منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    التناص الامتصاصي

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    التناص الامتصاصي

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 10, 2012 9:30 am



    3 ـ التناص الامتصاصي:


    وهو
    أن يستلهم الشاعر مضمون نص سابق أو مغزاه أو فكرته، ويقوم بإعادة صياغة
    هذا المغزى أو المضمون أو الفكرة، من جديد بعد امتصاصه وتشربه، من دون أن
    يكون في النص الجديد حضور لفظي واضح، أو ذكر صريح للنص السابق. وفي هذا
    الشكل من أشكال التناص لدى البياتي، تبدو عملية امتصاص وتشرب النصوص
    السابقة غير محددة بقواعد أو ضوابط تعين على اكتشافها، إذ إن معالم النصوص
    السابقة تتنازعها جدلية الخفاء والتجلي، وذلك بحسب قوة ذوبانها في النصوص
    اللاحقة.

    وثمة نماذج كثيرة للتناص الامتصاصي في شعر البياتي، ففي قصيدته (الحجر)، يقول البياتي(53):

    عصا سليمان على بلاطة الزمان



    وهو عليها نائم، متكئ، يقظان



    ينخرها السوس، فيهوي ميتاً رميم.



    والبياتي
    في المقطع السابق، يمتص معنى الآية القرآنية، التي تتحدث عن موت نبي الله
    سليمان، الذي ظلّ بعد موته واقفاً، متكئاً على عصاه، وكيف أن قومه لم يدروا
    بموته، إلا بعد أن أتت دوابّ الأرض على عصاه. قال تعالى(54): ?فلما قضينا
    عليه الموت، ما دلهم على موته إلا دابة الأرض، تأكل منسأته?. ويلحظ المتلقي
    أنه لم يظهر في نص البياتي، أيَّةُ مفردة من مفردات النص القرآني، كما أن
    البياتي لم يعتمد الصياغة أو الأسلوب نفسه الذي استخدمه القرآن الكريم في
    عرضه قصة موت سليمان، بل عمد إلى صهر تلك الصياغة القرآنية في لغته الخاصة،
    وسكب عليها من روحه الشعرية. والمقطع البياتي السابق، فيه تأكيد لتحجر هذا
    الواقع، واستمرارية الموت، الذي يظهر من خلال استمرار الغربة والنفي
    للبياتي نفسه، ومن خلال موت سندباد ـ رمز الخلاص، وغرق إرم العماد ـ رمز
    المدينة الفاضلة، ومن خلال موت سليمان، وتهرّؤ الخيام. ولعل هذا الموت
    الجماعي الذي يشير إليه البياتي، يشعرنا بموت الحياة نفسها، بحيث لم يعد
    فيها أي شيء يستحق العيش من أجله. يقول البياتي(55):

    من أسفل السُّلَّم ناديتُكَ، يا ربّاه

    جِلديَ يسَّاقط في الظلام

    شعريَ شابْ، ...

    جنِّيةُ البحر على الصخرة تبكي: مات سندباد

    ربّاهُ طالتْ غربتي رباه!

    وغرقت عبر الليالي (إرمُ العماد)

    عصا سليمان على بلاطة الزمان...

    تهرّأ الخيَّام....

    وفي
    قصيدة (الملجأ العشرون)، يعمد البياتي إلى اقتناص جملة من قول خالد بن
    الوليد المشهور(56): ((لقد لقيت كذا وكذا زحفاً، وما في جسمي موضع شبرٍ،
    إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم هأنذا أموت حتف أنفي، كما يموت العَير،
    فلا نامت أعينُ الجبناء)). ويلحظ المتلقي أن البياتي يمتص قول خالد: (فلا
    نامت أعين الجبناء)، ويتشرب روحه ومغزاه، ويحمّله شحنات دلالية خاصة،
    ومضمونات جديدة تناسب الواقع المعاصر، المثخن بالجراحات الأليمة التي لا
    تندمل. يقول البياتي(57):

    ((من ههنا أماه! أعواد المشانق والحريق

    من ههنا بدؤوا ونبدأ، والطريق

    وعْرٌ طويل

    لا عاشَ رعديدٌ ذليل)).

    وفي قصيدته (الأعداء) يعزف البياتي على مكونات مَثَل مشهور، متضمَّن في البيت الشعري القائل(58):

    هذه العصا من هذه العصيّة




    وهل تلد الحية إلا الحية




    حيث
    يقوم البياتي بتذويب عجز هذا البيت وامتصاصه، ليبني على أنقاضه قولاً آخر،
    له الدلالة نفسها والمغزى نفسه، يقول البياتي في قصيدته الأعداء(59):

    صبُّوا الماء على الماء

    رقصوا فوق حبال الكلمات الصفراء

    صنعوا شعراء

    نصبوا خلفاء

    ومطايا وطواحينَ هواء

    فإذا الكلُّ هباء...

    الشعرُ نقاط سوداء

    الحبُّ بكاء

    التاريخ فتوحُ نساء

    فالكلمات الكاذبة الجوفاء

    لن تصنع عنقاء

    من جمل الصحراء.

    * * *

    القطط العمياء

    تلد القطط العمياء.

    يتبدى
    التناص الامتصاصي في المقطع السابق، من خلال السطرين الأخيرين اللذين
    يمتصان المثل: (هل تلد الحية إلا الحية)، واللذين يريد البياتي من خلالهما
    فضح ذلك الواقع السياسي المشوّه، الذي يسيطر عليه المهرجون، الذين صبوا
    الماء على الماء/ ورقصوا فوق حبال الكلمات الصفراء / وصنعوا شعراء/ ونصبوا
    خلفاء…، والذين تتحول عندهم المفاهيم، وتأخذ مساراً مخالفاً، فإذا الشعر
    نقاط سوداء / والحب بكاء/ والتاريخ فتوح نساء. غير أن النتيجة الحتمية لهذا
    الواقع، ولهذه المفاهيم المنقلبة عن أصلها ومسارها الصحيح، ولادةٌ شوهاءُ،
    لا يتحقق فيها الانبعاث، ولا تعود فيها الحياة إلى مجراها، فالكلمات
    الكاذبة الجوفاء / لن تصنع عنقاء / من جمل الصحراء، والقطط العمياء لن تلد
    إلا قططاً عمياء، مثلما أن هذا الواقع الفاسد، لن ينتج إلا واقعاً أشد
    فساداً.

    وقد
    أمدت تجربة الاغتراب لدى الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، البياتي بتجربة
    مماثلة لطبيعته الثورية المتمردة، فقد وجد البياتي نفسه، في الاغتراب
    والنفي، شبيهاً بطرفة المنفيِّ أيضاً، وإن كان نفي البياتي أشد ألماً
    ومرارة، إذ كان نفياً جسدياً وفكرياً، وثمة قصيدة شعرية استلهم فيها
    البياتي، مغزى بيت شعري من معلقة طرفة يقول البياتي في قصيدته (عشاق في
    المنفى)(60):

    ـ وأنا…

    ـ وأنتَ؟

    ـ أنا وحيدْ!

    كقطرة المطر العقيم، أنا وحيد!

    ـ وهؤلاءْ؟

    ـ مثلي ومثلك يحفرون قبورَهم عبر الجدارْ

    مثلي ومثلك مُقبلون على انتظار

    مَنْ لا يعود

    وأنا وأنت وهؤلاءْ

    كالعنزة الجرباء أفردها القطيعْ

    لا نستطيع…

    وإذا استطعنا، فالجدارْ

    والتافهونْ

    يقفون بالمرصاد، كالسدِّ المنيعْ

    لا نستطيع.

    وواضح أن السطرين التاسع والعاشر يقف خلفهما بيت طرفة القائل(61):

    إلى أن تحامتني العشيرة




    وأفردت إفراد البعير المعبّد




    فالبياتي
    يعيد صياغة هذا البيت صياغة جديدة، تأخذ من بيت طرفة مضمونه وروحه، لتمتزج
    بلغة البياتي الخاصة. وتكمن في هذه القصيدة رؤية البياتي لتجربة النفي،
    التي عاشها سنين طويلة، حيث تكشف عن شدة معاناة المنفيين. ولعل هذه القصيدة
    تمثل أيضاً قضية الاغتراب، اغتراب الفنان والمفكر والأديب في أجلى صورِها،
    في هذا العصر، حيث يعيش كلٌّ منهم في منفىً نفسي أشد مرارة من المنفى
    الجسدي، ويعيش كل منهم حالةً من العذاب والقلق والقهر تشابه، بل تضاهي حالة
    المغترب جسدياً.

    ويتجلى التناص الامتصاصي في قصيدة البياتي (العرب اللاجئون)، حيث يقول البياتي(62):

    يا من يدق الباب

    نحن اللاجئين

    متنا

    وما ((يافا)) سوى إعلان ليمونٍ

    فلا تُقلق عظام الميتين.

    في المقطع السابق يعمد البياتي إلى إذابة قول المعري(63):

    خففِ الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الـ




    أرضِ إلا من هذه الأجساد



    ---------------------------


    يتبع




      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:04 pm