,كبسة , بنت الصحن , صفائح الخبز الرطب على طريقة مطاعم
    المخبازة . فطائر المقصقص ,شاهي عدن بالحليب ،والهيل والجوز" (ص-40) واخرى
    غيرها .. " تتكون من شرائح العصافير المقلية ,الموضوعة على قطيفة من مربى
    التين الذي تتخلله خيوط من زيت الزيتون . تبل الطبق ب"كشمبر" خاص : نتف من
    "السيبوليت" ( نوع لذيذ راق من (الكرات الرفيع) أضفى عليه مذاقا هجميا
    لذيذا ، تناولناه مع شرائح مشوية من الخبز المرصع بلب الجوز ( القعقع ) ،
    رافق ذلك طبق ساخن شهي من نفس ذلك الخبز المشوي المفروش بقطائف من جبن "
    ازرق مدينة بريس" (بلو دي بريس) الفرنسي ... رافق الأطباق كأس مثلج من
    عصائر المشمش الثخين الطازج , وكأس شاهي عدني ملبن فني الإعداد يفتح النفس
    من الصباح الباكر" (ص-442)
    10. المعلومات الموسيقية:

    يعرفنا الكاتب بتاريخ المؤسيقى الاكترونية :" انطلقت بدايات الموسيقى
    الإلكترونية،..، من المصانع المهجورة في مدينة ديترويت في امريكا في عام
    1989 لترج اصداؤها في اوربا التي كانت ميدان انطلاقتها الكبرى" (ص-342)،
    كذلك يعرفنا ببعض انواع الموسيقى مثل: " الجاز , بلوز , روك"
    (ص-346)
    11 . معلومات عن السيارات :

    يتعلق بعض الناس بهواية اقتناء السيارات التي تعبر عن نزعة للحركة
    ،والانتقال والارتباط بالتكنولوجيا، والآلات من جانب، وتعكس في نفس الوقت
    درجة من الانتماء الطبقي الراقي . " كانت سيارة أرستقراطية مكشوفة السقف
    ,من طراز ( فورد موستنج 1964) التي أعيد خلقها مؤخرا تحت رغبة الأثرياء،
    والفنانين من هواة تجميع السيارات ال"ريترو" النادرة.(ص-442)
    12. الثقافة الدينية :

    قراءة السيرة الذاتية للبرفسور حبيب تعطينا فكرة جلية عن منشاه الديني
    فهو من أسرة ترجع أصولها إلى ما يعرف بالسادة الذي يقال بأنهم ينتمون إلى
    "آل البيت" ،الذي سنجده مسكونا بالهاجس الديني، وتطرزت سطور رواية دملان
    منذ صفحاتها الاولى حتى نهايتها بتلك التعابير، والإيحاءات الدينية من
    تاملية ، وتفلسف صوفي الى الانتقادات في بعض الأحيان لظاهرة الاغتراب ،
    والتسيس الديني في الحياة اليومية المعاصرة من وجهة نظر السلفيين (ص:
    437،434،372،368،366،361،348،70،،،48،39،21،10) .
    13. ثقافة البحث العلمي :

    تظهر بصمات الخصوصية المهنية للمؤلف كمشتغل بالبحث العلمي حيث انعكست بشكل
    واضح في الرواية " كان حينها وسط اجتماع سنوي لمسؤلي فرق الأبحاث في
    مختبره العلمي التابع للمركز الوطني للابحاث . يناقش الاجتماع ميزانية المختبر, ويوزع ملايين الفرنكات على الفرق حسب مهاراتها في عرض وتبرير مشاريعها واحتياجاتها .

    وهناك بالطبع جوانب عديدة في الرواية أردت أن أعطيها حقها المستفيض من
    التناول، والاستعراض لأنها في رأيي تمثل لب الرواية، ومحوراً رئيساً في
    تحليل شخصية المؤلف ، وتنشئته الاجتماعية . من محاولة قوننة فيزيائية النص
    الادبي الى توظيف مصطلحات الكمبيوتر في قوالب النص الروائي .
    ثقافة الحاسوب ( كمبيوتر) :
    إن
    التوظيف المهني في الأدب يعكس ماأشرنا إليه فيما تقدم عن خصوصية التمييز
    الابداعي للبرفسور حبيب سروري في نشاطه الذهني المعرفي ، والعاطفي ، أو كما
    عبر الطبيب والأديب الروسي الشهير انطوين تشيخوف : أن الطب زوجتي والأدب
    معشوقتي ، حيت انغمس نص الرواية وتشبع كليا بثقافة المصطلحات الحاسوبية
    وجاء توظيف تلك المصطلحات بتناسق زمني واحد مع خط المسار العمري للمؤلف في
    مراحل دراسته الجامعية ، وتحديدا العليا منها ، فهو يعرفنا بتاريخ إنشاء
    مختبرات الكمبيوتر، وتطور أنظمتها ( ميكرال ) ، وسيكولوجية العلماء
    المؤسسين لها آنذاك ( ص-244,254)
    - الذكاء اصطناعي شبكة معان ومدلولات (ص-256)
    - متعدد الوسائط (ص-257) , فورتران وبسكال (ص-258) ، س. د. رومات (ص-262)
    - النموذج MODEL وما وراء النموذجي ( META-MODEL) (ص-268) , ولوحة المفاتيح (ص-351)
    ثالثا: حــبيـــب سـروري المســـــــكــــــــون بعـــــــــــــــــدن
    أعطي
    علم النفس الكثير من الاهتمام لعلمية الإدراك ) Perception ) ،كونها عملية
    عقلية معرفية تفسر المثيرات، و المعلومات المحسوسة الواردة من البيئة إلى
    الدماغ ليحولها إلى خبرة إنسانية مخزونة في الذاكرة ، وستكون عملية
    استرجاعها مرهونة – كما يفيدنا تراث البحث في العلوم النفسية – بعوامل
    الزمن – المكان ، الدافعية والانفعالية .
    والتي
    تلعب عملية التنشئة الاجتماعية دوراً مهماً ، وفاعلاً في تنمية القدرات ، و
    المهارات الأدراكية ، وبالمثل حفظها وفقاً لخصائص النمو العمرية( بالطبع
    للوراثة بصمتها الأساسية في الخلق النوعي للمادة الإنسانية ) .
    إن
    إدراك المكان ، و الزمان والأشخاص ليس فقط محصلة نمائية للشخصية ،
    وتطورها ولكنها أيضاً عملية تأكيد الهوية ، و الانتماء ، و الارتباط
    بالماضي و بالحاضر و بالمستقبل للعالم .
    ولهذا
    نجد دوما أن المواقع المكانية أبرز الأستهدافات في حالات الحروب
    والصراعات، والتنازعات ، من خلال تغير المعالم ، فتغير هوية المكان يعني
    تغير الوظيفة وبالتالي يفضي إلى تغير الأنماط السلوكية ، والعلاقات تباعاً
    ( سلباً ، كانت أم إيجاباً . . على أن التفسير السلوكي يخبرنا أن شدة
    التغيرات وقسوتها تخل دوماً بدرجة تكيف الإنسان ) وبتحليل نفسي أعمق
    يعتبر مؤشراً خطيراً لدرجة الصحة والاضطراب للإنسان .
    وفي
    رواية حبيب سروري المتميزة ( دملان ) تنعكس بوضح تلك الخصائص الأدراكية
    الانطباعية الشخصية في الرواية، والتي سنحاول أن نشير إلى بعض من جوانبها
    لمحدودية الحيز هنا .
    ففي
    دملان ترتسم لنا معالم المدينة (عدن )، وشخوصها، وعبق لهجتها العدنية
    المدللة . وسأحاول هنا أن ارصد ذلك من منظور كمي أكثر منه نوعي في تناول كم
    الاستحواذ عند حبيب نحو هذه المدينة الباسلة ، المنحوسة ، الجميلة ،
    البائسة .
    عشق المكان في عدن :
    كما
    القاهرة معشوقة نجيب محفوظ ، وسانبطر سبورج عند ديسكوفسكي ، هاهي عدن كذلك
    عند حبيب سروري في دملان تتسلسل ، معالم الجغرافية ، الطبيعة منها
    والعمرانية المدنية من بداية الرواية حتى منتهاها من صيدلية سقراط ، ومكتبة
    المعري في ص-7، حتى كلية الاقتصاد بجامعة عدن ص459،و هي بداية ونهاية – قد
    تكون صدفة – تعكس فيما تعكسه من لا وعي الراوي ،ووزن العلم والثقافة ،
    وازدهار المدنية والحضرية فيها ولسكانها ،بأبعداها المتعددة التكوينات بأفق
    رحب وعالمي، (سقراط ) وقومي عربي ( المعري)ووطني محلي (جامعة عدن ) وهكذا
    يجد القارئ حنيناًوأرتباطاً روحياً ومكانيا مع الواقع المشار إليه في
    الرواية لمدينة عدن وخصوصاً أولئك الذين ولدوا ،تربوا وتعلموا ، وعاشوا
    وعانوا ،عشقوا وتعذبوا ، فرحوا وحزنوا في معظم الأوقات من سيرة حياتهم
    داخل هذه المدينة . وتلك عملية نفسية طبيعية تعكس روح الانتماء، والتعلق
    العاطفي المقرون وفقاً للتحليل النفسي عند فرويد بالدفء، والتشبع العاطفي
    الأسري ، و الأمومي تحديداً .
    وبمرور
    سريع لصفحات الرواية – يشعرك المؤلف بمدى الحنين، والمعاناة التوثيقية
    الأغترابية لصور مواقع معالم عدن المحفورة في الذاكرة بنكهة خاصة لكل موقع
    سواء ماتلاشى منها اوبقى مثل: مطار عدن –ص11،شارع المعلا الرئيسي –ص27، زريبة كباش السيلة(تلاشت)
    –ص32،مسجد دغبوس -98" جولدمور – ص57، سينما بلقيس وشيناز –ص55،
    السيسبان((تلاشت –ص62، (مرقص شيناز((تلاشى –ص196، " مدينة الشعب " و"
    البريقة –ص80)، " السيلرس كلوب " ، نادي البحارة –ص113) ، ( " "شواطىء جو
    لدمور في عدن ، . . . شاطئ خليج الفيل ،. . . صخرة " خرطوم الفيل " قرب "
    النادي اليمني ،. . . ساحل العشاق _ص268) ساحل معاشيق ، . . . ساحل أبين . .
    ، ساحل الغدير . . ، . . المطعم الصيني شينج سينج ،جولة خور مكسر ، جبل
    حديد ، - أطراف خور مكسر . . . ، فندق عدن ، . . . الطريق البحري الذي
    يتوجه نحو الشيخ عثمان ، . . . من جبل صيرة وميناءه الميثولوجي الصغير-
    ص:295) –" شعب العيد روس " بحي كريتر ،حافة حسين في كريتر – ص411)
    أدراك الشخوص :
    بقدر
    ما الرواية سيرة ذاتية لحبيب فإنها أيضاً لمدينة عدن مسقط رأسه يتحاكى في
    ذلك من خلال تتبع أسماء شخوصها الحقيقية التي تعمد المؤلف التركيز فيها
    لصفاتهم الشخصيته الروحانية الأبوية، والبسيطة : لكمال الديني محمد – ص5 )،
    ألاستاذ نجيب ص7والذي تكرر حتى الصفحة الأخيرة من الرواية (ص459) ليعكس
    ذلك البعد الروحي ، والتربوي الذي غرسة فيه ، الحاج الرديني ص7، . . الحاج
    عبدالله مسعود البيضاني ص48( الشيخين الباحميش والبيحاني . . ، . . الشيخ
    قاسم ، . . الشيخين عبدالرحمن الشرماني وعبد الرب السروري . ص50) ، (
    الأستاذ عبد العزيز ابراهيم – ص112).
    كلمات وتعبيرات عدنية :
    اللغة
    هي وسيلة الإتصال، واللهجات دالة على الخصوصية لهوية الأرتباط المكاني (
    فيزيائية المكان كدرجة الحرارة ،الضغط الجوي ، كمية الأكسجين ، الإرتفاع عن
    سطح البحر – لها ثأثير على نبرات الصوت ،و الأداء الوظائفي للاعضاء
    التشريحية للكلام (لحبال الصوتية ،، حركة اللسان . . . الخ) .
    إن
    التطور اللغوي، واهتمام حبيب سروري باللغة ، نستدل عليه بوضوح سواء من
    تراكمية خبرته ، والتزامه بتطويرها من الإرهاصات الشعرية، أو بتعقيدات
    مزجها من الإبداع الأدبي إلى تقنييناتها الرياضية الحاسوبية في أطروحته
    للدكتوراة وحتى أجزاء من رواية دملان ، على أنني سأكتفي هنا فقط – حتى لا
    أشتت ذهني القارىء في تعقيدات منهجية التحليل – بالتركيز على تلك التعبيرات
    التي وصفتها بالعدنية ، لشيوع استخدامها في عدن باعتبارها ( قاموس لهجات،
    من جانب، ومن جانب آخر مؤشر لغوي إدراكي ، وثيق الارتباط بالزمن ،والمكان
    وأناسه ، والتي يمكن تناوله بتفصيل أكبر في وقت آخر من حيث مفاهيم تلك
    التعبيرات سلوكياً و انفعالياً لأنماط الشخصية مثل:
    "
    مبطوحاً ، تصردنت " ، ص8 (" تتقارح- ص9) ، " التوسيح " ، " المايسترو " ، "
    الجنتلمان – ص10) " المطعفرة – ص22) ، ( ترهيطاً – " النقرة – ص12) ، (
    بعسساته . . ص49) ، ( حنب " " التنخير" – ص50 ) ، (" شخطت "ص51) ، ( "
    خبابير " ص60) ، ( " سأقرمطها "- ص63) ( " يتبرطع " ص73، (قراطيس لبن ،-ص60
    الكركسة " ) ، " طفرة " –ص144)(" من حلقك إلى ربك " – ص145)، ( "أنمر "-
    ص148) ، ( الشاهي - السلالي "- ص151) ( "أتفحرر" –ص152) (" بضاعة مليح
    "-ص152) ، ( " عيش وملح " ، " أتدجدج " ، " يكتكت" –ص157) ، ( " أعكر بهم"
    –ص160) ( الضريب واللاصي "-ص167)،( "كردفت " –ص177) ، (" الصانونة"
    –ص179)، ( درة ميزان – ص195)، ( " الكيرم " ، " البوتر " ، " الأستريجل " ،
    - ص242) ، (" ربشة "- ص267) ،" جعثونه " –ص285) ، ( قرح أحد الفيوزات "-
    ص291) ، ( " كتكوتات "-ص301) ، (" تبنشر"-ص306) ، ( كدافته ، . . " دبل نص "
    –ص312) ، ( مكرضحة – ص320) ، ( ملججاً – ص327)، أردع رأسي – ص343) ،
    ("معيط " ، عراب صرور-ص312) ، (" أشقلبها " ، أنا أفدي قلبك " –ص348) ، (
    "أهاطش "-ص749) ، ( " عردود " –ص373) ، ( تختضل ، كدافات –ص375) ،(حنجلاته
    . . . ،. . صفطة . . " طحي " . . ، . . أبحرر ، أزرزر وجهي ، تكبرعيوني
    وتحمر وتزرق " –ص383) ( أمرط- 385) ، ( العمبصة – ص387) ، ( "نحش" –ص388)، (
    أشترغ – ص391) ، ( السلبطة – ألأكواد – ص398) ، ( ينقفون –ص487) . (
    كعفتموني ، . . أطحس " – ص460) .



    رابعا : الـمـرأة والجنـــس في روايـــة دمـــــــــــــــلان
    استحوذت
    قضيِِِِِِِِةِِ المرأة والجنس في نص الرواية الحيز الأكبر حتى ليخال
    للقارئ بأنها رواية جنسية مكسوة بالهم السياسي، والاجتماعي ،والعكس صحيح
    أيضاً – وهذه سنة طبيعية شائعة في الحياة يتمثلها لنا النشاط المعرفي
    الإنساني في مختلف صنوفه الإبداعية ( أدب ، فنون ..الخ )، فكتابات مشاهير
    الأدب العالمي الروائي ( ليرمنتوف ، ديستوفسكي ، بونين ، ، بلزاك ، نيكوس
    كونستزاكي ، ألبرتومورافيا، هنري ميلر ، جبرائيل غارسيا ماركيز ..ألخ )
    حظيت بقدر كبير من تلك الرابطة الثنائية بين الجنس، والسياسة ، وإن كانت
    الحرية التعبيرية ،والوضعية للحياة الجنسية إلى حد الإباحية في بعض تلك
    الأعمال الأدبية الأوربية .
    و
    نجد الكثير من التناول والاهتمام بقضايا المرأة والجنس والسياسة في أعمال
    مشاهير الأدب الروائي العربي ( نجيب محفوظ ، حنا مينا ، الطيب صالح ، غالب
    هلسا ...الخ .
    في
    الآداب الروائي اليمني – رغم ضآلة حجمه ،وتواضعه الجم كمنعكس منطقي،
    وطبيعي لانغلاق، وتدني مستوى النمو الاقتصادي ، الاجتماعي، والثقافي
    والروحي ، والسياسي ، إلا أننا نتذكران هناك إسهامات إبداعية ظهرت في
    السنوات الأولى لمراحل الأنعتاق ، والتحرر، والانطلاق للأنسان اليمني في
    ستينيات القرن الماضي والتي مثلت فيها أعمال الأديب محمد أحمد عبد الولي
    الإرهاصات الأولى ، ومازالت حتى اليوم- من جهة نظري - بلا منافس في مستوى
    الأداء كماً ونوعاً .( مقارنة بمسيرة حياته الزمنية ، والإبداعية الأدبية ،
    ناهيك عن ظروف البيئة المحيطة آنذاك ) .
    لكنني
    هنا لست بصدد استعراض المراجعة النقدية الأدبية للرواية اليمنية وإنما
    وجدتها مدخلاً للمقارنة التاريخية مع ما أود أن أتناوله بقدر من الإيجاز
    كقراءة سيكولوجية لنص الرواية ( دملان ) الإبداعية المتميزة للبر فسور
    الجامعي المهندس ، والأديب الفرنسي الجنسية اليمني – العدني المولد والمنشأ
    الدكتور حبيب عبد الرب سروري .
    عقدة أوديب:
    في
    قراءة مسحية للرواية نجد المؤلف كجزء من أسلوب السيرة الذاتية حيث يشدنا
    بعرضه لتجربته الشخصية المبكرة مع المرأة التي تلعب فيها الأم منذ البداية
    وحتى النهاية ضابط الإيقاع وفقاً للتحليل النفيس في فهم دين، وتغير اميكية
    السلوك الشعوري منه ، أو اللاشعوري ( الظاهر منه أو الخفي ) في العلاقة مع
    المرأة والجنس منذ الطفولة وحتى الرشد .
    فمن
    مطلع الرواية ( ص –Cool يأتي تسأله : "( أليست هي - يقصد أمه – سبباً في ذلك
    إلى حد ما ؟ ألم تقف حجرة عثرة أمام أول عشق ذق بابي ؟ المفارقة التي
    تزعجني قليلاً هي أنها هي التي قررت أن أسمي : ((وجدان )) في حين كان والدي
    يريد أسمي : محمود لعلها أرادت فقط أن يكون أسمي وجدان ، على نفس إيقاع
    أبي : قحطان ,... "
    ومن
    ص (61) نجده يجتر من شريط العمر أكثر وضوحاً وتحديداً لمواقفه من الأم : "
    تجاوزت العشرين من العمر ولم أسمع فيه صوتاً أنثوياً يناجيني . لم يعرف
    مسمعي غير صوت أمي التي صارت تراقب حركاتي وسكاناتي أكثر من قبل . تلاحقني
    بنظرها خوفاً من شئ أجهله ."

    وحتى
    الصفحات ما قبل الأخيرة للرواية (من 399- 400) يعزز المؤلف التفسير .
    الفرويدي . حينما ينحسر منحى العقدة النفسية الأوديبية لتقادم السن ،
    الموقف السلوكي ، إلا أن روح السيطرة الأمومية تظل باقية وإن خفتت ردت
    الفعل تجاهها – نظير التعويضية التي حققها في مسيرة حياته .
    -
    إن ذلك التساؤل الذي جاء في مطلع الرواية ، و ما بعدها من تناولات مشار
    إليها كواحدة من أهم محاور الاهتمام في المنطلقات النظرية والتطبيقية
    لمدرسة التحليل النفسي الفرويدية ، و التي عرفت بعقدة أوديب .
    وأستميح
    القراء عذراً هنا للإشارة الملخصة ، و التعريفية بهذا المصطلح الشائع في
    حقول العلوم السلوكية ( لعلم النفس والطب النفسي ) .
    وردت في قاموس علم النفس والتحليل النفسي للدكتور فرج عبد القادر وزملاءه بأن: عقدة أوديب ( Oedipus Complex )
    : هي جملة الرغبات الليبيدية ، والعدوانية التي يشعر بها الطفل تجاه
    والديه ويبلغ ذروته في الحقبة بين ثلاث وخمس سنوات ، فمنذ أن يرفع الستار
    عن الوليد لتتفاضل (الأنا) عن (الهو) ، وفصول المسرحية مستمرة انتقالاً من
    المرحلة الفمية إلى الشرجية ليبلغ الموقف ذروته في مركب أوديب في المرحلة
    القضيبية حيث قمة الصراع كنتائج لذلك الموقف الذي يمر به الطفل والذي نتج
    بالضرورة لطول اعتماده في طفولته على والديه لذا فهو يتميز بثنائية الوجدان
    Ambivalence نحو الوالد من نفس الجنس ، وعلاقة الحب الشبقي الحنون معاً
    بالوالد من الجنس الأخر ذلك التعلق الذي يتناوله الكبت Repression بسبب
    الصراع الناشئ من اصطدام هذا التعلق بمشاعر الحب ، والكراهية والخوف الذي
    يشعر به الطفل تجاه الوالد من نفس الجنس ، وهو ما أسماه فرويد بـ (عقدة
    أوديب الإيجابية ) ولقد أطلق عليه هذا الاسم لأن مضمونه الجوهري موجود في
    تلك الأسطورة اليونانية التي حفظها سوفوكليس من الاندثار في تراجيديتة
    الموسومة ( أوديب ملكاً ) ، وفيها يقتل أوديب أباه ( لايوس ) ملك طيبـة ،
    ويتزوج مـن أمه ( جيوكستا ) ويتبـوأ عـرش طيبـة



    (
    دون أن يعلم حقيقة ما فعل ) وهنا تجدر الإشارة إلى ما يذكره فرويد عن ذلك
    التحريف في الصياغة الشعورية للأسطورة ونعني به جهل أوديب بفعلته الذي لم
    يكن غير تصوير مشروع لحالة اللاشعور التي تنتهي إليها هذه الخبرة المأساوية
    لدى الطفل .



    وعقدة
    أوديب – بهذا المعنى – يعد مصدراً من أهم مصادر الإحساس بالذنب الذي يلف
    المرضى النفسيين في غالب أحوالهم بقدر ما هو المصدر الأساسي للأخلاق . ومن
    المعروف أنه تحت تأثير عقدة أوديب والموقف الأدويبى عامة وفي علاقة وثيقة
    به ينشأ الخوف من الخصاء ( انظر عقدة الخصاء ادناه ) .



    ولقد
    تحدث فرويد أيضاً عن عقدة أوديب السالبه عندما يحل التعلق العشقي محل تلك
    المشاعر العدوانية التي يستشعرها الطفل تجاه والده من نفس الجنس ، وإن دلته
    الخبرة التحليلية النفسية كما يقرر بنفسه في كتابه (الأنا و الهو ) (
    1923) ،



    على
    أن هذين الشكلين ليسا أكثر أشكال العقدة شيوعاً وإنما يمثلان تبسيطاً كاف
    فحسب من أجل الأغراض العلمية ، إذا أن الدراسة المتعمقة تكشف عادة عن عقدة
    أوديب الكاملة Complete Oedipus Complex والتي تتبدى في وجهين سالب وموجب
    وترجع إلى الثنائية الجنسية ((Bisexualityالموجودة أصلاً لدى الأطفال



    (
    ولدى الإنسان عامة ) من هنا يمكن القول بأن الصبي لا يتخذ اتجاهاً ثنائياً
    نحو أبيه ،وعلاقة بموضوع ذات طابع وجداني تجاه أمه ، وإنما يسلك في الآن
    نفسه سلوك فتاه مبدياً اتجاهاً أنثوياً ودوداً ناحية أبيه واتجاه الغيرة
    والعداء ناحية أمه ويرى فرويد أنه من الأفضل بوجه عام أن نفترض وجود عقدة
    أوديب الكاملة لدى الفرد بخاصة لدى العصابيين .






    عقدة الخصاء Castration Complex



    تحت تأثير الموقف الأوديبي ، وفي علاقة وثيقة به ينشأ الخوف من الخصاء .
    ذلك الخوف اللاشعوري من فقدان عضو التناسل عقاباً على ما يستشعره الطفل
    (الذكر) من دوافع ليبيدية تجاه موضوع محرم ، وتحت تأثير مركب الخصاء ،
    وحصر الخصاء Castration Anxiety حيث يعاني الطفل أقسى صدمة في حياته
    الباكرة وخاصة عبر تهديدات الأم التي تحاول أن تمنعه بطرق شتى من العبث
    بعضوه التناسلي وقد تعلن الأم أنها ستكمل تنفيذ تهديدها للأب ، إلا أن هذه
    التهديدات – كما يرى فرويد – لا تؤتي ثمارها إلا إذا تحقق شرط آخر قبلها أو
    بعدها نتيجة رؤية الطفل للأعضاء التناسلية الأنثوية ، أو اختلاسه النظر
    إليها مما يدرك معه نقصان ذلك الجزء القيم لديه ، فيصدق التهديدات التي
    سمعها ويقع تحت تأثير مركب الخصاء ، الأمر الذي يؤدي في النهاية لا ستدماجه
    للتحريم الذي يقع على المحارم من خلال توحده بالأب ، ومن ثم يتجه إلى حل
    الصراع الأوديبي .



    ولا شك أن آثار مركب الخصاء ( والذي انبعـث مـن تهـديدات واقـعية فـي علاقتهـا


    بالمتخيل
    ) لا تحصى فقد تؤثر في علاقة الصبي بوالديه ، ومن ثم بالرجال والنساء عامة
    إذ تتعرض الخبرة كلها لكبت Repression قوي يظل على أهبة الاستعداد لتعطيل
    النمو اللاحق للأنا بعد البلوغ .





    ·
    مدرسة التحليل النفسي تهتم كثيراً بدراسة مراحل الطفولة وتعتبر، أن
    حدوث العديد من الاضطرابات السلوكية في الشخصية لاحقاً ما هي إلا شكل
    تعبيري من أشكال المعاناة النفسية في مرحلة الطفولة ( كسوء المعاملة
    الجسدية ، النفسية ، الجنسية أو الإهمال ) .

    وفي
    هذه المرحلة تكون الأم صاحبة السيطرة ،السيادة الأقوى في المجتمعات
    المدنية ، وبعض التجمعات السكانية أوفي بعض أنماط الأسرة ذات النمطية
    الأمومية .

    إن
    هذا التفسير الديناميكي لسير السلوك من وجه النظر لفرويدية – كواحدة من
    أشهر مدارس العلوم السلوكية لدراسة الشخصية – تساعدنا كثيراً في فهم
    التصرفات السلوكية لبطل الرواية التي ربما – من وجهة نظري لعبت سعة ثقافية
    واهتمامات المؤلف بالعلوم الإنسانية ، ومنها المدرسة الفرويدية – الذائعة
    الصيت في فرنسا – لأن تلقي بظلالها على منهجية العرض السلوكي لشخوص
    الرواية.

    وهذا
    التناول لمنطلق التحليل النفسي لا يعني تمسكي المنهجي به وانما جزء من
    القراءة الشائعة للنص الادبي من منطلق تلك المنهجية رغم إن هناك مدرسة
    أخرى في علم النفس وهي المدرسة السلوكية (اتحمس لها كثيرا).



    هذه
    المدرسة تعتبر الآن من أكبر مدارس علم النفس نفوذاً وشيوعاً لانها تقدم
    تفسيراتها للسلوك الإنساني من منطلقات فيزيولوجية باعتباره استجابة تعلم
    للمثيرات البيئية- يديرها الذماغ البشري .



    وقد كان كلاسيكيوا هذه المدرسة ( العالم الروسي إيفان بافلوف والأمريكي جون وأطسن ) المكتشفان الأوائل لمفهوم التعلم ،


    وطوره
    لاحقا إتباعهما ( ثوارنديك، سكنر، إيزنك ،ولبى) وقرنوه بالعديد من
    المظاهر السلوكية السوية منها والمضطربة بمختلف أنواعها عن الإنسان وأكدو
    بأن الاضطراب السلوك سواء كان ( معرفيًا ، انفعالياً أو أدائياً – حركياً )
    فإن مرجعه كان لخبرات تعلم مكتسبة بشكل خاطئ ، من البيئة المحيطة وبشكل
    مستمر منذ الطفولة وحتى مراحل متقدمة من العمر .



    وهذا
    يعني من مقاربه قراءتنا السيكولوجية للنص الأدبي إن مظاهر الخواف من الجنس
    الأخرهي حساسية انفعالية وردود فعل و هي مسلكيات مكتسبة ( متعلم- شرطياً ،
    إدائياً ،معرفياً ) من البيئة . حيثماً يكون للأم ، الأب ( الأسرة ) هم
    الصف والمدرسة ، والمنهج الأول ، والاشد تاثيراً في البيئة .. مقابل
    محدودية وفقر المصادر ، والمثيرات التعليمية الذكية ، والمحفزة في الواقع
    المعاش .




    وعليه
    فيمكن القول أن مدرسة التحليل النفسي تفسر السلوك بتحيز وفقا للمعتقد
    الوراثي- الطبي ، وتصبغة بمصطلحات من الأسطورة الأغريقية القديمة – وهو ما
    يؤكد سعة الأطلاع في التاريخ ، والأدب ، والأنتربولوجيا ، والعلوم لرواد
    مدرسة التحليل النفسي من جانب ، ومن جانب آخر تعبر عن اللبس المنطقي لتطور
    العلم مطلع القرن العشرين ، ومحاولة وإن بلباقة التحول من الميتافيزيقيا
    إلى المادية – الموضوعية في البحث العلمي ، والتي تميزت بها بوضوح أكثر
    المدرسة السلوكية .



    وإنني لأرى انطلاقا من الأسس النظرية لكلا المدرستين أنهما مرجعية متعددة بتفسيرات متكاملة المنهجية للسلوك الإنساني .




    العشق ( التعلق الوجداني ) :




    يدرك
    القارئ مدى حساسية ، رهافة ، وجدانية ،وعاطفية شخصية المؤلف التي تمثلها
    ليس أبطال الرواية فحسب ( من منظور وصفهم الشخصي ، ولكن حتى من طبيعة
    تفاعلهم مع عنصر الزمان ، والمكان في حنين واضح ومكثف - ربما هو من وجهة
    نظري – أحد الأسباب الانفعالية المفرطة المؤثرة في توجهات المؤلف بنظرته
    السوداوية عن حياة شعب ، وأرض دملان .
    ( وهو وثيق الصلة في تفسير العديد من وجهات النظر لاحقاً لما طرحناه في معاناته للعقدة الأوديبية ) .
    على
    أنني هنا سأحاول بايجاز – تجنب القارئ الضيق من الإطالة في السرد والتفصيل
    – العبور على أهم المحطات التي أستوقفني أو لفت نظري لإربطها بقضايا العشق
    والتعلق الوجداني – ( وهي التعبير الأدق والمفضل من وجهة نظري عنه لمفهوم
    الحب - الأكثر عمومياً ،وغموضاً من حيث المعنى سواء التشريحي ، الوظائفي،
    البيولوجي و الاجتماعي ، والديني .
    أ‌- عشق المراهقة :
    في
    الفصل الخامس من الجزء الأول ( شارع دغبوس ) ( ص 61-119) يروى لنا حبيب
    سروري البداية لقصة عشقه المراهق مع سوسن وصدمة ، نكبة تعلقه الوجداني
    الأول، تلك الصدمة ، الشرخ في حياته العاطفية – كانت وفي عملية لا وعيه
    خافية لتراكم خبراته الوجدانية ، و العاطفية المخفقة عندما حيثما كانت أمه
    هي الصاعقة والزلزال المدمر لارهاصه العاطفي ، المراهق .
    لقد
    وفق حبيب كثيراً في سرد ، وتصوير تلك التجربة(لعقدة اوديب) بشكل جذاب،
    وبسيط مما يمنحها استحقاق الأصالة الإبداعية التصويرية للخبرات الحياتية
    الواقعية ، والمتكررة حتى اليوم.
    ب‌- عشق الشباب :[/u:2

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:02 pm