منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الخطاب وفائض المعنى ل بول ريكور

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الخطاب وفائض المعنى ل بول ريكور

    مُساهمة   في الأحد أكتوبر 14, 2012 3:11 pm

    بول ريكور 2

    ترجمة: سعيد الغانمي


    الرسالة والمتكلم

    أول ارتباط يطرأ عليه التغير هو ارتباط الرسالة بالمتكلم، وهذا التغير هو
    في حقيقته أحد تغيرين متناظرين، يؤثران في الموقف التحاوري ككل، فالعلاقة
    بين الرسالة والمتكلم في إحدى نهايتي السلسلة الاتصالية، والعلاقة بين
    الرسالة والسامع في النهاية الأخرى، يتحولان معاً تحولاً عميقاً حين يتم
    استبدال علاقة المشافهة وجهاً لوجه face-to- face بعلاقة قراءة الكتابة
    الأكثر تعقيداً، الناشئة عن التسطير المباشر للخطاب في حروف مكتوبة.

    لقد تم نسف الموقف الحواري بالكامل، ولم تعد علاقة الكتابة ـ القراءة حالة خاصة من حالات علاقة التكلم ـ الاستماع.

    ولو تأملنا هذه التغيرات بتفصيل أكثر، لرأينا أن إحالة الخطاب إلى المتكلم به تتأثر على النحو التالي.

    لقد قلنا إن الجمل، في الخطاب، تدل على المتكلم بها من خلال الأدوات
    الإشارية المتعددة للذاتية والشخصية، لكن قدرة الخطاب على الإحالة إلى
    الذات المتكلمة به، في الخطاب المنطوق، تقدم سمة البداهة، لأن المتكلم
    ينتمي إلى سياق القول المتبادل، فهو هناك، بالمعنى الأصيل للموجود ـ هناك،
    (أو الوجود ـ هناك Da- sein) وبالتالي يتداخل القصد الذاتي للمتكلم ومعنى
    الخطاب، بحيث يصير فهم مايعنيه المتكلم ومايعنيه الخطاب أمراً واحداً،
    ويشهد لنا المصطلح الألماني الدال على القصد meinen، والمصطلح الانجليزي to
    meanـ الذي تفحصناه في المقالة السابقة ـ على التداخل في الموقف الحواري،
    لكن قصد المؤلف ومعنى النص يكفان عن التطابق والتمازج في الخطاب المكتوب،
    وهذا الانفصال بين المعنى اللفظي للنص والقصد الذهني للمؤلف يضفي على مفهوم
    التسطير دلالته الحاسمة، بعيداً عن مجرد تثبيت خطاب شفوي سابق، إذ يصير
    التسطير رديفاً للاستقلال الدلالي للنص، الذي ينشأ عن فصل القصد الذهني
    للمؤلف عن المعنى اللفظي للنص، وفصل ما كان يعنيه المؤلف عما يعنيه النص.

    هكذا تفلت وظيفة النص من الأفق المحدود الذي يعيشه مؤلفه، ويصير مايعنيه النص الآن مهماً أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه.

    ومفهوم الاستقلال الدلالي هذا ذو أهمية هائلة بالنسبة إلى التأويلية، فبه
    يبدأ تفسير الكتب المقدسة Exegesis، أي أنه ينشر إجراءاته في محيط مجموعة
    من المعاني التي قطعت مايصلها بنفسية المؤلف، لكن نزع الصفة النفسية عن
    التأويل de- psychologizing لا يعني أن فكرة المؤلف فقدت دلالتها بأسرها،
    فهنا أيضاً ينزع مفهوم لا ـ جدلي عن العلاقة بين الواقعة والمعنى إلى
    معارضة مفهوم بديل آخر، فمن ناحية، لدينا مايسميه و. ك. ومزات بالمغالطة
    القصدية intentional fallacy، الذي يتشبث بقصد المؤلف معياراً لأي تأويل
    سليم للنص، ومن ناحية أخرى، لدينا ما أسميه على نحو مناظر للتسمية الأولى،
    بمغالطة النص المطلق: أي مغالطة أقنمة النص وتجسيده بوصفه كياناً لا مؤلف
    له، وإذا كانت المغالطة القصدية تبالغ في الاستقلال الذاتي للنص، فإن
    المغالطة المعاكسة تغفل أن النص يظل خطاباً ينقله شخص ما، ويقوله شخص إلى
    آخر عن شيء ما، ومن المستحيل إلغاء هذه الخاصية الرئيسة للخطاب، دون اختزال
    النصوص إلى أشياء طبيعية، أي إلى أمور لم يصنعها الإنسان، بل نجدها كالحصى
    مبثوثة على الرمال.

    يجعل الاستقلال الدلالي للنص من علاقة الواقعة والمعنى أكثر تعقيداً، وبهذا
    المعنى يكشف عنها بوصفها علاقة جدلية، هنا يصير معنى المؤلف بعداً من
    أبعاد النص بقدر مايكون من المتعذر استحضار مؤلفه لاستجوابه، وحين لايجيب
    النص، يثبت أن له مؤلفاً، لامتكلماً به، فمعنى المؤلف هو النظير الجدلي
    للمعنى اللفظي، وينبغي تفسير أي واحد منهما من خلال الآخر، هذه المفاهيم عن
    المؤلف ومعنى المؤلف تطرح مشكلة تأويلية مزامنة لمشكلة الاستقلال الدلالي.

    الرسالة والمستمع

    عند النهاية المعاكسة للسلسلة الاتصالية، لاتقل علاقة الرسالة النصية
    بالقارىء عن علاقتها بالمؤلف، فحيث يتوجه الخطاب المنطوق إلى شخص يحدده
    الموقف الحواري سلفاًـ لأنه يتجه إليك، أيها المخاطب ـ يتجه النص إلى قارىء
    مجهول، وضمناً إلى كل من يعرف كيف يقرأ، وهذا التعميم للجمهور هو إحدى
    نتائج الكتابة المثيرة، التي يمكن التعبير عنها بصورة مفارقة paradox.

    فلأن الخطاب قرين الآن بسند مادي، فهو يصير أكثر امتلاءً بالروح، بمعنى أنه يتحرر من ضيق موقف المشافهة وجهاً لوجه.

    هذا التعميم، بالطبع، ضمني فقط، وفي حقيقة الأمر، يتجه الكتاب، مثلاً، إلى
    قطاع من الجمهور فقط، ويصل إلى قرائه المناسبين عن طريق وسائل الإعلام التي
    تبيحها القوانين الاجتماعية في الاستبعاد والقبول، القراءة، بعبارة أخرى،
    ظاهرة اجتماعية، تخضع لبعض الأنماط، ولذلك تعاني من تحديدات معينة، برغم
    ذلك، لابد من استعادة المقترح الذي يقول إن النص يتجه ضمناً لكل من يعرف
    كيف يقرأ، بوصفه حداً لأي علم اجتماع عن القراءة، فالعمل يخلق أيضاً جمهوره
    وبهذه الطريقة يوسع من دائرة الاتصال، ويدشن نماذج جديدة من الاتصال، ومن
    هنا فإن تعرف الجمهور، الذي يخلقه العمل، على العمل واقعة لايمكن التنبؤ
    بها.

    ومرة أخرى، تعرض الكتابة جدل المعنى والواقعة على سعته.

    إذ ينكشف الخطاب، من حيث هو خطاب، عن طريق جدل التوجه، الذي هو كلي وعارض،
    ومن جهة يفتح الاستقلال الدلالي للنص نطاق القراء الضمنيين، ويخلق بالتالي
    جمهور النص، ومن جهة أخرى فإن استجابة الجمهور هي التي تجعل النص مهماً
    ودالاً.

    وهذا هو السبب في أن المؤلفين الذين لا يبالون بقرائهم، ويستخفون بجمهورهم
    الحاضر، يظلون يتكلمون مع قرائهم، وكأنهم جماعة سرية، يتم نقلها أحياناً
    إلى مستقبل ضبابي، ومن طبيعة معنى النص أن ينفتح على عدد لا حصر له من
    القراء، وبالتالي من التأويلات، وإمكانية انفتاح النص على قراءات متعددة هو
    النظير الجدلي للاستقلال الدلالي للنص.

    ينتج عن ذلك أن مشكلة تملك معنى النص تصبح أمراً لا يقل مفارقة عن التأليف،
    فيتداخل حق القارىء بحق النص في نزاع يولد حركية التأويل برمتها، إذ تبدأ
    التأويلية حيث ينتهي الحوار.

    الرسالة والشفرة

    تجعل الكتابة من العلاقة بين الرسالة والشفرة أمراً أكثر تعقيداً، بطريقة
    غير مباشرة على نحو ما، وما أفكر فيه هنا يعني بوظيفة الأنواع الأدبية في
    إنتاج الخطاب بذاته من حيث هو نمط خطابي، سواء أكان قصيدة أو حكاية أو
    مقالة، تعنى هذه الوظيفة، دون شك، بالعلاقة بين الرسالة والشفرة مادامت
    الأنواع هي وسائل توليدية لإنتاج الخطاب على وجه معين، وقبل أن تكون
    الأنواع الأدبية وسائل تصنيفية يستعملها نقاد الأدب للتوجه بأنفسهم نحو
    إسراف الأعمال الأدبية، وبالتالي قبل أن تكون صنائع نقدية، فهي تمثل
    بالنسبة إلى الخطاب مايمثله النحو التوليدي بالنسبة إلى نحوية الجمل
    المفردة، بهذا المعنى، قد يمكن إقران هذه الشفرات المطردة بتلك الشفرات
    الصوتية والمعجمية والتركيبية، التي تحكم وحدات الخطاب، أعني الجمل،
    والسؤال الآن إلى أي مدى تشكل الأنواع الأدبية شفرات أصيلة للكتابة؟ فقط
    بطريقة غير مباشرة، وإن كانت حاسمة.

    تعرض الأنواع الأدبية بعض الظروف التي يمكن وصفها دون أخذ الكتابة بالحسبان
    ووظيفة هذه الوسائل التوليدية هي إنتاج كيانات لغوية جديدة أطول من
    الجملة، أو وحدات عضوية متكاملة غير قابلة للاختزال إلى مجرد إضافات للجمل،
    تعتمد القصيدة أو الحكاية أو المقالة على قوانين التأليف التي لاتبالي،
    مبدئياً، بالتعارض بين الكلام والكتابة، وهي تنبع من تطبيق أشكال حركية
    سيالة على مجموعات من الجمل، لايكون فيها الاختلاف بين اللغة الشفوية
    واللغة المكتوبة أمراً جوهرياً، بل يبدو، بدلاً من ذلك، أن خصوصية هذه
    الأشكال الحركية السيالة تنبع من ثنائية أخرى غير ثنائية التكلم والاستماع،
    من تطبيق مقولات وأصناف مستعارة من حقل آخر على الخطاب، ألا وهو حقل
    الممارسة والعمل، تتعرض اللغة لقوانين نوع من التصنيع، يسمح لنا أن نتحدث
    عن إنتاج الأعمال الفنية، بتوسيع أعمال الخطاب، والقصائد والحكايات
    والمقالات هي أعمال الخطاب تلك، والوسائل التوليدية، التي نسميها بالأنواع
    الأدبية، هي القوانين التقنية التي تشرف على إنتاجها، وليس أسلوب العمل سوى
    تصور فردي لنتاج أو عمل مفرد والمؤلف هنا ليس مجرد متكلم بالعمل، بل هو
    صانع العمل، الذي هو عمله.

    لكن إذا كانت الثنائية بين النظرية والممارسة غير قابلة للاختزال إلى زوج
    التكلم ـ الكتابة، فإن الكتابة تلعب دوراً حاسماً في تطبيق مقولات الممارسة
    أو أصنافها على وجه التحديد وتقنيتها وعملها على الخطاب يتحقق الإنتاج حين
    يطبق شكل ما على مادة معينة لكي يعطيها هيئة، وحين ينتقل الخطاب إلى حقل
    الإنتاج، فإنه يعامل أيضاً على أنه مادة بحاجة إلى صورة وهيئة، وهنا بالضبط
    تتدخل الكتابة، لأن التسطير من حيث هو سند مادي، والاستقلال الدلالي للنص
    فيما يتعلق بالمتكلم والسامع على السواء، وكل ما يرتبط بذلك من سمات طبيعة
    خارجية الكتابة يساعد في جعل اللغة مادة لتصنيع معين، وبفضل الكتابة تتمتع
    الأعمال اللغوية بالاكتفاء الذاتي كالتماثيل المنحوتة وليس من المصادفة أن
    يشير الأدب إلى حالة اللغة من حيث هي حروف مكتوبة littera وإلى حالتها كما
    تتجسد في أعمال تستند إلى الأنواع الأدبية، مع الأدب تميل مشكلتا التسطير
    والإنتاج إلى التداخل والتمازج، ويصح الشيء نفسه على مفهوم النص، الذي يجمع
    بين شرط التسطير والنسيج الخاص بالأعمال التي تولدها القوانين الإنتاجية
    للتأليف الأدبي، فالنص يعني الخطاب مسطوراً ومنمقاً على السواء.

    تلك هي القرابة الخاصة التي تحكم بين الكتابة والشفرات الخاصة التي تولد
    أعمال الخطاب وقد تغرينا هذه القرابة بالذهاب إلى أنه حتى التعبيرات
    الشفوية في التأليفات الشعرية أو الحكائية تستند إلى عمليات مكافئة للكتابة
    ذلك أن حفظ القصائد الملحمية والأغاني الشعرية والحكم والأمثال ثم إنشادها
    في مناسبات شعائرية وطقوسية، يميل إلى تثبيت شكل العمل، بل حتى تجميده،
    بطريقة تبدو فيها الذاكرة سنداً للتسطير، شبيهاً بالسند الذي تمثله
    العلامات الخارجية.. وبهذا المعنى الموسع للتسطير، تميل الكتابة وإنتاج
    أعمال الخطاب استناداً إلى قوانين التأليف الأدبي إلى التوافق، دون أن يكون
    هذا التوافق عملية واحدة متطابقة.

    الرسالة والإحالة

    لقد أجلت تأمل أكثر التغيرات التي تطرأ على وظيفة الخطاب تعقيداً، والتي قد
    تعزى إلى الكتابة، حتى نهاية هذا البحث، وهي تعنى بالوظيفة المرجعية
    للخطاب في مخطط الفعل الاتصالي كما اقترحه رومان جاكوبسن، وهي آثار أكثر
    تعقيداً لسببين، فمن ناحية، يقدم لنا التمييز بين المغزى والإحالة جدلاً في
    الخطاب، أكثر تعقيداً من جدل الواقعة والمعنى، الذي يوفر لنا نموذج
    التخارج الذي يجعل الكتابة ممكنة، وقد يمكننا القول أنه جدل من الدرجة
    الثانية، يتخارج فيه المعنى نفسه بوصفه مغزى كامناً كإحالة متعالية، بمعنى
    أن الفكر يتوجه من خلال المغزى نحو أنواع مختلفة من الكيانات اللغوية التي
    تحيل إلى الخارج extralinguistic، كالموضوعات والحالات والأشياء والوقائع..
    إلخ، ومن ناحية ثانية، فإن أغلب تحويلات الإحالة التي سيتم تأملها لاينبغي
    أن تعزى للكتابة بذاتها، بل للكتابة بوصفها وساطة اعتيادية لصيغ الخطاب
    التي تشكل الأدب، بل إن بعض هذه التحولات ينتج مباشرة عن الإستراتيجية
    المناسبة لأنواع أدبية معينة كالشعر مثلاً. فليس التسطير مسئولاً، إذاً،
    إلا على نحو مداور عن المصير الجديد للإحالة.

    ولكن برغم هذه التحفظات، يمكننا قول مايلي : في الخطاب المنطوق يكون
    المعيار الأخير للمجال المرجعي لما نقوله هو إمكانية عرض الشيء المحال إليه
    من حيث هو جزء من سياق يشترك به المتكلم والسامع. وهذا السياق يحيط
    بالحوار، ويمكن إبراز معالمه من إيماءة، أو إشارة إصبع. أو يمكن أن يستدل
    عليه الخطاب نفسه على نحو ظاهري من خلال الإحالة الغامضة لتلك المؤشرات
    اللغوية التي تتضمن أسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان، وأزمنة الفعل
    اللغوية. وأخيراً فإنها يمكن أن توصف بطريقة محددة يمكن فيها لشيء واحد فقط
    أن يتماهى ويتطابق في داخل إطار الإحالة المشترك.

    وفي حقيقة الأمر، تعمل المؤشرات الظاهرية، والأوصاف المحددة بالطريقة نفسها في كل من الخطاب الشفوي والخطاب المكتوب.

    فهي توفر تحديدات مفردة، وتحتاج التحديدات المفردة لا إلى الاعتماد على العرض بمعنى مؤشرات الإيماء للشيء المحال عليه.

    مع ذلك، تحيل التحديدات المفردة إلى “هنا” و”الآن” اللذين يقررهما سياق
    القول المتبادل. ومامن تحديد لا يربط بين ما نتحدث عنه وبين موقع فريد في
    الشبكة الزمانية المكانية، ومامن شبكة فضائية في الزمان والمكان من غير ما
    إحالة نهائية إلى “هنا” و”الآن” السياقيين. بهذا المعنى الأخير، تعتمد جميع
    إحالات اللغة الشفوية على الانتساخات، التي تعتمد على السياق مفهوماً
    بوصفه ما يشترك به أعضاء الحوار. وبالتالي فالإحالات جميعاً في السياق
    الحواري هي سياقية.

    وأساس الإحالة في السياق الحواري هذا هو الذي تبدده الكتابة. تستمر
    المؤشرات الظاهرية والأوصاف المحددة بتحديد هوية الكيانات المفردة، لكن
    هناك فجوة تتسع بين التحديد والمسخ. وغياب السياق المشترك الذي تولده
    المسافة المكانية والزمانية بين الكاتب والقارىء، وإلغاء “الهنا” و”الآن”
    المطلقتين بإحلال العلامات المادية الخارجية محل صوت المتكلم ووجهه وجسده،
    كأصل مطلق لجميع الفضاءات في الزمان والمكان، والاستقلال الدلالي للنص،
    الذي يفصله عن حاضر الكاتب ويفتحه على مدى لا محدود من القراء الضمنيين في
    زمان غير محدد – كل هذه التحولات في فضاء تكوين الخطاب تنعكس في تحولات
    موازية لها في الطبيعة الظاهرية للإحالة.

    تكتفي بعض النصوص بإعادة بناء ظروف الإحالة الظاهرية لقرائها. والرسائل
    وتقارير السفر والأوصاف الجغرافية واليوميات والسير التاريخية وكل ما يقدم
    نبذاً وصفية للواقع قد يوفر للقارىء مكافئاً للإحالة الظاهرية بصيغة “كأن”
    (كأنك كنت هناك)، بفضل الإجراءات الاعتيادية للتحديد المفرد. فـ«هنا»
    و«الآن» في النص قد تحيلان ضمناً إلى “هنا” و”الآن” المطلقتين عند القارىء،
    بفضل الشبكة المكانية – الزمانية الفريدة التي ينتمي إليها كل من الكاتب
    والقارىء، ويقر بها كل منهما.

    تترتب على التوسيع الأول لنطاق الإحالة إلى ماوراء الحدود الضيقة للسياق
    الحواري نتائج خطيرة. فبفضل الكتابة، يكون للإنسان، وللإنسان وحده، عالم،
    لا مجرد سياق. وهذا الامتداد مثال آخر على المضامين الروحية لإحلال
    العلامات المادية محل السند الجسدي للخطاب الشفوي. وكما يحرر النص معناه من
    وصاية القصد الذهني، يحرر إحالته من حدود الإحالة السياقية.

    العالم، بالنسبة إلينا، هو مجموع الإحالات التي تفتتحها النصوص، أو في
    الأقل مؤقتاً، النصوص الوصفية. بهذه الطريقة نستطيع أن نتحدث عن “العالم”
    الإغريقي، لا بمعنى أن نتخيل سياقات من عاشوا هناك، بل بمعنى الإشارة إلى
    الإحالات اللا-سياقية التي تعرضها روايات الواقع الوصفية.

    ويصعب كثيراً تأويل الامتداد الثاني لنطاق الإحالة. إذ لا ينبع من الكتابة
    بذاتها، بقدر ما ينبع من الاستراتيجية المنفتحة أو المستترة على نماذج
    معينة من الخطاب. لذلك يعني بالأدب أكثر مما يعني بالكتابة، أو بالكتابة
    بوصفها قناة الأدب. يربط جاكوبسن، في بناء هذا المخطط الاتصالي، الوظيفة
    الشعرية – التي ينبغي فهمها بمعناها الأوسع من الشعر وحسب – بتأكيد الرسالة
    لذاتها على حساب الإحالة. وقد توقعنا سلفاً أفول الإحالة هذا حين قارنا
    الخطاب الشعري بعمل النحت المكتفي بذاته. هكذا تصير الفجوة بين الإحالة
    السياقية والإحالة اللا-سياقية، التي تتضمنها إحالة “كأن” في الروايات
    الوصفية، هوة لا تردم. ويمكن رؤية ذلك في الحكايات الخيالية، أي في
    الحكايات التي لا تمثل تقارير وصفية، حيث يتراءى الزمان السردي الذي تعبر
    عنه أزمنة الأفعال، من خلال السرد وفيه دونما ارتباط بالشبكة الزمانية –
    المكانية الفريدة التي يشترك بها الوصف الظاهري وغير الظاهري.

    هل يعني هذا أن أفول الإحالة، سواء بمعناها الظاهري أو الوصفي، يساوي
    إلغاءً خالصاً لكل إحالة؟ لا. في رأيي أن الخطاب لا يستطيع إلا أن يكون عن
    شيء ما. وبهذا القول، أنكر آيديولوجيا النصوص المطلقة. وليست النصوص التي
    تسوغ هذا المثال عن نص بلا إحالة، سوى نصوص قليلة بالغة التعقيد تتبع خطى
    شعر مالارميه. غير أن هذا النوع من الأدب الحديث يقف شاهداً على حالة محددة
    واستثنائية. ولا يستطيع أن يعطينا مفتاحاً لفهم النصوص الأخرى جميعاً، بما
    فيها النصوص الشعرية، بالمعنى الذي استعمله جاكوبسن، الذي يشمل الأدب
    الخيالي بأسره سواء أكان شعراً أو سرداً. وبطريقة أو أخرى، تتحدث النصوص
    الشعرية عن العالم، لكن لا على نحو وصفي. وكما يقترح جاكوبسن نفسه، لا تلغى
    الإحالة هنا، بل تنقسم أو تنشطر. ويحرر طمس الإحالة الظاهرية والوصفية قوة
    الإحالة ويطلقها على جوانب من وجودنا في العالم لا يمكن قولها قولاً
    وصفياً مباشراً، بل يلمح إليها فقط، بفضل قيم الإحالة في التعبيرات
    الاستعارية والرمزية على العموم.

    لذلك لابد لنا من توسيع مفهومنا عن العالم، ليس فقط بما يسمح بضم الإحالات
    اللا- ظاهرية والوصفية، بل أيضاً بضم الإحالات اللا-ظاهرية واللا-وصفية،
    أعني إحالات الأداء الشعري.

    ولمصطلح “العالم” معناه الذي نفهمه جميعاً حين نتحدث عن طفل حديث الولادة،
    فنقول عنه إنه جاء إلى “العالم”. وعندي أن العالم هو مجموع الإحالات التي
    تفتتحها جميع أنواع النصوص، الوصفية أو الشعرية، التي قرأتها وفهمتها
    وأحببتها، وفهم النص يعني أن تحاوره في حدود مسندات السياق، عن الدلالات
    التي تميز العالم Welt عن البيئة Umwelt. وهذا التوسيع لأفق وجودنا في
    العالم، هو الذي يسمح لنا أن نتحدث عن الإحالات التي يفتحها النص، أو عن
    العالم الذي تفتحه دعاوى الإحالة في أغلب النصوص.

    بهذا المعنى، يقول هيدغر، مصيباً، في تحليله للفهم verstehen في كتاب
    “الوجود والزمان”، إن ما نفهمه أولاً في الخطاب ليس شخصاً آخر، بل “مشروع”،
    أي معالم طريقة جديدة للوجود في العالم. وليس سوى الكتابة – وقد أعطيت
    هذين التحفظين اللذين أشرنا إليهما في بداية هذا المقطع- بتحريرها نفسها،
    ليس فقط من مؤلفها، ومن جمهورها الأصلي، بل من ضيق السياق الحواري، مايكشف
    صيرورة الخطاب مشروعاً في العالم.

    التماس الكتابة

    - لقد بلغ التحليل السابق إلى غايته. فأوضح التجلي الكامل للجدل النووي عن
    الواقعة والمعنى، والتخارج القصدي الذي يعمل أصلاً في الخطاب الشفوي، وإن
    يكن على نحو أولي واستهلالي.

    ولكن بدفعه إلى الصدارة، جعل ما كان مسلماً به، ما دام قد بقي ضمنياً،
    أمراً إشكالياً. ولكن ألا يشكل نقل هذا التخارج القصدي إلى علامات مادية
    نوعاً من الاغتراب Alienation؟

    يبلغ هذا السؤال حداً من الجذرية بحيث إنه يتطلب أن نفترض شروط الخارجية
    على نحو بالغ الإيجابية، لا بوصفها حدثاً ثقافياً وحسب، ولا بوصفها شرطاً
    عرضياً للخطاب والفكر، بل بوصفها الشرط الضروري للعملية التأويلية. وليس
    سوى التأويلية التي تستعمل التنائي على نحو إنتاجي ما يحل مفارقة التخارج
    القصدي للخطاب.

    ضد الكتابة

    يأتي الهجوم على الكتابة من بعيد. وهو يقترن ببعض نماذج المعرفة والعلم
    والحكمة التي استعملها أفلاطون لإدانة الخارجية بوصفها نقيضاً للتذكر
    الأصيل Reminiscence وهو يقدمها بصيغة أسطورة، لأن الفلسفة هناك كانت تبحث
    عن الوجود في العالم لمؤسسة أو مهارة أو قوة تلاشت في ماضي الثقافة المظلم،
    وارتبطت بمصر، مهد الحكمة الدينية. يستقبل ملك “طيبة” في مدينته الإله
    “تهيوت”، الذي اخترع الأعداد والهندسة والتنجيم وألعاب الحظ، والكتابة أو
    الحروف المكتوبة. وحين سئل “تهيوت” عن الفوائد التي يمكن أن تجتنى من
    اختراعه، ادعى أن معرفة الحروف المكتوبة ستجعل المصريين أغزر حكمة وأوفر
    حظاً في حفظ ذاكرة الأشياء. أجاب الملك : كلا، بل ستكون النفوس أكثر
    نسياناً إذا وضعت ثقتها في علامات خارجية بدلاً من الاعتماد على أنفسها من
    الداخل. وهذا العلاج (pharmakon) ليس تذكراً واستعادة، بل محض استدعاء إلى
    الذاكرة. ما يجلبه هذا الاختراع ليس الواقع، بل شيء شبيه به، وليس الحكمة،
    بل مظهرها الخارجي.

    ولا يقل تعليق سقراط أهمية عن ذلك. الكتابة كالرسم، يولد كائناً لا حياة
    فيه، يبقى صامتاً حين تتوجه إليه بالسؤال. وكذلك إذا توجه المرء إلى
    الكتابات بغية استنطاقها والتعلم منها، فإنها تشير “إلى شيء واحد بعينه،
    إشارة تبقى دائماً كماهي”. وفضلاً عن هذا التكرار العقيم، لا تبالي
    الكتابات بمن يتلقاها. تتجول هنا وهناك، لكنها لا تكترث بمن تصل إليه. ولو
    نشأ حولها نزاع، أو احتقرت عن غير وجه حق، لظلت بحاجة إلى عون أبيها. لأن
    الكتابات وحدها لا تقوى على إنقاذ أنفسها.

    استناداً إلى هذا الانتقاد القاسي، والدفاع عن التذكر الحقيقي، الذي هو
    مبدأ الخطاب الأصيل الصحيح وروحه، يكتب الخطاب المصحوب بالحكمة ( أو العلم)
    في نفس من يعرف، نفس من يقوى على الدفاع عن نفسه، ويظل صامتاً أو متحدثاً
    بحسب ما تطلبه نفس الشخص الذي يتوجه إليه الخطاب.

    وليس الهجوم الأفلاطوني على الكتابة بمثال معزول في تاريخ ثقافتنا. إذ يربط
    روسو وبرغسون، على سبيل المثال، ولأسباب مختلفة، الشرور الكبرى التي تجتاح
    الحضارة بالكتابة. لقد كانت اللغة في رأي روسو، ما دامت تعتمد على الصوت،
    تحفظ حضور الذات لذاتها وللآخرين. كانت اللغة مازالت تعبيراً عن الانفعال.

    كانت الفصاحة، لا التفسير. ومع الكتابة بدأ الفصل والطغيان والتفاوت.
    تتجاهل الكتابة متلقيها، كما تخفي مؤلفها. وتفصل الناس، تماماً كما تفصل
    الملكية مالكيها. ويساوي طغيان المعجم والنحو طغيان قوانين التبادل، كما
    تتمثل في النقود. وبدلاً من كلمة الله، صار لدينا حكم المتعلمين وهيمنة
    الرهبان. إن انشقاق الجماعة الناطقة، وتقسيم التربة، وتحليل الفكر، وحكم
    العقائد الجامدة، كل ذلك ولد مع الكتابة. لذلك ربما بقينا نسمع صدى التذكر
    الأفلاطوني في هذا الدفاع عن الصوت حاملاً لحضور الذات،ورابطاً داخلياً
    للجماعة بلا مسافة ولا انفصال.

    يتساءل برغسون تساؤلاً عن مبدأ الخارجية الذي يشهد على تسلل المكان إلى
    زمانية الصوت وديمومته، تنبثق الكلمة الأصيلة من “الجهد العقلي”، وتظل
    دائبة البحث فيه عن تعبير مناسب يؤدي قصدها السابق، تقطع الكلمة المكتوبة،
    من حيث هي قرار هذا البحث، روابطها بالشعور والجهد والحراك الفكري، وتتلاشى
    النفس والأغنية والإيقاع، ويحل محلهم الشكل، والشكل يمسك ويفتن، يفرق
    ويعزل، ولهذا السبب لم يترك الخلاقون الأصلاء الأحكام الجاهزة والفكر
    المصنوع، ومرة أخرى، تتعارض باطنية الجهد الصوفي مع خارجية البصمات الميتة
    التي لا تقوى على “إنقاذ” أنفسها.

    الكتابة والأيقونية

    ينبغي أن يكون الرد على مثل هذه الانتقادات جذرياً كالتحدي الذي تمثله، ولم
    يعد ممكناً الاعتماد على مجرد وصف الحركة من الكلام إلى الكتابة، ويدعونا
    هذا الانتقاد إلى إضفاء الشرعية على ما أخذ مأخذ التسليم حتى الآن.

    ترد ملاحظة عابرة في محاورة “فايدروس” تعطينا مفتاحاً مهماً، حيث تجري
    مقارنة الكتابة بالرسم، الذي قيل عن صوره إنها أو هي وأقل واقعية من
    الكائنات الحية، والقضية هنا ليست نظرية “الأيقونة” eikon، التي كان يُعتقد
    أنها مجرد ظل للواقع، كمسلمة قبلية لكل انتقاد يوجه إلى أية وساطة من خلال
    العلامات الخارجية.

    إذا أفلحنا في بيان أن الرسم ليس تكراراً ظلياً للواقع، فقد تمكننا العودة
    إلى مشكلة الكتابة بوصفها فصلاً من نظرية عامة في الأيقونية Iconicity، كما
    فعل فرانسوا داغونيه في كتابه “الكتابة والأيقونوغرافيا”.

    بصرف النظر عن كون الرسم يمنح أقل من الأصل، يمكن وصف فعالية الرسم
    بمصطلحات “الزيادة الأيقونية”، حيث ينبغي على استراتيجية الرسم، مثلاً أن
    تعيد بناء الواقع على أساس أبجدية بصرية محددة، وهذه الاستراتيجية في
    التقليص والتصغير تمنح أكثر من خلال تناولها للأقل، بهذه الطريقة، يتركز
    جهد الرسم الأساسي في مقاومة الاتجاه التناقصي في الرؤية اليومية ـ صورة
    الظل عن أفلاطون ـ وبزيادة معنى العالم بالإمساك به في شبكة علاماته
    المختصرة، وجهد التشبع والتألق هذا، في داخل مساحة صغيرة في الإطار وعلى
    سطح القماشة ذات البعدين، في مقابل التآكل البصري المناسب للنظرة اليومية،
    هو المقصود بالزيادة الأيقونية، في الرؤية العادية، تميل الخصائص إلى تحييد
    بعضها، إلى تعمية حوافها، وتظليل أوجه الفروق، أما الرسم، في الأقل منذ
    ابتكار الرسم الزيتي لدى الرسامين الهولنديين، فيجمل أوجه الفروق، ويعطي
    الألوان نضارتها، فيظهر الألق الذي تطل به الأشياء، ويعلمنا تاريخ تقنيات
    الرسم أن هذه الجهود ذات الدلالة كانت تسير على هدي الابتكار المادي
    للأصباغ التي تفعل بخلطها مع الزيت، وهذا الانتقاء مما سميته تواً
    بالأبجدية البصرية لدى الرسام كان يتيح له أن يحافظ على الألوان من الترقيق
    وفقدان اللمعان، وأن يدمج في لوحته انكساراً ضوئياً عميقاً تحت الجهد
    الانعكاسي الخالص لإضاءة السطح.

    ولأن الرسام كان يستطيع التحكم بمادة أبجدية جديدة، ولأنه كان كيماوياً،
    ومقطراً، وصاحب طلاء، ومختصاً بالتزجيج، فقد كان قدراً على كتابة نص جديد
    للواقع، لم يكن الرسم لدى الرسامين الهولنديين إعادة إنتاج للعالم، ولا
    إنتاجاً له، بل كان مسخاً له وتحويلاً، من هذه الناحية، تشكل تقنيات النقش
    والحفر مصدر تنوير لنا، ففي حين ينقل التصوير ـ في الأقل التصوير الخام ـ
    كل شيء ولا يحتفظ بشيء، فإن سحر الحفر، الذي تغنى به بودلير، يستطيع أن
    يعرض ما هو جوهري، لأن الحفر، مثلما الرسم ولكن بوسائل أخرى، يعتمد على
    ابتكار أبجدية، أي مجموعة من العلامات الصغرى، تتكون من التقطيع والنقاط
    والضربات والرقع البيضاء، التي تجمل الصورة وتحطيها بالغياب.

    ويواصل كل من الانطباعية والفن التجريدي خطاهما التجسيدية نحو إلغاء
    الأشكال الطبيعية لصالح ابتكار مدى معين من العلامات الأولية التي تقف
    أشكالها المتوافقة نقيضاً للرؤية العادية، مع الفن التجريدي، يقترب الرسم
    من العلم بحيث إنه يتحدى الأشكال المدركة بربطها ببنى غير مدركة، أما تصوير
    الغرافيك للعالم فيستعين بإنكار جذري لما هو غير مباشر، فيبدو الرسم وكأنه
    “ينتج” فقط، ولا يعود قادراً على “إعادة الإنتاج”، فهو يتناول الواقع على
    مستوى عناصره، كما يفعل الإله في “طيماوس”، وليست البنائية سوى البنائية
    حالة حدية لعملية زيادة يكون فيها الإنكار الظاهر

    للواقع شرطاً لتمجيد الجوهر اللا شكلي للأشياء تعني الايقونية , إذاً انكشاف الواقعي أكثر واقعية من الواقع اليومي الاعتيادي.

    هذه النظرية في الايقونية ـ بوصفها زيادة جمالية على الواقع ـ تعطينا
    مفتاحاً لجواب حاسم عن انتقاد أفلاطون للكتابة ,فالأيقونة هي إعادة كتابة
    الواقع ,والكتابة ,بالمعنى المحدود للكلمة , هي حالة جزئية من الأيقونية
    ,وتسطير الخطاب هو نسخ للعالم ,نسخ لا بمعنى التكرار والمضاعفة ,بل بمعنى
    التحول والتناسخ.

    قد تعزى هذه القيمة الإيجابية في الوساطة المادية من خلال العلامات
    المكتوبة ,في الكتابة وفي الرسم معاً , إلى ابتكار أنظمة التدوين التي تبرز
    الخواص التحليلية : الانفصال ,العدد النهائي , قوة التجميع , وانتصار
    الأبجدية الصوتية في الثقافات الغربية ,والحاق الكتابة بالكلام المترتب على
    استناد الحروف إلى الأصوات ,يجب ألا يجعلنا نتغاضى عن الإمكانيات الأخرى
    للتسطير التي تعبر عنها الكتابات الصورية والهيروغليفية , وفوق كل شيء
    ,الكتابة الصورية الرمزية التي تمثل تسطيراً مباشراً لمعاني الفكرية والتي
    يمكن أن تقرأ قراءات مختلفة بمصطلحات مختلفة تعرض هذه الأنواع الأخرى من
    التسطير صفة كلية للكتابة , حاضرة أيضاً في الكتابات الصوتية , لكن
    الاعتماد فيها على الصوت يميل إلى الاختباء: البنية المكانية ليس فقط
    للحامل ,وإنما للعلامات نفسها ,الشكل ,الموقع ,المسافة المتبادلة , النسق
    ,الترتيب الخطي ,لقد اقترن النقل من السماع إلى القراءة اقتراناً عميقاً
    بهذا النقل من الخواص الزمانية للصوت إلى الخواص المكانية للعلامات
    المسطورة , ويكتمل اضفاء الطابع المكاني على اللغة مع ظهور الرسم ,تبدأ
    صورية الثقافة بترتيب قوة الصوت في قرب الحضور المتبادل ,وتصل النصوص
    المطبوعة إلى الإنسان بعزلة , بعيدأً عن اجواء الاحتفالات التي تجمع العامة
    ,وهكذا تربط العلامات المجردة ,والاتصالات عن بعد بمعنى الكلمة المناسب ,
    بين الأعضاء المتفرقين في جمهور لامرئي هذه هي الأدوات المادية لايقونية
    الكتابة ونسخ الواقع من خلال التسطير الخارجي للخطاب.

    التسطير والتنائي المنتج

    ها نحن متهيئون للخطوة الأخيرة ,وستفضي بنا إلى العثور في عملية التأويل
    نفسها على التسويغ العميق لتخارج الخطاب ,تصبح مشكلة الكتابة مشكلة تأويلية
    ,حين تتم الإحالة إلى قطبها المكمل , وهو القراءة , وأعني بالتملك ,النظير
    للاستقلال الدلالي ,الذي يفصل النص عن كاتبه التملك يعني (استملاك) ماهو
    (غريب) ولأن فينا حاجة عامة إلى استملاك ما هو غريب عنا , فإن هناك مشكلة
    عامة في التنائي (Distanciation) ليست المسافة ,إذاً واقعاً وحسب ,أو معطى
    كما هو الحال في الفجوة الزمانية المكانية التي تنأى بنا عن ظهور هذا العمل
    الفني أو الخطاب أو ذاك , بل هي سمة جدلية ,ومبدأ الصراع بين الآخرية التي
    تحول كل مسافة زمانية ومكانية إلى غربة ثقافية , إذاً ظاهرة كمية بل هو
    النظير المحرك لاحتياجنا واهتمامنا وجهدنا للتغلب على الغربة الثقافية
    ,تحصل القراءة والكتابة في حلبة هذا الصراع الثقافي القراءة هي الفارماكون
    ,هي العلاج الذي (ينجو) فيه معنى النص من غربة تنائية ,ويأتي على مقربة
    تبدد المسافة الثقافية وتحافظ عليها ,وتدمج الآخرية في قلب التملك.

    تمد هذه الإشكالية العامة جذورها عميقاً في تاريخ الفكر وفي موقفنا
    الانطولوجي على السواء ,تاريخياً تمثل المشكلة التي أعنى هنا بتفصيلها
    إعادة صياغة المشكلة تولى عصر التنوير في القرن الثامن عشر صياغتها الحديثة
    للمرة الأولى لمصلحة الفيلولوجيا الكلاسيكية : كيف يمكن لنا إعادة استحضار
    الماضي الثقافي برغم المسافة الثقافية التي تفصلنا عنه؟ وقد قامت
    الرومانسية الألمانية بانعطافة درامية في هذه المشكلة حين سألت: هل في
    وسعنا أن نكون معاصرين لعبقريات الماضي؟ أي بعبارة أعم ,كيف يتاح للمرء أن
    يستعمل التعبيرات الحياتية التي ثبتتها الكتابة لكي ينقل ذاته إلى حياة
    نفسية غريبة عنه؟ وقد عاودت هذه المشكلة الظهور بعد تهاوي دعوى هيغل في
    التغلب على النزعة التاريخية عن طريق منطق الروح المطلقة , ولكن إذا لم
    تتوافر خلاصة للتراثات الثقافية الماضية ,في كل يحيط بكل شيء تؤخذ من
    واحدية مكوناتها الجزئية , فإن تاريخية نقل هذه التراثات وتخطيها لن يمكن
    التغلب عليها فجدل الثنائي والتملك هو الكلمة الأخيرة في تجريد المعرفة
    المطلقة.

    يمكن أيضاً التعبير عن هذا الجدل بوصفه جدل التقاليد مفهومة على أنها
    التراثات الثقافية المنقولة تاريخياً ,ولا تطرح التقاليد مشكلات فلسفية ,ما
    دمنا نعيش ونسكن فيها بسذاجة اليقين الأول.. لا يصبح التقليد إشكالياً إلا
    حين تضيع هذه السذاجة الأولى , وحينئذ لابد لنا من استرداد معناها من خلال
    التنائي وبما يتخطاه ,ومن هنا يواصل تملك الماضي صراعاً لانهائياً مع
    التنائي عنه ,وليس التأويل, إذا فهمناه فلسفياً , إلا محاولة جعل التنائي
    والتغريب شيئين منتجين.

    بتصور العلاقة بين الكتابة والقراءة من خلال جدل التنائي والتملك ,تكتسب
    معناها العميق جداً ,وفي الوقت نفسه ,فإن العمليات الجدلية الجزئية ,التي
    وصفناها منفصلة في المقطع الافتتاحي من هذا الفصل ,متابعين مخطط جاكوبسن عن
    النموذج الاتصالي ,تتفاعل لتعطي معناها ككل.

    ويناط بمهمة مناقشة تصح على المفاهيم الخلافية في الفهم والتفسير أن تمسك
    ككل بمفارقات معنى المؤلف والاستقلال الدلالي ,شخص المتلقي والجمهور العام
    ,الرسالة المفردة والشفرات الأدبية السائدة , البنية الكامنة والعالم الذي
    يعرضه النص ,وهي مناقشة سأباشرها في مقالتي الرابعة.

    الاستعارة والرمز

    هذا المقال مقحم بين آخر ما ورد في المقال السابق والمناقشة الحاسمة
    لمفهومي التفسير والفهم في المقال التالي لسببين محددين , كلاهما يهتم
    بتوسيع ميدان نظرية التأويل.

    يهتم السبب الأول بتوظيف الدلالة في الأعمال الأدبية ,في مقابل الأعمال
    العلمية , التي تفهم الدلالات فيها فهماً حرفياً ,والسؤال هنا ما إذا كان
    فائض المعنى الذي يميز الأعمال الأدبية جزءاً من دلالتها ,أم أنه يفهم
    بوصفه عنصراً خارجياً ,ليس بإدراكي ,بل مجرد عاطفي وانفعالي في الملاحظات
    التالية سأتأمل في الاستعارة بوصفها محك القيمة الإدراكية للأعمال الأدبية
    ولو استعطعنا دمج فائض المعنى في الاستعارة ضمن ميدان الدلالة , فسنتمكن من
    اعطاء نظرية الدلالة اللفظية كامل امتدادها الكبير الممكن.

    لكن هل الدلالة اللفظية هي الدلالة بأسرها؟ أليس هناك فائض معنى يتخطى حدود
    العلامة اللغوية؟ في كتاباتي السابقة , ولا سيما (رمزية الشر) و(فرويد
    والفلسفة) كنت قد عرفت التأويلية تعريفاً مباشراً بموضوع كان يبدو كأعرض ما
    يكون وكأدق ما يكون ,أعني الرمز , وفيما يتعلق بالرمز فقد عرفته بالمقابل
    من خلال بنيته الدلالية في انطوائه على معنى مزدوج أما اليوم , فأنا اقل
    اطمئناناً أن بوسع المرء التعرض لهذه المشكلة تعرضاً مباشراً دون أن يضع في
    حسبانه اللغة قبل ذلك ,ويبدو لي الآن أن في داخل الرمز شيئاً لا ـ دلالياً
    بقدر ما فيه من شيء دلالي ,وسأحاول تسويغ هذا التأكيد في بداية الجزء
    الثاني من هذا المقال , ولنفترض مؤقتاً أنني مصيب في دعواي ,وسيعني هذا أن
    أفضل افتراض هو مقاربة الرمز من خلال بنية المعنى المزدوج ,وهي بنية ليست
    دلالية خالصة ,وهذا يصح كما سنرى , في حالة الاستعارة أيضاً , ولكن إذا
    ساعدتنا نظرية الاستعارة بوصفها تحليلاً تمهيدياً يفضي إلى نظرية الرمز ,
    فإن نظرية الرمز في المقابل , ستتيح لنا توسيع نظريتنا عن الدلالة بإتاحتها
    لا أن نضمن فيها ليس المعنى اللفظي المزدوج فقط , بل المعنى اللا ـ لفظي
    المزدوج أيضاً وهكذا سيساعدنا كل من الاستعارة والرمز في أن نرسم حدود
    الميدان الذي نستطيع أن نوسع به نظرية التأويل ,لكي نناقشها في المقال
    الختامي.

    نظرية الاستعارة

    يقول مونرو بيردسلي أن الاستعارة هي (قصيدة مصغرة) ومن هنا فالعلاقة بين
    المعنى الحرفي والمعنى المجازي أشبه بنسخة مختصرة في داخل جملة واحدة من
    الدلالات المعقدة المتداخلة التي تسم العمل الأدبي ككل ,وأي بالعمل الأدبي
    هنا العمل الذي ينطوي على خطاب متميز عن أي عمل آخر ذي خطاب , ولاسيما
    الخطاب العلمي ,بكونه بربط المعنى الصريح بعلاقة بالمعنى الضمني.

    تهتم المسألة الأولى التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار بالمكانة الإدراكية
    لهذين المعنيين لقد عامل تراث المنطقية الوضعية هذا التمييز بين المعنى
    الصريح والمعنى الضمني بوصفه التمييز بين اللغة الإدراكية واللغة
    الانفعالية , وقد نقل قسم كبير من النقد الأدبي المتأثر بالتراث الوضعي هذا
    التمييز بين اللغة الإدراكية واللغة الانفعالية إلى مفردات دلالة المطابقة
    ودلالة الايحاء وبهذا الموقف صارت دلالة المطابقة وحدها إدراكية ,
    وبالتالي ذات قيمة دلالية , بينما بقيت دلالة الايحاء خارج علم الدلالة ,
    لأنها تتكون من نسيج من النداءات الانفعالية , التي تفتقر إلى القيمة
    الإدراكية لذلك يجب أن يكون المغزى المجازي للنص خلواً من أية دلالة
    إدراكية , ولكن هل هذا التحديد للدلالة الإدراكية من خلال أوجه دلالة
    المطابقة للجملة وحدها تحديد صحيح؟

    تلك هي المسألة التي يمكن للاستعارة أن تؤدي فيها وظيفة حالة اختبارية ,إذا
    استطعنا أن نبين أن العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي في
    الاستعارة هي علاقة داخل الدلالة الشاملة للاستعارة فسنحصل بذلك على نموذج
    لتعريف دلالي خالص للأدب ,سيصح تطبيقه على فئاته الجوهرية الثلاث: الشعر
    والمقالات والنثر الفني , نستطيع القول إذاً أن ما تقوله القصيدة يرتبط بما
    توحي به تماماً كما ترتبط دلالتها الأولى بدلالتها الثانوية, حيث تقع كلتا
    الدلالتين في داخل الحقل الدلالي ,فالأدب هو استخدام خطاب يتم فيه تعيين
    أشياء متعددة في الوقت نفسه , ولا يطلب من القارىء أن يختار منها فهو
    الاستخدام الوضعي والإنتاجي للغموض.

    إذا تخلينا عن عالم العمل الذي يكشف تداخل المعاني وتفاعلها ,فقد نركز
    تحليلنا على التصميم اللفظي ,أي عمل الخطاب ,الذي يولد الغموض الدلالي الذي
    يسم العمل الأدبي ,فعمل الخطاب هذا هو الذي تمكن رؤيته في الصورة التي
    تصغرها الاستعارة.

    لقد جاءتنا نظرية الاستعارة من البلاغيين القدماء

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:07 pm