منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    أشكال التناص الشعري شعر البياتي نموذجاً

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    أشكال التناص الشعري شعر البياتي نموذجاً

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 10, 2012 9:23 am



    أشكال التناص الشعري شعر البياتي نموذجاً

    د.أحمد طعمة حلبي

    -------------------------------

    التناص
    Intrtextuality مصطلح نقدي جديد وفد إلينا مؤخراً من الدراسات النقدية
    الأجنبية وأخذ مكانته في الساحة النقدية العربية المعاصرة، وهو يعني، فيما
    يعني، حدوث علاقات تفاعلية أو وشائج بين نص وآخر، أو بين نص ونصوص أخرى،
    وقد تعددت التيارات والمذاهب النقدية التي تبنته، كما تعددت تعريفاته
    ومعانيه وأشكاله وآلياته من ناقد لآخر، ومن مذهب نقدي لآخر.

    وفي بحثنا هذا سنحاول أن ندلي بدلونا في هذا المجال، فنقدم اقتراحات وتسميات لما يسمى (أشكال التناص)،
    وسيكون
    مجال تطبيقنا النقدي الإجرائي منصباً على نتاج شاعر معروف جداً في ساحة
    الشعر العربي المعاصر، وهو عبد الوهاب البياتي، وسبب اختيار هذا الشاعر من
    بين أقرانه من الشعراء العرب المعاصرين، هو كثرة وجود هذه الظاهرة (التناص)
    في شعره، مما يمد الناقد بمادة شعرية وفيرة، تسهم بشكل فعال في إنجاح هذه
    المقاربة النقدية الإجرائية.

    وقد تبين للباحث أن أشكال التناص الشعري في شعر البياتي يمكن أن تصنف ضمن خمسة أنواع هي:
    1ـ التناص الاقتباسي.
    2ـ التناص الإشاري.
    3ـ التناص الامتصاصي
    4ـ التناص الأسلوبي.
    5ـ تناص الشخصيات / قناع.
    وفي بحثنا هذا سنتطرق إلى الأنواع الثلاثة الأولى من التناص، مرجئين الحديث عن التناص الأسلوبي وتناص الشخصيات إلى وقت آخر.


    1ـ التناص الاقتباسي:

    لا
    تنشأ عملية الإبداع من فراغ، إذ لا يمكن لأي مبدع أن ينطلق من الفراغ أو
    اللاشيء. والبياتي ـ كغيره من الشعراء ـ كثيراً ما كان يستحضر بعض النصوص
    الشعرية، أو النثرية القديمة بنصها، هادفاً من وراء ذلك إلى إغناء تجربته
    الشعرية الخاصة، وربطها بتجارب سابقة، تحمل بعض صفات التجدد والاستمرارية.

    إن
    كماً غير قليل من شعر البياتي مقتبس من نتاجات سابقة، وليس ذلك بمعيب، ما
    دام الهدف من هذا الاقتباس ليس سرقة نتاجات الآخرين، أو التعدي على
    إبداعاتهم، بل محاورتها والاستفادة منها. فالاقتباس ليس ((عدواناً على
    أملاك الآخرين، ومحصولات قرائحهم. وسبب هذا أن الطريقة الشعرية تعتمد على
    التداعي، والتداعي يسوق محمولات تشبه أن تكون ضرورية، تمتد من عناوين الصحف
    إلى محفوظات أيام الطلب إلى ألف ليلة وليلة...))(1). ويمكن أن نرد التناص
    الاقتباسي في شعره إلى ثلاثة أشكال:

    أـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص.
    ب ـ التناص الاقتباسي الكامل المحوَّر.
    جـ ـ التناص الاقتباسي الجزئي.
    أ ـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص:
    وهو
    أن يعمد الشاعر إلى نص مستقل ومتكامل بذاته، سواء أكان بيتاً، أم أبياتاً
    شعرية كاملة، أم شطراً من بيت شعري، أم جملة نثرية كاملة، فيقتطعه من سياقه
    السابق، ويضعه في نصه اللاحق على حاله، من دون أن يغير في بنيته الأصلية
    لا بزيادة ولا بنقصان، ولا بتقديم ولا بتأخير. سواء في ذلك أوضعه ضمن
    علامتي تنصيص أم لا.

    وأجلى
    نص شعري يتحقق فيه هذا النوع من التناص الاقتباسي نجده في قصيدة البياتي
    (كلمات إلى الحجر)، ففي المقطع الثالث منها المعنون بـ (قال طرفة بن العبد)
    يقتبس البياتي أربعة أبيات من معلقة طرفة بن العبد، متفرقة الترتيب، من
    دون أن يحدث فيها أي تغيير أو تحوير، أو حذف أو إضافة. يقول البياتي(2):

    ((وما زال تشرابي الخمورَ ولذتي


    وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي


    إلى أن تحامتني العشيرة كلها


    وأفردتُ إفرادَ البعير المعبّد


    فإن كنتَ لا تسطيعُ دفع منيتي


    فدعني أبادرها بما ملكت يدي


    ***

    كريمٌ يروّي نفسه في حياته


    ستعلمُ إن متنا غداً أيُّنا الصدي))(3)


    ومما
    لا شك فيه أن الأبيات الأربعة السابقة ـ اقتبسها البياتي من معلقة طرفة،
    والتي تمثل موقف طرفة الرافض لقيم مجتمعه وعاداته، وتعبر عن تمرده على
    عشيرته التي نبذته، كما ينبذ البعير الأجرب ـ تعبر عن موقف البياتي الرافض
    لهذا الواقع المتحجر، الذي تعيشه الأمة، ولهذه الغفوة التي تسيطر على
    عقولهم. فالبياتي مثل طرفة، فكلاهما يمثل موقف الرفض، وكلاهما يعاني غربة
    نفسية حادة والأبيات الأربعة تأتي مقطعاً من قصيدة طويلة ذات خمسة مقاطع،
    يصور فيها الشاعر عشقه للثورة، وانتظاره لها، وتعلقه الشديد بها، ورفضه
    للواقع (من خلال أبيات طرفة)، ثم يأسه من نهوض الثورة، وما اعتراها من قمع
    أو تزييف، ثم ينهي المطولة بحلم الثورة ونهوضه العربي الشامل. وتأتي أبيات
    طرفة لتشكل في بنية المطولة مقطعاً شعرياً متكاملاً يتلاحم مع الرؤية
    الفنية والفكرية للقصيدة، مما يجعل المقطع منسجماً والبنية الكلية للقصيدة،
    التي يفتتحها الشاعر بمقطع استهلالي ينظمه على البحر السريع، ووفق عمود
    الشعر العربي، يتحدث فيه عن عشقه للمحبوبة عشقاً صوفياً عذرياً، وما
    المحبوبة هنا إلا الثورة.

    وثمة
    نصوص شعرية أخرى يقتبس فيها البياتي بعض الأبيات الشعرية كاملة من دون أن
    يحور فيها، ففي قصيدته (محنة أبي العلاء) وفي المقطع السابع منها المسمى بـ
    (لزومية)، يقتبس البياتي بيتين كاملين من لزوميات المعري، مضمناً إياهما
    قصيدته تلك، من دون أن يمزجهما ببنيته اللغوية الخاصة ومن دون أن يعمل
    فيهما يد التحوير أو التغيير، يقول البياتي(4):

    ((آه غداً من عرقٍ نازلٍ


    ومهجة مولعة بارتقاءِ


    ثوبيَ محتاجٌ إلى غاسل


    وليت قلبي مثله في النقاء))


    يقول المعري في إحدى لزومياته(5):
    آه غداً من عرق نازلٍ


    ومهجة مولعة بارتقاء


    ثوبي محتاجٌ إلى غاسلٍ




    وليت قلبي مثله في النقاء


    ويعرض
    هذان البيتان، اللذان يقتبسهما البياتي من المعري، لقسم من حياة المعري
    المضطربة، التي عانت عذابات سجني الروح والجسد معاً. وقصيدة البياتي هذه
    قناعية يتحدث فيها البياتي على لسان المعري نفسه، عارضاً لمأساته وإخفاقاته
    المتكررة، من العيش وسط واقعه المر الذي يحيط به، وهو ما تبينه المقاطع
    الستة من قصيدة (محنة أبي العلاء) التي تسبق مقطع (لزومية)، ((واللزوميات
    كما تطرحها قصيدة البياتي، نتيجة هذه الخلافات والمزاج المعتكر. ولهذا فإن
    لزومية البياتي صيحة عميقة من داخل بئر الشقاء الذي غرق فيه المعري، وقرر
    ألا يخرج منه إلا إلى القبر))(6).

    ويعمد البياتي إلى اقتباس بين المتنبي المشهور(7):
    لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى


    حتى يراق على جوانبه الدم


    حيث يرد في قصيدته (الباب المضاء) على هذا الشكل(Cool:
    والذئاب
    تسطو على من لا كلاب له، وسفاكو الدماء
    يقامرون بما تبقى من رصيد
    ((لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
    حتى تراق على جوانبه الدماء)).
    وواضح
    أن التغيير الذي أحدثه البياتي في بيت المتنبي لا يعد تغييراً أو تحويراً،
    إذ إن كلمة (الدم) عند المتنبي، ترد عند البياتي مجموعة جمع تكسير
    (الدماء)، وهذا التحوير الطفيف لا يمكن أن يعد تحويراً أو تغييراً للبنية
    القديمة، بالمعنى الكامل لهما. وكما اتفق بيتا المتنبي والبياتي في اللفظ،
    فإنهما يتفقان في الدلالة والمغزى، فالمتنبي يؤكد أن صون الأعراض، لا يتم
    إلا بالتضحية وإراقة الدماء، دفاعاً عنها، وكذلك البياتي يؤكد ـ من خلال
    استحضار بيت المتنبي هذا ـ أن الحقوق لا تصان إلا ببذل الدماء، كما أن
    الشرف لا يمكن أن يصان إلا بالدفاع عنه، وببذل الأرواح في سبيل الحفاظ
    عليه. ولعل إدخال نص المتنبي هنا يعني ، المقولة صالحة لكل زمان ومكان،
    ومعبرة عن كل زمان ومكان، كما تشير هذه المقولة إلى أن الصراع بين قوى الشر
    وقوى الباطل، بين العدل والظلم، صراع مستمر، غير محدود لا بزمان ولا
    بمكان.

    ولم
    يقف البياتي عند حدود اقتباس المقاطع أو الأبيات الشعرية الكاملة، إذ ثمة
    نصوص شعرية بياتية، اقتبس فيها البياتي صدراً أو عجزاً من بيت شعري، ففي
    قصيدته (شيء من ألف ليلة) يستعين البياتي ببيت ابن خفاجة القائل(9):

    ألقابُ مملكة في غير موضعها


    كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد


    فيقتبس منه عجزه، فيقول(10):
    رأيت خائنَ المسيح في بلاط الملك السعيد
    منجماً ومخبراً وكاتباً
    ....
    رأيته هراً بلا نيوب
    ((يحكي انتفاخاً صولة الأسد)).
    وجلي
    أن التناص هنا قد تحقق من خلال اقتباس عجز بيت ابن خفاجة السابق، ووضعه
    كاملاً في نص البياتي الجديد. ويعرض البياتي في المقطع السابق، كما في
    البيت القديم بذلك الصنف من الناس، الذين يتباهون بما لا يملكون، وينعتون
    أنفسهم بما ليس فيهم، فيتحدثون عن القوة والشجاعة، على حين أنهم
    يفتقدونهما، كما يفضح البياتي في هذا المقطع، ضعف هذا الصنف من الناس،
    وجبنهم الذي ليس لـه حدود. ومما يؤيد ما ذهبنا إليه أن بيت ابن خفاجة كان
    الهدف منه التعريض بملوك الطوائف والدويلات، الذين كانوا يحكمون في الفترة
    التي سبقت سقوط الأندلس على أيدي الفرنجة، حيث كان هؤلاء الملوك يتخذون
    الألقاب التي تشير إلى عظمتهم وعظمة ممالكهم، على حين أنهم كانوا مجرد حكام
    لإمارات صغيرة متناحرة، كانت تنهار الواحدة تلو الأخرى، وتسقط في أيدي
    الفرنجة، ولعل البياتي يسعى من وراء استحضار هذا الشطر الشعري إلى تأكيد
    استمرارية ظهور هذا الصنف من الناس في كل زمان ومكان.

    وصفوة
    القول:إن طبيعة التناص الاقتباسي الكامل المنصص، تقوم على اقتباس جملة أو
    جمل كاملة تامة المعنى، تشكل بحد ذاتها نصاً مستقلاً، سواء أكانت شعراً أم
    نثراً.

    ب ـ التناص الاقتباسي الكامل المحور:
    وهو
    ن يعمد الشاعر إلى نص مستقل ومتكامل بذاته، سواء أكان بيتاً، أم أبياتاً
    شعرية كاملة، أم شطراً من بيت شعري، أم جملة نثرية كاملة، فيقتطعه من
    سياقه، ويضعه في نصه اللاحق، بعد أن يغير في بنيته الأصلية، فيزيد فيها أو
    ينقص، ويقدم فيها أو يؤخر، سواء أكان هذا التغيير أو التحوير بسيطاً أم
    معقداً.

    ويزخر
    شعر البياتي بأبيات شعرية وبنصوص نثرية متعددة ومختلفة المصادر، أخضعها
    البياتي للغته الخاصة، وانزاح بها عن بنيتها اللغوية الأم، وأعاد صياغتها
    من جديد، لتقدم لنا رؤيته الشعرية الجديدة.

    ---------------
    يتبع



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:34 pm