منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    التحليل التّناصّي:

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    التحليل التّناصّي:

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 10, 2012 9:16 am

    التحليل التّناصّي:



    ويختلف تحليل النصّ من منهج نقدي إلى آخر: فالتحليل
    البنيوي للنصّ الأدبي هو غير التحليل السيميائي، وهذا غير التحليل الأسلوبي، على
    الرغم من أن جميع هذه المناهج تعتمد الألسنية مدخلاً نقدياً. كما أن تحليل النصّ
    يختلف من ناقد إلى آخر في المنهج النقدي الواحد. فناقد مثل رولان بارت مرّ بمراحل
    نقدية متعددة: سوسيولوجية، وبنيوية،
    وسيميائية، وحرة.. يختلف نقده في كل
    مرحلة مرّ بها عنه في مرحلته التالية، وبالتالي فإنه يختلف في مجموع نقده،
    عن نقد تودوروف، أو نقد جوليا كريستيفا.... الخ.



    وبما أن النصوص تقوم على ثلاث مستويات هي:


    1 ـ المستوى الاتصالي.


    2 ـ المستوى الباراغماتي.


    3 ـ المستوى الدلالي.


    فإن هذه المستويات تتعاون جميعاً، من خلال تعليمات
    (السياق الكبرى) التي يتحدد بموجبها الإطار العام للنصّ (الظرف السياقي)، أو
    المعرفة الشاملة بما يريد منتج النصّ أن ينتهي إليه، ومن خلال تعليمات (السياق
    الصغرى)، التي تحقق مكونات النصّ الداخلية (الجمل وكيفية تتابعها).



    وهكذا تطورت الدراسات الألسنية المعاصرة من مرحلتها
    الأولية المتميزة بمنهجيتها (الوصفية) إلى
    مرحلتها الثانية (التحويلية) التي ركّزت على الجوانب المنطقية في اللغة،
    وحاولت أن تنشئ نموذجاً لغوياً مثالياً بعيداً عن الواقع.



    لقد كان التيار السائد في الاتجاهات الألسنية هو
    التيار (الوصفي) الذي يعزل الجوانب اللغوية ويركز عليها دون سائر العناصر الأخرى.
    وقد أدى هذا إلى دراسة (التراكيب)
    SYNTAX بمعزل عن المعنى، مع أن (التركيب) هو نتيجة التفاعل بينه وبين
    المعنى. ثم جاءت (البراغماتية)
    PRAGMATICS فدرست (الاستعمال) اللغوي، بينما درست السيمياء SEMANTIC (المعاني).


    وأما المرحلة الثالثة في تطور الدراسات الألسنية
    المعاصرة فقد حاولت تجاوز المرحلتين السابقتين، حيث رأت جوانب القصور فيهما،
    متمثلة في (النماذج) التي تم بها وصف اللغة، وفي تحديد (القواعد) التي يمكن بها
    إنتاج الكلام، وإهمال ما عداهما من أمور خارجة عنهما من مثل (السياق) الذي هو
    الأساس الذي يحكم البنية الشكلية.



    ولهذا فإنه ينبغي توجيه الأنظار إلى أن أي نموذج لغوي
    لدراسة اللغة يجب أن يبنى على نظرية (النظم)
    SYSTEME التي توضح الكيفية التي يعمل بها كل نظام دون عزل لأي جانب من
    جوانبه. وهذا ما دفع بألسنيي المدرسة التحويلية إلى دراسة عنصر (التفاعل)
    INTERACTION بين المستويات الثلاث في
    البناء اللغوي، مركزين على نوعين من الترابط النصّائي: الترابط النحوي، والترابط
    المعنوي، وعلى العناصر التي تجعل التفاعل بين هذين النوعين ممكناً: والتي يمكن
    إجمالها في (الإجراءات التخطيطية) التي تتولد عنها الظواهر الأسلوبية.



    وهكذا ينتهي التحويليون إلى وضع خصائص للنصّانية
    تتمثل فيما يلي:



    1 ـ (النصّ نظام) لأنه وسيلة عملية اتصال. وهو يخضع
    لتحليل مكوناته جميعاً، بخلاف (الجملة) التي هي مجرد نظام عرفي اعتباري، يمكن أن
    تنشأ دون غرض اتصالي. ويمكن أن تحلل من حيث كونها تركيباً نحوياً مجرداً. بينما
    (الجملة) عند التحويليين هي (بنية شكلية)، وهي (تقرير منطقي) أيضاً..



    2 ـ إن عملية إنتاج النصّ إنما تتم في إطار من
    (التفاعل) الذي هو نوع من التعاون بين مرسل النصّ ومستقبله. و(النصّ) فعل يحاول
    بوساطة منشئه أن يوجه المتلقي، بخلاف (الجملة) التي لا تهدف إلى توجيه متلق أو
    تغيير وضع معين.



    3 ـ إذا كانت (الجملة) تتميز بوجودها المنطقي، فإن
    (النصّ) يتميز بخاصيته الاتصالية. وهذا لا يعني أن الجملة لا يمكن أن تكون نصّاً، ذلك أن النصّ هو كل وحدة كلامية
    تخدم غرضاً اتصالياً، ويمكن أن يكون
    عبارة أو جملة، أو نصّاً، ومن هنا اختلاف دراسة (النصّ) عن دراسة (الجملة). فدراسة
    النصّ تتطلب مساعدة علوم عديدة على رأسها اللسانيات، و(السميولوجيا والسوسيولوجيا
    والسيكولوجيا والكومبيوتر...الخ).



    4 ـ (النصّ) تتابع لحالات مختلفة عاطفية واجتماعية
    واقتصادية. وهو يخضع لضوابط تجعل عملية التغير في داخله ممكنة. ولكن هذه الضوابط
    لا تشبه قوانين النحو المجردة. و(مهمة) النصّ هي أن يخلق بيئة اتصالية، وليس أن
    يسوغ الكيفية التي تستخدم القواعد اللغوية.



    وينبغي
    أن ينظر إليه على أنه علم تحقيق التعاون بين عدد من العلوم الاجتماعية والنفسية
    والمعلوماتية، ولا يمكن النظر إليه من منظور الألسنية التقليدية وحدها..



    5 ـ نظرية (النظم) التي يقول بها التحويليون هي
    الوحدة التي تجعل
    مجموعة من العناصر متفاعلة في إطار البنية الكلية للنظام الألسني..


    6 ـ تتجلى مبادئ النصّانية عند التحويليين في:
    (التناسق)
    COHESION
    وهو الطريقة التي
    يتم بها ربط الأفكار في بنية النصّ الظاهرة، بوساطة القواعد النحوية. وفي (الترابط
    الفكري)
    COHERENCE وهو الطريقة التي يتم بها ربط
    الأفكار داخل النصّ، بحيث يمكن استعادتها. وفي (القصد)
    Intentioninality ويعني أن النصّ ليس بنية عشوائية، وإنما هو عمل
    مقصود به أن يكون متناسقاً ومترابطاً، لكي يحقق هدفه. وفي (الموقفية)
    Situationality وهي أن يكون النصّ
    موجهاً للتلاؤم مع موقف معين بغرض كشفه أو تغييره. ويقتضي وجود عنصرين يتعاملان مع
    النص هما: المرسل، والمتلقي. وفي (التناصّ)
    Interexxuality وهو الخبرة السابقة التي تدخل في تكوين النصّ المبدع. وفي
    (الإخبارية)
    Informativity التي تختلف درجاتها بين نصّ وآخر، بحسب نوع النصّ وغايته. وفي
    (القبول)
    Acceptabliity ويُقصد به مدى استجابة المتلقي للنصّ وقبوله له.أما أصحاب
    الاتجاه النقدي الجديد الذين يرفضون نسبة النصّ إلى مؤلفه، فقد ركزوا اهتمامهم على
    (النصّ) وحده، تحليلاً، واعتبروه مستقلاً عن مبدعه، وعن الظروف (الاجتماعية،
    والسياسية، والاقتصادية) التي أبدعه فيها، على الرغم من أنهم يؤمنون (بالتناصّ)،
    وهو المؤثرات النصّية السابقة، والتي تتجلّى في صياغات مجهولة الصاحب، يصعب
    موقعتها بدقة، لأنها تضمينات لا واعية في النصّ، ولأنها اندياح الذاكرة في النصّ.
    وهذا هو (التناصّ).



    ويرى رولان بارت في مقالة (نظرية النصّ) أن (التحليل
    النصيّ)، ينزع إلى تكوين علم نقدي يضع موقع النقد خطابه الخاص، دون أن يضرب بعرض
    الحائط ما تقدمه العلوم الأخرى (التاريخ، وعلم الاجتماع... الخ) للعمل الفني.
    وبهذا فإن التحليل النصّي لا يرفض الإضاءات التي يقدمها التاريخ، ولكن ما يرفضه هو
    تلك الخرافة النقدية القائلة إن الأثر الفني مقيد بحركة تطويرية كما لو أن
    ه مجبر على أن يكون تابعاً للتاريخ أو المؤلف..


    وبما أن النقد يسعى ـ بشكل عام ـ إلى توضيح معنى الأثر الأدبي، فإن التحليل النصّي تعددي
    ينكر وجود مدلول نهائي، ذلك أن الأثر الأدبي لا ينغلق ولا يتوقف. ذلك أن الناقد
    (أو القارئ) هو نفسه داخل الحديث مهما التزم بالموضوعية. ومن هنا فإن (النقد) يصبح
    خطاباً حول (النصّ)، وذلك بالدخول في التوالد المجهول المنشأ للتناصّ. وبهذا فإن
    بارت يرى أنه لم يعد هناك نقاد، بل كتّاب فقط.



    وإذا كان (النصّ) يتكون عادة من كلمات، وجمل، فإن
    الوقوف عند هذه الوحدات بمستواها اللغوي الصرف لا يكفي في الكشف عن الخواص النوعية
    المميزة للنصّ، ولابد أن يبدأ التحليل النصّي من البنية الكبرى في العمل الأدبي،
    وشرح ما في المتواليات النصّية من تماسك وانسجام. وتكون المتتالية متماسكة دلالياً
    عندما تقبل كل جملة فيها التأويل والتفسير.(35).



    و(البنية) هي تصور تجريدي من خلق الذهن، وليست خاصية
    للشيء، إنها نموذج يقيمه المحلل عقلياً، ليفهم على ضوئه الشيء المدروس بصورة أوضح،
    وعلى هذا فإن (البنية) الأدبية ليست شيئاً حسياً يمكن إدراكه في الظاهر، حتى لو
    حددنا خصائصها التي تتمثل في عناصرها التركيبية، وإنما هي تصور تجريدي يعتمد على
    الرموز وعمليات التوصيل التي تتعلق بالواقع المباشر.



    وإذا كان (النصّ) عبارة عن تتابع من الجمل تؤطر
    مجموعة من الاتصالات بين طرفين لتحقيق غرض بلاغي وإبلاغي، فإن (بنية) النصّ تتأثر
    بنوعيته. ويتمّ الوصول إلى البنيات الكبرى في النصّ عن طريق قواعد الحذف،
    والاختيار، والتعميم، والتراكيب... الخ..



    فـ(فاتحة) الروايات مثلاً هي بنية، وكذلك (خاتمتها)،
    و(دلالتها)..



    في قاعدة (الحذف) يمكن أن نحذف أية معلومات قليلة
    الأهمية، لا وظيفة لها في النصّ.
    وفي قاعدة (الاختيار) يمكن اختيار بعض المعلومات، وحذف ما هو قليل الأهمية. وفي
    قاعدة (التعميم) يمكن حذف بعض البيانات الجزئية الجوهرية لصالح التصور الكلي الذي
    نستعيض به عنها، لأنه يشملها، كما في قولنا: جاء أحمد ومحمد ومحمود، فإنه من
    الممكن أن نعمم فنقول: جاء الإخوة جميعاً، فنلغي الخصائص الجزئية لصالح الشمولية
    العامة التي عوضت عنها. وفي قاعدة (التركيب) يمكن إعادة تكوين مجموعة الشروط
    والمواصفات التي يمكن أن تكوّن مفهوماً عاماً، فنختار التصور الأعلى مباشرة..



    وبما أن النصّ متتالية من الجمل تكوّن مجموعة منغلقة،
    يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر، فإن تحليل النصّ ينبغي أن يبدأ
    بالجملة، باعتبارها أصغر وحدة في النصّ، وتحليلها إلى بنياتها الأولية(مركبات
    اسمية أو فعلية)...



    ولكن هذا التحليل لا يكفي وحده إذا أغفلنا افتراض
    باثّ يرسل الرسالة، ومتلق يستقبلها. وليس من هدفنا أن نبحث في بواعث الباثّ، ولا
    في كيفية العملية الإبداعية، فهذا المنهج النفسي أشبعته الدراسات الحديثة بحثاً.
    وبالمقابل فإن كيفية استقبال النصّ لدى المتلقي، وردود فعله، أصبح منهجاً نقدياً
    جديداً في الدراسات الأدبية المعاصرة، وهو ما يسمى بـ(نظرية الاستقبال)، أو
    (جماليات التّلقّي)، وهو منهج نقدي جديد ومستقل، يقوم على تلقي الآثار الأدبية،
    وردود فعل القارئ تجاهها، ومشاركته في إعادة بنائها.



    ويبدأ (التحليل النصّي) من البنية الكبرى للنصّ،
    والتي تتسم بالتماسك والانسجام. والتماسك ذو طبيعة دلالية، وهو يتصل بالعلاقات بين
    الوحدات التعبيرية المتجاورة داخل المتتالية النصية. وتصبح المتتالية متماسكة
    دلالياً عندما تقبل كل جملة فيها التفسير والتأويل. وكما أن الجملة ليست مجرد
    مجموعة من الكلمات، وإنما هي علاقات بنيوية تجسد الجملة، فإن تحليل البنية الكبرى للنصّ يتجاوز مجموع أبنية
    المتتاليات التي تتسم بالتماسك الأفقي.



    إن (الأبنية الكبرى) هي الوحدات البنيوية الشاملة
    للنصّ، و(الأبنية الصغرى) هي أبنية المتتاليات والأجزاء. ولكل من البنيتين دلالته.
    وتحديد البنية الكبرى للنصّ يختلف من ناقد إلى آخر، باختلاف منهجه النقدي وثقافته،
    فكل يختار من النصّ العناصر التي يراها مهمة. وعلى الرغم من هذه الاختلافات فإن
    هناك شبه توافق في الوصف الإجمالي للنصوص.



    وعلى الرغم من أن (البنيات الكبرى) للنصّ تختلف من
    ناقد/ قارئ إلى آخر، فإن مبادئ تكوّنها لاتكاد تتغير، وهي ترتبط بالقضايا المعبّر
    عنها بجمل النصّ بوساطة (القواعد الكبرى) التي تحدد ماهو أكثر جوهرية في مضمون
    النصّ، وبالتالي فإنها تلغي بعض التفصيلات الصغيرة لصالح المعلومات الأساسية في
    البنية الكبرى..



    و(البنية الكبرى)، تنتج عن وصف أهداف النصّ واستقراء
    موضوعاته أو تقدم ملخصات له تسهم في كشف أبنيته. ومصطلح (البنية الكبرى)، هو مصطلح
    نسبي، يشير إلى بنية ذات نمو كلي شامل بالنسبة إلى أبنية ذات مستوى أصغر.
    وبالمقابل فإن ما يعتبر (بنية صغرى)
    في نصّ مايمكن اعتباره (بنية كبرى)، في نصّ آخر. والمتلقي هو الذي يحدد
    إطار (البنية الكبرى)، لأن مفهوم التماسك الذي ينبغي أن تتصف به ينتمي إلى مجال
    الفهم والتفسير الذي يضفيه القارئ على النصّ، ولأن تأويل النصّ من جانب القارئ لا
    يعتمد على استرجاع البيانات الدلالية التي يتضمنها النصّ فحسب، وإنما يقتضي أيضاً
    إدخال عناصر القراءة التي يملكها المتلقي داخل (كفاءة النصّ). وهذه الثغرات
    المساعدة تتألف من الأبنية العاطفية والأعراف وما سواها. وكلها تسهم في تماسك
    النصّ.



    ويميز علماء النصّ بين التماسك الوظيفي للنصّ،
    والترابط الموضعي الشرطي فيه، فالأول هو الروابط البلاغية (غريماس)، وقد جعله
    هلمسليف أحد المظاهر الضرورية لضمان الطابع العلمي للبحث، لأنه يبرز خواص أي نظام
    للتفكير، ويعني أن أجزاء هذا النظام لابد من ترابطها فيما بينها. وأدوات الربط هي
    التي تقوم بهذا الربط. أما الترابط الموضعي الشرطي فيعتمد الروابط النسبية
    المعتادة بين الوقائع التي تدل عليها الأقوال، مثل أدوات الربط (أحرف العطف،
    والجر، والاستئناف، والترقيم، وأسماء الإشارة، وأدوات التعريف، والأسماء
    الموصولة...الخ).



    ويولي علماء النصّ التماسك أهمية قصوى، لأنه يعني
    عندهم خاصية دلالية للنص، تعتمد على فهم كل جملة مكونة للنصّ في علاقتها بالجمل
    الأخرى، وقد عنيت بلاغتنا العربية القديمة بالتماسك، فخصصت له بحثاً مستقلاً هو
    ((الفصل والوصل))، ودرست مستوى الترابط القائم بين وحدتين من القول.



    3 ـ التفاعل النصّي:



    يبدو أن بعض الدارسين آثر مصطلح (التفاعل النصّي)
    لأنّه أعمّ من (التّناصّ)، ولأن النصّ ينتج ضمن بنية نصّية سابقة، وهو يتعالق بها،
    ويتفاعل معها، تحويلاً أو تضميناً أو خرقاً، وبمختلف الأشكال التي تتم بها هذه
    التفاعلات.



    وجعل (التفاعل النصّي) ثلاثة أنواع:


    1 ـ المناصّة Paratextualite وهي البنية التي تشترك وبنية نصّية أصلية في سياق ومقام معينين.
    وتجاورها محافظة على بنيتها كاملة ومستقلة. وهي تحقق المحاكاةأو المماثلة أو
    التشابه (كما في السرقات الشعرية، وهي باب مستقل عند العرب)، كما تتجلى في المعارضة
    (والمعارضات الشعرية تشكل أيضاً قضية مستقلة)، وفي المناقضات (التي استعرت في
    الجاهلية وصدر الإسلام، كنوع من الهجاء القبلي والشخصي).



    2 ـ
    المتّناصة
    Intertextualite وهي تتضمن بنية نصّية ما مأخوذة من بنيات نصّية سابقة، وتدخل معها
    في علاقة، فتبدو وكأنها جزء منها. وقد تكون مباشرة تتجلى في الاستشهاد بالآيات
    القرآنية، والأشعار، أو غير مباشرة (أو ضمنية)، تتجلى في الإيحاءات والظلال
    البلاغية. ويختلف القراء في تحديدها حسب خلفياتهم الثقافية.



    3 ـ الميتانصّية Metatextualite وهي نوع من المناصّة تأخذ بعداً نقدياً محضاً في علاقة بنية نصّية
    طارئة مع بنية نصّية أصل. وتتجلى في
    (المعارضات).



    وهذه
    الأنواع الثلاثة متداخلة فيما بينها،وهي تتبادل الفعل، وتغير مواقعها من جنس أدبي
    إلى آخر، ومن نصّ إلى آخر، وتتعالق مع بعضها بعضاً.



    و(المتفاعلات النصّية) قد تكون تراثية، وحديثة،
    ومعاصرة، وقد تكون عربية، وأجنبية. فمن المتفاعلات التراثية: متفاعلات تاريخية
    (العصر الإسلامي، التاريخ الحضاري القديم، الأساطير، حركات الزنج
    والقرامطة...الخ)، ودينية (الآيات القرآنية، والإشارات القصصية، وأسماء الأنبياء
    والمتصوفة....الخ)، وأدبية (من الشعر القديم، وأسماء عنترة، وطرفة، وامرئ
    القيس....الخ).. وشعبية (من الحكايات الشعبية: ألف ليلة وليلة، وسيرة سيف بن ذي
    يزن، والهلالية، والسندباد، وعلي الزيبق، وشهريار، ...الخ).



    ومن المتفاعلات الحديثة متفاعلات تاريخية (من تاريخ
    العرب الحديث، نكبة 48 ونكسة 67 وحرب 73.... الخ)، وأدبية (مقبوسات من شعراء
    محدثين ومعاصرين...الخ).



    ويعتبر التحليلُ التناصّي (النصَّ) شبكة تلتقي فيها
    نصوص عديدة مستمدة من ذاكرة الأديب، وحصيلة نصوص يصعب تحديدها، إذ يختلط فيها
    القديم بالحديث، والأدبي بالعلمي، واليومي بالتراثي، والخاص بالعام، والذاتي
    بالموضوعي. تقول جوليا كريستيفا: "كل نصّ هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص
    الأخرى"..



    وهذا لا يعني أن النصّ الأدبي هو نسخ لنصوص أخرى،
    وإنما هو نصوص أخرى متداخلة، ومتباطئة في كتابة (مغايرة)..



    4 ـ قوانين التّناصّ:



    ويمكن تحديد ثلاثة قوانين للتناصّ، تحدد علاقة النصّ
    الغائب، بالنصّ الماثل، وهي:



    1 ـ الاجترار، وفيه يستمد الأديب من عصور سابقة،
    ويتعامل مع النصّ الغائب بوعي سكوني، فينتج عن ذلك انفصال بين عناصر الإبداع
    السابقة واللاحقة، ويمجّد السابق حتى لو كان مجرد (شكل) فارغ..



    2 ـ الامتصاص، وهو أعلى درجة من سابقه. وفيه ينطلق
    الأديب من الإقرار بأهمية النصّ الغائب، وضرورة (امتصاصه)، ضمن النصّ الماثل،
    كاستمرار متجدد.



    3 ـ الحوار، وهو أعلى المستويات. ويعتمد على القراءة
    الواعية المعمقة التي ترفد النصّ الماثل ببنيات نصوص سابقة، معاصرة، أو تراثية.
    وتتفاعل فيه النصوص الغائبة والماثلة في ضوء قوانين الوعي واللاوعي..



    وهكذا يتم الانطلاق من (النصّ الغائب) لإعادة كتابته،
    لأنه لا يمكن أن ينحصر في مدلول واحد ثابت. وإنما يتحوّل إلى شبكة من المستويات
    المتفاعلة. وبمجرد أن يطلق الكاتب نصّه الجديد، الذي هو عبارة عن عدة نصوص سابقة
    ومعاصرة، فإنه يدخل النصّ نفسه في عمليات تناصّ جديدة، باعتبار النصّ الجيد قادر
    دائماً على العطاء المستمر لقراءات متعددة. ومن هنا يظل النصّ منفصلاً عن القارئ،
    ومتصلاً به في الوقت نفسه، كما يظل فاعلاً ومنفعلاً، مؤثراً ومتأثراً. وتصبح عملية
    (إنتاج) النصّ الماثل عملية تشترك فيها النصوص الغائبة، باعتبارها الأدوات
    الأساسية للإنتاج، مع النصّ الحاضر باعتبار القارئ الأداة الثانية في (تفسير)
    النصّ، و(تركيبه) من جديد. وتظل عملية (القراءة) هي عملية أخذ وعطاء: أخذ من
    النصّ، وعطاء من قبل المخزون الأدبي والثقافي للقارئ. وهكذا يتفاعل النصّان: الغائب والماثل، من أجل إنتاج (نصّ)جديد
    هو أيضاً (تناصّ) مركب من نصوص عديدة متداخلة، وهذه هي القراءة المعمقة التي
    تستبطن أعماق النصّ الماثل، في عملية
    التفكيك له، من أجل إعادة (تركيب) له، مقترنة بنصوص غائبة عديدة، بخلاف
    القراءة (الأفقية) التي لا يملك فيها النصّ الماثل من عناصر (الأدبية) ما يسمح
    للقارئ بالانطلاق في سماء الذاكرة.



    هوامش الباب الأول:



    1 ـ دار المستقبل العربي ـ القاهرة 1986


    2 ـ بيروت 1989


    3 ـ لندن 1984 ص 45 ط3


    4 ـ سارة كوفمان، وروجيه لا بورت ـ مدخل إلى فلسفة
    جاك ديريدا ـ تر: إدريس كثير، وعز الدين الخطابي ـ الدار البيضاء 1991 ، ص 83.



    5 ـ فيليب سولرز ـ نظرية السيميولوجيا ـ تل كل 1968 ص
    274



    6 ـ
    صلاح فضل ـ بلاغة الخطاب وعلم النص ـ عالم المعرفة الكويتية ص 229.



    7 ـ جوليا كريستيفا ـ السيميولوجيا ـ سوي ـ باريس
    1969 ص 52.



    8 ـ
    نفسه ـ ص 53



    9 ـ نفسه ـ ص 53


    10ـ لانسون ـ منهج البحث في تاريخ الأدب ـ تر:محمد
    مندور ـ نهضة مصر 1972 ـ ص 400.



    11ـ عبد الله الغذامي ـ الخطيئة والتكفير ـ ص 321.


    12ـ نقلاً عن سعيد يقطين ـ انفتاح النص الروائي ـ ص
    94.



    13ـ نفسه ـ ص 98


    14 ـ تودوروف
    ـ ميخائيل باختين ـ باريس سوي 1981 ص 7.



    15 ـ تودوروف
    ـ نقد النقد ـ سوي
    باريس 1984 ص 104



    16ـ ألفريد جاري (1873-1907) كاتب فرنسي تنتمي أعماله
    إلى السيريالية والعبثية.



    17ـ ميشيل آريفي ـ لغات جاري 1972 ص 18.


    18ـ تودوروف
    ـ نقد النقد ـ ص 101



    19ـ جوليا كريستيفا ـ مدخل إلى السيميولوجيا ـ سوي ـ
    باريس 1978 ص 85



    20ـ جوليا كريستيفا ـ ثورة اللغة الشعرية ـ سوي ـ
    باريس 1985 ص59



    21ـ جوليا كريستيفا ـ السيميولوجيا ـ سوي ـ باريس
    1969 ص 84



    22ـ
    محمد عبد المطلب ـ قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني ـ مكتبة لبنان ـ
    بيروت 1995 ص 147



    23ـ مارك انجينو ـ في أصول الخطاب النقدي الجديد ـ
    تر:أحمد المديني ـ بغداد 1987 ص 110.



    24ـ جيرار جينيت ـ مدخل لجامع النص ـ تر: عبد الرحمن
    أيوب ـ دار توبقال ـ الدار البيضاء 1986 ص 90 ط3



    25ـ جيرار جينيت ـ الشعرية ـ سوي ـ باريس 1982 ص 7


    26ـ تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص ـ لمحمد
    مفتاح ـ دار التنوير ـ بيروت 1985



    27ـ
    العدد الثاني عام 1986



    28ـ العمدة لابن رشيق ـ القاهرة 1925 ص 1/57


    29ـ ابن الأثير ـ المثل السائر ـ تحـ: أحمد الحوفي
    وبدوي طبانة ـ نهضة مصر ص 1/69



    30ـ عبد القاهر الجرجاني ـ أسرار البلاغة ص 26


    31ـ عبد القاهر الجرجاني ـ دلائل الإعجاز ص 474


    32ـ ابن رشيق ـ العمدة 1/176، ومحمد عبد المطلب ـ
    قضايا الحداثة .. ص 157



    33ـ ص 2/250


    34ـ القاضي الجرجاني ـ الوساطة بين المتنبي وخصومه ـ
    تحـ: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي البجاوي ـ دار إحياء الكتب ـ القاهرة 1966 ـ ص 183



    35ـ للتوسع ، انظر: محمد عزام ـ النقد.. والدلالة:
    نحو تحليل سيميائي للأدب ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1996.



      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:07 pm