منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    ين القيمة والمعيار

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    ين القيمة والمعيار

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 24, 2012 5:58 am

    [center]القيمة المعيارية في شعر مفدي زكريا (*) ـــ الدكتور وليد مشوّح (**)

    بين القيمة والمعيار:

    يطرح الناقد العربي الفلسطيني يوسف سامي اليوسف في كتابه القيّم الموسوم بـ (القيمة والمعيار)([1])، مجموعة من الأسئلة جاعلاً منها مدخلاً لصناعة معيار يروز على أساسه القيمة الأدبية والنفسية للنص الشعري، ومن هذه الأسئلة: لماذا كان الشعر ظاهرة رافقت الإنسان منذ ما قبل التاريخ حتى اليوم؟ ولماذا كان المسرود جذاباً لجميع أصناف البشر، وفي جميع الأماكن والأزمان؟... ما هي المعايير التي يمكن للمرء أن يستند إليها في تحديد قيمة النصوص الأدبية. أو في فك الاشتباك بين جيّدها ورديئها؟ وهل في الميسور أن نغرس المعيار خارج تربة النفس، أي خارج محتوياتها الماهوية الكبرى؟...

    ثم لئن ميز المرء بين وعي الثمالة ووعي الدلالة، ولئن ألحق بالمملكة الأولى وحدَها؛ فهل يبقى هنالك منهج لمقاربته، سوى منهج التوسم، أو التذوق والتمتع؟...

    وهل النقد الأدبي فكر أو ذوق؛ أم هو مزيج من الشيئين معاً؟ أليس من شأن المناهج التحليلية السائدة أن تسيء إلى جلاله وقدره الرفيع؟ أم تراها تحسن صنعاً إذ تسبر أغواره وتنير أسراره وتكشفه أمام الوعي حقاً؟....

    ولعل مسألة القيمة، ومعيار القيمة أن تكون واحدة من أبرز القضايا الأدبية وأحقها بالبحث والتنظير، إذ أن العقل البشري معياريٌ بطبعه، أي بحكم ماهيته نفسها، فهو لا يقبل من الأشياء إلا ما كان ذا قيمة وحسب، ولا ريب في أن نزعته المعيارية آيةٌ على حرارته وحيويته وخصوبة نشاطه، ومع ذلك، فما من أحد في هذا الجيل الراهن قد حاول أن يحدد أية منظومة من المعايير، بغية الاستعانة بها في تحديد القيمة.

    ففي الحق أن كل نص أدبي هو استحضار لصباغ عصره، أو لما يستتب في ذلك العصر من ماهية، وهذا يتضمن ما فحواه أن النص البكر لا ينتجه إلا عصر بكر، أو طور تاريخي، لم يرضخ بعد لشيخوخة الروح. وفي صلب الحق أن عصرنا الراهن لم تعد له أية بكارة مهما تك نسبتها، ولهذا فلست أحسبه شديد القدرة على إنتاج الكثير من الأدب الأصيل.

    وإن نحن أردنا تحديد أهمية النص فقمين بنا أن نعلّقه على حوامل عدة، مثل الحامل التاريخي، الحامل الاجتماعي، الحامل الثقافي، الحامل السياسي، الحامل الاقتصادي، شريطة أن يكون لهذه الحوامل كلها محور أساس، هو الحامل الأكبر والأهم وأعني به الحامل الغائي.

    وهو الذي يحدد ـ بدوره ـ تفرد النص، وخصوصية الشخصية التي أنتجته وفرادتها، وكيفية وماهية الجرعة الوجدانية في الذات المتلقية..

    إذن، فالشعر يحمل قيماً مؤثرة، ولكي تكون مؤثرة؛ يجب أن تؤدي وظيفتها في تحقيق الغائية، وهذه القيم ذات الغائيات المعيارية تشمل: القيمة الإنسانية، والقيمة الوطنية، والقيمة القومية، والقيمة اللغوية، والقيمة النفسية، والقيمة الإيقاعية، والقيمة الدينية، فتتكاتف هذه القيم بتكاملية كلية لتشكل القيمة الجمالية.

    وهنا أراني مضطراً أن أحدد هذه القيم على جغرافية شعر الشاعر أو على بعض من أقانيمه الشعرية لأجد المعيار الأساس الذي أراه يكمن في ماهيات التأثير النفسي والوجداني والشعوري في الذات الاجتماعية لتحقيق إرادة النضال والمضي قدماً لتحقيق الغاية الكبرى المتمثلة بالحرية والاستقلال.

    القيمة النفسية:

    إذا كان العربي قد صنع الصوت أو حاكاه ليعبر عنه المعنى؛ فإنه في الوقت نفسه قد استل هذا المعنى من خيالاته، ولكي يرسخه عند الآخر، وأقصد المتلقي، فإنه اعتمد على طرائق عدة في التوصيل وبالتالي إحداث الهزة الشعورية عنده، مثل الطريقة الإيحائية، والطريقة الإحساسية، والطريقة الشعورية، والطريقة الإيمائية الترميزية، وقد تأتي هذه الطرائق بشكل عفوي، وقد تأتي عن مقدرة المبدع على تلوين نفسه الإبداعي بالصوت والحركة واللون ليقدم أفقاً غيرَ منظور لدى الآخر ـ المتلقي، فالأحاسيس هي أجهزة تحويل إيجابية تتعاون مع بعضها لتخلق حاسة جديدة هي الشعور، وكلما اتسعت مدارج الشعور إلى ما وراء المحسوس كان أثر النص المبدع نابزاً في الذات الأخرى.

    إذاً؛ فمنطقة المشاعر الإنسانية تتكون من تآلف وتضافر الحواس الخمس التي نرى أن أرقاها هي حاسة السمع، لأنها المصنع الذي يصنع الصوت وبالتالي يصبّه في خزان المشاعر، ومدى الإحساس بالصوت يخضع لمعيار دقيق مصنّع من الزمان والمكان والقائم عليهما، والحادث بينهما.

    وتستطيع حاسة الصوت أن تتحول إلى حاسة لمسية إذا ساعدتها المشاعر، وبالتالي تقلب معادلة الإحساس وتخلط المشاعر، فمثلاً شعوري بالسخونة يتحول إلى سماع صوت الضجيج أو شعوري بالدفء يتحول إلى سماع صوت هامس متأوه ومتنهد وهكذا.

    كذلك البصر وأعني أنه عندما تتقارب الحواس وتتعاون أيةٌ منها مع المشاعر فإنها تنتج صوتاً تتلقفه الذاكرة عن طريق التداعي، ومن ثم يحدث الأثر المراد([2]).

    وهذا ما عناه ابن جني عندما أخذ يشرح قاعدته الذهبية: (تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني)، فالعربي بعد أن يختار الحروف التي تتوافق أصواتها مع الحدث الذي يريد التعبير عنه، يقوم بترتيبها في اللفظة على أساس أن يقدم الحروف الذي يماثل أول الحدث، ويضع في وسطها ما يماثل وسطه، ويؤخر ما يماثل نهايته. وذلك سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد([3]).

    وإذا ما أخضعنا ما طرحناه آنفاً للتطبيق على قصيدة «اقرأ كتابك» لمفدي زكريا وقد نظمها وهو قابع في الزنزانة رقم /375/ في سجن البرواقية في الذكرى الرابعة للثورة الجزائرية يوم الفاتح من نوفمبر؛ لوصلنا إلى مصداقية الطرح؛ ولكشفنا عن حقيقة تقول: إن الشعور هو مخزن الحواس، وهو المتصرف المطلق بعطاءات الحوار:

    هذا (نفمبر)، قم! وحيِّ المدفعا






    واذكر جهادَكَ... والسنينَ
    الأربعا

    واقرأ كتابك للأنام مفصّلاً






    تقرأ به الدنيا الحديثَ الأروعا

    واصدع بثورتك الزمانَ وأهلَهُ






    واقرع بدولتك الورى _المجمعا)

    واعقِدْ لحقك في الملاحم ندوةً






    يقف السلاح بها خطيباً
    مُصْقِعاً...!

    وقل: الجزائر..! واصغِ إن ذُكِرَ

    اسمُها





    تجد الجبابرَ ساجدينَ وركعَا

    إن الجزائر قطعة قدسية






    في الكون لحنها الرصاصُ
    ووقعا

    وقصيدة أزلية، أبياتُها






    حمراءُ، كان لها (نفمبرُ)
    مطلعاً([4])

    نلاحظ أن حرف العين الذي تكونت منه قافية القصيدة هو من الحروف المصوتة الطويلة والعميقة والعالية، اختاره الشاعر ليتناسب مع نزقه وقهره وتمرده على واقعه الخاص والعام، فهو يخرج من العمل (والشاعر يقبع في قرارة الزنزانة)، ليصل إلى البعيد، وهي الرغبة التي تجتاح الشاعر لأن يوصل الصرخة إلى الآخر الذي يؤمل منه أن يحولها إلى فعل نضالي فاعل... هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا سنتوقف عند تزاحم أفعال الأمر في مطلع القصيدة أو ما تضمنه هذا المقطع على الأقل، فهي تدل على الشدة والصلابة، والثبات والثقة، كما تدل على الرفض والنزق والثقة بالآخر، ومحاولة ضعضعة السكون، ودفع الحركة قدماً إلى أمام.

    وهكذا نجد الأمر واضحاً عند مفدي زكريا، فهو بحكم تربيته الدينية والروحية العالية، استقر يقينه على الإيمان بمقدرة شعبه على الفعل والحرية مما حوله من شاعر صائغ، إلى شاعر ملتزم يؤدي بشكل راقٍ جداً متطلبات التزامه، ويتمثل القيم السلوكية لموروثاته الاجتماعية، ليصبح في سلوكه الفني ـ التعبيري مثالاً سلوكياً نضالياً ثورياً متميزاً، لا سيما حين اندغمت شخصيته الفردية بقيم النضال الشعبي وضرورته للحرية لاستعادة الهوية القومية والدينية للجزائر، بوصفها الركن المهم في تركيبه أمتها العربية.

    لقد مثّلَ الشاعر مفدي زكريا مرحلة تاريخية كان لازماً لها، فوضع نفسه في قلبها، وكأنه كان يحقق استجابة حقيقية لتحديات واقع الجزائر آنذاك وفي أحلك فترة من فترات تاريخه السياسي، ولم يكن استجابة على مستوى التعبير الشعري وحده؛ وإنما هي استجابة على مختلف المستويات.

    وهنا لا بد من التنويه إلى أن التكوين النفسي ومنعكساته على شعر زكريا والذي نتناوله بمثل هذه العجالة؛ يأخذ جانباً من المسألة المتكاملة التي لا تأخذ أبعادها بشكل دقيق إلا بدراسة أوجه التعالق بين التجربة الشعرية للشعراء الذين سبقوه، والشعراء الذين عاصروه مثل (عمر بن قدور، ومحمد العيد، ومحمد السعيد الزاهري، ومحمد الأمين العمودي، والأمير عبد القادر الجزائري، ومحمد المبارك، ورمضان حمود، ومحمود بن دويدة، ومحمد جريدي وغيرهم)([5]).

    وهي تعكس حضورها في تجربة زكريا الشعرية، فالتماثل في الأهداف، والإيمان والقيم والإحساس بالواقع الراهن؛ لا يمكن أن يبث سمات حضوره إلى ذلك قيمة دلالية كبرى، وهو ما مرت الإشارة إليه. غير أن تأمل المكونات الفنية لهذه التجربة واتجاهاتها إلى مذاهب التعبير الشعري ستفضي بنا إلى آفاق حركيتها بين أكثر من رواية واتجاه، لقد كان من المنتظر أن تفرض التعاملات الفكرية الواقعية التي أسس عليها زكريا شعره) قيمها على توجهاته الفنية فيها، فتضعه في أفق التعبير الواقعي وتمثلاته الفنية، وهو ما حصل فعلاً في نصوصه الشعرية. ولكنه لم ينقطع إلى ذلك تماماً، فقد كانت نزعته الذاتية حاضرة، ومتفاعلة مع ما تعبّر عنه، مؤسسة لقيمها الإنسانية والوجدانية في نسيج التعبير عن الهم الوطني وقضاياه.

    ومن هنا يمكن تلمس ذلك الحس الوجداني الذي يفضي بتعبيرية الشاعر إلى رواية رومانسية خاصة تدفقت قيمها في نصوص وسياقات تعبير ومشاعر، وكان مرجع ذلك إلى التأسيس الأول في شخصية مفدي زكريا ونزوعه الروحاني الذي يمتلئ بقيميه ذاتية تنجز رؤيتها المتبتلة بما تستحضره من مشاعر وأحاسيس، لأن الأصل عنده هو (الوجدان) الذي أصبح أساساً في حركة الشاعر بعد ذلك. فكلما داهمته الخطوب القوية، عاد إلى الأصل النفسي فانفتحت الذات ليلج فيها. أضف إلى ذلك التأثير الخارجي المستمد من تواصل مفدي زكريا مع التجارب الشعرية التي باتت تطل على عالم الشعر الشعربي، ولا سيما التجارب التجديدية وخاصة عند جماعة الديوان، وجماعة أبولو، وما أعلوا شأنه من تعبيرية وجدانية، ولعلنا وضعنا يدنا على تلك الخصوصية التي كان عليها شعره، وهو يستدرج إلى سماته، مما يلفت إليه من عناصر التشكيل الفني.

    ولكن زكريا ـ وهو يسلك في تلك الرؤى ـ كان متمسكاً بتقليدية البناء الشعري الموروث على صعيد التشكيل الموسيقي لشعره، حريصاً على تأكيد طول النفس ـ أحياناً ـ في القصيدة؛ وقصره عندما يجأر بالشكوى من الواقع الراهن، أو يحض على رفع وتائر الفعل الثوري في أحايين كثيرة، وذلك عبر أدائية موسيقية ضاجّة، وهو ما يكشف عن جانب في نزوعه الشعري الموروث والذي انطلقت منه تجربته الشعرية أساساً، وكانت أمثلتها تقليداً محضاً لأمثلته البارزة؛ ولا سيما كان لدى محمد العيد وأقرانه، وهو ما تعكسه قصائد الحض والاستنفار والدفع وهذا ما بوأه مكانة بارزة في حراك وطنه السياسي والنضالي؛ فوسم بشاعر الثورة الجزائرية. بيد أن تلك المرحلة التي خرج زكريا من أسار تعبيريتها الفنية، وتداول أكثر من فاعلية؛ قد مزجت عناصرها وتشكلاتها لتصنع قصيدته بطاقتها الإدائية والجمالية التي تمتلك مواصفات انتمائها إلى مذهبية كلاسيكية؛ خرجت في أحايين معينة إلى واقعية صريحة، أو مدت بصرها إلى تمثل رومانسي ضيّق؛ غير أنها ـ وفي كل أحوالها ـ كانت تستجيب إلى اشتراطاتها الذاتية ـ موقفاً وممارسةً ـ أكثر من أي شيء آخر، وهو ما يستوقف أية قراءة متفحصة لدواوين زكريا، أو لتلك القصائد التي بقيت خارج تلك الدواوين ثم جمعت ضمن دراسة خاصة([6]).

    ـ القيمة الوطنية والقومية والدينية:

    كانت دعوة الزعيم الوطني المصري محمد فريد من أوائل الدعوات التي تنادي بتحميل الشعراء رسالة معينة في خدمة أوطانهم.

    وقد جاء في المقدمة التي كتبها لديوان الغاياتي: (... فعلى حضرات الشعراء أن يقلعوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة، ومواسم معدودة، وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالية في خدمة الأمة وتربيتها، وبدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء وتملق الأمراء والتقرب من الوزراء، فالحكام زائلون والأمة باقية)([7]).

    والحقيقة أن هذا الموقف، وبهذه الدرجة من المباشرة في الدعوة إلى توجيه الشعراء للمشاركة في أحداث وطنهم لا صلة له بالنقد العربي القديم؛ وإنما أملته الظروف التي كانت تعيشها مصر آنذاك، فالشعر عند طائفة من النقّاد القدامى لا يتجاوز كونه سجلاً لأيام العرب، وديواناً لبطولاتهم، فهي دعوات غير مباشرة لأن الشاعر مدعو بحكم وظيفته المعنوية في القبيلة أن يدافع عن حماها، وأن يذود عن شرفها([8]).

    وحين يحدد عباس محمود العقاد غايات الشعر، يتوقف طويلاً عند القيم الوطنية والدينية، لأن الخواطر الثورية ـ عنده ـ في الشعر الرفيع شيءٌ، والتحريض على الثورة شيء آخر.

    فقد ينظم الشاعر مرة أو مرات قليلة في غرض من أغراض السياسة الموقوتة، إذا تهيأت له مناسباتها، ولكنه لا يعرف المشاركة في الثورة على الوجه الذي يعرفه الكاتب والخطيب([9]).

    وفكرة العقاد تحتاج إلى قليل من التصويب على ما أرى، فالشاعر عندما يحمل قضية، ويندب نفسه للنضال من أجلها، وهو شاعر ملتزم بإيماناته حتماً، وهو لا يقل فعلاً عن الكاتب والخطيب وقد يكون أكثر فعلاً منهما، لأن الكاتب يعتمد على الفكرة فيصوغها ضمن مقاييس فنية، والخطيب يعتمد على المقدرة التمثيلية في إيصال الفكرة التي قد يستعيرها من الكاتب، أما الشاعر فيعتمد على الدفق الشعوري المتأتي من الإحساس فيصنع له الصاعق ويجهزه للانفجار ثم يدفع به إلى الجماهير بشكل مباشر ومن غير الحاجة إلى وسائط خارجة عن الأحاسيس والمشاعر، فهو النار التي تشعل الفتيل، وهذه حال شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا:

    اعصفي يا رياح






    واقصفي يا رعود

    وانحني يا جراح






    واحدقي يا قيود

    نحن قوم أباة






    ليس فينا جبان

    قد سئمنا الحياة






    لا نمل الجهاد




    في سبيل البلاد([10])





    «في الثلاثينات والأربعينات، رابط الشاعر الجزائري في جبهتين اثنتين، جبهة المنافحة عن المقومات الأساسية للشخصية الوطنية، عقيدةً وروحاً ولغةً وتاريخاً وحضارةً، وهي جبهة لا تحتمل المساومة، ولا تخضع للترغيب والترهيب، ولا تزايد في هذه المقومات بملء الأرض ذهباً، جبهة مستميتة حتى الوريد، منتفضة حتى النفس الأخير، فالحياة المادية للإنسان يمكن أن تتأرجح بين سياط الجلاد ومقاصله، ولكن الكرامة البشرية المتمثلة في مقومات وجوده، لا تحتمل غير مصيري الوجود أو العدم، وليس بينهما مجال للوسطية»([11]).

    مفدي زكريا مثّل الكاتب والخطيب والمقاتل، مثّل العربيّ والجزائري والمسلم بكل القيم التي تحملها العروبة والإسلام على مر الأزمان، وقد صاغها (القيم الوطنية والقومية والدينية) شعراً وكانت الدروس التي أملتها الثورة الجزائرية، والامتحانات التي خاضها الشعب الجزائري في نضاله، والنجاح الذي تحقق للشعب الجزائري، في التفافه حول الثورة، والفصل فيها.

    فهو: «شاعر النضال السياسي لهذه الفترة الذي يمثّل مع (محمد العيد) شاعر البناء الذاتي للشخصية العربية المسلمة؛ يمثلان معاً ومع نظرائهما (الزاهري والسنوسي وأبو اليقظان) رموز الملحمة بأحداثها ومآسيها، وانعكاساتها على الصورة الشعرية؛ إشعاعاً على الأمل، وخفوتاً مع اليأس، وقد يفجّر اليأس الغضبة الضارية عند زكريا أو يولّد الانكفاء عند العيد في شبه صوفية، فقدت أي معنى للحياة خارج الذات، فاستجارت بالعزلة الباطنية، وربما تخطت الخارج والباطن، وعانقت الموت في شرخ الشباب»([12]).

    هل للحقائق في الحياة وجود؟!!






    أخذت على عقلي الشكوك، تسود

    دنيا على الأعمى التوت أوعارها






    من يرشدِ الأعمى بها، ويقود

    صبراً على ليل الحياة وطولِهِ






    حتى يشقَ من الصباح عمود

    من مات لا ريب استهل فلا تخف






    الموت دنيا واللحود مهود

    يا موت.. خوّلت ابنَ آدمَ راحةً






    ما بعد موتك لابن آدمَ جودُ

    في القبرِ، نزلٌ طيّبٌ، وكرامةٌ






    كبرى، وظلُّ وارفٌ ممدودُ

    والناسُ أطهر في القبور جبلَّةً






    ولو انهم رممٌ هناك ودودُ([13])

    «ويأتي عقد الخمسينات ليكون زمنَ الثورة التحريرية في الجزائر، ولن تكون القصيدة والتفعيلة إلا وهجاً من هذه الثورة. وقد لمسنا كيف أن الشعراء (وعلى رأسهم زكريا) قد بشروا بهذه الملحمة البطولية سنواتِ طوالاً قبل ميلادها»([14]).

    وما إن انطلقتُ المبرمجةُ الأولى، حتى تحول شعر زكريا وأقرانه إلى بيان سياسي حادٍ، ترتفع نبرته على صوت العقل، وتنبو توجهاته عن جماليات الصورة، فبات ـ والحالة هذه ـ على صورة تشبه الحداء، إيماناً بالفعل المسلح، ورفضاً للتنظير والمفاوضة الدبلوسية؛ بينما فرش الشاعر أرضية قصيدته بالموروث الشعري العربي، إذ رأى أبو تمام أن السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحدُّ بين الجد واللعب، وعلى هذا تشكلت إيمانات مفدي زكريا في قوله:

    نطقَ الرصاص فما يُباح كلامُ






    وجرى القصاص فما يتاح كلام

    السيف أصدق لهجة من أحرف






    كُتِبَت، فكان بيانها الإبهام([15])

    إذاً، فهو يريدها نصراً ساحقاً، وأن تكون أيامُها واقعاتٌ كوقعة عمورية التي دحرت الروم وأعادت للتراب العربي طهارتِه.

    وكانت إيماناتُهُ بوحدة التراب المغربي جلية واضحة، إذ ظل شعره يرفض الحدود كما رفض القيود... وتجوهر ذلك الإيمان في عروبته التي أرادها مؤطرةً بالإسلام، وقد ركّز على اللغة العربية كمقوّم أساس من مقومات القومية العربية، ولم يحتج إلى الترميز وهو المناضل الجسور، بل أعلنها واضحة بقوله:

    تونس والجزائر اليوم والمغرب،






    شعبٌ لن يستطيع انفصالا

    وحدةٌ أحكم الإله سُداها






    وَسمتْ في الحياة، عمّاً وخالا

    نصبوا بينها حدوداً من الألوا






    ح جهلاً وخِدعةً وضلالا

    نحن روح، مزاجه العنادُ والد






    ينُ، فلن يستطيع ـ قطُ ـ انحلالا

    نحن قوم على الولاء خُلقنا






    يشهدُ الدهرُ ذكرَنا، والفعالا

    نحن شعبٌ على الزمان عزيزٌ






    عربيٌّ، كالنيّرينِ اشتعالا

    كلما رِمْتمُ افتراقاً، قَرُبنا






    وعقدنا محبةً واتصالا([16])

    دعا ابن رشيق القيرواني الشعراء (كي يجيدوا في شعرهم) إلى «الثقافة والرواية والحفظ من أشعار المبرزين من الشعراء، وقد ذهب ابن طباطبا العلوي ـ كذلك ـ إلى أن الثقافة والأخذ بعلوم العصر الأدبية، وخاصة تلك التي تتصل باللغة ومذاهب العرب في تأسيس الشعر والتصرف في معانيه ضرورية للشاعر»([17]).

    ويرى الدكتور طه حسين ـ وهو يتحدث عن أهمية القراءة والاطلاع في الإبداع ـ أن الثقافة عنصر ضروري وأساسي في الخلق الفني، ويذهب إلى أن «الأديب لا يستطيع أن ينتج إنتاجاً حسناً إلا إذا كان مستكملاً أدوات هذا الإنتاج والثقافة الواسعة العميقة المنوعة هي أهم هذه الأدوات.

    ويلوم الدكتور حسين أولئك الأدباء الذين يكتفون بثقافات محدودة، غاية في الضيق، ويتكئون في الإبداع على الموهبة الفطرية، ظناً منهم أنهم ليسوا في حاجة إلى القراءة والاطلاع، «لأنه بإمكانهم أن يبدعوا إذا وجهوا نفوسهم وعقولهم نحو غرض من الأغراض واستحضروا معنى من المعاني»([18]).

    والمعيار الذي أراده النقاد هنا يتوافق مع الكون الشعري لمفدي زكريا، فهو مثقف، كما تنم على ذلك شاعريته، ولغته العربية النقية، كما أنه عروبيٌّ وتراثيٌّ، نجح في فنه الشعري، وفي عمله الصحفي، وفي حجته التجارية، وفي وكونه مدراً وهب مخزونه الفكري لطلبته، وإذا استعرضنا قصيدته الموسومة بـ (رسالة الشعر في الدنيا مقدسةً)، و(هي القصيدة التي ألقاها باسم الجزائر في مهرجان الشعر بدمشق يوم الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام 1961، وقد عرفته آنذاك، إذ كنت بين الحضور في مدرج جامعة دمشق)؛ لوجدنا مدى سعة اطلاعه على الشعر القديم، والشعر الذي عاصره:

    سل العروبة هل ضجّت لشكوانا






    وسل أمية... هل رجّت لبلوانا

    ويا ذرى الشام... هل هاجت مواجدنا






    فباركَ الشعر في ناديكِ لقيانا

    ويا دمشق... هل ابتلّت جوانحنا






    بعد التنائي الذي قد كان أضنانا

    وهل درى السجن: أني بعد وحشته






    ألقى بجلّق أصحاباً وخِلانا

    هي المشاعر... شبّتها لواعجنا






    فصاغها الشعر حباً من حنايانا

    هي الحشاشات فارت من مذابحنا






    تضوع في الشرق عطراً من زوايانا

    هي التسابيح من أعماق مغربنا






    يصغي بها مِهرجان الشعر نجوانا

    هي الشعاليل... من بركان أطلسنا






    تشع في الشرق أنواراً ونيرانا

    ووحدة الثورة الكبرى مظفرة






    تزف للوحدة الكبرى تحايانا

    وتلك أكبادُ عبد القادرِ انطلقت






    تبارك النبل في أكباد مروانا

    آمنت بالله ـ يا فيحاء ـ كم مهج






    خلدّنَ في حرم الفيحاءِ ذكرانا([19])

    ففي القصيدة مجموعة من القيم الوحدوية والثورية والقومية والإنسانية والإيمانية، ومنها تطل علينا نفسٌ مؤمنة بالمصير الواحد، والتاريخ الواحد، والجغرافية الواحدة، وعليها سمة عاطفية تقول بالنسر العربي الذي يفرد جناحيه على أرض عربية في مشق الكون العربي ومغربه، ومن عمقها وعذوبتها تأتينا أفواحٌ نثرها شعراء غزل الشاعر على أنوالهم، فابن زيدون في نونيته (أضحى التنائي بديلاً من تدانينا)، وأحمد شوقي (ذهبت للمسجد المحزون أسأله... هل في المصلّى أو المحراب مروانا)، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) (سائل العلياء عنّا والزمانا... هل خفرنا ذمة مذ عرفانا)، وشفيق جبري (يا طاوي البيد إن يممّت لبنانا... فانثر على أرزه ورداً وريحانا)، وبدوي الجبل (يا سامر الحيِّ هل تعنيك شكوانا... رق الحديد وما رقّوا لبلوانا)، وشعراء كثيرون من بلاد الشام خصوصاً، والمشرق العربي على وجه العموم.

    ـ القيمة الإيقاعية:

    ليس جديداً قولنا: إن الشعر أسرع حفظاً من النثر، وأثبت في الذاكرة، لذا كان ما روي من شعر العرب أكثر بكثير مما روي من نثرهم... و«السر يرجع إلى ما في الشعر من انسجام المقاطع وقوالبها وخضوعها لنظامِ موسيقي خاص تألفه الأذن، وترتاح إليه النفس، ويدرك المرء بسهولة أسرار توالي أجزائه وتراكيبها، فتغدو الأوزان الموسيقية درباً لاحبة معبّدةً للسير، وتغدو القوافي صوى في هذه الدرب تعين السائر على الاستمرار، وتوحي إليه أن خطواته بعيدة عن العثار والزلل، وأن أقدامه تنتقل على أرض ممهدة واضحة المعالم، لا في مهمه مقفر مجهول الشعاب، ومن هنا، يتبدى سر تجاوب الجمهور مع شاعر يلقي قصيدته المحبوكة المنسّقة المرتبة، فيندفع الناس إلى تكرار الكلمة الأخيرة من البيت بعد نطق الشاعر لها، وربما توقع بعضهم تلك الكلمة بنفسه قبل تفوه الشاعر بها فيسبقه في نطقها، وهذا مما يقيم تواشجاً عاطفياً وجدانياً بين المنشد والسامع، ويجعل روح الشاعر تسري في الجمهور فتنقل إليه التأثير والتوجيه»([20]).

    مفدي زكريا يمتلك مكنة لغوية، ومهارة عروضية، وشفافية في الذائقة، لذا اختار لقصائده أبحرها، وعروضها، وقوافيها عن تجربة وقدرة ومعرفية عالية، وهذه خصوصية من خصوصياته، التي أسبغت على شعره سمات احتفى بها الجمهور، وكانت محرّكاً للشارع لأنها تفعل في النفس فعلاً حماسياً، ويحفظها الناس على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم، فيزيدون على موسيقاها موسيقا تحرك الحواس، بل كل نأمة وعصب وشعيرة في الجسم، وهذه الخاصيّة الأخرى.

    وهنا لا بد لي من دفع الالتباس الذي قد يعنّ على بال قارئ أو مستمع ويقول خطأ:

    هل نقيس نجاح النص الشعري بموسيقاه... أم أنّ هنالك شرطاً موسيقياً آخر لا بد منه لكي يسمو الشعر وينجح؟!...

    ثمة موسيقا لفظية وهي جرس الكلمة عن لفظها، وهناك موسيقا وزينة وهي موسيقا الأبحر الشعرية وأنواعها، وثمة موسيقا ثالثة هي الموسيقا الجوانية أي ذلك التناغم بين الإيقاع الشعري الذي يرسله الشاعر، وبين الشعور بالانفعال لدى المتلقي المرسل غليه، فإذا مات ضافرت الموسيقات الثلاث مع الإيقاع برانياً وجوانياً؛ فإن النص الشعري سيحقق غايته التي أرادها مبدعه أصلاً من إبداعه.

    وهنا لا بد من إعادة التأكيد على أن الموسيقا لا تقتصر على الحرف أو اللفظة أو البيت الشعري أو المعنى، وإنما هي ترافق الصورة الشعرية؛ خياليةً كانت أم انطباعيةً، سورياليةً كانت أم رمزية، كلاسية، أم رومانسية، كذلك ترافق المنظور المتخيل، والحركة التسجيلية، والحركية المحسوسة ضمن الملموس الجامد، والحركية في اللون، حيث يقترب المتلقي الذوّاقة من نبض الشاعر وأنفاسه وغائياته من صياغاته الشعرية، بل يكاد يتحول (المتلقي) إلى قرين ملازم للشاعر كمثل وحيه.

    يقول يوسف سامي اليوسف: «...وقد لا نعدم من يزعم بأن كيفية الجرعة الوجدانية هي العنصر الأول الذي يملك أن يحدد المزيّة أو الجودة في أي نص أدبي، وبأن الشعر قادر على أن يصنع من الألم البشري متعة للنفس، أو مادة صالحة للتذوق. فما من شيء نبيل إلا وينبثق من الفؤاد، أو من الوجدان، الذي هو وحده قادر على إنجاز عيان أصلي، ولكن؛ قد لا نعدم من يزعم أن المعيار الأكبر للقصيدة؛ ليس العاطفة، أو الوجدان، أو الشحنة القلبية؛ بل هو الخيال وقدرته الاختراقية على التشكيل وإنشاء الصور الفنية والسياحة في النائيات».

    فالفن جملة ـ كما يعتقد أصحاب هذا الرأي الأخير، ومنهم أبو تمام مثلاً، هو التفكير بالصور قبل كل شيء. والفن كُله يبدأ من توقير الصورة التي هي وحدها القادرة على اختزان اللامفهوم، أو على التحرش بالفسحة التي لا تملك اللغةُ أن تجوس خلالها بأي حال من الأحوال، وعند هذه البرهة ـ أقصد ـ برهة اقتناص الغموض المغلغل في صميم الكينونة كلها؛ فإن الفن يلتقي بالروح الوثني في أصله الجليل، وما الروح الوثني؛ إلا تجانس الإنسان مع الطبيعة، أو تهجسه لأسرارها وقواها المرئية واللامرئية، وعلى هذا فإن هنالك من يؤكد على أن القصيدة ينبغي أن تنسج من الغموض نفسه... ومن قبيل ذلك ما ذهب إليه أبو إسحاق الصابي حين قال: «أفخر الشعر ما غمض، فلم يعطك غرضه». ولكن أنصار هذا المذهب ينسون أنهم عرضة لإنتاج شعر متليّف، لأنه قد يوغل في الشكلانية التي تعتمد على التجريد العمائي الخاوي، ثم إن هنالك من يناقض مذهب الغموض، فيصرّح بأن أية قصيدة برسم الذائقة ينبغي أن تكون قد أُعطيت للبداهة التي من شيمتها أن تعمل على نحو فوري لا يناسبه التعقيد. ولا بأس من التذكير بهذا البيت لأبي تمام، فهو يلخص مبدأه الشعري:

    والشعرُ لَمْحٌ تكفي إشارتُهُ






    وليس بالهذر طوّلت خُطَبُه

    وأياً كان الأمر؛ فقد لا تعدم من يقول لك: بأنه ما من معيار خارج روحك، فالمعيار هو أنت، أو دَرَجَةُ نضجك، وهذا يعني أن النقد الأدبي لا يسعه قط أن يكون علماً، ولا حتى ما يشبه العلم...([21]).

    أما محمود أمين العالم فيؤكد: «...أن الخلق الفنيّ أو الإبداع لا يمكن أن يكون فيضاً تلقائياً، ولا أن يكون مصدَرَهُ الإلهام والوحي، لأن الأدب والفن بعامة؛ هو ـ أولاً ـ ثمرة انعكاس الواقع الاجتماعي والطبيعي في شعور الفنان أو الأديب، وفي فكره خلال خبرة حياته العلمية وتفاعله مع هذا الواقع، وفي حدود ثقافته الخاصة، وموقفه الاجتماعي. وهو ـ ثانياً ـ ثمرة اختيار الفنان والأديب لعناصر من هذا الواقع؛ نفسية كانت أم اجتماعية أم طبيعية، وهو ليس اختياراً تعسفياً عفوياً؛ وإنما هو اختيارٌ محدودٌ بحدود خبراته العلمية، وثقافته، وموقفه الاجتماعي».

    ويتلو هذا ـ ثالثاً ـ: إعادة بناء هذه العناصر جميعاً، وترتيبها في نسق جديد، ولغة جديدة، هي لغة التعبير الأدبي والفني... ومنها الأديب نفسُهُ في استخدام هذه الأدوات ومعرفته بها، ومدى تطورها هي، ومدى حساسيته ومقدرته الذاتية على تحويل هذه الأدوات الخام إلى أدوات معبرة ممتزجة بموضوعاتها، ومدى عبقريته ـ كذلك ـ في تمثل موضوعاته وإعادة صياغتها وبنائها في نسقٍ جديدٍ يستطيع أن يعبر به عن المعنى الذي اختبره في عقله وفي شعوره»([22]).

    وهنا أراني لست بحاجة إلى اجتراح نماذجَ عدة من شعر مفدي زكريا لتكون موضع تطبيق على ما ذهبت إليه آنفاً؛ وإنما سأعرض لمعيار القيمة الإيقاعية من خلال قصيدة واحدة أو من خلال مقطع منها، وواقع اختياري لهذا المقطع، إنما يدلل على التقاء العفوية بالعاطفة، الانطباعية بالرومانسية، الواقعية بالرمزية، كذلك سيطرة الموسيقا الداخلية على أجواء القصيدة، فهي قصيدة حارّة، ولدت في لحظة باردة سيطرت قشعريرتها على الذات، وماثلت في صوتها الأصل وصداها الموسيقى الجنائزية، وترنيمة الملائكة عندما يسقط الشهيد في ساحة الجدّ لا في ساحة اللعب:

    قام يختال كالمسيح وئيدا






    يتهادى نشوانَ، يتلو النشيدا

    شامخاً أنفه، جلالاً وتيهاً






    رافعاً رأسه، يناجي الخلودا

    حالماً، كالكليم، كلّمه المجـ






    دُ، فشدَّ الحبالَ، يبغي الصعودا

    وتسامى كالروح في ليلة القد






    ر، سلاماً، يَشِعُ في الكُوى عيدا

    وامتطى مذابح البطولةِ معرا






    جاً، ووافى السماءَ يرجو المزيدا

    وتعالى مثل المؤذن، يتلو






    كلماتِ الهدى ويدعوا الرقودا

    صرخة، ترجف العوالمُ منها






    ونداء مضى يهزّ الوجودا

    اشنقوني، فلستُ أخشى حبالاً






    واصلبوني، فلستُ أخشى حديدا

    واقضِ يا موت فيَّ ما أنتَ
    قاض





    أنا راضٍ، أو عاش شعبي سعيدا

    أنا إن مِتُ فالجزائر تحيا






    حرّةً مستقلةً لن تبيدا([23])

    القصيدة ابنةٌ شرعيةٌ لحدث، ولدت عام 1955، في سجن بربوس، والمعزوفة تلك صاغها، وصمم أجواءها، وعزفها الشاعر مفدي زكريا وهو يودع أول شهيد على مقصلة بربروس، إنه الشهيد (أحمد زبانا)، رآه، أو تخيله وهو يتجه من زنزانته إلى آلة حتفه، سيّان، فالخيال ملك الشاعر، والاستعداد لصوغ الملحمة موجود في ذات الشاعر، مشهد منظور، أفقٌ دامٍ، الأداة الموسيقية متوفرة، الإبداع ممكن... فتهادي الشهيد ـ كما المسيح ـ وهو متجه إلى مشنقته يحدث مع نغم جوّاني كأنما ملاك من ملائكة السماء اختصَّ بالعزف على قيثارته وأورغلّه، فكان لحناً جنائزياً ولكنه لحنٌ كونيٌّ يوقع في قرارة الذات حيث القناعة في قضية عادلة أثمانها الأرواح والأنفس الزكية، كذا كانت فاتحة السيمفونية للملحمة الرائعة المهيبة... ثم تتباطأ الموسيقى وتتقطع لتعطي بعداً للحركة الإيمائية التبادلية بين الداخل والخارج، بين الملموس والمحسوس، إنها تصور الحركة، فتعطي مثالاً رائعاً لموسيقا المعنى الذي بنيت عليه القصيدة: (شموخ الأنف)، (التيه، الجلال)، (ارتفاع الرأس)، (نجوى الخلود)... ويستمر الإيقاع ليطال الأفق الواقع خارج حدود ا لعقل، أي ليلامس الخيال بأبعاده الأسطورية والقصيدية، (الكليم)، (المجد هو الله)، (الصعود) ثم تخفت الموسيقا لتتوزع على المعنى والمشهد، والخيال، والحركة، واللون (شد الحبال)، هي لحظة الاستعداد الأكثر دقةً وحبكةً ودراماتيكيةً لصعود الروح، نحو العُلا... التحاقاً بباريها، مروراً أو عبوراً لبرزخ الوجود، استقراراً في برزخ الخلود...

    ثم لم تعد الموسيقا تسمع؛ بل أضحت نغماً محسوساً، يتموضع في قرارة الذات، هائدة متساوقة مع الشعور الإنساني بأبعاده وأغواره (حالماً... تسامى كالروح في ليلة القدر... سلاماً يشع...) وتتصاعد الأنغام شيئاً فشيئاً لتخرج من (حركة الصمت)، إلى حيوات اللحظة (امتطى، تعالى، صرخة، اشنقوني)، وهنا تنتقل الأنغام إلى الضجيج على درب الجلجلة لترافق العقل، وصولاً إلى النهايات...

    لقد استطاع الشاعر أن يصوّر بالموسيقا، الموقف، الحركة، أما الداخل، الخارج، بتساوق شعوري يندغم في النهاية بين «الأنا (الشاعر)»، والـ(هو... الشهيد)، أم موسيقى الحرف فقد جاءت القافية على الدال المطلقة، والدال من الأحرف الهادئة اليقينية التي طالما استعملها الشعراء الحذّاق كقافية لشعر المواقف المبدئية، أما الروي الذي مثله حرف الواو، فهو للانعطاف، الأمر، التنهد، الهمس، النجوى.

    وقد شملت الموسيقا اللفظ بتساوق فني جدُ شفيفٍ ومحكمٍ وأنيق، فكانت اللفظة تستقبل تاليتها بتناغم رشيق كما يفعل الفنانُ المقتدرُ الخبير عندما يشكّل لوحة الفسيفساء بتناغم لوني ومعنوي متساوقين.

    الخاتمة:

    لا خاتمة إلا ما كتبه الدكتور صالح الخِرفي عن زكريا وأقرانه: «... كان مفدي زكريا يمضي قصائده وأناشيده: بـ/ شاعر الثورة/ وقد عرفناه شاعر النضال السياسي، والكفاح الوطني في الثلاثنيات والأربعينات، وفي الخمسينات كان شاعر النشيد الرسمي للثورة الجزائرية (قسماً بالنازلات الماحقات)، والذي أصبح النشيد الرسمي للدولة الجزائرية، ولما يزل، والشاعر كان مؤلف الأناشيد الرسمية للتنظيمات الجماهيرية كلّها، والرموز الوطنية: العلم، الشهيد، المرأة، الطلبة، العمال، وقد صدر له سنة 1961 ديوان (اللهب المقدس) الذي ضم ملاحمه الشهيرة في الثورة وفي الوطنية طيلة ثلاثين عاماً»([24]).

    مفدي زكريا هو القيمة المعيارية التي تمثل الكون الثوري النضالي للشاعر القضية، وشعره يمثل القيمة المعيارية الجذر للموقف القيمي... إنه الظاهرة الأكثر رسوخاً في عالم الشعر الذي سيسمه مؤرخو الأدب فيما بعد بـ/ شعر النضال السياسي وقضايا الحرية/.

    وأخيراً وفي الذكرى الخامسة والعشرين لرحيل العبقرية الفذة الذي أسهم في إشعال الفتيل، وكان الحادي الجهوري للشعب، لا بد أن نهتف باسمه مرددين:

    قسماً بالنازلات الماحقات






    والدماء الزاكيات الطاهرات

    نحن خضناها حياة أو ممات






    وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر




    فاشهدوا...








    فاشهدوا...




    المراجع:

    ـ الأصول التراثية في نقد الشعر العربي المعاصر في مصر ـ د. حسين قاسم، عدنان المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع، ليبيا، ط1، سنة 1981م.

    ـ الثقافة والثورة (في الثقافة العربية) د. أمين العالم، محمود بالاشتراك مع د. عبد العظيم أنيس ـ دار الفكر الجديد، بيروت، عام 1955.

    ـ حديث الأربعاء، د. طه حسين، دار المعارف بمصر، ط15.

    ـ الخصائص، ابن جنيّ، ج2 ـ بلا.

    ـ خصائص الحروف العربية ومعانيها ـ عباس، حسن ـ اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سورية، 1998.

    ـ شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ـ العقاد، عباس محمود، دار الهلال، بلا.

    ـ عيار الشعر، ابن طباطبا، المكتبة التجارية الكبرى، تحقيق: طه الحاجري ومحمد زغلول سلام، ج4، بلا.

    ـ القيمة والمعيار، اليوسف، يوسف سامي، دار كنعان، دمشق، سنة 2000.

    ـ محمد فريد ت الرافعي، عبد الرحمن صادق، النهضة المصرية، القاهرة، سنة 1949.

    ـ معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين 19 ـ 20.

    ـ موسيقى الشعر والعروض ـ د. حسني، حسن، دار الهجرة، سورية، دمشق، 1994.

    (*) محاضرة ألقيت في الجزائر بتاريخ 16 ـ 17 شباط عام 2002م. وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، ووضعت ـ آنذاك ـ بتصرف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، لذا اقتضى التنويه.

    (**) باحث سوري.

    ([1]) سامي اليوسف، يوسف، القيمة والمعيار، ص 5 ـ 6.

    ([2]) عباس، حسن، خصائص الحروف العربية ومعانيها، ص: 30 ـ 36.

    ([3]) ابن جني، الخصائص، ج 2، ص: 162 ـ 163.

    ([4]) زكريا، مفدي، معجم االبابطين (الشعر العربي المعاصر في الجزائر)، م6، ص ص 120.

    ([5]) د. الخرفي، صالح، الشعر العربي المعاصر في الجزائر، معجم البابطين، ص 143 وما بعدها.

    ([6]) د. ناصر، محمد، أشعار مجهولة لمفدي زكرياء.

    ([7]) الرافعي، عبد الرحمن صادق وفريد، محمد، ص: 188.

    ([8]) د. حسين قاسم، عدنان، الأصول التراثية في نقد الشعر، ط1، ص: 63.

    ([9]) العقاد، عباس محمود، شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ص: 7.

    ([10]) زكريا مفدي، سجن بربروس سنة 1937، (عن معجم البابطين).

    ([11]) د. الحزفي صالح، الشاعر العربي، معجم البابطين، ص 156، م6.

    ([12]) نفسه، ص: 157.

    ([13]) نفسه، ص: 157 ـ 158.

    ([14]) نفسه، ص: 158 ـ 159.

    ([15]) نفسه، ص: 160.

    ([16]) نفسه، ص: 155.

    ([17]) ابن طباطبا، عيار الشعر، تح طه الحاجري، ومحمد زغلول سلام ج4.

    ([18]) د. حسين، طه، حديث الأربعاء، ط15، ص: 202 ـ 203.

    ([19]) البابطين، ملحق لشعراء العربية في القرنين (19 ـ 20)، ص: 44.

    ([20]) د. حسني، حسن، موسيقا الشعر والعروض، ص: 44.

    ([21]) سامي اليوسف، يوسف، القيمة والمعيار، ص: 7 ـ 8.

    ([22]) د. أمين العالم، محمود، الثقافة والثورة (في الثقافة المصرية)، ص 42.

    ([23]) معجم البابطين، ص: 160 ـ 161.

    ([24]) البابطين، ص: 161.


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:46 am