منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    النص الأدبي وإشكالية التجنيس

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    النص الأدبي وإشكالية التجنيس

    مُساهمة   في الإثنين سبتمبر 10, 2012 7:47 am









    النص الأدبي وإشكالية التجنيس.. د. ورقاء يحيى قاسم الحب



    [center]الحب2003 نموذجاً .

    الجنس لغة هو الضرب من كل شيء، والجمع أجناس وجنوس، والجنس اعم من
    النوع ومنه المجانسة والتجنيس،يقال هذا يجانس هذا أي يشاكله (1) وعند أهل
    المنطق مايدل على كثيرين مختلفين بالأنواع،فهو اعم من النوع فالحيوان
    جنس،والإنسان نوع(2) وهناك من يطابق بين النوع والجنس بوصفهم أي النوع
    والجنس تنظيم عضوي لأشكال أدبية (3) إذ انتقل مفهوم الجنس إلى الادب عندما
    تحدث تشارلز روبرت دارون(1809-1882)عن نظريته في كتابه “اصل الأنواع”on the
    oryigin of species عام 1859 عن أجناس المخلوقات المختلفة في أواخر القرن
    التاسع عشر(4) بوصفه أي الجنس احد القوالب التي تصب فيها الآثار الأدبية
    (5) أما كلمة”جنس” في الآداب الأوربية فإنها تحافظ على شكلها الفرنسي genre
    وتعني النوع أيضا(6) و هي المشتقه من الكلمة اللاتينية genus واستعملت
    بذلك الشكل الفرنسي في الكتابات النقدية الأوربية(7) ويعزى الاهتمام في
    استخدام مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربية الحديثة إلى ظهور أجناس
    جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربية، وذلك في بواكير النهضة
    الأوربية في القرن الثالث عشر في ايطاليا ،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه
    الأجناس الأدبية التي تترجم بالفرنسية genres liter Aires يقابلها في
    الانكليزيه literary speies ثم عدلوا عنها إلى literary genres (Coolاما في
    التراث الاغريقي فان مؤلفات أرسطو 322ق.م وهوراس تعد من المراجع الكلاسيكيه
    لنظرية الأنواع اذ تقدم المأساة والملحمة على أنهما نوعان متميزان رئيسان
    (9). بينما ميز كل من أفلاطون وأرسطو بين الأجناس الأدبية الأساسية ،وهذه
    الأجناس هي الشعر الغنائي والشعر الملحمي والمسرحية (10) ويعد نورثروب فراي
    التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى :الملحمي والدرامي والغنائي هو المنطلق
    لنظرية أللأجناس الأدبية(11) ويقترح هيجل إقامة منظومة حقيقية للأجناس
    خاصة بالأدب ترتكز على مقولاته الفلسفية الأساسية ، التي من خلالها يمتلك
    الادب منظومته الدلالية الخاصة به اذ لاتستطيع هذه المنظومة ان تسكن اللغة
    كما هي ،بل تكون مرتبطة بمجموع فرعي من الممارسات اللغوية عبر جوهرخاص،
    وهكذا أصبحت نظرية الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الادب وتعريفه
    (12).وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي
    تحكم الممارسة الإبداعية. (13) أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيه قديمة
    حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فردية، ناتجة بصفة أساسية عن رغبة
    اجتماعية (14). وقد ظل الجدل دائرا حول امكانيه تحديد ضوابط معينه يمكن أن
    نستجلي من خلالها ان مهمة تمييز خصوصية جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن
    يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين(15) : المرحلة القديمة : التي بلغت
    ذروتها بالكلاسيكية الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبية بعضها عن
    بعض، إذ ينكفئ كل نوع ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنيا مع غيره وهذا هو
    المذهب الشهير ب”نقاء النوع” . المرحلة الوصفية: التي ظهرت حديثا والتي
    تفترض إمكانية المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي
    تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لايبقى
    منغلقا على نفسه ، بل تنظر إليه بوصفه نظاما منفتحا قابلا للتجدد والتكيف
    مع المستجدات (16).لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس
    متغايرة هو من ابرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانية التلاقح بين أجناس
    مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف
    محدداته مع ظهور كل نتاج جديد (17) بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي
    تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع ، ولاسيما ان الضغوط
    المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات
    التلقي ، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار(18). إن الحديث عن
    الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي
    المعاصر،وعاملا نصيا بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة
    التي شكلت خرقا واضحا لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي
    والثقافي واللغوي لان “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس ،واختلاط النصوص
    ،واختلاط القراء والنصوص”(19) ولاسيما أن تشكل الأجناس النظرية في مخيلة
    الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيس Hmogeneisa ،هذا
    المنطق يشكل ظاهرة إبداع و تلقي نصية تختلف من ناقد إلى اخر(20) الا ان أي
    معالجة لإشكالية الهوية الاجناسية في خضم الأعمال الأدبية ينبغي ان تأخذ
    بنظر الاعتبار عاملين أساسيين : احدهما : إمكانية الاختلاف بين سياقات
    عملين أدبيين ،حتى وان كانا يحملان التسمية الاجناسية الواحدة . ثانيهما :
    يتجلى في إمكانية تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة .(21) ولذلك يمكن
    القول ان” الهوية الاجناسية لنص ما تعد أحيانا والى درجة معينة قابلة
    للتغيير سياقيا بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي ، وبشكل أوسع
    بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص ،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل
    تواصلي ” (22) وهذا يقودنا إلى حقيقة أن كل التحولات الاجناسية مرتبطة
    بتحول تاريخي اعم ويتحول في أفق العبر- نصية إلى سياق جديد يرتهن بدرجة
    امتثالية النص الجديد (23) ولاسيما أن النقد الأدبي يشهد مرحلة الانتقال من
    النقد الكلاسيكي (كل أشكال النقد الأخرى قبل ولادة علم الخطاب الذي كان
    يعتمد معايير وقواعد معينــة لتحديد جنس أدبي عن غيره إلى مرحلة يتعامل
    فيها علم الخطاب مع النص الادبى على أساس الكتابة النوعية التي تتخطى قواعد
    الأجناس الأدبية بما فيها من صفة أدبية إلى مرحلة العفوية المعدة إعدادا
    لسانيا واجتماعيا تواصليا حديثا يشكل فيها الجنس الأدبي نفسه بنفسه (24)
    مما يؤدي إلى”تكريس أعراف جديدة في قراءة النصوص، تستلزم بالضرورة تخطي
    الموجه الجنسي للنص ،بحثا عن شعرية خاصة به إذ يتداخل السردي في الشعري
    ،فالحدود بين الأجناس الأدبية تعبر والأنواع تخلط أو تمزج كما أن القديم
    منها يحور،كما تخلق أنواع جديدة “(25) ويقف الشعر في الطليعة إذ كان
    “انفتاح الشعر على الأجناس الأدبية والفنية الأخرى وفي طليعتها السرد
    والدراما والفنون التشكيلية واليات فن السينما” (26) قد افرز ظواهر فنية
    جديدة في الشعر تتعلق” بالكتابة الشعرية ذاتها،حيث أسهمت لغة الشعر
    الحديث،وتبدلات الايقاع،والمنظور الرؤيوي الجديد للموضوع
    والأسلوب،والاستعانة بالرموز،والأقنعة ،والمرايا،وأحداث التاريخ،والوقائع
    المروية شعبيا،في الاقتراب من لغة النثر وعالمه الكتابي ” (27) وعند هذا
    التداخل الذي ميز بل و ساهم في إثراء نص الحب 2003 للشاعرة بشرى البستاني
    سأقف لأصفه بأنه شمولي،تداخلت فيه أجناس مختلفة،الشعر:العمودي وشعر
    التفعيلة،وقصيدة النثر، والسرد، القصة والنص المفتوح،والوثيقة
    التاريخية(28)،والشاعرة إذ استعانت بالسرد لتؤكد زمنية الحد ث ولا سيما أن”
    القصة تنطوي على قدرة على تقديم مستويات زمنية متعددة “( 29 ) ،فالتشكيل
    النصي لنص” الحب 2003″ يتكون من اثني عشر مقطعا طويلا ،تقاسمته أربع
    وثلاثون صفحة من الحجم الكبير ، والقراءة الأولى للعنوان تظهر للمتلقي ذلك
    العنوان المفتوح على دلالة الحب ، ولكن الزمن المقيد بالعام 2003 شكل بؤرة
    دلالية تقف عند هذا العام بالتحديد والتخصيص هنا بالعدد يعطي أهمية خاصة
    بهذا العام الذي اغتيل فيه شعب وحضارة وأمنيات . إذ تحكي قصة شعب وحضارة
    انتهكت بمساحتها الشاسعة ونفوسها والشاعرة حينما تحدثت عن الفضاء الجغرافي
    فإنها لم تجعله أبدا منفصلا عن دلالته الحضارية التي تكون عادة مرتبطة بعصر
    من العصور حيث تسود ثقافة معينة أو رؤية خاصة للعالم وهذا ما تؤكده جوليا
    كرستيفا(30). فضلا عن انهااستخدمت نصوصا من حقول معرفية لتشارك معها من اجل
    أن تتعدد الأصوات والوقائع والأزمان والقيم والتصورات والرؤى لتخدم القضية
    التي تعبر عنها، كل ذلك تشكل في بنية نصية واعية بعملية التجديد عبرماعرفه
    النقد الأدبي العربي قديما وحديثا من اجل إثراءالعلاقة بين نص وآخر داخل
    النص الأصلي الذي يؤكد على اتساع أفق الوعي الذي شكل فسيفساء نصه عندما صهر
    فيه تعددية اجناسية متباينة ،لتنتج نصا متماسكا استطاع امتصاص كل هذه
    الأنواع ويظهر ذلك بالترتيب الآتي: ص الجنس المادة 4 5 17 1-2 11 11
    11-12-13 18-19 34 2 2 3 4 5 6-9 10-11 11 11 13-17 17 18 19-33 34
    الشعر/العمودي = / = = / = شعر التفعيلة(بدأ بالمتدارك) = = = = انتهى
    بتفعيلة( المتدارك) نص نثر = = = = = = = = = = = = = الست وعدتني يا
    قلب……….. يقولون ليلى عذبتك بحبها……. تكاد يدي تندى إذا ما لمستها……
    الملاعب مقفرة . أيتها الأرض التي تموج فوق الغيم. لافجر كي أرخي ضفائري
    النبية. في أحشائها أسد يمور. أعدو خلفك في منعطفات الليل. والقبائل نائمة
    تنطفئ النجوم وادخل في الضباب إذ يصير صدري بحرا وصدره الأفق أيها العراق
    في عبير عشبك أبصر مسالك وممالك لعل الأقداح تعلن في الصباح استلمت رسالة
    عن طريق الانترنيت على وجنتك تشتعل شفتي تأخذني ذراعاك نحو القاع على موج
    احمر تهبط الصواريخ تهبط أسد يتشكل جسده السفلي من موج فيضان
    الى/اتذكرالهذلي وورقه النضر تنساب في اعماق روحي/ وجع الشقائق الحمر
    الطالعة بوقع خطاك وجهك يشرق في حدائق روحي أغمض عيني واحتضن الأرض وعبر
    هذا التشكيل النصي المتداخل الأنواع جندت الشاعرة الطبيعة والتاريخ
    والحضارة والإنسان من اجل إقامة مشروع تواصلي للحياة التي عمل فيها المعتدي
    قسرياً على مصادرة كل فعل تحرري بالاضطهاد والعنف والتهجير والقتل . ولعل
    إشكالية هذا النص تكمن في تعدد الأنواع والأجناس داخل فضائه المؤطر بحدود
    النص المعاصر ،وهي إشكالية ترى الشاعرة أنها” تحل ذاتها بذاتهاوتفك عقدة
    تسميتها بآلياتها النصية هي من خلال مرونة النص المعاصر ومطاوعته الاجناسية
    ذلك ان روح الشعرية القادرة على فعل الاحتضان والاحتواء ولا أقول
    الاستحواذ بثرائها وغناها هي التي نهضت باحتواء التاريخ والسرد والوثيقة
    السياسية والمتن الحكائي المرتكز على الحدث الواقعي الذي تحول داخل النص
    إلى مبنى حكائي محققة طبيعة النص المعاصر كونه فضاء لأبعاد متعددة تتراوح
    فيها كتابات مختلفة تتنازع حسب رولان بارت حتى يغدو ذلك النص نسيجا لأقوال
    ناتجة عن تكثيف بؤر ثقافية متعددة وهو إذ ينجز ذاته بهذا التشكل المتداخل
    فانه يطرح قضية هويته التي لا تفصح عن نفسها إلا من خلال أنظمة ذلك النص
    ذاته الذي يعد المنطلق الأساسي في أية مقاربة نقدية ، والاحتكام إلى هذا
    المبدأ ( مبدأ بنية النص الداخلية )هو خلاص للنص من إرباك البنى الخارجة
    عنه إلى البنية الخاصة به ، تلك البنية التي يتحقق بها ومن خلالها العمل ،
    فهذا العمل ” نص إبداعي” حاول أن يبني عالمه الخاص به ،هذا العالم أملته
    ضرورة فنية استقبلت إشارات الواقع الحادة ورشحتها من خلال رؤية فنية غير
    محكومة إلا بحرية الإبداع ،تلك الحرية التي لا تفك اشكاليتها إلا بآلياتها
    هي وحتى الأخطاء الناجمة عن ممارسة هذه الحرية لايمكن حلها إلا بممارسة
    الحرية مرة أخرى ممارسة ايجابية” (31) . إن أهمية أي نص إبداعي تكمن في
    قدرته على توليد الأثر الموهم بحقيقته كما تقول د.يمنى العيد وحقيقته هي أن
    يوحي عبر القراءة بما ينتصر لعوامل الإيجاب في الحياة محرضا على مقاومة
    الشر ودحض أدواته من أجل إحلال قيم الخير والنبل والمحبة بدل القطيعة
    والعنف والعدوان (32). إن الحديث عن أي عمل أدبي يقودنا للبحث عن النسق
    الذي يشكله” فالعمل الفني العميق يجذبنا نحو نقطه نستطيع من خلالها رؤية
    عدد هائل من الأنساق ذات الدلالة القيمة متجمعة” (33) وهذا ما يمكن أن
    نتمثله في الأنساق التي كونت الصورة الكلية لنص “الحب 2003″والتي يمكن
    تقسيمها إلى محورين: 1_محور تماسك النص . 2_ محور التناص محور تماسك النص:
    إذا كان النص الأدبي بنية لغوية ذات وظيفة جمالية تواصلية معا فان
    الترابطات الداخلية الني يحكمها التشكيل داخل النص تختلف من بنية لأخرى إذ
    تلعب قدرات المبدع دورها المهم في إحكام الحركة الجدلية التي يتم من خلالها
    التفاعل بين مجمل أجزاء النص ، وهذا التفاعل التركيبي لا يؤدي إلى الاتساق
    المطلوب إلا إذا أنتج انسجاما في الدلالات التي يطرحها، ولذلك اشترطوا في
    تحقيق النصية معايير لخصوها بالربط والتماسك والقصدية والمقبولية
    والإخبارية والموقفية والتناص(34)،وهي معايير منها ما يتصل بتشكيل النص
    ذاته ومنها ما يتصل بالمبدع والمتلقي ومنها ما يتصل بالسياق عموما فما يتصل
    بالنص يمكن تلخيصه بالربط -الاتساق – الذي يتحقق بأنواع الروابط النحوية
    والبلاغية والإيقاعية ولكل مبدع طريقته في اسلبة هذه المحاور والتعبير عنها
    برؤيته الخاصة ، أما مصطلح التماسك فكثيرا ما يشير إلى الانسجام الحواري
    ما بين الشكلي والمضموني وملكية النص التي تعد المعيار الأهم لتحقق بنية
    النص الكلية وهو مصطلح يتعلق بمكونات النص التركيبية المنتجة لدلالات تتسم
    بالانسجام ،ولذلك يبقى التماسك بوصفه معيارا لكلية النص هو المحور المسيطر
    الذي يلف أجزاء النص ومحاوره محققا بحضوره معظم المعايير النصية الأخرى
    التي تحض المبدع والمتلقي معا ولاسيما المقصدية والمقبولية والسياقية(35).
    إن القراءة الأولى لنص الحب 2003 ، أو القصيدة الطويلة الحب 2003 (36) توحي
    بطول النص ،ولكن هذا الطول لم يؤد إلى خلل بتماسك النص ولاسيما أن”التماسك
    يعد عاملا من عوامل استقرار النص”(37)،إذ أن تداخل الأنواع داخل الجنس
    الواحد وتداخل الأجناس فيما بينها منح الشعرية لهذا النص وعمق أبعاده لونا
    وحدثا وشخصيات مما يجعلنا نؤكد مع جيرار جنيت في مقدمته للنسخة العربية على
    انه ” ليس النص هو موضوع الشعرية بل جامع النص أي مجموع الخصائص العامة أو
    المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة” (38) ويذكر من بين هذه
    الأنواع” أصناف الخطابات ،وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية ” (39) وهذا ما
    نلمحه في الحب 2003 ،إذ جمع بين أنواع الخطاب الشعري والخطاب السردي وصيغ
    التعبير المختلفة التي سمحت بتعالق الأنواع المختلفة سواء ما انضوى منها
    تحت الجنس الشعري ،ممثلا بالنوع العمودي وشعر التفعيلة والنص المفتوح أو ما
    انضوى منها تحت النثر ممثلا بالسرد الفني و التراث الشعبي ولغة التخاطب
    اليومي ،ولغة الوثيقة السياسية كذلك. إن من مؤشرات الحداثة ظهور ما اصطلح
    عليه بمؤلفي الطليعة الذين أبدعوا أعمالا ترفض الارغامات الاجناسية وتقوم
    على استراتيجية دمج الأجناس وتعايشها وتفاعلها مع الخطابات غير الأدبية
    ردا” على ميتافيزيقيا النقاء والتقليد (40) والى مثل هذا يذهب بعض النقاد
    المعاصرين إذ يرون الدواوين الأخيرة في العصر الحديث يتعايش فيها أكثر من
    جنس لتبدو قصيدة طويلة تتعدد فيها الأجناس (41) بل والأكثر من ذلك إن بعض
    الشعراء المعاصرين يستخدمون اللغة اليومية في دواوينهم إلى جانب اللغة
    الأدبية والذي يرجعه احد النقاد إلى أن”وعي الشاعر الجديد وموقفه الواقعي
    واهتمامه بما يدور حوله من مشكلات اجتماعية وسياسية والتصاقه الشديد
    بالقضايا التي تهم المجتمع ككل ،هيأه إلى الاقتراب من لغة الناس “(42) وكل
    ذلك قد جمع في الحب 2003 ،ولتحديد السجل الاجناسي لهذا النص نجده ينماز
    بالسمتين الآتيتين :_ 1- ثيماتياً :- هناك حضور واضح للاحتلال ممثلا
    بالاعتداء على كل شيء ، الحضارة والتاريخ والإنسان الذي وقفت منه الشاعرة
    موقف الدفاع الحي المستميت بالكلمة . 2- شكلياً :- هناك تمازج بين الشعر
    بألوانه والنثر والحديث اليومي ،محكيا بضمير المتكلم ،فضلا عن التكرار الذي
    لازم العديد من المقاطع مؤكدا المعاناة الحقيقية شادا أطراف النص بعضها
    إلى بعض ومقيما ما بينها حوارا فنيا مشبعا بألوان من الإيقاعات الواثبة
    التي لم يتمكن الحزن ولا مطرقة العنف من لي عنقها أو إخماد جذوتها . إن
    الحديث عن تماسك أي نص ينبغي أن يبدأ من بنية العنوان بوصفه عتبة النص
    وللوقوف عند أهمية العنوان للنص لابد من الوقوف عند هذين الرأيينSad 43) 1.
    يعد العنوان موضوعا للنص وأنا أتفق معه. 2. الذي لا يعد العنوان موضوعا
    للخطاب وإنما هو احد التعبيرات الممكنة عن موضوع الخطاب. فالعنوان الذي
    يحمله نص الحب 2003 ومن منطلق أن العنوان يؤثر في تأويل النص الذي يليه
    ويعبر عن رؤاه الفكرية والجمالية نرى تناسبه وأهمية الحب في هذا العام
    تحديدا 2003 إذ تختزن الدلالة الزمنية للتعبير عن الحب الذي يجسد العاطفة
    الخاصة التي تتداخل بعاطفة أكبر تحتضن العام 2003 بكل إشكالياته ففي هذا
    العنوان تيارات نازلة إلى المتن وصاعدة من المتن إلى العنوان بتناوب متساوق
    مع أهمية الطاقة المعبرة فيه . وننتقل إلى النص ومن القراءة الأولى نلمح
    اثر ضمير المتكلم الذي تمثل في الذات الساردة وكما يرى فان ديك في حديثه عن
    النص ضرورة أن يتمتع ببنية كلية تختزن بنيات لغوية ومن هذه البنيات
    اللغوية هي الإحالة التي تعبر عنها الضمائر المحيلة إلى الأشخاص (44) وما
    يميز هذا النص استحواذ ضمير المتكلم الطاغي في النص الذي يعزز الأنا ،التي
    تقف وراءه من جهة وينوب عن المجموع في الوقت ذاته ، إن ضمير الشعر هو ضمير
    العصر كما يراه بعض النقاد (45) ولاسيما عندما يرتبط بمفهوم “الفواعل في
    النقد الحديث ،ويتجاوز مستوى البيان النحوي إلى تحسس ما يفضي إليه من
    بيانات جمالية ، بأن يظل دائما على حافة اللغة في تلك المنطقة التي تتجلى
    فيها ادبيتها وشعريتها “(46) وعلى هذا الأساس يمكن أن نسجل تفوق ياء
    المتكلم على بقية الضمائر في الديوان تأكيدا على الهوية التي جاء المحتل
    ليهدمها، ولاسيما أن شدة المعاناة الذاتية النفسية تتحول إلى وجع يحيل على
    الضمير الإنساني الذي تجسد في ذات الشاعرة التي تحس في القصيدة بأنها تحتضن
    كل شعبها وتتكلم باسمهم من خلال ياء المتكلم (47) فقد تكرر الضمير بوصفه
    ضميرا متصلا مبني في محل نصب مفعول به وبعدد-25مرة – إذ وقع العدوان على
    الذات الشاعرة وناسها ومجتمعها، وضميرا متصلا مبنيا في محل الجر بالإضافة
    -106مرة – وهذا يدل على أن الذات الشاعرة حاضرة فاعلة ولاسيما ان (نا)
    المتكلم أو المتكلم المفرد يرد تعظيما للذات عادا إياها كالجماعة (48) لان
    الذات الشاعرة في الحب2003 حملت هموم مجتمعها ،وتحدثت باسمه، وفي ما يلي
    مخطط يؤشر ذلك :- رقم الصفحة ياء المتكلم متصلة بالأفعال وأفعال فاعلها
    (أنا) ياء المتكلم مضافة إلى الأسماء 1 تسابقني ، تلاحقني ذراعي، بيتي،
    شعري، خطوي، نبضي، قيدي، جرحي 2 — حرريني، يظهرني 3 — صدري 4 وعدتني شجري
    ،أحلامي 5 يحملني شجني،شجري،أقماري، قلبي 6 أغثني 7 خذيني، أدخلني عمري،
    جفني، صدري، وطني، جناحي 8 اهوي، يأخذني أعضائي 9 — ذراعي 10 — شفتي، عيني،
    كتفي، ورائي، صدري، وطني 11 تأخذني 12 يسرقني دليلي 13 — بلادي، بلادي،
    بلادي، بلادي 14 انحني، تأخذني روحي، نيراني، صحرائي 15 ابكي
    أمي،ضفائري،شعري،حزني، روحي،جروحي،أمي 16 — وحدي،غربتي،صدري 17 زدني
    حزني،جروحي،رحيلي،فقداني،روحي،وجنتي،روحي 18 — روحي،روحي،كفي،قلبي 19
    تعلمني،تدخلني معي،روحي،روحي،روحي،روحي ، كفي، ساعدي، صدري 20 تحملني قلبي
    ،جسدي 21 تنتزعني،تكتبني جيدي،كتفي،صدري،قلبي 22 — ضفافي،يقيني،قلبي،حزني
    23 — قلبي،ابتسامتي،صدري، ساعدي 24 — قلبي 25 يناديني وجهي، كفاي، قلبي،
    جوارحي 26 يناديني،يسألني، يخرجني، يتلقفني، يقلبني وجهتي، قبلتي، صحرائي،
    ملاذي 27 يراودني،تعالي وطني، دمي 28 يحاصرني ساعداي، موتي، شعري 29 — دمي،
    ورائي 30 — غرفتي، بيتي، قلبي 31 — —— 32 — عيني، عيني 33 — دمي، صوتي 34 —
    شعري، جنيني، أحشائي، جسدي، عيني إن كل الأشكال التي وردت فيها الضمائر
    (ياء المتكلم متصلة بالأفعال،وأفعال فاعلها أنا وياء المتكلم مضافة إلى
    الأسماء) كانت تحمل الم الشاعرة ومعاناتها الإنسانية الحاضنة لآلام جميع
    العراقيين ، إنها تحتل ضمائر خمسة وعشرين مليونا وتسعمئة ألف عراقي كناية
    تقريبية عن عدد سكان العراق ،ذلك الرقم الذي تكرر خمس مرات ليحمل في كل مرة
    اثر الفجيعة الجماعية إذ تقول : في زمن الحوار لا ندري لماذا يقمع ويحرق
    ويجلط خمسة وعشرون مليوناً ويحرق لحم دجلة والفـرات (49) فالقمع والحرق
    والجلط أنواع من الألم الذي يسببه وجود الاحتلال وما ينتج عن ذلك الوجود من
    أنواع الإبادات، وتتكررالماساة بحرق نفس العدد من الكتب ، التي تحمل تاريخ
    العراقيين وأمنياتهم ومعارفهم ووجودهم الذي جسدته الشاعرة في الكتب والقطع
    الأثرية إذ تطابق عدد الكتب بالنص مع عدد نفوس العراقيين مع عدد الآثار
    العراقية المسروقة يشير إلى أمرين: الأول- إن كل عراقي ثروة معرفية
    وحضارية. الثاني- إن كل عراقي قد طالته يد التدمير بأنواعه. والفضائيات
    العربية تلتقط صور النيران التقطت صور خمسة وعشرين مليونا وتسعمئة الف كتاب
    متفحم في قاعات المكتبة الوطنية ببغداد ، وأشلاء خمسة وعشرين مليونا
    وتسعمئة الف قطعة من اللقى النفيسة مسروقة أو محطمة في متاحف العراق (50)
    فالكتب التي أحرقت والقطع الأثرية إذن ماهى إلا ذاكرة كل عراقي وعنوان
    وجوده ولذلك يصر النص على مطابقة العدد بينه وبين عدد نفوس العراقيين كما
    أثبته النص بالتكرار ، ولذلك عمل الاحتلال على تغييب هذا الوجود المعرفي
    والحضاري حرقا وسرقا وتحطيما ،إن عمق المأساة ليس جديدا بل متراكما،
    ولاسيما أنها تتذكر أحداث قصف ملجأ العامرية ليتكرر العدد من جديد لان
    الأسى والحزن الذي لحق بهذا الملجأ والظلم الذي وقع عليه هو عينه الظلم
    الذي يصيب جميع العراقيين الآن. بجحيم الحضارة الأمريكية الغارقة بالدرن ..
    اختلطت جثث خمسة وعشرين مليونا وتسعمئة الف شهيد ة وشهيدة فتياناً وصبايا
    وشيوخا من النساء والرجال (51) وهذا التكرار لهذا العدد تحديدا من عوامل
    ترابط النص ،فضلا عن تحولات الضمائر التي أعطت شمولية للنص وللحياة داخله
    التي استأثرت بتكرار ضميري أنا وأنت اللذين استطاعت الشاعرة أن تربط بينهما
    بتلاحم وجودي فلا وجود للأول دون الآخر ،فالعلاقة مصيرية والترابط روحي ،
    وهذا يغيب التمييز بين الرجل والمرأة وتصبح التبعية أو الشعور بها لاغيا
    حينما تندمج قضيتهما معا بالقضية الوطنية الكبرى. أنا الشاعرة + أنت
    المخاطب (الذي يساوي الرجل ،الوطن ،القيمة العليا ) ابحث في أعماق الليل عن
    شرف قلبك ابحث عن وجهك قمرا معلقا فوق النخيل .. أنت.. تعلمني مرافئ الكشف
    تذهب إلى جذور النبض حيث تسبح الفراشات لفصول العسل أنت .. تفتح مملكة
    الصخور وتغامر بتيجانها أنت .. تفتح جروح غربتي فتأخذك سواعد الهاوية .
    وأظل على سفر في الليل أجدك تفتح صدري باحثا عن حبة القرنفل، فاقفل على
    وجهك الضلوع وأتساءل : من منا خلق من ضلع الآخر (52) انه الشعور الكامل
    بالتماهي الإنساني ،إنها ترفض أن يكون حبيبها مخلوقا من مادة صلبة وتحسّه
    مثلها مخلوقا من الحياة ، من ضلع ينبض ويكتوي بمواجد الشوق،حبيبها بليله
    وقمره ونخله رحلة كشف حقيقي تكرر الشاعرة فيه الضمير أنت ، أنت ،أنت ثلاث
    مرات تقابلها أنا الشاعرة التي تعيش رحلتها الأبدية معه من خلال التوحد
    الذي تظهره بتساؤلها من منا خلق من ضلع الأخر، لذلك فان خسارة الوطن خسارة
    لذاتها، تتمثله إنسانا نديا تزجي عليه من أنوثتها الكثير. تكاد يدي تندي
    إذا ما لمسته و ينبت في أطرافها الورق النضر(53) إنها تجسده كيانا عذريا
    تجمعها به علامة الفقدان وصوفيا تجمعها به لواعج الوجد الذي لا يؤول
    بالوصال إلى السكون: رحيلي أنا وفقداني أنا ووجع روحي عنقود دمع ينتظر
    أصابعك أصابعك تورق فوق وجنتي أصابعك تحتسي وجعا من أنين روحي أتذكر الهذلي
    وورقه النضر ودرويش وأغلال حبه .. وابكي (54) إن التعبير بياء المتكلم
    المتصلة لا يكفي للإفصاح عن معاناتها ولذلك تؤكدها بالضمير المنفصل الصريح
    (أنا) ، ولكن الشاعرة لا تستسلم فهي تواجه الإبادة بالتشكل من جديد وهذا ما
    يؤكد التواصل الإنساني في النص الذي يعبر عن فعل مقاومة خلاقه لأنه يجابه
    الفناء بالخصب والجفاء بالوصال والبين بالاتحاد ولذلك تبدأ بالأصابع حيث
    الكتابة التي تشتعل وتشعل ، الكتابة على الجسد ،والكتابة على الورق ،لأن
    حجم المأساة تتجاوز الفعل الذي أصبح عاديا وهو الكتابة على الورق إلى فعل
    جديد أبلغ كشفا انه فعل المقاومة الحقة من اجل الاستمرار في مجابهة إبادتهم
    بمشروع خصب عراقي: حيث لا تبدأ بالاضالع كأول الخلق بل من بلاغة الأصابع
    إذ اكتشف كفي فساعدي فصدري وتحت كل همسة ينهض عضو جديد حتى يتشكل الجسد…
    بهيا . ومغتسلا بالنيران..(55) إن فاعلية الجسد تنهض بفعل نارين، داخلية
    محركة تشعلها قوة خارجية(الأصابع)وهذه الفاعلية هي قوة تواصلية إنسانية
    يؤكدها النص في جميع محاوره، ومن خلالها تتألف قوى داخلية تحرك وتكشف فهي
    قوة خلاقة تعمل على الديمومة والاستمرار والحفاظ على جذوة الحياة،فنارها
    مطهرة ،مضيئة،كاشفة تعمل بالضد من نار العدوان دحرا لها وأبطالا لفعل
    إبادتها وكيدها،لأنها نار من نوع مفارق، نار شعرية كونها تطلع الورد من
    أعماق صرختها: أنت..تفتح لي بوابة الخلق لأبصر بنور قلبي كيف ينبعث الورد
    من صرخة النار( 56) إن المعاناة على طول القصيدة لم تثلب هذا الحب العظيم
    بينها وبين الرجل الوطن ،إنهما هي والرجل يستجيبان لنداء الوطن بضرورة
    التواصل من اجل الاستمرار والديمومة دحرا لمشروع الابادة ،ولذلك يظهران في
    النص من خلال تلاحم عشقي غريزي ومثلما اشتغل ضمير المتكلم (أنا)منفصلا
    ومتصلا ومخضبا يتوهج الأنوثة يشتغل بالنص ضمير المخاطب متصلا ومنفصلا كذلك
    ومتواشجا بفروسيته مع الأنثى: بحر قلبك ، وقلبي ضفافه واثبة جذلى ومسكونه
    بالحنين (57) إن تكرار الضمير (أنت) يؤكد الحضور الواعي المقابل للانا
    الواعية التي تحيا متوحدة معه، إذ يظل الحب هو خلاص النهوض الوحيد من
    انحطاط المحتل وبشاعة فعله ولذلك ظل النص يتحرك حركة لولبية :يهبط إلى
    القاع بفعل الاحتلال لكن ما أن يبدأ الضعف بملامسة الروح الإنسانية حتى
    تبدأ عملية صعود مفاجئ ،صعود بالحب الذي تكتنفه منظومة قيم تاريخية من خلال
    نهوض إلى القمة المتألقة حيث لا يستطيع خراب المحتل وصولا، ولذلك يؤكد
    النص فعل الحب المتوهج في جحيم الدمار من أجل كتابة جديدة وتأثيث جديد .
    أنت … تمحو تواريخ مدني ، وتكتب شجرها من جديد أنت تعيد تأثيث روحي وتشيع
    في سكونها متعة الإرباك أنت … تمسح غواية ضفافي ، لتكتب أسرار البحر عليها
    .. أنت … تفتح سواعد الجحيم لأدخل معك في التجربة نسفا وقتلا وحرقا
    وتشريد(58) إن التعبير بالأرض التي تعني المهاد والثبات يقوي العزيمة، فهي
    متوقدة تكتب سيرة حبها فلا أسى ولا حزن لان نهوضها تقابله هزيمة المعتدي
    وانكساره مهما طال مكوثه عليها ، تجسد الشاعرة ذلك في التكرار الذي يعد
    عاملا مهما من عوامل تماسك النص والتكرار لرمز العدوان العالمي الجديد
    (أمريكا) ثلاث مرات بمقاطع ثلاثة يبين الأول الاعتداء والثاني ينذر بتدهور
    مكانتها والثالث بهزيمتها وخسرانها. تنهض الأرض عارية إلا من إزار اللهب
    تكتب سيرة حبها نقوشا على صدر الريح وتعد الطغاة بحصان الهزيمة أمريكا … إن
    يبق شعرة من وجودك على الأرض فستمتلئ البحار السبعة بدنسك أمريكا … أيتها
    الثملة بفجور حديدها ، على وهج النار استقرت فراشتها ووسط اللهب تناثرت
    رويدا كي تعرف أن هذا المكان لا يتسع لقلب صدئ وكف بلا مفتاح أمريكا …. كل
    الأبواب مقفلة . وألوان الصورة إلى زوال (59) وتعود من جديد إلى تكرار
    الضمير (أنت) الذي يمنحها الأنوثة الحقيقية في ثنائية الأنثى/الرجل التي
    تعد من أخصب الثنائيات الأساسية في الحياة وجودا ولتتوحد مع الأرض في أمومة
    حب حقيقي يمنح الأرض كمالها وجلال انبثاقاتها،فهي تعيش حالة إرباك تجعلها
    تضيع أمام سر الولادة والموت لتظل الأرض صاحبة الدفق والحياة . أنت تزرع في
    أمومة الأرض أنوثتها كي تزهر زنابق حمرا وقرنفلا من لهب أنت … تربك يقيني
    كي أضيع من جديد(60) ومن المهم الإشارة إلى أن الأمل في نص الحب 2003 يزرع
    وميضه في دجى المأساة ، فانتظار الفارس هو انتظار للحلم ، وبحث عن الفردوس
    المفقود بالرغم من كل ما يحيط به من عدوان وتغييب وتدمير ، كل هذه الأشياء
    لا تقف حائلا أمام التحول والتغلب على المحنة ، انه القلم العراقي الذي لا
    يعرف اليأس، إنها نظرية ( اقرأ)ذلك التجسيد الحي لفعل الكتابة التي جسدت
    قدسية المعلومة في ذلك المجد العربي ليؤكد فعل الحياة بكل مافيها من تفاعل
    وعبقرية وتجربة إنسانية ، وليظهر الفعل الشفاهي لكل أشعار العرب مدونا ،تلك
    المعجزة التي أتت بها منظومة الحضارة الدينية الإنسانية التي اختصرت
    الزمان والمكان بفعل القراءة ،ذلك الفضاء الذي استغرق كل الأشياء في نظرية (
    اقرأ )،فالشاعرة تربط بين زمن المعجزة المرتبط بمحمد عليه الصلاة والسلام
    وإنقاذ البشرية من الظلم وبين انتظار الفارس كما انتظرته الأمة من قبل في
    صحرائها وهذا الفارس سيجئ بالرغم من انهيار الجسور وتساقط الصواريخ وهي ترى
    عودته بقلبها وتؤكدها باستخدامها الفعل المضارع (تجئ) الدال على المستقبل
    ،فالعودة ليست مستحيلة ،والأيمان بالعودة جزء من تحقيقها ،إن حلم العودة
    يعززه فعل التلاقي،فعل الأمر( تعالي) المتضمن لدراما الإنجاز،بالدعوة إلى
    الخصوبة والحياة،ولاسيما أن فعل الأمر يؤكد أهمية ذلك اللقاء في تلك اللحظة
    إذ التساوي التام بين اللحظة والواقع بل و”تأكيد اللحظة بوصفها عنصرا
    زمانيا أوليا لايمكن أن يكون أمرا نهائيا إلا إذا قارنا بين فكرتي اللحظة
    والديمومة ” (61) لان الفعل تعالي يؤكد المجئ بهذه اللحظة الحاضرة التي تعد
    المجال الوحيد الذي يدرك فيه الواقع . فعل الأمر يراودني فعل الأمر يقرع
    أجراس دمي يوشوش جذور الأرض في دراما الربيع فتصعد الأروقة نحو سماء عاشرة ،
    ويدوخ الشجر بنشوة( تعالي ..) فعل الأمر يزعزع هالة التمنع، يشعل السرد
    الكامن في عبق التراب فادخل في المضارع وأغيب..(62) لذلك فان كل هذه
    الأفعال الحركية يثيرها فعل الأمر (تعالي)، والذات الشاعرة تقبل الدعوة ،
    تقبل اللقاء لأنها تدخل في المضارع الذي يعرف طاقة شعبها الخفية ونبض أمنها
    الذي لا يحسه احد سواها وهي في فرح هذه الرؤية الصوفية الكاشفة تأخذها
    النشوة فتغيب في رقصة المخاصرة ، إن تكرار حضور فن الرقص في النص إنما يعبر
    عن كيد بالظلم المحيط بها وانفلات من قيوده وانطلاق نحو التحرر من سطوة
    الواقع، إن أهمية اللحظة الحاضرة تكمن في كونها اللحظة الزمنية الوحيدة
    القادرة على التجسد فعلا يمكن الإمساك به ، فنحن لا نملك من الزمن غيرها
    لان الماضي محترق منساب بلا عودة والمستقبل غائب لا قدرة على استحضاره إلا
    بانسياب اللحظة الآنية وتحولها إلى الماضي وحينها يصبح المستقبل هو الحاضر
    الذي نمسك به ولذلك يبقى الفعل المضارع معبرا عن حركية الحياة وديمومة
    فعلها . إن الشاعرة الساردة تؤكد أنها مستمرة على الحياة في زمن الموت
    بالذات -المضارع الدال على الحاضر و المستقبل ،ذلك الزمن الذي سيفتح لها
    الآفاق في نشوة روحية تغيب فيها برقصة المخاصرة فالرقص هو ذلك الفن الذي
    استخدم منذ أقدم العصور ،لتفعيل حركات أدائية أمام الآلهة ، لتقديم فروض
    الطاعة ، فهو ذلك الألق الروحي الذي يترافق مع التراتيل الدينية ،ولكن
    الرقص هنا ليس للآلهة ، فالشاعرة تغيب في رقصة مخاصرة كونية وجودية معا فهي
    لا ترقص وحدها إن الثنائيات الكونية هي الأخرى تمارس معها هذا النوع من
    الرقص الروحي فلم يعد الرقص أداءً فردياً إنسانياً بل تجاوزه إلى مكونات
    الطبيعة ،إنها تستنهض الكون المهدد بالعدوان ،تنتشله من الموت المحدق به
    إلى حيث الحياة وحركية الجمال والإبداع وهناك تلتحم انسيابية الفن بعفوية
    الروح بفاعلية الجسد إذ تنضوي جميع عناصر الوجود بحمّى الجسد في ظلال
    موسيقى الكون وهي تحتضن الإنسان بعيدا عن أجواء المجزرة ،لتأخذه في رقصة
    كونية كلية شمولية تتناغم ألحانها وحركاتها في طلاقة مدهشة وهي تتعالى على
    كل حدّ وقيد : الشمس تخاصر الأفق الأفق يخاصر المدى البحر يخاصر الصحارى
    النهر يخاصر المدن الجداول تخاصر الشجر وأغصانك تخاصرني وتشعل ساعداي
    موسيقى كتفيك (63) إن تكرار مفردة يخاصر يشيع في النص فاعلية الحركة
    والتواشج ، كما يشيع التلاحم النصي ويأخذ المتلقي معه ليدخله في موسيقى
    المخاصرة،والرقص هنا مشهد استبدال مع الواقع حيث تدحض الذات الشاعرة واقع
    الحرب وبؤسها بمشهد حيوي يفصح عن حركية فرح يحلم به النص ولا سيما إنها
    نحيا وقائع الزمن الحاضر زمن العدوان بدليل أن رقصها يشعل حشائش الوجود
    (64) لتقرأ في متاهة العبير موتها وموت طفلة تذبل وتسقط مثل ورود نيسان،
    طفلة الحلم الأبدي الذي لا يفارق مخيلة أي إنسان مؤمن بالحياة . و الموت في
    ذاكرة الشاعرة ليس جديداً إنها تعمد إليه ضمن منولوج داخلي لتحاور نفسها
    عن قصف ملجأ العامرية. وبجحيم الحضارة الأمريكية يسقط الآلاف من الشهداء
    وتختلط جثث خمسة وعشرين وتسعمئة ألف شهيدة وشهيد. ولكن الشاعرة وبعد كل هذا
    التدمير لم تستسلم بل تؤكد بالتكرار نفسه فعل الرفض لان تكرار الصوت يؤكد
    تكرار الدلالة: ارفض ، ارفض . . فالدم المخنوق بالنار كان دمي والصوت
    المضرج بحليب الفزع صوتي ، وكل شئ يتهاوى (65) ولكن فعل الرفض لم يوقف
    الصواريخ ،بل يأتي تكرار سقوطها ثانية تأكيدا لمقصدية العدوان: تسقط
    الصواريخ تسقط (66) وهي مازالت تملك الزمام وتحكي المأساة . وفي خضم
    المأساة والوطن المجروح يأتي التكرار ليعزز الفعل الاستمراري للتعب . أتعب
    أتعب …(67) تتعب من كل ما يدور حولها من العنف الهمجي ولكنها لا تيأس تغمض
    عينيها وتحتضن الأرض ليعاودها الحلم بالعود الأبدي من جديد انه فعل الولادة
    الحي والخصوبة إنها لحظة الولادة ( الأمل ) لحظة انتصار الإنسان. بغداد
    تعدو بأحشائها يتضور طفل جريح (68) إنها تحمل جنينا وسط النيران وان كان
    طفلا جريحا ،فالجرح يؤول إلى شفاء على عكس الموت الذي لم ينسبه النص إلى
    ساردته ولا إلى شعبه أو وطنه . ( الحب 2003 ) نص لا يعرف الموت لان هدفه
    الحياة ، انه نصّ يحيا من أجل الحياة، من أجل الناس الطيبين ، من أجل
    الأطفال والصبايا ، من أجل الجمال والفن وبهاء التواصل مع الغد ، وهو نصّ
    لا يعرف الكراهية لأنه يرتكز على الحب لذلك يرفض العدوان ويفضح أدواته
    ويكشف عن جرائمه ، والنظام الأمريكي ببرامج هيمنته المتسلطة هو أعتى هذه
    الأدوات في العالم المعاصر . محور التــــــناص: ان الحديث عن التناص يضعنا
    أمام تعريف جوليا كرستيفا ،من أن النص هو: “ترحال للنصوص،ففي فضاء نص معين
    تتقاطع وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى ” (69)، وعند بارت”
    فضاء لأبعاد متعددة، تتزاوج فيها كتابات مختلفة وتتنازع،دون أن يكون أي
    منها أصلياً:فالنص نسيج لأقوال ناتجة عن ألف بؤرة من بؤر الثقافة” (70) أما
    الحديث عن الظاهرة التناصية ، فيدخل ضمن شكل النص أولا وفي آخر التحليل
    تندرج ضمن نظرية الأجناس ثانيا لان ” النص الواحد هو شبكة نصوص شبه موجودة
    تشد إلى أنظمة دلالية مختلفة ” (71) إذ لا وجود لنص دون تناص لذلك فان
    دراسة الأجناس إذا ما وضعت في سياق أدبي تكون في” صميم المشغل التناصي إذ
    الأجناس تحيل على النصوص والتناص قائم في الشكل الذي يمثل استراتيجيا أدبية
    هو دورة من النصوص تتفاعــل في بناء مجمل “(72) هذا البناء يشكل قرابة
    نصية بين الأجناس المختلفة ،لذلك فان من” ابرز محاور التناص تلك القرابة
    البنائية بين فنون متباعدة ،أو نصوص من أجناس أو من أنواع متباينة”(73) ومن
    هذا المنطلق سنتناول أنواعا من التناص :- 1- التناص الشعري النص بوصفه
    فضاء متعدد المعاني ينتمي عند بعضهم لشعرية توليدية وعند الآخرين إلى
    جمالية التلقي ويتموضع عند بعضهم في مركز الفرضية الاجتماعية التاريخية
    وعند الآخرين في تأويلية فرودية (74) يعني انه ليس بامكان أي نص التنصل من
    جانب التأثر (75) فالتناص الشعري هوالذي ضم زمنين ،زمن الشعر الأول والزمن
    الحاضر ،هذا التناص بين زمنين يتداخلان يثري فيه الزمن القديم زمن الحاضر
    وينبض فيه مضيفا إليه مستوى أعمق ففي قولـــها : فها أنا تائب عن حب ليلى
    فما لك كلما ذكرت تذوب (76) وقـــولها : يقولون ليلى عذبتك بحبها فيا حبذا
    ذاك الحبيب المعذب (77) وقـــولها : كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس
    ولم يسمر بمكة سامر(78) وقـــولها : و يا حبه زدني جوى كل ليلة ويا سلوة
    الأيام موعدك الحشر (79) نلمح الانتقال من الخاص إلى العام ،إذ أن القراءة
    الأولى في دواوين الشعراء القدامى تبين أن الحب فردي يخص شخصية معينة
    (مجنون ليلى) الذي قتلته عوامل الانفصال وقسوة الأهل وأبو صخر الهذلي وحبه
    العذري، ولكن في سياق النص الجديد يبدو الشعر القديم قد هجر سياقه السابق
    ليندرج في سياق جديد هو سياق عام يتحدث عن قضية شمولية هي قضية الوطن، وان
    الذات الساردة تتحدث عن حبها لوطنها ،وأنها متيمة به بالرغم من العذاب
    اليومي الذي يطالها مما آل إليه حاله ، وفي ذلك يتحقق شرطا كرستيفا في
    الامتصاص والتحويل، إن الجامع بين النصين القديم والحديث هو الحب المحفوف
    بالحرمان والنابض بالوجع والمهدد بالعدوان وهي لم تستعن بالشعر العمودي حسب
    ،وإنما شاطر اهتمامها شعر التفعيلة والشعر الشعبي الفلكلوري الذي تداخل هو
    الآخر ليعبر عن المساحة المهمة التي يشملها هذا التداخل المهم الذي وفقت
    فيه الشاعرة لتعبر عن اشتراك كل ألوان التعبير عن الحب والعذاب وتداخلها
    إفصاحاً عن الرفض الجمعي. ونلمح تناصاً آخر مع محمود درويش رمز المقاومة
    المستمرة وهو من شعر التفعيلة : .. ونعبر في الطريق مكبلين .. كأننا أسرى
    يدي ،لم ادر ،أم يدك احتست وجعا من الأخرى ؟ (80) ومن الشعر الفلكلوري يا
    مواويل الهوى يماّ يا موليا ضرب الخناجر ولا…حكم النذل فيا(81) 2- التناص
    القرآني : لا يخفى الأثر الذي يمثله النص القراني بالنسبة للذاكرة الثقافية
    والإبداعية العربية بشكل خاص ولاسيما في إطار الشعر الحديث الذي يحرص
    بطبيعته الإيمائية والأدائية على التمثل الخفي والتعبير الرمزي والاهتمام
    بالأساليب والصياغات الفنية المبتكرة ،اذ يعتبر الرافد القرآني أكثر تأثيرا
    على مرحلة الشعر العربي المعاصر من غيرها من المراحل السابقة،من خلال
    تضمين عدد من آياته أو معانيه أو مفرداته (82 ) ،التي أضفت فاعلية معرفية
    على النص ،فضلا عن التداخل بين زمنين يتداخلان في أهمية المسألة التي
    تعالجها الشاعرة ،فالتناص هنا في الحدث القرآني الذي يبين هلاك الطغاة
    وابادة آثارهم بخسف الأرض بهم، لان” الخسف فجر من الأرض براكين قذفت عليهم
    حجارة معادن محرقة كالكبريت” (83) وهي إشارة إلى أمنية النص بمصير كهذا
    للطغاة الجدد ،فضلا عن التناص هنا قد جمع أمكنة وأزمنة مختلفة أسهمت في
    تكثيف فني غريب لا يستطيع إن يوحد بينهما غير الفن، ويظهر التناص مع النص
    القرآني في قولها: انهضي يا أحجار” ثمود “،(84) التناص مع قوله تعالى”جعلنا
    عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل” (85) ياصرصر “عاد” يا نخلها
    المنقعر(86) التناص مع قوله تعالى”وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية”(87)
    انهضي يا فتنة الناقة،(88) التناص مع قوله تعالى”فعقروا الناقة وعتوا عن
    أمر ربهم…”(89) وافتحي الدوائر المقفلة يا أسورة امرأة العزيز فقد آن
    للنسوة أنس يداوين جروح أيديهن(90) و آن للسكاكين أن تسقط ..( 91) التناص
    مع قوله تعالى”…فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن…” (92) فضلا عن أنها تجسد
    فعل التناص مع العذاب الذي حل بقوم ثمود وعاد والإشارة إلى النخل المنقعر
    إذ”تتراماهم الريح في الجو كالريش،وأن تلقيهم صرعى عن بكرة أبيهم فيشاهدهم
    المارون بديارهم جثثا قد تقلصت جلودهم وبليت أجسامهم كأنهم أعجاز نخل
    خاوية”(93) وهي أمنية النص أيضا لأعداء الإنسانية الجدد ، كما يربط النص
    بين تعرض قوم صالح للناقة وهي”علامة موادعة ما داموا غير متعرضين لها بسوء،
    … والعقر عائد على الذين استكبروا” (94) وبين اضطهاد أمريكا واعتدائها
    وإثارتها الفتن والفوضى وتكوير الشمس وظهورها إعلانا للقيامة،لكنها ليست
    قيامة يوم الدين بل هي قيامة حساب الطغاة أمام المضطهدين في الأرض. وتكوري
    يا شمس هذه الكرة المنكفئة بلعنة الطغاة تكوري فانا انتظر قيامة الملكوت
    (95) التناص مع قوله تعالى”إذا الشمس كورت”(96) ويذهب النص إلى سورة يوسف
    عليه السلام دليلي ذلك الحلم المريب وشذى قميص الجب معقودا برائحتين دجلة
    والفرات(97) وقولها: من دبر قد قميصك اشهد أني كنت وراءك أشعل اسماك
    الخلجان اشق عصا الطاعة في أروقة السلطان وأشهد كل نساء الحاشية الملكية
    أني من غلقت الأبواب (98) السجن أحب إليك، وتعلم أن حديقة قلبي أبهى(99 )
    إن تناول الشاعرة لقصة يوسف فيه إشارة لقضية مهمة يومئ بها النص ، وهي
    التحويل في الفن ، إذ نرى كيف تحول التناص من قضية شخصية خاصة وهي شعور
    امرأة العزيز الأنثوي تجاه النبي يوسف إلى قضية وطنية ، ( يوسف =
    العراق)،والقضية أصبحت عامة فضلا عن أن النص ربط بين تزوير امرأة العزيز
    وافترائها مع تزوير أمريكا التي اتخذت (أسلحة الدمار الشامل) حجةلابادة
    العراق ، فضلا عن أن الشاعرة استطاعت أن تجسد روح الانتقام لدى أمريكا
    وعدوانها المقصود. لقد نجحت الشاعرة في امتصاص الحدث القديم من النص
    القرآني ،والاكتفاء بإشارة واعية حولت بها حدثا وزمانا ومكانا إلى النص
    الحديث . إن سطوة المعتدي لم تخفها لقد تركت كل شئ من اجل وطنها وذهبت تعدو
    خلفه لتبحث من خلال قلمها ، عن كلمة تختصر فاعلية الحدث العظيم الذي يتعرض
    له بلدها ولم تجدها إلا بالحب: وأقول : أحبك فقلت: يا أيتها الكلمة
    المطمئنة … افتحي أبواب الجنة وادخلي في الرضوان (100) التناص مع قوله
    تعالى”يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية”(101) وقوله
    تعالى”الم ترى كيف ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة…” (102) وتفيد الشاعرة من
    التناص مع الفتية المؤمنين في سورة الكهف إذ تسعى بكل إصرار إلى رفض واقع
    التقسيم ودحر التجزئة ولذلك تقتحم الجبل ،تدخل في كهوفه مستسلمة لزمن فتية
    الكهف المؤمنين حالمة وموقنة بيقظة جديدة توحد ارض وطنها وشعبها معا وان
    طال الزمن لكن الفتية بعثوا ناهضين بإيمانهم من جديد ، بعثوا بعد موت أو
    رقاد ، وهي في هذا تشبه حال الأمة وسباتها الذي طال ،ولاسيما أنها اكتفت
    بالرقاد ولم تذكر الصحوة ، لان ما تراه من حال الأمة لا يبشر بالصحوة .
    جبالك ملاذي ، استسلم في كهوفها لأصابع الزمن يقلبني ذات اليمين وذات
    الشمال(103) التناص مع قوله تعالى” وتحسبهم إيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات
    اليمين وذات الشمال..”(104) وجبالك ملاذي اختبئ في كهوفها فيتلقفني الوحي
    وتحف بي الملائكة.. (105) التناص مع الحديث النبوي الشريف،عن أبي هريرة
    قال:قال رسول الله(ص) (…ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ،يتلون كتاب
    الله،ويتدارسونه بينهم،إلا نزلت عليهم السكينة،وغشيتهم الرحمة وحفتهم
    الملائكة،وذكرهم الله فيمن عنده،…) (106) إن الشاعرة تعيش أزمة وطنها ،
    واختارت جباله ملاذا لها فالجبال رمز للتوازن المفقود وهي الأوتاد التي
    ترتكز عليها الأرض ، وفي ظل الحزن تبحث عمن يخلصها من الخطيئة ،إذ يظهر
    التناصف مع أصحاب الكهف لأن”الله أجرى عليهم حال الأحياء الأيقاظ فجعلهم
    تتغير أوضاعهم من أيمانهم إلى شمائلهم والعكس .. والإتيان بالمضارع للدلالة
    على التجدد بحسب الزمن المحكي…وتقليبهم لليمين والشمال كرامة لهم بمنحهم
    حالةالاحياء”(107) وتستمر الذات الساردة بالبحث عن الخلاص ،إذ تستخدم
    تناصاً مقلوباً يقضي بعقر الناقة لتتخلص من الخطيئة إذ كانت الناقة في
    منظور النص رمزا للفتنة،يؤكد ذلك ورودها عنوانا لقصيدة بعنوان الناقة في
    ديوان الشاعرة البحر يصطاد الضفاف(108) في حين أن عقر الناقة في القصة
    القرآنية كان خطيئة : لاشئ في الزبر إلا ضوء قلبك وقلبي فمن أين لي بعاقر
    لهذه الناقة(109) لقد ركزت الشاعرة في أكثر من موضع على (الكلمة) وما يدور
    في حقولها الدلالية واستطاعت ان تتواصل عبر النص لكي لا تغيب أهمية (الكلمة
    والكتابة والقراءة ) ، فكلمة (اقرأ) مثلا تواجهنا مع كل الكلمات التي أخذت
    عبر الزمن بعدا معرفيا أغنى الحياة والحضارة من خلال تجسيده فعلاً لغوياً
    أو أدبياً أو فلسفياً ونقرأ باسم العلامة حمى التحول ، وفي نظرية (اقرأ
    )تأخذ الأشياء زخرفها (110) التناص مع قوله تعالى (اقرأ بسم ربك الذي
    خلق….)(111) وفي قوله تعالى ” حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها
    أنهم قادرون عليها أتاها امرنا ليلا أو نهارا كأن لم تغن بالأمس ) (112)
    وهي إشارة إلى التوعد بالعقاب الذي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:39 pm