منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الحقول الدلالية في قصيدة...

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الحقول الدلالية في قصيدة...

    مُساهمة   في الثلاثاء يوليو 16, 2013 7:26 pm

    عمر بن زيادي - الجزائر
    عمر بن زيادي - الجزائر
    الحقول الدلالية في قصيدة...

    معجم الحقول الدلالية في قصيدة "في أذن الشرق" للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة

    على الرغم من المكانة التي حظيت بها الدراسات اللغوية قديما وحديثا لدى الدارسين اللغويين في تصنيف شتّى العلوم المتعلّقة باللغة، إلاّ أنّ مجال الحقول الدلالية لم يحظ بالاهتمام إلاّ حديثا، وبخاصة في تطبيق هذه النظرية على الأدب بنوعيه النثري والشعري، ولذلك يأتي هذا العمل لإلقاءِ الضوء على أهمية معجم الحقول الدلالية في تحليل النص الأدبي عامة، والشعري منه خاصة.

    نظرية الحقول الدلالية

    لست بصدد الخوض في هذه النظرية، ولا في تاريخها، فلقد تناول الموضوع من جوانبه المتعددة كثير من الدارسين المحدثين؛ لكن سأعمد إلى إعطاء بعض المفاهيم الأساسية حول هذه النظرية التي تعدّ من أخصب أبواب علم الدلالة في الدراسات اللغوية الحديثة، فلا خلاف بين علماء اللغة المحدثين في كون الحقول الدلالية تعنى بدراسة الكلمات من خلال تجميعها في حقول دلالية، حيث ترى هذه النظرية أنّه: "لكي تفهم معنى كلمة يجب أن تفهم كذلك مجموعة الكلمات المتّصلة بها دلاليا"(1). وأهم ما يميز أنصارَ هذه النظريةِ هو اتفاقهم على ضرورةِ مراعاة السياق الذي تردُ فيه الكلمة(2). ويعرّفُ الباحثُ اللغوي، أحمد مختار عمر، الحقلَ الدلالي بقوله: "الحقل الدلالي Sémantic field أو الحقل المعجمي هو: مجموعةٌ من الكلماتِ ترتبطُ دلالتها، وتوضع عادة تحت لفظ عام يجمعها"(3).

    أهمية نظرية الحقول الدلالية

    جاءت نظرية الحقول الدلالية لتميط اللثام عن مجال مهم في ميدان الدراسات اللغوية الذي طالما أغفله المهتمون بالبحث الدلالي، فلا يخفى أنّ اللغة التي توفّرها النصوص على اختلاف أنواعها (دراسات، أدب بنوعيه نثري أو شعري) تتشكّل أساسا من ألفاظ أو كلمات، وهذه الأخيرة تأتي وفق تنوّع تشكّله بيئة المؤلّف الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية والنفسية.

    وهنا تأتي نظرية الحقول الدلالية لتقوم بتصنيف هذه الألفاظ أو الكلمات تحت عنوان يجمعها، ومن ثمّ يعمد الدّارس إلى البحث عن الخلفيات الدلالية التي تقف وراء استعمال المؤلّف لتلك المجموعات، والخلفية الفكرية التي دعته لذلك الاستعمال، وبذلك فإنَّ أهمَّ ما جاءت به نظريةُ الحقول الدلالية هو التصنيف القائم على الدلالةِ المعجمية للكلمة.

    إلا أنَّ السياقَ يبقى له اعتبارُه أيضًا في دراسةِ الكلمة؛ كما يذهبُ إلى ذلك أنصارُ هذه النظرية أنفسهم(4). فنظرية الحقول الدلالية لا محالة جاءت لتكشف عن خبايا اللغة، ما دامت هذه الأخيرة تحمل مكنونات العصر الذي ألّفت فيه، فالمدوّنة أيّا كان نمطها مرآة عاكسة للمستوى الثقافي للمجتمع وبالتالي زمكانية النصّ.

    لماذا الشاعر محمد العيد آل خليفة؟

    محمد العيد آل خليفةإنّ اختياري لشعر محمد العيد آل خليفة (1904/1979) جاء لكون شعره شغل الباحثين والدارسين، وأثار الاهتمام والإعجاب المستمرين، وليس لكونه حاملا لأصالة أمّته وشجونها قبل وبعد الاحتلال فحسب، بل لما اختص به من خصائص الصدق والبساطة والنزعة الوجدانية والخيال والاستطراد، ومن جزالة الألفاظ ومتانة الصياغة والتراكيب وغيرها من الخصائص المعنوية واللفظية، التي جعلت شعره حياً متجدداً قابلاً لمختلف القراءات والمناهج النقدية.

    وتعد قصيدة "في أذن الشرق" من أشهر قصائده وأنفسها. ومن هنا جاء اختياري لها لأهميّتها في زمنها الذي نظمت فيه، ولما أبرزته من معان إنسانية عميقة في تمجيد النهوض بالأمة بكافة الوسائل، وعلى رأسها العلم، فضلاً عن أنها حاملة لكثير من الحقول الدلالية التي هي جوهر عملي.

    لهذا أتبنى التعريفَ الذي قدمته الباحثةُ البحرينية، بروين حبيب، للمعجمِ الشعري بأنه: "القاموس اللغوي للشَّاعر، والذي تكون من خلالِ ثقافته وبيئته ومناخه الذي عايشه"(5). على أنَّ خضوعَ مجموعةٍ من الشعراء -أو الكتاب- العظام لتأثيرات مشتركة أو لبيئة مشتركة لا يعني إنتاج معجمٍ شعري مشترك؛ إذ يبقى لكلٍّ منهم معجمه الخاص(6)، لكون المعجم الشعري خاضعًا للسياق.

    وعلى الرغم من كثرة الأبحاث والدراسات في شعر محمد العيد آل خليفة، إلا إنها لم تتطرق فيما أطلعت إلى هذا النوع من البحث الدلالي. وقد أثارت انتباهي واستوقفتني طويلاً مسألة تقارب دلالات الكلمات في أبيات شعره، وأرى أنها تستحق قراءة جديدة وأكثر من مجرد الاهتمام.

    وعلى هذا الطريق المهيع سار هذا العمل، فالكلمات في أبيات قصيدة "في أذن الشرق" تبدو أقرب إلى بعضها دلاليا، أكثر مما في غيره من القصائد الأخرى.

    الحقول الدلالية في قصيدة "في أذن الشرق"

    قبل الكشف عن الحقول الدلالية التي تعجّ بها قصيدة "في أذن الشّرق" لمحمّد العيد آل خليفة، فالديوان جدير بأن نتوقّف عنده، فقد جمع الديوان بين دفّتيه خيرة قصائد محمد العيد، والتي تعالج مضامينها شتّى مناحي الحياة في الحقبة التي عايشها شاعرنا، ولكن وأنت تقلّب صفحات الديوان تهزّك قصيدة من بين كلّ القصائد، لا لشيء إلاّ لأنّها لامست مشاعرك أوحرّكت دواخلك، فقصيدة "في أذن الشرق" تحمل دلالات بعيدة المعاني من تنبيه الغافلين وتحريك همم المتقاعسين والمترددين وتحذير المداهنين. وتعد قصيدة "في أذن الشرق" دعوة صريحة لكلّ إنسان عاقل في المشرق العربي الذي هو عنوان كلّ العرب والمسلمين والأفارقة، فشاعرنا لم يتناس كونه إفريقيّا.

    وما توصلت إليه في مجال البحث عن الحقول الدلالية في هذه القصيدة، وبعد قراءاتي المتعددة للقصيدة تكشّف لي أنّ مضامين القصيدة من حيث مفرداتها وعباراتها يمكن تقسيمها إلى ستة حقول أعرضها أدناه.

    =1= الحقول الدلالية الخاصّة بالأخلاق

    يعدّ هذا الحقل من أكثر الحقول التي احتوتها القصيدة، ولا غرابة كون الشاعر ينطلق من قاعدة أخلاقية لثقافته الإسلامية، والجدول يظهر هذا الزّخم من الألفاظ في هذا الحقل:

    أ= الصدق: نحن قوم لنا قلوب على الصد  ق رواس كأنّها أطواد (7).

    ب= يثق/ الحقّ والصبر/ التّواصي تضامن/ الفساد/ الهوى/السّداد/ أطاعوا / أشادوا/ نخزى:

    وبها دبّ في الجزائر إبــــــــلا * ل وإن لم يثق به العوّاد

    نتواصى بالحقّ والصبر فيه * والتّواصي تضامن وجهاد

    ومن الشرق أمّة غلب الصّمت * عليها فعمّ فيها الفساد

    ساد فيها الهوى ولو لم تفرّط * في التّواصي لساد فيها السّداد

    وعنا النّاس لاسمهم وأطاعوا * وأشادوا بذكرهم ما أشادوا

    وقعدنا مع الخوالف نخزى * بضروب من الأذى ونكاد(Cool.

    ج= المطامع/استهانت/ تفشّى...خلف/ يخزى الكرام /يعزّ الأسافل/ يطوى/ الجميل/ينسى العهد/يلف الميعاد/ لا يثبت الرأي/ لا يدوم الوداد/ الحسّاد:

    شغف القوم بالمطامع حبّا * واستهانت بالأمّة الأفراد

    وتفشّى في الخلف خلف فذلّوا * لسواهم حتّى فنوا أو كادوا

    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد

    يا بلادا يطوى الجميل وينسى ال * عهد فيها ويخلف الميعاد

    يا بلادا لا يثبت الرأي في ش * يء عليها ولا يدوم الوداد

    يا بلادا يلقى النبوغ بها الشّؤ * م ويسعى في قتله الحسّاد(9)

    د= المرشدون/ ظنون سيّئات/ حرّ ذنبه الوعظ والإرشاد:

    أرغم المرشدون فيك على الصّم * ت وبثّت عليهم الأرصاد

    وأجيزوا من قومهم بظنون * سيّئات يبثّها المرّاد

    كم يلاقي من العقوبات حرّ * ذنبه الوعظ فيك والإرشاد(10)

    =2= الحقول الدلالية الخاصّة بالتخلّف والتقهقر

    في القصيدة الكثير من الألفاظ الحاملة لمعان التخلّف والتقهقر، وهذا كلّه راجع لكون الشّاعر بصدد تصوير حال الشعوب المتّسم بالجهل والتخلّف في شتّى المجالات، فالحقبة الزمنية وهي بالتأكيد الاستعمارية عايشت فيها الشعوب الإفريقية أنواع شتّى من التقهقر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في أبشع صوره، مما استدعى الشاعر تضمين قصيدته هذه الألفاظ التي تخيّرها من معجمه، للتعبير عن هذا الحقل الدلالي، وفي هذا الإطار إليكم ما استجمعته من ألفاظ هذا المعجم:

    أ= قعدنا- الخوالف/ نخزى/ الغشاوات/ البغي- الوهم- أصفاد/ الخلف/ انقطعنا:

    وقعدنا مع الخوالف نخزى * بضروب من الأذى ونكاد

    إن أفكارنا تحاك الغشاوا * ت عليها وتضرب الأسداد

    فمن البغي فوقنا مرهفات * ومن الوهم حولنا أصفاد

    ومن الخلف دوننا عقبات * ينفذ الجهد عندها والزاد

    وانقطعنا يا علم عنك وعن ك * لّ تراث أبقت لنا الأجداد(11)

    ب= امّحت- ضلّت/ أضاعه:

    وأضعنا الأثار فامّحت الطّر * ق وضلّت من بينها الرّواد؟

    كلّ ما شدتم على الأرض من مج * د تليد أضاعه الأحفاد(12)

    ج= الإهمال- الغفلة- الفقر- الجهل:

    شاع فيك الإهمال والجهل والغفلة والفقر والضّنى والكساد(13)


    د= استهانت/ ذلّوا- فنوا- تفشّى/ تفرّقا- أضداد/ الهون- مادت:

    شغف القوم بالمطامع حبّا * واستهانت بالأمّة الأفراد

    وتفشّى في الخلف خلف فذلّوا * لسواهم حتّى فنوا أو كادوا

    ويح إفريقيا تفرّق فيها * مسلموها فكلّهم أضداد

    وتدلت بهم إلى الهون حينا * فتدلّوا بها ومادت فمادوا(14)

    =3= الحقول الدلالية الخاصّة بعوامل النهوض

    في هذا الحقل الدلالي يضطر الشاعر وهو في أتون دلالات التخلّف أن يخرج المتلقي ليتنفس ألفاظا تتضمّن معان النهوض والرقيّ الذي يمكن لهذه الشعوب أن تعيشه، ولو كان هذا الأمل من الماضي، فالشاعر يعود بالمتلقي إلى ماضيها التليد المزهر، ويحاول غرسه في نفوس هذه الشعوب التي تعيش أحلك فترات الحياة، فحتى يشعرها بالأمل ها هو يعيد إليها فلاشات من قبسات أيام عزّتها، وفي هذا اخترت من القصيدة ما رأيته يعبّر عن هذه الدلالات:

    أ= نهيب:

    ونفوس لنا تهيب إلى المج * د بنا ما لها سواه مراد(15)

    ب= المجد/ وعوا/ النبوغ/ المشرقون:

    ما رسمنا خطا إلى المجد إلاّ * وعليها أساسنا والعماد

    كم وعوا في الحجاز من قبل روما * وأثينا من حكمة وأفادوا

    يا بلادا يلقى النبوغ بها الشّؤ * م ويسعى في قتله الحسّاد

    أيّها المشرقون في ظلم التاري * خ هل عصركم علينا يعاد(16)

    ج= تليد/ سادوا:

    كلّ ما شدتم على الأرض من مج * د تليد أضاعه الأحفاد

    فإذا قمت بالفلاحة أثرى * في الألى أعدموا الألى فيك سادوا(17)

    =4= الحقول الدلالية الخاصّة بالترادف والتضاد

    يعدّ هذان الحقلان من الحقول الدلالية التي لها وقع في ترسيخ معاني الألفاظ، فظاهرة الترادف التي حبلت بها القصيدة لها دور جليّ في تأكيد وتوضيح المعاني التي يريدها الشاعر أن تبقى في ذهن المتلقي، فالغبن بأنواعه الذي عايشته الشعوب الإفريقية عمد الشاعر فيه إلى استخدام الكثير من الألفاظ المشتركة المعاني بغاية أن يكون لدلالاته وقع، وكذا التضاد، فاللفظ أحيانا لا يتّضح إلاّ بإيراد ضدّه فتقوى الصورة ويزداد المعنى قوّة، وفي هذا أخذت من القصيدة هذه الألفاظ التي تؤدّي إلى هذا الباب:

    أ= أبيّها وعصيّها -مستجيب ومنقاد/ الأناقة والرّوعة - الذكر والإنشاد/ شرّفي، حلّي/ أساسنا والعماد:

    ذي معان أبيّها مستجيب * وقواف عصيّها منقاد

    تسحر الأنفس الأناقة والرو * عة فيها والذكر والإنشاد

    مرحبا شرّفي القلوب وحلّي * ما لدينا غير القلوب مهاد

    ما رسمنا خطا إلى المجد إلاّ * وعليها أساسنا والعماد(18)

    ب= الصعاب، العواتي- الخطوب، الشداد:

    فبها لانت الصّعاب العواتي * وبها هانت الخطوب الشداد(19)

    ج= تنجلي، تنقضي/ الأسافل، الأوغاد/ يطوي، ينسي، يخلف:

    ربّما تنجلي الشدائد عنّا * بالتّواصي وتنقضي الأنكاد

    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد

    يا بلادا يطوى الجميل وينسى ال * عهد فيها ويخلف الميعاد(20)

    د= يثبت، يدوم:

    يا بلادا لا يثبت الرأي في ش * يء عليها ولا يدوم الوداد(21)

    هـ= الوعظ والإرشاد/ يخلد، يبقى/ الموت ≠ الحياة/ اشترى ≠ باعوا- غدوا ≠ عادوا/ يخزى الكرام≠ يعزّالأسافل:

    كم يلاقي من العقوبات حرّ * ذنبه الوعظ فيك والإرشاد

    يخلد ذو الجلال ويبقى * وسوى الله منتهاه النفاذ

    إنّ في الموت والحياة مدى أو * سع فيه تفاوت الأنداد

    واشترى النّاهضون منك وباعوا * وغدوا رابحين فيك وعادوا

    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد(22)

    =5= الحقول الدلالية الخاصّة بالأعلام

    على الرّغم من كون القصيدة طويلة، إلاّ أنّ الشاعر لم يضمّنها الكثير من الأعلام، لكن الأعلام الذين أقحمهم الشاعر في قصيدته يحملون دلالات متعددة، فواقع القصيدة بين تخلف الشعوب ودعوة النهوض، فالأعلام تحمل هذه الدلالات، فمن امرئ القيس إلى إيّاد أعلام لها وقع في نفسية المتلقي الحامل لثقافات الماضي والحاضر، فكلّ علم ضمّنه الشاعر دلالات ما لا تفهم إلا من خلال سياقها:
    امرؤ القيس- زياد/ عاد – شدّاد/ سابور – إيّاد:

    أنا مهما بكاك مني امرؤ القي * س وحيّا حماك منّي زياد

    وعت الأرض كلّ ما عاد من عا * د عليها وشاده شدّاد

    كلّ ذي إمرة على الأرض (سابو * ر) وكلّ الشعوب فيها (إيّاد) (23)

    =6= الحقول الدلالية الخاصّة بالأمكنة

    ربط الشاعر معاني قصيدته بمجموعة من الأمكنة، سواء كانت قديمة أو حديثة، وكانت هذه الأمكنة التي ذكرها الشاعر لها دلالاتها في سياق الحديث عن المعاني التي يريد إيصالها للمتلقي، لهذا لا نجده يذكر مكانا إلاّ وكانت له علاقة بالمعنى المراد:
    الجزائر/مسرح الأبيرا
    سوق عكّاظ/ الحجاز
    روما- أثينا/ إفريقيا:

    وبها دبّ في الجزائر إبلال * وإن لم يثق به العوّاد

    وغدا مسرح الأبيرا لنا سو * ق عكّاظ تؤمّه الورّاد

    كم وعوا في الحجاز من قبل روما * وأثينا من حكمة وأفادوا

    ويح إفريقيا تفرّق فيها * مسلموها فكلّهم أضداد(24)

    خلاصةُ القول إنَّ نقلَ دراسة المعجم من المجالِ اللغوي - الذي نشأ في أحضانه - إلى مجالِ الدراسات الأدبية، والشعرية خاصة، تقتضي تجاوز مجردِ الوصف والتصنيف، بالاعتمادِ على الدلالة المعجمية الأصلية، وعلى نظريةِ الحقول الدلالية، إلى دراسةِ السياق الذي يخضعُ له هذا المعجم داخل النَّص الشِّعري؛ لكونه مجالاً للانزياحِ وإكساب المعجمِ دلالاتٍ تختلفُ في درجة اقترابها من الدلالاتِ الأصلية أو ابتعادها عنها، ولأنه في مفهومه العام يسمحُ بالخروجِ من الانغلاق البنيوي للنص الأدبي، غير أنَّ القولَ بأهميةِ السياق لا يعني بأية حال إلغاء المعنى المعجمي الذي تبقى له أهميتُه في استكشافِ دلالةِ النص.

    وقصيدة "في أذن الشرق " للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة خير مثال على هذا، فالألفاظ التي استخدمها الشاعر إذا أخرجناها من سياقاتها التي أقحمت فيها قد نكتشف دلالات مفردة ضيّقة، وهذا ما ينحو إليه التفسير المعجمي بأنواعه، لأنّ معظم المعاجم القديمة أو الحديثة لا تقدّم كل معاني اللفظة، ولكننا إذا أعدنا اللفظة إلى سياقها نجدها تبوح بمكنوناتها، التي يريدها الشاعر ومن ثمّ المتلقي، إذا فمهما بلغنا من جهد في إيجاد دلالات الألفاظ التي يستخدمها الأديب خاصة، فلا يمكن أن نصل إلى التصنيف الدلالي المتوخى، وبالتالي يبقى هذا البحث قراءة ذاتية لعمل ما.

    = = = = =

    الهوامش

    1= علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، ط 4، عالم الكتب، القاهرة 1993، ص (79-80).

    2= نفسه، ص (80).

    3= نفسه، ص (79).

    4= نفسه، ص (80).

    5= تقنيات التعبير في شعرِ نزار قباني، بروين حبيب، ص (52).

    6= علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، ط 4، عالم الكتب، القاهرة 1993، ص (116).

    7= ديوان محمد العيد آل خليفة، دار الهدى،عين مليلة،الجزائر، 2010، إسلاميات وقوميات، ص 112.

    8= نفسه، ص 113.

    9= نفسه، ص 114.

    10= نفسه، ص 115.

    11= نفسه، ص 113.

    12= نفسه، ص 114.

    13= نفسه، ص 115.

    14= نفسه، ص 114.

    15= نفسه، ص 113.

    16= نفسه، ص 114.

    17= نفسه، ص 115.

    18= نفسه، ص 112.

    19= نفسه، ص 113.

    20= نفسه، ص 114.

    21= نفسه، ص 113.

    22= نفسه، ص 114.

    23= نفسه، ص 115.

    24= نفسه، ص 114.

    - See more at: http://www.oudnad.net/spip.php?article837#sthash.bvoHgVwf.dpuf
    معجم الحقول الدلالية في قصيدة "في أذن الشرق" للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة
    على الرغم من المكانة التي حظيت بها الدراسات اللغوية قديما وحديثا لدى الدارسين اللغويين في تصنيف شتّى العلوم المتعلّقة باللغة، إلاّ أنّ مجال الحقول الدلالية لم يحظ بالاهتمام إلاّ حديثا، وبخاصة في تطبيق هذه النظرية على الأدب بنوعيه النثري والشعري، ولذلك يأتي هذا العمل لإلقاءِ الضوء على أهمية معجم الحقول الدلالية في تحليل النص الأدبي عامة، والشعري منه خاصة.
    نظرية الحقول الدلالية
    لست بصدد الخوض في هذه النظرية، ولا في تاريخها، فلقد تناول الموضوع من جوانبه المتعددة كثير من الدارسين المحدثين؛ لكن سأعمد إلى إعطاء بعض المفاهيم الأساسية حول هذه النظرية التي تعدّ من أخصب أبواب علم الدلالة في الدراسات اللغوية الحديثة، فلا خلاف بين علماء اللغة المحدثين في كون الحقول الدلالية تعنى بدراسة الكلمات من خلال تجميعها في حقول دلالية، حيث ترى هذه النظرية أنّه: "لكي تفهم معنى كلمة يجب أن تفهم كذلك مجموعة الكلمات المتّصلة بها دلاليا"(1). وأهم ما يميز أنصارَ هذه النظريةِ هو اتفاقهم على ضرورةِ مراعاة السياق الذي تردُ فيه الكلمة(2). ويعرّفُ الباحثُ اللغوي، أحمد مختار عمر، الحقلَ الدلالي بقوله: "الحقل الدلالي Sémantic field أو الحقل المعجمي هو: مجموعةٌ من الكلماتِ ترتبطُ دلالتها، وتوضع عادة تحت لفظ عام يجمعها"(3).
    أهمية نظرية الحقول الدلالية
    جاءت نظرية الحقول الدلالية لتميط اللثام عن مجال مهم في ميدان الدراسات اللغوية الذي طالما أغفله المهتمون بالبحث الدلالي، فلا يخفى أنّ اللغة التي توفّرها النصوص على اختلاف أنواعها (دراسات، أدب بنوعيه نثري أو شعري) تتشكّل أساسا من ألفاظ أو كلمات، وهذه الأخيرة تأتي وفق تنوّع تشكّله بيئة المؤلّف الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية والنفسية.
    وهنا تأتي نظرية الحقول الدلالية لتقوم بتصنيف هذه الألفاظ أو الكلمات تحت عنوان يجمعها، ومن ثمّ يعمد الدّارس إلى البحث عن الخلفيات الدلالية التي تقف وراء استعمال المؤلّف لتلك المجموعات، والخلفية الفكرية التي دعته لذلك الاستعمال، وبذلك فإنَّ أهمَّ ما جاءت به نظريةُ الحقول الدلالية هو التصنيف القائم على الدلالةِ المعجمية للكلمة.
    إلا أنَّ السياقَ يبقى له اعتبارُه أيضًا في دراسةِ الكلمة؛ كما يذهبُ إلى ذلك أنصارُ هذه النظرية أنفسهم(4). فنظرية الحقول الدلالية لا محالة جاءت لتكشف عن خبايا اللغة، ما دامت هذه الأخيرة تحمل مكنونات العصر الذي ألّفت فيه، فالمدوّنة أيّا كان نمطها مرآة عاكسة للمستوى الثقافي للمجتمع وبالتالي زمكانية النصّ.
    لماذا الشاعر محمد العيد آل خليفة؟
    إنّ اختياري لشعر محمد العيد آل خليفة (1904/1979) جاء لكون شعره شغل الباحثين والدارسين، وأثار الاهتمام والإعجاب المستمرين، وليس لكونه حاملا لأصالة أمّته وشجونها قبل وبعد الاحتلال فحسب، بل لما اختص به من خصائص الصدق والبساطة والنزعة الوجدانية والخيال والاستطراد، ومن جزالة الألفاظ ومتانة الصياغة والتراكيب وغيرها من الخصائص المعنوية واللفظية، التي جعلت شعره حياً متجدداً قابلاً لمختلف القراءات والمناهج النقدية.
    وتعد قصيدة "في أذن الشرق" من أشهر قصائده وأنفسها. ومن هنا جاء اختياري لها لأهميّتها في زمنها الذي نظمت فيه، ولما أبرزته من معان إنسانية عميقة في تمجيد النهوض بالأمة بكافة الوسائل، وعلى رأسها العلم، فضلاً عن أنها حاملة لكثير من الحقول الدلالية التي هي جوهر عملي.
    لهذا أتبنى التعريفَ الذي قدمته الباحثةُ البحرينية، بروين حبيب، للمعجمِ الشعري بأنه: "القاموس اللغوي للشَّاعر، والذي تكون من خلالِ ثقافته وبيئته ومناخه الذي عايشه"(5). على أنَّ خضوعَ مجموعةٍ من الشعراء -أو الكتاب- العظام لتأثيرات مشتركة أو لبيئة مشتركة لا يعني إنتاج معجمٍ شعري مشترك؛ إذ يبقى لكلٍّ منهم معجمه الخاص(6)، لكون المعجم الشعري خاضعًا للسياق.
    وعلى الرغم من كثرة الأبحاث والدراسات في شعر محمد العيد آل خليفة، إلا إنها لم تتطرق فيما أطلعت إلى هذا النوع من البحث الدلالي. وقد أثارت انتباهي واستوقفتني طويلاً مسألة تقارب دلالات الكلمات في أبيات شعره، وأرى أنها تستحق قراءة جديدة وأكثر من مجرد الاهتمام.
    وعلى هذا الطريق المهيع سار هذا العمل، فالكلمات في أبيات قصيدة "في أذن الشرق" تبدو أقرب إلى بعضها دلاليا، أكثر مما في غيره من القصائد الأخرى.
    الحقول الدلالية في قصيدة "في أذن الشرق"
    قبل الكشف عن الحقول الدلالية التي تعجّ بها قصيدة "في أذن الشّرق" لمحمّد العيد آل خليفة، فالديوان جدير بأن نتوقّف عنده، فقد جمع الديوان بين دفّتيه خيرة قصائد محمد العيد، والتي تعالج مضامينها شتّى مناحي الحياة في الحقبة التي عايشها شاعرنا، ولكن وأنت تقلّب صفحات الديوان تهزّك قصيدة من بين كلّ القصائد، لا لشيء إلاّ لأنّها لامست مشاعرك أوحرّكت دواخلك، فقصيدة "في أذن الشرق" تحمل دلالات بعيدة المعاني من تنبيه الغافلين وتحريك همم المتقاعسين والمترددين وتحذير المداهنين. وتعد قصيدة "في أذن الشرق" دعوة صريحة لكلّ إنسان عاقل في المشرق العربي الذي هو عنوان كلّ العرب والمسلمين والأفارقة، فشاعرنا لم يتناس كونه إفريقيّا.
    وما توصلت إليه في مجال البحث عن الحقول الدلالية في هذه القصيدة، وبعد قراءاتي المتعددة للقصيدة تكشّف لي أنّ مضامين القصيدة من حيث مفرداتها وعباراتها يمكن تقسيمها إلى ستة حقول أعرضها أدناه.
    =1= الحقول الدلالية الخاصّة بالأخلاق
    يعدّ هذا الحقل من أكثر الحقول التي احتوتها القصيدة، ولا غرابة كون الشاعر ينطلق من قاعدة أخلاقية لثقافته الإسلامية، والجدول يظهر هذا الزّخم من الألفاظ في هذا الحقل:
    أ= الصدق: نحن قوم لنا قلوب على الصد  ق رواس كأنّها أطواد (7).
    ب= يثق/ الحقّ والصبر/ التّواصي تضامن/ الفساد/ الهوى/السّداد/ أطاعوا / أشادوا/ نخزى:
    وبها دبّ في الجزائر إبــــــــلا * ل وإن لم يثق به العوّاد
    نتواصى بالحقّ والصبر فيه * والتّواصي تضامن وجهاد
    ومن الشرق أمّة غلب الصّمت * عليها فعمّ فيها الفساد
    ساد فيها الهوى ولو لم تفرّط * في التّواصي لساد فيها السّداد
    وعنا النّاس لاسمهم وأطاعوا * وأشادوا بذكرهم ما أشادوا
    وقعدنا مع الخوالف نخزى * بضروب من الأذى ونكاد(Cool.

    ج= المطامع/استهانت/ تفشّى...خلف/ يخزى الكرام /يعزّ الأسافل/ يطوى/ الجميل/ينسى العهد/يلف الميعاد/ لا يثبت الرأي/ لا يدوم الوداد/ الحسّاد:
    شغف القوم بالمطامع حبّا * واستهانت بالأمّة الأفراد
    وتفشّى في الخلف خلف فذلّوا * لسواهم حتّى فنوا أو كادوا
    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد
    يا بلادا يطوى الجميل وينسى ال * عهد فيها ويخلف الميعاد
    يا بلادا لا يثبت الرأي في ش * يء عليها ولا يدوم الوداد
    يا بلادا يلقى النبوغ بها الشّؤ * م ويسعى في قتله الحسّاد(9)

    د= المرشدون/ ظنون سيّئات/ حرّ ذنبه الوعظ والإرشاد:
    أرغم المرشدون فيك على الصّم * ت وبثّت عليهم الأرصاد
    وأجيزوا من قومهم بظنون * سيّئات يبثّها المرّاد
    كم يلاقي من العقوبات حرّ * ذنبه الوعظ فيك والإرشاد(10)

    =2= الحقول الدلالية الخاصّة بالتخلّف والتقهقر
    في القصيدة الكثير من الألفاظ الحاملة لمعان التخلّف والتقهقر، وهذا كلّه راجع لكون الشّاعر بصدد تصوير حال الشعوب المتّسم بالجهل والتخلّف في شتّى المجالات، فالحقبة الزمنية وهي بالتأكيد الاستعمارية عايشت فيها الشعوب الإفريقية أنواع شتّى من التقهقر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في أبشع صوره، مما استدعى الشاعر تضمين قصيدته هذه الألفاظ التي تخيّرها من معجمه، للتعبير عن هذا الحقل الدلالي، وفي هذا الإطار إليكم ما استجمعته من ألفاظ هذا المعجم:
    أ= قعدنا- الخوالف/ نخزى/ الغشاوات/ البغي- الوهم- أصفاد/ الخلف/ انقطعنا:
    وقعدنا مع الخوالف نخزى * بضروب من الأذى ونكاد
    إن أفكارنا تحاك الغشاوا * ت عليها وتضرب الأسداد
    فمن البغي فوقنا مرهفات * ومن الوهم حولنا أصفاد
    ومن الخلف دوننا عقبات * ينفذ الجهد عندها والزاد
    وانقطعنا يا علم عنك وعن ك * لّ تراث أبقت لنا الأجداد(11)

    ب= امّحت- ضلّت/ أضاعه:
    وأضعنا الأثار فامّحت الطّر * ق وضلّت من بينها الرّواد؟
    كلّ ما شدتم على الأرض من مج * د تليد أضاعه الأحفاد(12)

    ج= الإهمال- الغفلة- الفقر- الجهل:
    شاع فيك الإهمال والجهل والغفلة والفقر والضّنى والكساد(13)
     

    د= استهانت/ ذلّوا- فنوا- تفشّى/ تفرّقا- أضداد/ الهون- مادت:
    شغف القوم بالمطامع حبّا * واستهانت بالأمّة الأفراد
    وتفشّى في الخلف خلف فذلّوا * لسواهم حتّى فنوا أو كادوا
    ويح إفريقيا تفرّق فيها * مسلموها فكلّهم أضداد
    وتدلت بهم إلى الهون حينا * فتدلّوا بها ومادت فمادوا(14)

    =3= الحقول الدلالية الخاصّة بعوامل النهوض
    في هذا الحقل الدلالي يضطر الشاعر وهو في أتون دلالات التخلّف أن يخرج المتلقي ليتنفس ألفاظا تتضمّن معان النهوض والرقيّ الذي يمكن لهذه الشعوب أن تعيشه، ولو كان هذا الأمل من الماضي، فالشاعر يعود بالمتلقي إلى ماضيها التليد المزهر، ويحاول غرسه في نفوس هذه الشعوب التي تعيش أحلك فترات الحياة، فحتى يشعرها بالأمل ها هو يعيد إليها فلاشات من قبسات أيام عزّتها، وفي هذا اخترت من القصيدة ما رأيته يعبّر عن هذه الدلالات:
    أ= نهيب:
    ونفوس لنا تهيب إلى المج * د بنا ما لها سواه مراد(15)
    ب= المجد/ وعوا/ النبوغ/ المشرقون:
    ما رسمنا خطا إلى المجد إلاّ * وعليها أساسنا والعماد
    كم وعوا في الحجاز من قبل روما * وأثينا من حكمة وأفادوا
    يا بلادا يلقى النبوغ بها الشّؤ * م ويسعى في قتله الحسّاد
    أيّها المشرقون في ظلم التاري * خ هل عصركم علينا يعاد(16)

    ج= تليد/ سادوا:
    كلّ ما شدتم على الأرض من مج * د تليد أضاعه الأحفاد
    فإذا قمت بالفلاحة أثرى * في الألى أعدموا الألى فيك سادوا(17)

    =4= الحقول الدلالية الخاصّة بالترادف والتضاد
    يعدّ هذان الحقلان من الحقول الدلالية التي لها وقع في ترسيخ معاني الألفاظ، فظاهرة الترادف التي حبلت بها القصيدة لها دور جليّ في تأكيد وتوضيح المعاني التي يريدها الشاعر أن تبقى في ذهن المتلقي، فالغبن بأنواعه الذي عايشته الشعوب الإفريقية عمد الشاعر فيه إلى استخدام الكثير من الألفاظ المشتركة المعاني بغاية أن يكون لدلالاته وقع، وكذا التضاد، فاللفظ أحيانا لا يتّضح إلاّ بإيراد ضدّه فتقوى الصورة ويزداد المعنى قوّة، وفي هذا أخذت من القصيدة هذه الألفاظ التي تؤدّي إلى هذا الباب:
    أ= أبيّها وعصيّها -مستجيب ومنقاد/ الأناقة والرّوعة - الذكر والإنشاد/ شرّفي، حلّي/ أساسنا والعماد:
    ذي معان أبيّها مستجيب * وقواف عصيّها منقاد
    تسحر الأنفس الأناقة والرو * عة فيها والذكر والإنشاد
    مرحبا شرّفي القلوب وحلّي * ما لدينا غير القلوب مهاد
    ما رسمنا خطا إلى المجد إلاّ * وعليها أساسنا والعماد(18)

    ب= الصعاب، العواتي- الخطوب، الشداد:
    فبها لانت الصّعاب العواتي * وبها هانت الخطوب الشداد(19)
    ج= تنجلي، تنقضي/ الأسافل، الأوغاد/ يطوي، ينسي، يخلف:
    ربّما تنجلي الشدائد عنّا * بالتّواصي وتنقضي الأنكاد
    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد
    يا بلادا يطوى الجميل وينسى ال * عهد فيها ويخلف الميعاد(20)

    د= يثبت، يدوم:
    يا بلادا لا يثبت الرأي في ش * يء عليها ولا يدوم الوداد(21)
    هـ= الوعظ والإرشاد/ يخلد، يبقى/ الموت ≠ الحياة/ اشترى ≠ باعوا- غدوا ≠ عادوا/ يخزى الكرام≠ يعزّالأسافل:
    كم يلاقي من العقوبات حرّ * ذنبه الوعظ فيك والإرشاد
    يخلد ذو الجلال ويبقى * وسوى الله منتهاه النفاذ
    إنّ في الموت والحياة مدى أو * سع فيه تفاوت الأنداد
    واشترى النّاهضون منك وباعوا * وغدوا رابحين فيك وعادوا
    يا بلادا يخزى الكرام عليها * ويعزّ الأسافل الأوغاد(22)

    =5= الحقول الدلالية الخاصّة بالأعلام
    على الرّغم من كون القصيدة طويلة، إلاّ أنّ الشاعر لم يضمّنها الكثير من الأعلام، لكن الأعلام الذين أقحمهم الشاعر في قصيدته يحملون دلالات متعددة، فواقع القصيدة بين تخلف الشعوب ودعوة النهوض، فالأعلام تحمل هذه الدلالات، فمن امرئ القيس إلى إيّاد أعلام لها وقع في نفسية المتلقي الحامل لثقافات الماضي والحاضر، فكلّ علم ضمّنه الشاعر دلالات ما لا تفهم إلا من خلال سياقها:
    امرؤ القيس- زياد/ عاد – شدّاد/ سابور – إيّاد:
    أنا مهما بكاك مني امرؤ القي * س وحيّا حماك منّي زياد
    وعت الأرض كلّ ما عاد من عا * د عليها وشاده شدّاد
    كلّ ذي إمرة على الأرض (سابو * ر) وكلّ الشعوب فيها (إيّاد) (23)

    =6= الحقول الدلالية الخاصّة بالأمكنة
    ربط الشاعر معاني قصيدته بمجموعة من الأمكنة، سواء كانت قديمة أو حديثة، وكانت هذه الأمكنة التي ذكرها الشاعر لها دلالاتها في سياق الحديث عن المعاني التي يريد إيصالها للمتلقي، لهذا لا نجده يذكر مكانا إلاّ وكانت له علاقة بالمعنى المراد:
    الجزائر/مسرح الأبيرا
    سوق عكّاظ/ الحجاز
    روما- أثينا/ إفريقيا:
    وبها دبّ في الجزائر إبلال * وإن لم يثق به العوّاد
    وغدا مسرح الأبيرا لنا سو * ق عكّاظ تؤمّه الورّاد
    كم وعوا في الحجاز من قبل روما * وأثينا من حكمة وأفادوا
    ويح إفريقيا تفرّق فيها * مسلموها فكلّهم أضداد(24)

    خلاصةُ القول إنَّ نقلَ دراسة المعجم من المجالِ اللغوي - الذي نشأ في أحضانه - إلى مجالِ الدراسات الأدبية، والشعرية خاصة، تقتضي تجاوز مجردِ الوصف والتصنيف، بالاعتمادِ على الدلالة المعجمية الأصلية، وعلى نظريةِ الحقول الدلالية، إلى دراسةِ السياق الذي يخضعُ له هذا المعجم داخل النَّص الشِّعري؛ لكونه مجالاً للانزياحِ وإكساب المعجمِ دلالاتٍ تختلفُ في درجة اقترابها من الدلالاتِ الأصلية أو ابتعادها عنها، ولأنه في مفهومه العام يسمحُ بالخروجِ من الانغلاق البنيوي للنص الأدبي، غير أنَّ القولَ بأهميةِ السياق لا يعني بأية حال إلغاء المعنى المعجمي الذي تبقى له أهميتُه في استكشافِ دلالةِ النص.
    وقصيدة "في أذن الشرق " للشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة خير مثال على هذا، فالألفاظ التي استخدمها الشاعر إذا أخرجناها من سياقاتها التي أقحمت فيها قد نكتشف دلالات مفردة ضيّقة، وهذا ما ينحو إليه التفسير المعجمي بأنواعه، لأنّ معظم المعاجم القديمة أو الحديثة لا تقدّم كل معاني اللفظة، ولكننا إذا أعدنا اللفظة إلى سياقها نجدها تبوح بمكنوناتها، التي يريدها الشاعر ومن ثمّ المتلقي، إذا فمهما بلغنا من جهد في إيجاد دلالات الألفاظ التي يستخدمها الأديب خاصة، فلا يمكن أن نصل إلى التصنيف الدلالي المتوخى، وبالتالي يبقى هذا البحث قراءة ذاتية لعمل ما.
    = = = = =
    الهوامش
    1= علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، ط 4، عالم الكتب، القاهرة 1993، ص (79-80).
    2= نفسه، ص (80).
    3= نفسه، ص (79).
    4= نفسه، ص (80).
    5= تقنيات التعبير في شعرِ نزار قباني، بروين حبيب، ص (52).
    6= علم الدلالة، الدكتور أحمد مختار عمر، ط 4، عالم الكتب، القاهرة 1993، ص (116).
    7= ديوان محمد العيد آل خليفة، دار الهدى،عين مليلة،الجزائر، 2010، إسلاميات وقوميات، ص 112.
    8= نفسه، ص 113.
    9= نفسه، ص 114.
    10= نفسه، ص 115.
    11= نفسه، ص 113.
    12= نفسه، ص 114.
    13= نفسه، ص 115.
    14= نفسه، ص 114.
    15= نفسه، ص 113.
    16= نفسه، ص 114.
    17= نفسه، ص 115.
    18= نفسه، ص 112.
    19= نفسه، ص 113.
    20= نفسه، ص 114.
    21= نفسه، ص 113.
    22= نفسه، ص 114.
    23= نفسه، ص 115.
    24= نفسه، ص 114.


    - See more at: http://www.ou
    dnad.net/spip.php?article837#sthash.bvoHgVwf.dpuf

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:06 pm