منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    النقائض الشعرية

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    النقائض الشعرية

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 10, 2012 9:17 am

    الباب الثاني النقائض الشعرية



    النقائض الشعرية



    ـ ما الأسد إلا بضعة خراف مهضومة.


    ـ فرلين.


    1 ـ تعريف (النقائض):



    جاء في لسان العرب أن (النقائض) لغة جمع (نقيضة)، من
    (نقض) البناء إذا هدمه، والحبل إذا حلّه. وضده (الإبرام) يكون للحبل والعهد.
    و(ناقضه) مناقضة: خالفه. و(المناقضة) أن يتكلم بما هو ضد معناه. و(المناقضة) في
    الشعر أن ينقض الشاعر ما قاله الأول فيجيء بغير ما قاله.



    وأما اصطلاحاً فالنقيضة هي أن يتجه الشاعر بقصيدته
    إلى شاعر آخر، هاجياً أو مفتخراً، فيعمد الآخر إلى الرد عليه بقصيدة هاجياً أو
    مفاخراً، ملتزماً الوزن العروضي والقافية والروي الذي اختاره الشاعر الأول، فيفسد
    على الأول معانيه، ويردها عليه، ويزيد عليها.



    فالمحوران اللذان تدور عليهما النقائض هما الشكل
    الشعري (الوزن والقافية)، والمضمون (المعاني) التي تتكون من الهجاء أو الفخر، معتمداً
    على الأنساب والأيام والمآثر والمثالب..



    وإذا كانت النقائض قد نشأت في حظيرة الشعر الجاهلي،
    واشتد عودها في ظلال (الأيام) بين القبائل، فإنها ازدهرت في ظلال سيوف الدين
    الجديد، واشتعلت في العصر الأموي ناراً موقدة بين الشعراء الفحول الثلاثة :
    الفرزدق، وجرير، والأخطل..



    2 ـ نقائض العصبية القبلية
    في الشعر الجاهلي.




    لماكان العرب يعيشون، في العصر الجاهلي، حياة بدوية
    مضطربة، يتنقلون فيها جرياً وراء المراعي والمياه، فإن هذا التنقل الدائب،
    والاضطراب المادي فرض على الفرد أن يحتمي بقبيلته التي هي بمثابة دولة له، وموئل،
    فهي المسؤولة عن حماية الأفراد وجرائرهم. ومن هنا كان اصطدام القبائل العربية
    ببعضها البعض، واقتتالها على المياه والمراعي وطرق القوافل التجارية. وقد أشعل هذا
    الصدام قتالاً ومعارك (أياماً) سجلها الشعر الحماسي الذي يفتخر بالقبيلة، ويرثي
    قتلاها، ويهجو أعداءها. وهكذا كان الشعر حرباً أدبية تنتج عن الحروب والغزوات، أو
    تسبقها، أو توازيها..



    ومن هنا نشأت (النقائض) التي ليست سوى قصائد حماسية
    يفتخر فيها الشاعر بقبيلته ويهجو أعداءها، فيرد عليه شاعر القبيلة الأخرى بقصيدة
    مماثلة، على نفس الوزن والقافية والروي، ينقض فيها معاني الشاعر الأول في القصيدة
    الأولى و يفخر فيها أيضاً بنفسه وبقبيلته...



    وقدقام (الفخر) الجاهلي على تحبيذ الفضائل الاجتماعية التي أقرتها الحياة العربية
    كالكرم، والشجاعة، والنجدة، والسيادة، وكثرة العدد، وشرف النسب، والمروءة.... الخ.
    ولهذا كان الفخر (فناً) من فنون الشعر العربي القديم...



    أما (الهجاء) فهو الشتم بالشعر، والسخط، والسخرية.
    فإذا كان الشاعر يفتخر بنفسه أو بقبيلته، فإنه يحط من شأن عدوه وينشر مخازيه
    ومساوئه، يقول ابن رشيق: "فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت،
    وما اعترض بين التصريح والتعريض. وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب،
    ولصوقه بالنفس. فأما القذف والإفحاش فسباب محض، ليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن".(1).



    ولهذا أعجب النقاد بقول زهير في تشككه وهزله، في
    قوله:





    أقومٌ آلُ حصنٍ أمْ نساءُ







    وما أدري وسوف إخال أدري





    فحق لكل محصنة هداءُ







    فإن تكن النساءُ مخبآتٍ







    وعدّوه من أشد الهجاء.


    ومن المهاجاة ما دار بين امرئ القيس وعبيد بن الأبرص
    الأسدي حول مقتل حجر والد امرئ القيس، فقد قال امرؤ القيس متوعداً بني أسد الذين
    قتلوا أباه:





    حتى أبير مالكاً وكاهلا







    واللهِ لا يذهب شيخي باطلاً





    خيرَ مَعَدٍّ حسباً ونائلا







    القاتلين الملك الحلا حلا







    فرد عليه عبيد بن الأبرص الأسدي يسخر منه ويكذبه:




    لِ أبيهِ إذلالاً وحَيْنا







    يا ذا المخوّفنا بقت





    تَ سراتِنا كذباً وَميْنا







    أزعمتَ أنك قد قتا





    قطامِ تبكي لا علينا







    هلاّ على حجرِ بن أمِ







    ويبدو من هذا نقض معاني القصيدة الأولى.


    وفي تتبع (أيام) العرب ما يشي بغير قليل من (النقائض)
    الشعرية، فقد كانت (أيام) العرب هي وقائعهم ومعاركهم الحربية، وقد ذكر الميداني في
    كتابه (مجمع الأمثال) مئة واثنين وثلاثين (يوماً) جاهلياً. ثم قال: "وهذا
    الفن لا يتقصاه الإحصاء فاقتصرت على ما ذكرت".



    ويبدو أن المصدر الأول لرواية (أيام) العرب هو كتاب
    مفصل لأبي عبيدة، جمع فيه ألفاً ومائتي يوم، بينما صنف ابن عبد ربه في كتابه
    (العقد الفريد) الأيام بحسب القبائل، فذكر حروب قيس وكنانة، وأيام بكر وتميم، وحرب
    داحس والغبراء، وحرب البسوس... الخ، وذكر الشعر المتصل بهذه الأيام...



    وسنقتصر من (النقائض) الجاهلية على النقائض بين
    القحطانية، والنقائض بين العدنانية، والنقائض في الحياة الاجتماعية.



    1 ـ النقائض القحطانية:



    دارت بين القبائل القحطانية بعضها ببعض. ومن أيامها:
    يوم الكلاب الأول الذي قتل فيه شرحبيل عم امرئ القيس، ويوم الكلاب الثاني لتميم
    على مذحج وأحلافها، وأيام الأوس والخزرج التي كانت من أشهر حروب الجاهلية، وقد
    قيلت فيها أشعار كثيرة في النقائض والمهاجاة.



    ورغم أن الأوس والخزرج قبيلتان عربيتان رحلتا من
    اليمن، بعد سيل العرم، واستقرتا قرب يثرب، فإنهما تخاصمتا في حرب (سمير) التي كانت
    للأوس على الخزرج. وسببها أن سميرا
    الأوسي قتل ضيفاً لمالك بن العجلان الخزرجي(2) فتحارب الحيّان، وقال مالك
    يحث الخزرج:





    قد حدبوا دونه وقد أنفوا







    إن سميراً أرى عشيرته







    فقال درهم بن
    زيد أخو سمير:





    القتلَ فيه البوارُ والأسفُ







    يا قوم لا تقتلوا سميراً فإن





    على كريم ويفزع السلفُ







    إن تقتلوه ترنّ نسوتكم





    يا مال، إنّا لمعشر أُنُفُ







    يا مال لا تبغينْ ظلامتنا







    وقد أثارت هذه الملاحاة الشعرية شاعرين لم يدركاها،
    ولكنهما تناقضا حولها، هما: قيس بن الخطيم الأوسي، وحسان بن ثابت الخزرجي، فقد قال
    قيس بن الخطيم من قصيدة له:





    ماذا عليهم لو أنهم وقفوا







    ردّ الخليطُ الجمالَ فانصرفوا





    ولج منهم في قومهم سرفُ(3)







    إنَّ بني عمنا طغوا وبغوا







    فردّ عليه حسان بقصيدة يقول فيها:




    من ذكر خَوْدٍ شطّتْ بها قذفُ







    مابالُ عيني دموعُها تكفُ





    تذلهم، إنهم لنا حلفوا







    بلّغْ عني النبيتَ قافيةً





    ساعده أعبد لهم نُطُفُ(4).







    إن سميراً عبد طغى سَفَهاً







    فمعاني قيس كانت قائمة على الحماسة والوعيد والهجاء بالبغي والطغيان ومجاوزة الحد، فرد
    عليه حسان ساخراً من وعيده،
    ومفتخراً بقومه، وهاجياً خصومه بأنهم دونهم في الشرف، ورامياً سميراً وقومه بالطيش
    والسفاهة.



    ومن الأيام القحطانية يوم (السرارة)، حيث قتل خزرجي
    أوسياً فخرج الأوسيون، وقتلوه بياتاً (بغتة في الليل)، فنشبت الحرب، والتقى
    الجمعان في وداي (السرارة) فاقتتلا أربعاً، حتى نال كل من الآخر، فقال قيس بن
    الخطيم في ذلك:





    وكيف انطلاقُ عاشقٍ لم يزوّدِ







    تروحُ من الحسناء أم أنتَ مغتدي؟







    وهي قصيدة طويلة يصف فيها ما عملته هذه الحرب، ويفتخر
    بالأوس، فرد عليه حسان بن ثابت الخزرجي بقوله:





    عليَّ لساني في الخطوب ولا يدي







    لعمرُ أبيكِ الخيرُ يا شعثُ ما نبا





    ويبلغُ ما لا يبلغ السيفُ مذودي







    لساني وسيفي صارمان كلاهما





    قصاراك أن تُلقَى بكل مهندِ







    فلا تعجلنْ يا قيس واربعْ فإنما





    متى تَرَهُمْ يا بنَ الخطيمِ تبلّدِ







    حسامٍ وأرماحٍ بأيدي أعزّةٍ





    وكحّلْ مآقيك الحسانَ بإثمدِ(5)







    فناغِ لدى الأبياتِ حوراً نواعماً







    فكلا الشاعرين نَسَبَ، وافتخر بنفسه وبقومه، وتحدّى،
    وهدد، وتوعد، ورمى الآخر باللؤم والضعة وخصال النساء.



    ومن الأيام القحطانية يوم (حاطب) للخزرج على الأوس.
    وبينه وبين يوم (سمير) مائة عام. وقد قيلت فيه مناقضات وأهاج كثيرة، منها مناقضة
    بين قيس بن الخطيم الأوسي، وعبد الله بن رواحة، فقد قال الأول:





    لعمرة وحشاً غير موقف راكبِ







    أتعرفُ رسماً كاطّرادِ المذاهبِ





    فلما أبوا أشعلتُها كلَّ جانبِ







    دعوتُ بني عوفٍ لحقن دمائهم





    إليه كإرقال الجمال المصاعبِ(6)







    رجالٌ متى يُدعوا إلى الموت يرقلوا







    فأجابه الثاني بقوله:




    فرشاشُ الدمعِ في الصدر غالبي







    أشاقتك ليلى في الخليط المجانبِ نعم،







    ومن النسيب انتقل إلى الحماسة والفخر، حيث قال:




    ذَوي نائل فيها كرام المضاربِ







    إذا عيرت أحساب قوم وجدتُنا





    لمفتقر أو سائل الحق راغبِ







    نحامي على أحسابنا بتلادنا







    ومن أيامهم يوم (الربيع) للخزرج على الأوس، فقد اقتتل
    فيه الحيان، حتى كاد يفني بعضهم بعضاً، وفيه يقول حسان بن ثابت مشبباً بليلى بنت
    الخطيم، ومفتخراً بزعامتهم وشجاعتهم.





    وعاودها اليومَ أديانُها







    لقد هاج نفسَكَ أشجانُها





    إذا قطعت منكَ أقرانُها







    تذكرتُ ليلى وأني بها





    إذا التبسَ الأمر ميزانُها







    ويثربُ تعلمُ أنّا بها





    إذا ضاقتِ الأوسَ جيرانُها







    ويثربُ تعلمُ أنّا بها





    نهزّ القنا تَخْبُ نيرانُها







    متى ترنا الأوسُ في بيضنا







    فأجابه قيس بن الخطيم مشبّباً بعمرة زوجة حسان:




    فتهجر أم شأننا شأنُها







    أجدّ بعَمْرةَ غنيانها







    ثم ينتقل إلى الفخر على الخزرج، فيقول مناقضاً حسان
    في معانيه:





    ونحنُ الفوارسُ يومَ الربيع قد علموا كيف فرسانُها





    ويثربُ تعلم أن النبيتَ راس بيثرب ميزانها





    حسانُ الوجوهِ حدادُ السيوف يبتدر المجدَ شبانُها







    2 ـ النقائض العدنانية:



    (الأيام) العدنانية نشبت بين قبائل معد بن عدنان. وهي
    كثيرة، منها ما كان بين قبائل ربيعة، ومنها ماكان بين ربيعة وتميم، وبين قيس
    نفسها، وبين قيس وكنانة، وقيس وتميم، وضبة... الخ. وقد كثر الشعر في (الأيام)
    العدنانية كثرة تدعو إلى الشك فيه.



    ومن أيام ربيعة فيما بينها (حرب البسوس) بين بكر
    وتغلب ابني وائل. وهي مشهورة. قيلت فيها أشعار كثيرة. ومن أيامها يوم (جدود) لبني
    منقر من تميم على بكر من ربيعة، ويوم (مبايض) لبكر على تميم، وذلك أن طريف بن مالك
    العنبري من تميم، كان لا يتقنّع في سوق عكاظ، بخلاف الفرسان الذين كانوا يتقنعون كي لا يُعرفوا، وكان قد قتل شراحبيل الشيباني، فجاء
    حصيصة ابن شراحبيل يسأل عنه فدُلّ عليه، فرآه طريف يتأمله، فقال له: ماشأنك؟ قال:
    أريد أن أعرفك لعلي ألقاك في جيش فأقتلك، فقال طريف:





    بعثوا إليَّ عريفَهم يتوسّمُ







    أو كلما وردتْ عكاظَ قبيلةٌ





    شاكي السلاحِ في الحوادثِ مُعْلَمُ







    فتوسّموني إنني أنا ذلكم





    وإذا نزلتُ فحولَ بيتي خضعم







    حولي فوارسُ من أسيد شجعة







    فقال حصيصة بعد أن قتل طريفاً، من قصيدة:




    غِرٍّ وأنتَ بمنظرٍ لا تعلمُ







    ولقد دعوتُ طريفَ دعوةَ جاهلٍ







    فرد حصيصة على طريف ما ادعاه من شجاعته، وشجاعة قومه،
    وكذبه في ادعائه.



    أما قيس فلها أيام (داحس والغبراء) بين عبس وذبيان.
    وهي كثيرة الحوادث والقصص. قيلت أثناءها معلقة عنترة العبسي، وفي أعقابها معلقة
    زهير بن أبي سلمى التي يمدح فيها الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذين أنهيا الحرب
    بالصلح، وتحمّلا ديات القتلى. ومن أيامها يوم (الرقم) لغطفان على عامر(7).



    وفيها يقول عامر بن الطفيل هاجياً النابغة الذبياني:




    غَداةَ القاعِ إذ أَزِف الضِّرابُ







    ألا مَنْ مبلغٌ عني زياداً





    على مَهْلٍ، وللجهلِ الشبابُ







    فإنّ مِظَنّةَ الحِلْمِ التأنّي





    وخيلي قد يحلّ لها النّهابُ(Cool







    فإنّ مقالتي ما قد علمتهم







    هدده بالعقل (الحلم)، وبالحرب (الخيل)...


    فردّ عليه النابغة ينقض معانيه في الحلم:




    فإن مظنَّةَ الجهلِ الشبابُ







    ألا أبلغْ عويمرَ عن زيادٍ





    إذا ما شِبْتَ أو شاب الغرابُ







    فإنك سوف تحلمُ لو تناهى





    توافقْكَ الحكومةُ والصّوابُ







    فكنْ كأبيك أو كأبي بَراء







    وأيام العرب كثيرة أربت على الألف يوم، وُضعت فيها
    الكتب والمصنفات.



    3 ـ النقائض الاجتماعية:



    وهي نقائض قيلت في أمور اجتماعية لا تتصل بالأيام
    والحروب، ومنها أن أمية بن خلف الخزاعي هجا حسان بن ثابت بقوله:





    مغلغلةً تدبُّ إلى عكاظِ







    ألا مَنْ مُبلغ حسانَ عني





    لدى القينات فَسْلاً في الحفاظِ







    أليسَ أبوكَ فينا كان قَيْنَاً





    وينفخُ دائباً لَهَبَ الشّواظِ(9)







    يمانياً يظلُّ يشدُّ كيراً







    فأجابه حسان:




    وماهو بالمغيّبِ بذي حفاظِ







    أتاني عن أميَةَ زورَ قولٍ





    يُنَشّرُ في المجامع من عكاظِ







    سأنشرُ إن بقيتُ لكم كلاماً





    من الصمِّ المعجرفةِ الغِلاظِ







    قوافي كالسِّلامِ إذا استمرتْ





    وترضخ في محلك بالمعاظِ(10).







    تزوركَ إن شتوتَ بكلِ أرض
    ٍ




    فأمية رمى حسان بأن أباه كان قيناً، فكذبه حسان وهدده بالتشهير به في عكاظ مجمع العرب،
    وأن هذا التشهير سيكون بواسطة شعر أليم يسير في الأقطار ويكسبه العار. وهي قضية
    اجتماعية يحاول الجاهلي جاهداً الابتعاد عنها.



    لقد كان الفخر والهجاء في الشعر أشد عليهم من وقع
    السيوف، ذلك أنهم يعتدون بأنفسهم كثيراً، بسبب الحرية الفردية التي تمنحهم إياها
    الصحراء المترامية الأطراف، حيث يشعر كل منهم بأنه ملك في باديته، ومن هنا تضخم الذات
    الفردية عندهم، والاعتداد بالحرية. ولهذا كان الطعن في قيم الذات أوجع عندهم من
    طعن السهام، من ذلك أن عامر بن الطفيل ويزيد بن عبد المدان كانا يتنافسان على ابنة
    أمية بن الأسكر الكناني الذي أبى أن يزوجها عامراً، وزوّجها يزيد الذي قال في
    قصيدة ينعت بها عامراً وقومه بأنهم أذلاء يؤدون الجزية لمن هم أقوى منهم:





    ولعامرِ بن طفيل الوسنانِ







    يالَلرجالِ لطارقِ الأحزانِ





    زمناً، وصارت بعد للنعمانِ







    كانت إتاوةُ قومه لمحرّق





    فخراً عليّ، وجئت بالديان(11)







    عدّ الفوارس من هوازن كلها







    فأجابه عامر بن الطفيل ناقضاً معانيه: إذا أردت أن
    تفتخر فافخر بنفسك لا بغيرك، في قوله:





    ولما تجئ به بنو الديّانِ







    عجباً لواصفِ طارقِ الأحزانِ





    وإتاوةٍ سيقتْ إلى النعمانِ







    فخروا عليَّ بحبوة لمحرّقٍ





    وإتاوة اللخمي في عيلانِ







    ما أنتَ وابن المحرق وقبيله





    وَدَعِ القبائلَ من بني قحطانِ (12).







    فاقصدْ بذرعكِ قصدَ قومكَ وحدَهم







    3- النقائض الدينية
    في شعر صدر الإسلام




    أشرقت شمس الإسلام على العرب، فمحت ظلام الجهل
    والجهالة، وهدت العقول إلى ما ينفع الناس. وكان الشعر سلاحاً في المعارك، وبعد أن
    كان تشجيعاً للعصبية القبلية في الجاهلية، أصبح جهاداً في سبيل نصر الدين الجديد،
    يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين، ويرافقهم في غزواتهم وحروبهم.



    لقد كان ظهور الإسلام نهضة عامة تناولت جميع مناحي
    الحياة الاجتماعية والروحية للناس معاً. ومما تناولته العصبية القبلية التي كانت
    رابطة العربي في الجاهلية، فأحلت محلها رابطة العقيدة الدينية التي أشاعت التسامح
    والعفو بدل الجهالة الجاهلية.



    وأعز الله العرب بالإسلام فصاروا أمة ودولة، بعد أن
    كانوا قبائل متنافرة، أو إمارات خاضعة لسلطان الروم أو الفرس.



    ومع بدء الدعوة الإسلامية انقسمت القبائل إلى فريقين
    كبيرين: مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عليه. ونشبت بين الفريقين مهاجاة،
    تمثلها، أول الأمر، مدرستا مكة والمدينة، كانت بداية النقائض الإسلامية. فقد
    "كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة رهط من قريش: عبد الله بن
    الزّبعرى، وأبو سفيان بن حارث، وعمرو بن العاص. فكان يهاجيهم ثلاثة من الأنصار:
    حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة. فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل
    قولهم: بالوقائع والأيام والمآثر، ويعيّرانهم بالمثالب. وكان عبد الله بن رواحة
    يعيّرهم بالكفر، فكان في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب، وأهون القول
    عليهم قول ابن رواحة. فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشد القول عليهم قول ابن
    رواحة".(13)



    ولعل أول شعر في النقائض الإسلامية نشب بين ضرار بن
    الخط

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 4:57 pm