منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    عملية الكتابة عند المؤرخ منهجيا

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    عملية الكتابة عند المؤرخ منهجيا

    مُساهمة   في الأحد يوليو 29, 2012 2:01 pm

    [b]أن عملية الكتابة عند المؤرخ منهجيا ً ترتكز على ثلاثة عناصر:
    مادة تاريخية ترتبط بالمصادر ، تحتوي أساسا ً وقائع الماضي وحوادثه،
    وذهنية مؤرخ محترف تتقرر معالمها بعد الحصول على التدريب العلمي المتضمن
    تقرير قيمة الحقائق وفائدتها التي توفرت تحت تصرفه من مواردها ، التي لا
    يمكن ان تصبح تاريخا ً موضوعيا ً مقروءا ً بأفكار متماسكة ما لم يـُحمل
    مثلها بين اقرانه المؤرخين ، ثم طريقة تاريخية قائمة على اسس البحث العلمي
    يتمكن بواسطتها.

    من تحويل تلك الافكار الى تاريخ شيق . وأذا أردنا أن نعرج قليلا ً الى
    منهج البحث العلمي المتبع من قبل المؤرخين القدامى وماتركوه لنا من مصنفات
    تاريخية سوف نجدها زاخرة بالاخطاء ، وان مَرد هذه الاخطاء يعود الى اسباب
    عديدة ولعل في مقدمتها ، التحيز لرأي أو مذهب معين ، إذ ان المؤرخ الذي
    يؤيد رأيا ً لديه الاستعداد لقبول كل خبر من شأنه الاعلاء من هذا الرأي أو
    المذهب ، أو الحط من قيمة المذاهب والآراء المعارضة له ، وكذلك الثقة
    العمياء من قبل المؤرخ للناقلين للخبر ، فقد يعمد المؤرخ الى النقل من مؤرخ
    آخر يثق به فيأخذ الاخبار على علاتها من دون التثبت من دقة، وامانة ،
    وبالتالي بدون محاولة لتعديل الخبر او توجيه النظر الى مافيه من كذب او
    مبالغة ، وقد ينقل المؤرخ الخبر من مؤرخ آخر وهو لا يعرف القصد بما عاين
    او سمع ، فينقل الخبر على ما ظنه وضمنه فيقع في الكذب ، وكذلك يقع المؤرخ
    في الخطأ عندما يجهل تطبيق المبادىء العامة او الأحاطة الواسعة بشتى العلوم
    على الوقائع والاخبار الخاصه ، لذلك فهو لا يستطيع ان يعرف مدى صحتها او
    خطأها وفق هذه المبادىء ، فينقلها كما هي بلا تمحيص او تدقيق فيقع في الخطأ
    . اما الخطأ المزمن الذي رافق المؤرخ طوال العصور والذي أثر سلبيا ً على
    منهجية الكتابة التاريخية ، هو التزلف الى أصحاب المراتب والشأن ، حيث ان
    الناس قد درجوا على التقرب الى اصحاب المراتب طمعا بمال او شهرة ، فيتملقون
    بالمديح والثناء وهو في غير محله . ولتلافي هذه الاخطاء فقد وضع العديد
    من المفكرين في مجال البحث التاريخي منهجا ً علميا ً في البحث لتبيين ما
    يحتاج اليه الباحث المؤرخ والسُبل التي يجب عليه ان يسلكها حتى يقي نفسه
    من الزلل ، ويمكن تقسيم هذا المنهج الى قسمين :ـ أحدهما يشمل قواعد
    عامة والآخر على قواعد خاصة ، اما العامة فهي من مستلزمات المنهج ا لعلمي
    الاساسية في البحث وشروط لا بد من توفرها في الانتاج العلمي أذا أريد له
    الأصالة والسلامة . واهم تلك القواعد التزود بالعلم ، والذي يعني الاطلاع
    الواسع على الآثار الفكرية التي خلفها كبار المؤرخين القدامى ،
    والاحاطه بشتى العلوم والتعمق بها . وكذلك التشكيك في الاخبار والروايات ،
    اذ ان على المؤرخ الباحث ألا يثق بما يلقى اليه من اخبار ، بل تأمل تلك
    الاخبار وتمحيصها .
    ومن القواعد الأساسية والمهمة التي ينبغي للمؤرخ الالتزام بها هي توخي
    الموضوعية، والتي تعني الالتزام بالحياد التام في التحليل وفي استقراء
    الحوادث التاريخية من خلال ربط الاسباب بالمسببات من دون تدخل للخلفيات
    التي ينطلق منها الباحث ، ولهذا يرى البعض ان المؤرخ أشبه بالقاضي الذي
    يصدر حكما ، فلا ينحاز ولا يتعصب ولا يتحامل او يتحايل في احكامه . أما
    القواعد الخاصة ، والتي تعني الوسائل العلمية التي يستخدمها الباحث في
    تحليل الوقائع او الحقائق التي يحصل عليها ، وتفسيرها وتحقيقها للوصول الى
    قوانين او مبادئ ونظريات ، ومن اهمها التأمل والاستقراء ، اذ ان الباحث
    المؤرخ يحتاج الى حُسن نظر وبصيرة عند استقراء الأحداث والالمام بها وتأمل
    حيثياتها ، ومن ثم يجري الحكم عليها بكل تجرد وموضوعية ، كما يجب عليه أن
    يسأل المتخصصين في ميادين تخصصاتهم حتى يستطيع أن يضع يديه على الحقيقة
    التي ينشدها .
    ولعل من ابرز القواعد الخاصة ، هي النظر في الحوادث في اطارها الزماني .
    ان النظر في الحوادث الماضية والحكم عليها في ضوء الأوضاع الحاضرة هي من
    الأخطاء التي يقع فيها المؤرخ الباحث ، لذلك ، فعلى المؤرخ أن يكون يقظا ً
    الى ما يحدثه التغيير الاجتماعي من تبدل الأحوال والفوائد . الى ما تقدم
    فإن طرائق البحث التاريخي المتوفرة للمؤرخ كثيرة ، تتراوح بين الطريقة
    التحليلية المتميزة في صلاحياتها للعمل الكتابي ، وبين الطريقة الوصفية
    التي تعتمد المسح الوصفي للحادثة التاريخية ، وكذلك على طرائق البحث
    القائمة على الاحصاء ، من هنا فأن هذه الطرائق تمتاز بتنوعها وخصوصيتها
    مجتمعة. ولكن السؤال المطروح ، ماهو النموذج الأمثل من هذه الطرائق لعمل
    المؤرخ ؟ ، الحقيقة أنه لا يوجد بين طرائق البحث نموذج مشترك يصلح
    للتطبيق على جميع حقول التاريخ ، فما يصلح للتراجم وسير الأنبياء على سبيل
    المثال لا يصلح للحوادث والحوليات ، وما يطبق على الأُسر والبيوتات
    الحاكمة ، لا يصلح لدراسة مجتمعاتها ، وهكذا في دراسة الفكر والادارة . ومع
    ذلك فانه لا يوجد بين طرائق البحث المتوفرة لدى المؤرخ افضل من الطريقة
    التحليلية ، فهي تتجاوز كل الطرق التقليدية التي تبحث في الحوادث
    التاريخية .
    وتلك هي العلامة الفارقة والنقطة الحدية بين التاريخ وفلسفة التاريخ ، بين
    الابحاث والدراسات التي تتعلق بالتفاصيل وترتبط بالجزئيات وتنحصر بحدود
    الماضي ، والابحاث التي تتعلق بالمبادىء والجذور والأصول وترتبط بالكليات
    وتنطلق من حدود الماضي وأغواره الى آفاق الحاضر و أبعاده ، وبوادر
    المستقبل وأحتمالاته
    . وخلاصة القول ، توجد علاقة وثيقة بين الباحث وموضوع البحث ، ومن
    الممكن أن يأخُذ كلٌ منا ضالته من التاريخ بما يتفق والرؤى التي ينطلق
    منها ، وقد تلعب الانتماءات السياسية أو الأيدلوجية أو الاجتماعية للباحث
    دورا مهماً في تحديد مسار البحث ، حيث تؤثر هذه الأنتماءات ربما من دون
    قصد على الباحث ، لذلك يرى بعض المفكرين أن الحياد في التاريخ ضربُ من
    الخرافة ، فالتاريخ كما يرى الكثيرون صناعة من يكتبه ، هو يصنع التاريخ
    ويريد من الآخرين أن يقتنعوا بوجهة نظره ، وهنا تأتي مهمة ومهنية المؤرخ
    الحقيقي، في إستجلاء الموقف ، وغربلة المواقف، من خلال سبر أغوار
    الحوادث التاريخية بالاستناد الى منهج علمي سليم ، وطريقة موضوعية منصفة.



    اسم الصفحة: آراء

    من موقع جريدة الصباح

    [/b]

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:35 pm