منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    جدلية النصي والتأويل

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    جدلية النصي والتأويل

    مُساهمة   في الأحد أكتوبر 14, 2012 3:00 pm

    يوسف بن عدي

    «وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير
    والتأويل ما اهتدوا إليه، لا يحسبون القرآن تلاوة، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية
    ما عندهم إلا التشنيع عند العوام والتكثر عند الطعام،
    لنيل ما عندهم من الحطام، أعفوا نفسهم من الكد والطلب [ ... ] يدرسون بالليل صفحا ويحكونه
    بالنهار شرحا إﺫا سئلوا غضبوا وإﺫا نفروا هربوا»[1].


    أولا. من مدارات
    النص إلى بناء التأويل


    لاشك أن اختيار
    الكاتب عبد القادر فيدوح لمقاربة نظرية التأويل في الفلسفة
    العربية الإسلامية هو اختيار منهجي ونظري صعب، ﺫلك لأن هذا النوع من التقريب
    والقراءة هي بالأساس مغامرة فكرية عويصة. وهذا يرتد إلى محاولة الباحث الإلمام بالهيكل
    العام للثقافة العربية ومكوناتها ونظمها المعرفية ونماذجها ومساراتها...والحال أن على
    طول خريطة العقل العربي القديم والحديث واﻹنتاجات الفكرية والفلسفية والأدبية والمذهبية بدءا بـ"الإيديولوجية العربية المعاصرة" لعبد الله العروي و "نقد العقل الإسلامي "لمحمد أركون" و
    "التراث والتجديد" لحسن حنفي مرورا بـ"نقد
    العقل العربي" لمحمد عبد الجابري ونقد العقل الغربي لمطاع صفدي وانتهاء بـ"فقه الفلسفة" لطه عبد الرحمان وغيرها من المشاريع
    القوية في البناء النظري والقوة المنهجية والتي تحاول بصيغة أو بأخرى رسم معالم
    نظرية التأويل في ثقافتنا، لذا كانت المحاولة المعرفية من قبل عبد القادر فيدوح معركة شاقة لتداخل البنيات الفكرية والنظم المعرفية والمسارات
    الاجتماعية والإيديولوجية المساهمة في بلورة النماذج والصيغ، وتشكيل الحقائق والمقولات.


    لقد كانت بوابة
    الانخراط الفكري والنقدي للكاتب من خلال طرح مجموعة من التساؤلات الأساسية ذات الطابع
    النظري والإيديولوجي وهي كما يلي «هل استطاع العقل العربي في منظوره الذي أسهمت الفلسفة
    في تحريره أن يقوم بالدور الفعال المستمد في معرفة الوجود لما هو موجود؟ أم أن مفهومه
    لم يتجاوز العقل العملي المكتسب من وصايا الثوابت؟ وهل استطاعت الفلسفة العربية-الإسلامية-
    في نظرتها التأويلية أن تميز بين المعقول واللامعقول في تطوير الفكر الإسلامي
    تباعا؟ وقبل كل ذلك هل نستطيع الحديث عن الفلسفة العربية
    الإسلامية بمعزل عن العقيدة؟ وإلى أي مدى استطاع ﻫﺫا
    العقل أن يراهن على تحليل النص؟ وأي نص؟»[2].


    فلما كانت هذه الإشكالات
    الجوهرية أعلاه من صميم بنية العقل العربي وآليات اشتغاله واستثماره فإن الإجابة قد
    كانت معلنة في بدايتها أعني أنه كان من اللازم على الباحث استثمارها كفرضيات لا مسلمات
    ثابتة، والحال أن تلكم الإشكالات قد كانت قوية في صياغتها وطرحها لدرجة أنها
    ترسم خريطة الفكر العربي الإسلامي القديم والحديث والمعاصر. وهكذا كانت الإجابات من
    مدار النص الديني وتحولاته وتأويلاته الذي كان هو "المرتكز الثقافي هو الذي يتحكم
    في الموقف من النص، وما إن تعددت الفرق والمذاهب حتى كثرت الاختلافات الخاصة في علم
    الفقه والمسائل السياسية"[3].


    لقد افتتح عبد القادر
    فيدوح من التمييز بين التفسير
    بالرواية والتأويل بالدراية، إذ إن هاتين العمليتين إنما يرجعان إلى النص ومداره أي
    النص الشرعي. لذا سارع بعض المفسرين لترجمة دلالات القرآن ومعانيه : مجازه وحقيقته. ومن ثمة صار الحديث عن درجات أو مستويات التأويل
    : التأويل بالنظائر والتأويل بالحديث والتأويل بالمقتضى. ومن هنا فإن للمتغيرات السياسية
    والإيديولوجية الحاصلة عصرئذ دور في رسم أفق النص ومسار
    تأويله وتفسيره، ولعل هذا ما لم يشر إليه الكاتب بصورة كافية وجلية كي يدرك أن
    «"مصطلح" التأويل في الفكر الديني قد تحول إلى مصطلح مكروه لحساب مصطلح التفسير
    فإن وراء مثل هدا التحول محاولة مصادرة كل اتجاهات الفكر الديني "المعاوضة" سواء على مستوى التراث أم على مستوى الجدل الراهن
    في الثقافة»[4].


    وهكذا فالتفسير
    بالرأي قد كان نتيجة «تشعب المذاهب بدءا من اختلاف المسلمين حول مسألة الإمامة وهو
    ما جعلهم يستوحون من القرآن كثيرا من الأحكام والمفاهيم التي تلائم
    التيارات المذهبية مما يشجع على نشوء فرق دينية متفاوتة في الرأي»[5].


    فالتأويل ومجالاته
    ومداره هو الهاجس السياسي والإيديولوجي الذي يحدد المفاهيم والمقولات حتى يتم استغلالها
    وتوظيفها في المعارك والصراعات. لقد تمكن الشافعي من تقنين البيان وتحديد دلالته وأصول
    الفقه ودائرته. فكان من شرط التفسير والتأويل «معرفة قواعد الدين وأسسها المكنية وأصول
    مباني الشريعة الأصلية واعتبروا ما لم يكن مطابقا للقواعد المهمة لاستنباط الأحكام
    الشرعية من باب وجهات نظر فاسدة»[6].


    إن وجهة نظر محمد
    عابد الجابري إنما تدل على ذلك الصراع المرير بين السلطة العلمية والسلطة السياسية
    حول المقولات والمرجعيات والنماذج وحول النص المؤسس، يقول : «إن مشكلة الخلافة هي أول
    قضية طرحت نفسها إن الفكر العربي والإسلامي فإنما كانت أحر قضية حول هذا الفكر تنظيرها
    مع العلم إن الثقافة في هذه القضية قد بدأ في وقت مبكر وأنه كان المنطق الذي قام عليه
    علم الكلام أكتر أنواع العلوم العربية الإسلامية ابتداء في التجريد والتنظير»[7].
    ومن ثم فإن التنظير للإمامة والسلطة عند أهل السنة لم يبدأ
    إلا مع الشافعي الذي وضع "قواعد"التفكير السني.


    ثانيا : في العرفانية والبيانية صراع أم تحالف


    إن من بين
    بواعث «تعسف الباطنية كما يقول عبد القادر فيدوح في
    تأويل القرآن»[8].
    هو باعث الإمامة أو الخلافة حيث شدد غلاة الشيعة بأن الإمامة
    من حق علي بن أبي طالب نصا لا اختيارا. يقول محمد عابد الجابري في هذا السياق« فلكي
    يثبت متكلمو أهل السنة أن الإمامة بالاختيار لا بالنص لن
    يكتفوا بسرد الأحداث التاريخية كما فعل صاحب كتاب"الإمامة والسياسة بل سيلجأون أيضا إلى الاستشهاد بـ"الإجماع"
    إجماع الصحابة[
    ]كما سيلجأون إلى قياس قضايا الخلافة على مسائل الشريعة
    وبالتالي قياس الحاضر على الماضي بل سيصبح "الاجتهاد" المفتاح الذي تحل به الأبواب ومنها سلوك الصحابة ومواقفهم السياسية»[9].إننا
    لم نسق هذا النص لأستاذنا الدكتور محمد عابد الجابري إلا للإشارة لذلك الصدام المشهود
    بين العرفانية كحقل معرفي والبيانية كفعل معرفي في ثقافتنا
    العربية الإسلامية، والذي لا يمكن تجاهله أو التغافل عنه بأي شكل من الأشكال والتنبيه
    إلى أن عبد القادر فيدوح قد قام بتقريب التأويل في الفكر
    الشيعي من خلال تجلياته ومظاهره الأساسية من قبل : الباطنية والتأويل بالدراية وألوهية الإمام... دون النظر في بنية النظاميين
    المعرفيين (العرفان والبيان).


    وعلى هذا فإن الحقل المعرفي المتمثل في الكشف والسر الإلهي والرؤية السحرية
    للعالم لم يكرس إلا بناء المماثلة والأسطورة. وأخيرا وليس
    آخرا فإن عنوان الفصل كذلك "التأويل في الفكر الشيعي" إنما يوحي للقارئ بأن
    الباحث سيعمل على التأريخ للتيارات والمذاهب الشيعية باختلاف مشاربها ومنطقاتها المعرفية
    والدينية وذلك بغية الإمساك بمفهوم التأويل في المسار الفكري الشيعي؛ من النص إلى تحولات
    التاريخ.


    (1) التأويل الكلامي إشكالاته.


    يعتبر الخطاب الكلامي من بين أنماط الخطابات التراثية العربية
    الإسلامية الأساسية؛ بل إن علم الكلام هو من صميم العقل العربي الإسلامي وذلك لدفاع
    كثير من المهتمين والمفكرين عن أصالته الفكرية والمنهجية والنظرية. وهكذا فقد عمل عبد
    القادر فيدوح على مقاربة التأويل من وجهة نظر المرجعية السلفية
    والمرجعية الكلامية برصد السلف كمنظومة التأويل الممدوح والتأويل المذموم؛ و لرسم الحدود
    بينهما وفق منطق الشرع والعقيدة.


    وعلى هذا فالخطاب السلفي والخطاب الكلامي إنما يشتركان أولا في النص المؤسس
    (الشريعة) وثانيا إنهما ينتميان إلى نفس النظام المعرفي وهو نظام البيان. هذا الأخير
    الذي كما حدده محمد عابد الجابري في الحقل المعرفي الوحيد وهو الظهار والظهور والفهم
    والإفهام، بعبارة أخرى فإن المرجعيتين (السلفية والكلامية) إنما يندرجان ضمن "الرؤية"والمنهج للعالم.إنهم بكلمة واحدة علماء البيان
    من «لغويين ونحاة وبلاغيين وعلماء أصول الفقه وعلماء الكلام سواء كانوا معتزلة أو أشاعرة
    أو حنابلة أو من "الظاهرية" أو من "السلفيين"قدماء ومحدثين»[10].


    فهذه الرؤية النقدية
    لبنية العقل العربي لم يشر إليها الكاتب فيدوح، والحال أنها
    ضرورية ضرورة منهجية ومعرفية بغض النظر على الاختلاف أو الاتفاق.فضرورتها نابعة من إنها فرضت نفسها وأضحت جزءا من الكتابة
    العربية المعاصرة.


    ومن ثمة فقد اكتفى
    صاحبنا بقوله «فلا حاجة إلى النظر المتعمق في معرفة العقائد في الإسلام، لأنه مثار
    للشبهات والشكوك ولأن أكثر أقيسته وطرقه لا تفيد اليقين
    الذي هو ركن أساسي في الاعتقاد»[11].
    بل إن العكس هو الصحيح أي إن النظر في الفرق والمذاهب الكلامية إنما يجعلنا نقر أن
    الخطاب الكلامي قد أسس آداب المناظرة وفقه المحاورة كما يقول المنطقي الشهير طه عبد
    الرحمان في كتابه"في أصول الحوار وتجديد علم الكلام".وبهذا فقد عرج عبد القادر
    فيدوح على فكر المعتزلة والأشاعرة
    أو ما بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي وفق المبحث الثاني : "التأويل بين النقل
    والعقل" رغم وجود مشاكل تاريخية ونظرية خطيرة، وبحيث لا يسع الدارس الإحاطة بها وتقريبها وذلك، لأننا لا نستحضر المنظومة الاعتزالية إلا من
    خلال خصومها ومناوئيها؟ ثم كيف نتمكن من قراءة الكلام الاعتزالي
    من خلال نصوصه ومتونه ذاتها؟


    وهكذا فإن السؤال المطروح من قبل الكاتب "ماذا أضاف المعتزلة
    إلى التفكير الديني الفلسفي؟ هو في حقيقة الأمر سؤال ملغوم والسكوت على أن الأشاعرة مذهب ديني أصيل؟ في الوقت الذي يبقى الإشكال العام للتراث
    العربي الإسلامي.كما يقول محمد عابد الجابري هو التحول من "قوانين تفسير الخطاب"
    إلى "شروط إنتاج الخطاب".


    ثالثا : من المعقول
    العقلي إلى اللامعقول العقلي


    يخطو الكاتب عبد
    القادر فيدوح في الفصل الرابع "التأويل و تحصيل البرهان"
    خطوة متقدمة في تحديد التأويل وفق الخطاب الفلسفي (الممارسة الفلسفية)والذي لم يتردد
    فيه الباحث في التأكيد أن «النظرية التأويلية لم تكمل إلا على يد الفلاسفة بوضع أسس
    وقوانين كما وقع مع الغزالي الذي مثل فكر علماء الكلام بوصفه أشعريا وتيار الفكر الفلسفي
    بوصفه فيلسوفا»[12].
    بيد أن الكاتب لم يتوقف عند التحول الابستيمولوجي (المعرفي)من
    قارة مفهومية إلى أخرى مع إشارته أن إسهام فكر الغزالي«يتحول
    من الاعتماد على العقل إلى الاعتماد على القلب فأناط وظيفة التأويل بنور اليقين الروحي»[13].
    ولعل هذا التحول الفكري لدى حجة الإسلام إنما يرتد إلى الهواجس
    الإيديولوجية والسياسية فأضحى الموقف لدى صاحب كتاب "فضائح الباطنية"هو الذي
    يتحكم في المذهب وليس العكس. لقد كانت آلية القياس «قد تحولت مع الغزالي إلى آلية تشكيلية منحرفة
    عن وضيفتها "الأصلية" التي أرادها له أرسطو وظيفته "التحليل" و
    "البرهان"»[14].
    ومن هنا فالتأويل في فكر الغزالي هو تأويل عرفاني إشراقي يمزج بين إشكاليات علم
    الكلام والفلسفة الإشراقية وتوظيف المنطق توظيفا إيديولوجيا
    لا توظيفا معرفيا نظريا.


    ولا شك أن استحضارنا
    لرؤية الجابري لبنية العقل العربي هو استحضار لتأويل ذو معقولية نظرية وفكرية في الوطن
    العربي إنها الرؤية النظرية التي دافعت عن القطيعة الابستيمولوجية
    بين عقلانية ابن باجة وابن رشد وما بين لا عقلانية الغزالي
    وقبله ابن سينا، إذ إن الحديث عن مسألة التأويل بين فكي الفلسفة والشريعة أو الحكمة
    والدين لا يستوي إلا بالبحت في بنية الثفافة العربية الإسلامية
    القديمة لتسجيل التحولات والانتقالات أو القطائع الفكرية والنظرية والمنهجية، وهذا
    لا يتم إلا بآليات ومفاهيم : التوظيف الإيديولوجي والمعرفي، الانفصال والاتصال في الفكر
    العربي، الموضوعية والاستمرارية، المنهج البنيوي والمنهج التاريخي إلخ. إذ بهذا الجهاز المفاهيمي نتمكن
    من إثبات أن هناك مصالحة عقلانية بين المعقول الديني والمعقول العقلي على الطريقة الرشدية بحسب الجابري.


    1- فخ العرفانية أو الاستيلاب المفهومي


    هل يمكن أن نعتبر
    أن تخصيص الكاتب عبد القادر فيدوح فصله الخامس "المعراج الصوفي والتأويل الذوقي"
    هو إعلان لارتداد العقل العربي وتقهقره؟ ثم متى نعتبر أن بداية الفكر الإنساني يتأسس على الشعر ثم العقلانية ثم يندحر في التقوقع والارتداد؟


    يسعى الكاتب في هذا الفصل الأخير نحو رسم التأويل الذوقي من خلال
    المنظومة الصوفية المبنية على مقولات الذوق والمشاهدة والحلول والحق والخلق... فالذوق
    هو مصدر طاقة المتصوف[15].
    إنها معرفة قلبية ذات تأويل عرفاني إشراقي هرمسي، إنه دعوة
    إلى الاتصال لا بالتاريخ والواقع، بل بالميتافيزيقا الوحدوية. وهكذا فإن تحديد التأويل
    الذوقي لم يكن واضحا في الخطاب الصوفي ذلك لأن هذا الأخير فيه مستويات مختلفة من حيث
    القراءة أو المنطق النظري، وعدم الوضوح نابع من الاختلاط بين التصوف السني (القشيري) والتصوف الفلسفي (الحلاج والبسطامي)
    وهذا لا ندركه إلا حينما ننظر في السياق الإيديولوجي والاجتماعي والسياسي عندئذ؛ وكذا
    الاختلاف بين أهل التصوف وأصحاب العرفان، وهذا ابن سبعين ينتقد جلب الإسلام الغزالي
    بقوله : «وأما الغزالي فلسان بدون بيان وصوت بدون كلام وتخليص يجمع الأضداد وحيرة تقطع
    الأكباد، مرة صوفي وأخرى فيلسوف، وثالثة أشعري ورابعة فقيه، وخامسة محير. وإدراكه في
    العلوم القديمة أضعف من خيط العنكبوت وفي التصوف كذلك، لأنه دخل الطريق بالاضطرار الذي
    دعاه لذلك من عدم الإدراك» وبهذا يظل الخطاب الصوفي فيه من الصعوبة في المقاربة والمشقة
    في التقريب ما يتخطى الصفحات المعدودة التي دونها عبد القادر فيدوح.


    عود على بدء


    إن نص : "نظرية
    التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية 2005" للكاتب عبد القادر فيدوح بفصوله المتماسكة (خمسة فصول) والمترابطة إنما يدل على قوة
    النظر والتفكير وحماسة البحث والتأمل في قضايا الفكر العربي الإسلامي القديم ذات الصيغة
    الإشكالية والمنهجية والمعرفية العويصة. وهكذا فمرتكزات الكتاب وخريطة بنائه النصي
    والنظري لمفهوم التأويل (interprétation) هو قيمة مضافة للفكر والثقافة.
    وهكذا فقد استطاع الكاتب رسم الطريق ووصف رحلة سفر
    ممتعة، غير أننا في هذا السفر الفكري لم نشاهد ما ينبغي مشاهدته ولم نظفر بمسالك الرحلة
    المهمة. ومن ثم تأتي بعض من ملاحظاتنا النقدية في طبيعة بناء الرؤية وصياغة المنهج
    وتحديد الإشكالات وهي كما يلي :


    أ- إن المتأمل لعنوان الكتاب "نظرية التأويل في الفلسفة العربية
    الإسلامية" 2005 إنما يبعث فيه طائفة من التساؤلات الجاهزة والمشروعة في الوقت
    نفسه.


    فمن بينها أن صاحب
    الكتاب إنما سيعمل على تأسيس نظرية في التأويل مستحضرا بعض المكتسبات النظرية والفلسفية
    الأوربية ومنها : ما دلالة الهرمينيوطيقا الفلسفية؟ هل هناك
    معنى في النص؟ هل هو معنى موضوعي أو ذاتي؟ ما هو الفهم؟ ما
    هو المعنى؟إلخ. من الإشكالات التي ساهمت في بناء النظرية
    التأويلية منذ شلاير ماخر ودلتاي مرورا بغادامير وهايدغر وانتهاء بريكور وأمبرتو إيكو...


    بيد أن أفق الانتظار
    ما فتئ ينهار حينما قدم الكاتب عنوة بإعلان التمييز بين التفسير بالرواية والتأويل
    بالدراية...وهذه مفارقة معرفية ونظرية واضحة المعالم.


    ب- أما الملاحظة
    النقدية الثانية فتتجلى لنا في مفهوم الفلسفة العربية الإسلامية.
    لا غرو أن هذا المصطلح على مسار الثقافة العربية لا يعبر
    على التمييز بين قطاعات معرفية معينة. علم الكلام وهو علم أصول الدين، وأصول الفقه،
    وعلم التفسير والحديث، والفلسفة الإسلامية بغض الطرف عن حقيقة تكامل العلوم وتداخلها وهكذا فالفلسفة الإسلامية ليست
    إلا فلسفات : الفارابية والسينوية والرشدية، أي التي كانت
    صناعة الفيلسوف وشغله الشاغل وسلطته المعرفية، في حين أن علم الكلام هو الكلام في العقيدة
    والسياسة على قدم وساق. وهو أيضا مجال البحث في الصفات والذات والأصول الخمسة أما وأن
    الفيلسوف قد كان له كلام في علم الكلام...فهذا أمر آخر، بعبارة مختصرة فإن الكاتب قد
    وقع في الخلط بين المباحث المعرفية(الفلسفية الإسلامية والإلهيات مما أدى إلى مفارقة
    أخرى بين عنوان الكتاب وفصوله.


    ج- أما الملاحظة
    الأخيرة إنما تظهر في أن المطلع على الكتاب "نظرية التأويل" إنما يستشعر
    عن تعقل و فهم ودراية أن فصول الكتاب متباعدة بعضها عن بعض أي كأنها دراسات مستقلة
    تم جمعها بتوطئة أو تمهيد بدون خلاصات
    وآفاق. ولعل هذا التباعد بين الفصول إنما
    هو في اعتقادنا صادر من غياب الرؤية المنهجية
    والبنيوية لبنية العقل العربي؛ والتي
    تكاد تطفو على سطح هذا النص أو ذاك؛ غير أنها ما فتىء الكاتب
    يجهز عليها ويقطع أنفاسها : إنها مقاربة النظم المعرفية في الثقافة العربية من حيث
    هي تقريب للصدام والصراع أو التحالف والاحتواء...إنها رؤية إيديولوجية واستراتيجية مشهودة، والشاهد على ذلك التاريخ ومساراته وتحولاته
    -التي تكشف لنا عبر مجهودات المفكر المغربي محمد عابد الجابري؛
    صدام النظام البياني والنظام العرفاني؛ وتحالف
    النظام البر هاني والنظام البياني...وغيرها من العلاقات المتداخلة.


    إن الثقافة العربية
    الإسلامية بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة؛ لذلك فإن لم يتوفر القارئ والدارس على آليات
    وميكانيزمات لدراستها وقعنا في مطب الارتداد أو فخ المتاهات.


    الهوامش والإحالات :















    [1] -الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري






    [2] -عبد القادر فيدوح، مقاربة
    نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، صفحة 11






    [3] -نفسه 12






    [4] -نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص دراسة في علوم القرآن،
    الطبعة الثانية2، 1994، ص219.






    [5] -عبد القادر فيدوح، ص44
    .






    [6] - نفسهص45.






    [7] -محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، الجزء الأول،
    ط 8، ص 103.






    [8] -عبد القادر فيدوح، ص
    49.






    [9] -تكوين العقل العربي سبق ذكره ص 107.






    [10] -محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي؛ ط1 1986،
    ص 9.






    [11] -عبد القادر فيدوح، ص 90.






    [12] -عبد القادر فيدوح، ص
    152.






    [13] -نفسه، 153.






    [14] -تكوين العقل العربي، ص491.






    [15] -عبد القادر فيدوح، ص 183.
    [/center]

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 4:59 pm