منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    تابع للبنية

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    تابع للبنية

    مُساهمة   في السبت أغسطس 03, 2013 12:18 pm

     
    أو ميل الى تأكيد المكونات المذهبية في عمل مبدع ما، أن البنية الأولى تتسم بلهجة انجيلية وتوراتية، أما الثانية فهي نتاج التطور المستمر في أساليب التعبير العربية بعد زمن التصنيع المغرق. ولعل أبرز تجليات الأولى تتمثل في شعر أدونيس المبكر وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وادوار الخراط وقاسم حداد ومحمد عمران, أما أبرز تجليات الثانية فإنها ترد في شعر أدونيس المتأخر ومحمد الماغوط وسنية صالح ونزيه أبوعفش وسيف الرحبي وعبده وازن وفاطمة قنديل ومعظم كتابا قصيدة النثر الصاعدين الآن لكأنما تشكل مسارا تاريخيا انبثق فيه عند نقطة معينة التركيب التوراتي الانجيلي, ممسوسا أحيانا بصيغ تركيبية فرنسية وانجليزية, ثم إنحسر أثره لتتجه قصيدة النثر نحو أساليب الصياغة العربية السائدة وتحدث بذلك - مع فاعليات أخرى - نقلة تؤدي الى تكريس قصيدة النثر تماما أو كتابة قصيدة نثر عربية تنفصل عن المدار التأسيسي وتخلق مدارا أشد التصاقا بالشعريات العربية الراسخة على هذا الصعيد المحدد - أي بنية التركيب اللغوي وللايقاع الذي يتولد منها.

    وسأمثل على النوع الأول بنموذجين من شعر أنسي الحاج وأدونيس, وعلى الثاني بنموذج من شعر محمد الماغوط, مؤكدا أن غرضي التمثيل فقط لا تقديم دراسة مستوفية لما أسميته البنى الطارئة والبنى التليدة.

    انسي الحاج:

     "يا مملوءة مطرا وشمسا، تعالي نتفق, اعقدي خنصرك في خنصري كعداوة، لا تريني ! اغرزي ابتعادك في كبدي, فوق الخطر، انني آكل لحمه وملكي وعبدي رؤيا لهابة؟ فلتحشش الرؤى! يقظان كسمكة، أعلق فخذي على لافتة, أنطفيء وأضىء: "لا تخلعيني "، كنت انظر بابا وماء، كنت انظر فأراني, صرت أراك. "(11)

     أدونيس:

    "أخلق اللريح صدرا وخاصرة وأسند قامتي عليها. أخلق وجها للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. أتخذ من الغيوم دفاتري وحبري, وأغسل الضوء.

     للشقائق زينة أتزيا بها, للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه - هل كثير إذن أيها الموت, أن أحب نفسى؟

    أبتكر ماء لآ يرويني. كالهواء أنا وللأ شرائع لي - أخلق مناخا يتقاطع فيه الجحيم والجنة. أخترع شياطين أخرى وادخل معها في سباق وفي رهان. أكنس العيون في غباري أتسلل في ألياف الماضي فاتحا ذاكرة الأولين. أنسج ألوانها وألون الإبر. أتعب وأرتاح في الزرقة - يشمس تعبي ويقمر في لحظة واحد ة.

    أطلق سراح الأرض وأسجن السماء ثم أسقط كي أظل أمينا للضوء, كي أجعل العالم غامضا ساحرا, متغيرا, خطرا كي أعلن التخطي.

    دم الآلهة طري على ثيابي. صرخة نورس تصعد بين أوراقي - فلأحمل كلماتي؟لأمض.. ". ( 12)

     لن أقدم هنا تحليلا مفصلا لهذه اللغة الموقعة الترية، لكنني ألفت النظر الى الولع بالتفقير، واستخداهم الفاصلة والفاصلة المنقوطة والنقطة والنقاط المتتالية. ثم ندرة أدوات العطف بين فقرات المقطع الواحد وأنعدامها تماما بين المقاطع, ثم التركيب النظمي الطاريء لجمل مثل "كالهواء أنا ولا شرائع لي "، " للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه "، ثم الاختزال الصارم الذي يعادل عملية نحت بإزميل حاد، والبعد عن الربط والتفصيل والاسهاب. وسألفت النظر بشكل خاص أخيرا الى تشكل الانساق التركيبية (الثلاثية خاصة) وانتظام حدوثها وأجلاها الفعل المضارع وفاعله ضمير المتكلم + المفعول به + متتمات شبه جملية, ثم انكسار النسق في مفاصل تركيبية بارزة بطريقة تؤدي الى منع الرتابة وقلب التشكيل الالقاعي في آن واحد. وكل ذلك من السمات الأساسية للغة شعرية ذات ايقاع بارز.

     محمد الماغوط:

    " أظنها من الوطن

     هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين

    أظنها من دمشق

    هذه الطفلة المقرونة الحواجب

    هذه العيون الأكثر صفاء

     من نيران زرقاء بين السفن

    أيها الحزن.. يا سيفي الطويل المجعد

    الرصيف الحامل طفله الأشقر

    يسأك عن وردة أو أسير

     عن سفينة وغيمة من الوطن..

     والكلمات الحرة تكتسحني كالطاعون. " ( 13)

    الايقاع الابتهالي:

     ثمة نمعل ايقاعي آخر يختلف عن الأنماط التي أدرجتها حتى الآن اختلافا بينا، ان كان له رنين خفي يذكر بنثر أدونيس المبكر, هو النمط الذي أسميه " الايقاع الابتهالي أو التسبيحي ". هنا يتواشج النص ويتلاحم في تكوينات لغوية تمزج بين الوصل أو الفصل والتفقير والتوازن, من جهة والتدفق الايقاعي, من جهة أخرى، مرجعة صدى أساليب الانشاء الترنيمية, ومستغلة الطاقات الصوتية للغة الى درجة أشد بروزا مما هي عليه في النماذج التي أقتبستها سابقا، وبشكل خاص حرف المد، وا لنداء, والندبة والاستغاثة، والمناجاة المباشرة, بأنماطها المختلفة. ويستحق هذا النمط دراسة مسهبة لذاته, لكن المجال الراهن ليس أفضل الأمكنة لتأدية هذا الغرض.. لذلك أكتفي بالتمثيل على هذا النمط بنصين, أحدهما لكمال أبوديب والآخر لقاسم حداد وأمين صالح.

     كمال أبوديب

    من "بحثا عن وجه أمية في التكوين الثاني "

    1

     أبدأ إلآن فصل عينيك والدمع.

     فاستسلمي لريشة الكلمات النافرة كا لأيائل المضرجة

     في صحاري تجري من تحتها ألأنهار دما، واهدئي على

    أناقي الرعوشة/ بين الأنملة والرعشة أنت, بين

    الدمعة والجفن, بين الهواء والنفس الموجع, فاستسلمي /

    سأنسج من شعرك إلمرقرق ضوءا يتلاشى في مساء شتائي سماء تظلني نداوة أبعادها وآتي إليك حين تجيء الطيور من حافة الأفق أجنحة تقطر دمعا ودما/ سآتي إليك حين ينهمر الثلج وتلتم الأشياء تهجع في فيئك الوريف / سآتي. آه, لكن لا تشيحي, إن في وجهك الصغير قناديلي وضوئي فاهدئي.

     إننى

     أبدأ الآن فصل عينيك والموت...

    (كان لصوتك صفاء أجرأس تأتي من الشمال في نسيم ربيعي / رسيس أجنحة بيضاء تنأى في سماء فسيحة تنتشر فوق البحيرة الهاجعة بين المرج والمرج بين الغابة والدمع, كانت عيناك تأتلقان في ضوء يترقرق من حوافي الغيوم ترأد في دعة فوق الباحة والأراجيح ترج الضوء المسائي /

    ها أنت تجرين من أرجوحة الى أرجوجة من الأخضر الأحمر الأخضر الأصفر/ وها أنت جميلة مثل رشأ يتقافز في الكثبان يكتشف لون الهواء والفضاء والعشب /

    ها أنت.

     آه

     يتها الخفية كالعبور بين ألق الرعد وألق البراعم / يتها المضيئة كالقناديل تساقط فوق جدول يرهج كالريش في جناح آت من البحر. من؟

     قلت من؟

    11

    يتها ألظافرة كأيائل الجبال يتها العصية كالدمع يتها الثرية كالينابيع في الأحراش الوريفة الظل بين السفح والحقول. قمحا كنت فى جفاف عيني أن أضرمت النار/ وأبروخا وأسا أن أضرم التل ورمد الزعتر الغض أجسادا تلوت قبل أن تخرسن الصرخة الأخيرة سوقا وأذرعا تكلس فوق الأرض كالأر ض /

     قمحا / وكنت وهج رعب من زمن يأتي كأنه كان ثم أقفل الزمن الآتي وزج في نفق يرشح موتا وقهقهات وينبع موتا وقهقهات وكنت...

    يتها الجرح في الدم / الفورة الحبيسة في حلم تأطر كالقوس وجاءت لحظة النزع فارتمى نتفا بين وجهي وبين الأفق.

     (كانت أجنحة بلون الغمام تساقط فوقي / وكنت قمحا وهشيما نثار حلم تضرج في فورة الدم المؤجج بين البحر والتل بين النبع والزعتر المرمد/ كنمت...

     آه

    كنت

    111

     ها أنت تطلعين من جسدي الصب تدخلين في جسدي الصب / ها أنت تنئين تدخلين تلا تقصفه النار عويل رؤوس مقطوعة وأجساد سليخة وها أنت مسكونة بشبح الوحش في اليد التي تجزر الرأس ها أنت / تغورين. أين تنئين

     أين؟

    ما أنت والتل والرأس واليد والأجساد ما أنت؟ (صبية تنشر شعرها الأشقر الطويل لريح تعدو في بورت مدو تطارد المهار الشقر والفراشات) ما أنت؟

    تمضين تغلق أبوابها النار عليك مديرة ظهرك الصبي /

    لا يدي تشد

     لا رعبي ولا صراخي /

     أنت تمضين

     لن يعود بك الفجر لن تعود بك الأرض فالنار التي اجتاحت التل والأجساد تجتاحك الآن فتهوين يستبيك الكابوس والرعب وموت الأطفال في التل والجنوب.

     لكن

    سلاما لوجهك الغض تجتاحه النار

     اذ تهوين

     لكن

     سلاما

     وسلا ما. " ( 14)

    قاسم حداد وأمين صالح

    من الجواشن

     "من أعطاك طبيعة النصل وجرأة انتخاب الأسماء؟

    وحدك

    وحيدة في إلنوم

     ووحدي

    لكن,

     قلت لك: افتحي النافذة كي أعرف أن لك دارا تشرف على المساءات كلها، فبدون هذه العلامة الرشيقة لن يتسنى للهزيع الأخير أن يتثاءب ويدفق الأحلام في روحي.

     قلت لك,

     لكنك أوصدت النافذة ومحوت الدار، فهربت المساءات وظل الليل يلملم أطرافه في عربة لا تقود إلا الى الفناء.

     يا لك من وحيدة...

     وحيدة مثل نجمة في سديم

     آن أن تخلعي هذا المطر الوارف وتسعفي التوابيت المحدقة بك أشبه بجوقة جاءت لتبطش بالحلم. النوم ملجأك الأخير. تنزلقين من مأتم الى وليمة عامرة بالقتلى، فيأخذك اليأس الى ملجأ أشد فتكا.

    وأنت وحدك.

    آن أن تكتملي مثل فراشة المحنة

    وتكترثي بطريد الكوابيس المبجلة،

     يا الغائبة مثل قناع ينبش في الوجه

    يا الغارقة في عسل الغدر،

    ارفعي خمارك المطرز باليقين

    وانظري...

    أطل عليك أيتها الفاضحة، مذعورا من هذا الشهيق السحيق كما الهاوية. لم أعرف سريرا بهذا البياض والشسع أتشبث بذيل المعجزة:

     فلربما،

    حين يخذلني الحديد،

    يسعفني انبياض الرحيم.

     أطل عليك

     مغمورا بالمستحيل كافرا بالنعم:

    فلربما،

    في سرير رشيق كهذا،

     أخرج من جاذبية الموت وتدلني اليوم ألى الجذوة. آه, انت هناك, في طيات نجمة داجنة تغوين أصابعي لتسوق - في رواق الغيم - بغلات حنونات تحمل شفاعة البحر. تراودينني كي أقفز في البياض اللامتناهى. بلا طمأنينة، أذعن لمهرجان الوسائد. آه, هناك أنت.. عارية منى وأنا هنا.. عاريا منك

    لا بياضك الوسيع يهب جحيم المغفرة

     ولا بياضي المتجزيء يدفق الدم في الثلجة المقدسة" (15)

    ملحق 3

    نماذج من قصيدة النثر وتنوح التشكيلات الايقاعية فيها:

     أما النصوص التي تلي فإن بعضها يولد ايقاعا نابعا من الفصل, والتفقير، والتوازن بين الجمل القصيرة، وبعضها يولد الايقاع الابتهالي التسبيحي, فيما يولد بعضها ايقاع الوصل والترابط والتعانق.

     وما اختياري لهذه النماذج بأمر صدفة واعتباط, بل هو مدروس بعناية، ذلك أنتي أود أن أقترح من خلالها أن التعارض بين نمطي قصيدة النثر يعود أصلا الى نقاطها التأسيسية في المرحلة الحاسمة من نشأتها المعاصرة، فلقد تمثل في هذه النقطة التأسيسية تياران ابداعيان مختلفان تماما على رأسهما محمد الماغوط في طرف, وأدونيس وأنسي الحاج, في طرف آخر. ففيما جسد الماغوط المنطلق العربي النابع من التكوين التاريخي للغة الابداع العربية وللحساسية العربية بصورة طاغية، مثل أنسي الحاج الوجه المتفاعل مع الابداع الفرنسي بقوة. وكان أدونيس توسطا بينهمأ على المدى الطويل, لكنه في المرحلة الأولى كان أقرب الى أنسي الحاج فيما أضحى في مرحلة لاحقة أقرب الى محمد الماغوط. وما أطرحه في هذا البحث يتضمن بوضوح أن قصيدة النثر التي ابتكرهها الماغوط هي التي شكلت المناخ السائد في الثمانينات والتسعينات خاصة لقصيدة نثر عربية لم تعد تطغى عليها حساسية وايقاع موشوجان بالمكون الفرنسي, لكن هذا لا يعني أننا أمام نمط واحد الآن, فالأنماط ما تزال متعددة، وفي نثر بول شاؤول وسليم بركات وعباس بيضون ومحمد آدم وقاسم حداد خاصة سمات مائزة للغة شعرية وايقاع مغايرين للنمط السائد ويبقى نثر أدونيس يشكل مداره الخاص المتميز تماما.

    سيف الرحبي

    "بين ليلة وضحاها

     اكتشفت أنني مازلت أمشي

    ألهث على رجلين غارقتين في النوم

    لا بريق مدينة يلوح

     ولا سراب استراحة.

     على رجلين ثاويتين في النوم

    أنا الذي ظن بأنه وصل

    وعند أول مدخل

     تنفسمت رائحة قهوة ونباح كلاب

    فكومت جسدي

     كحشد من المتعبين والجرحى

    لكني عرفت أن الضوء الشاحب

    يتسلل من رسغي

    خيط دم

    يصل الشعاب بوديانها الأولى.. " (16)

    عباس بيضون

     رقصة لم يشعر بها أحد

    " المرأة تحمل الحسون. حين يمر الجندي تغطيه. الطفل يلعب بقطعة نقد. حين يمر قرب الجندي يرميها. الجندي لا ينتبه. حين يبتعدان, تنظر المرأة الى الحسون, ويلتفت الطفل الى القطعة التي خلفها. شياطين كثيرة تحركت في الهاوية. لكن الرقصة لم يشعر بها أحد. مع ذلك بضع دقائق من التأخير عن الموعد الجهنمي ". (17)

     أحبك

    "أحبك

    اليقظة تنتصر باكرا

     وتجدنا معلقين

     أحبك

    أنها أخيرا تحف الوحدة

     أحبك

     أنهم أولادنا من الريح

     لن يجد النهار قمة تستفهمه

     أحبك

    الجميع في لوحة الجفاف

     انها أيضا

    زفاف الرطوبة

     أحبك

    من اللسعة ذاتها يتمسلوان

     أحبك

    الكلام الحافي "(18)

    " كنت أنتظر الى أن يخرج مني

    ذلك السلك. لكننا هذه المرة

    سنبصق ألما خالصا وقسوة خالصة. تلك هي الريح

    التي تشحذ نفسها على حافة

    الجرف. والهواء الذي يحز نفسه

    على الشق الطويل. وليس غناء

     ما يوشك أن يصفر في القصب. لكن الريح

    التي تنقسم بخبطة بين نصفي الجبل. ليس غناء

    ما يشهق في قطعة حبل, لكن

    الى أن ألد ذلك المسمار من نهاية

     روحي أترنم "كان لي فم كبير

    أحمق. " (19)

     يحيى حسن جابر

    "كل مساء

     الحنفية تنقط

    كل مساء

     طفل الجيران يصرخ

    كل مساء

    تمر سيارة الاسعاف

     كل مساء

    يفكر بالسفر

     وكل صباح ينهض

    ليفتش عن عمل إضافي

    ويقول لصورتك على الحائط

    صباح الخير".(20)

     سليم بركات

    " للندى شفرات,

     للحقول طباع السراقين,

     فلأعد المديح نادبا، فليعد الضلال الأمين مدائح

    الغيب في رقة.

     يا الضلال, الذي يتمم للحقيقة ما تتلعثم الحقيقة في إطرائه, يا لك ضلالا يستنفد العريق في وصفك,

    يالك, أخني أأتمنك على هداية الاكيد الفاجر. إيه, لأنت الضلال الفران تنضج في قبضتك أرغفة الله وكستناؤه.

     وأنا؟ فلأنحت الشفافة بإزميل الكلي تصاوير دروع, واستغاثات كركض الأوز، فلاكمم الكثيف على عتبة النعمى فلأنجز هكذا، على عاهن الشكل خالصا، للضرورة في أنحائي دبيب اليربوع, وللأمل جلال التيييه. حنيفا يولي التيه على الموأزين ويقلد خلاص الباطل:

    أيا الباطل,

     يا ثناء الكلي على مصكوكات النور،

    أيها الوفاء الذي ينكل بالعدم كي يعترف,

    لأنك تزن بمثالك النجاة ذهبها.

     ولأنك جريح بما خصصت به من يقين.

     تطن من حول جرحك ذبابة الفردإس, ونحل

    الجماد الذي يسيل شهده على رخام الفردوس:

     "يا الفردوس الذي يتعثر الوجود بالعظام على عتباته

    ، هاتك هات

     صمغك القوي نلحبم به شروخ

    الموحى. وانتهر المواثيق, أضربها

     بسوط الندم, فأنت شفقة النهاية

    على النبوءات ".

     ضلاااال.,

    أرفع السماء على فخذيك القويتين,

     رجها باللهاث حتى تتفق مشيمة البرزخ,

     وينحل، المكان شهوة شهوة.

     أهزؤ يدمع إشفاقا على الأسى في يدي,

    أم مطلق يسيل من إجاصات الحمى؟ ضلاااال,

     أرفع الريح الى ثدييك,

     واطر الجمال الممتعض من آيته تقرأ بلسان العديد

    الواحد يا لك, وعد بي إليك, مجرجرا خلفي حفيدي

     الوقت, أوبخه إن تلكأ، أوبخ النشأة إن تلكأت.

     عد بي أيها الضلال

    سأذيق الفراغ جماناته الذائبة،

     والفجر فستق المغيب.

     المتاه

     للمتاه ميثاق النسيان,

    للمتاه بذل النهاية نشوى تقسم الإرث على الهلعين.

    ياللمتاه الفتكة، خمالة العذب: المتاه الرجاء، منصف الخسارات, الذي يتكسب الغمام به في خيام السهول, العذرة الفحيح, كوفئت, يفرم المساء الغض ككرفس على عتبتك النحاس, ولك أعيان الموج وعقول الريح, أتؤتي يا المتاه الشغف؟ مرحى، مؤنة العبور الأقسى على جسور الفجر، لأنت, المتاه الدسيسة يا دهاء النرجس وفسق الورد. وريثا يبايعك الأمل في كنوزه, ويوليك النور خزاناته المتاه الحتم في المعارج الى القيامة، الصولة الظل, النقاء، نيئا كخصية نيئة في صفن الأزل, القرفة, الزعفرإن, العصفر، قشر الأترج, السماق, النارجيل, إلزعتر. المتاه الوقب في جمجمة الملاك المغدور. المتاه الخلية، الدورة النفاس, الأسى يصعد بجراده من الأحشاء الى الرئات المتاه الحضور الحضور الحضور". ( 21)

    (4)

    الآن, وقد قدمت هذه التأملات المكثفة للأبعاد التقنية لايقاع قصيدة النثر ولعلاقته بالايقاع السائد تاريخيا في الابداع الشعري العربي, أود أن أصل الى بيت القصيد - كما تقول العرب - وليكن بيت قصيدة النثر مجاملة، وهو أن الصراع الذي يدور في الفضاء الابداعي العربي ليس صراعا بين ايقاعات, بل صراع بين أنماط من البنى الفكرية الذهنية والتصورية، صراع عقائدي, مثل كل صراع تأويلي يحدث في الثقافات, إنه صراع بين الوحدانية والواحدية والتجانس والانسياق الاذعاني المطلق للسائد والجماعي, من جهة, وبين التعددية والحرية والتنوع والتفاوت واللاتجانس والفردانية من جهة أخرى. الطرف الأول يقول: لا يكون شعر إلا بالوزن, ولا يكون شعر إلا اذا كان على صورة التراث المقبول السائد: والطرف الثاني يقول: يكون ما لم يكن, نبدع منطلقات جديدة وأسسا جديدة ونبحر في مجاهل بكر. الطرف الأول يقول: ثمة بين واحد وحقيقة واحدة وأمة واحدة وزعيم واحد وثقافة واحدة وصوت واحد ونموذج واحد وايقاع واحد، والطرف الثاني يقول: ثمة أصوإت ولغات وأمم وزعماء وثقافات وديانات وحقائق وايقاعات متعددة كلها. الطرف الأول يتصور الثقافة والمجتمع كتلة واحدة متراصة يسودها تجانس كلي في كل شيء ويشعر برهبة صارخة أمام احتمال اكتشاف اللاتجانس, والطرف الثاني يرى الثقافات لا متجانسة متعارضة متناقضة متفاوتة متصارعة. والفاجع في ذلك كله أن كل طرف يؤمن بأن منطلقاته تنفي الآخر ومنطلقاته وأنه لا حقيقة إلا ما يراه هو حقيقة. بكلمات بسيطة، المعضلة هي وحدانية الفكر العربي السائد وايمانه بالنموذج الواحد المقصي المستثنى لكل ما عداه. ويتمثل هذا الفكر قي مؤقف الذين ينفون مشروعية قصيدة النثر لأنها لا تقوم على أوزان منتظمة تراثية، والذين يقولون إن قصيدة النثر تنفي ما سبقها من ايقاعات وأشكال- ويجب أن أعترف بأن هؤلاء أقل عددا، مع أشهم أكثر جلبة أحيانا، من سابقيهم.

     لكن ثمة تيارا ثالثا يجهر جهرا بضرورة التعدد والاختلاف والتناقض والتفاوت والفرق وبجماليات التجاور بدلا من جماليات الوحدة الانصهارية. هذا التيار يرى الثقافات لا متجانسة، ويؤمن نتيجة لذلك بأن الشرط الطبيعي هو أن تنبثق في الثقافات نماذج متعددة وأشكال وإيقاعات متباينة، وأن هذه النماذج جميعا توجد وجودا تجاوريا لا انصهاريا فيه، وأنها جميعأ مشروعة، وأنها تجسد حيوية الثقافات وثراءها وخصبها وأن الموقف الفكري الذي ينبغي أن يسود هو موقف القبول والاغناء لهذا التنوع والتعدد والفرق والاختلاف. أي أن ثمة تيارا يؤمن فعلا بديمقراطية الثقافات وبتعددها وبالحرية في الابداع والقول والتفكير وهذا التيار هو الأكثر ضمورا في فضاءاتنا الرإهنة وهو ما ينبغي أن نعمل على تنميته واثرائه.

     والوجه الآخر لما أصفه هو الايمان بأن للثقافة ايقاعا يجسد روح عصر ما أو مرحلة تاريخية ما، ولقد كتبت كتبا في موضوع "الشعر العربي وروح العصر". في هذا السياق يؤمن الطرف الأول الذي أشرت إليه سابقا، أي الذين ينكرون شرعية قصيدة النثر، أن البنية الايقاعية السائدة تاريخيا هي المجسد الفعلي لايقاع الثقافة العربية وحركة المجتمع العربي. وهم في ذلك طرفان في الواقع آولئك الذين ما يزالون يرفضون ما أسميناه الشعر الحر، وأولئك الذين تقبلوا الشعر الحر ومارسوه. غير أن تأمل علاقة الايقاع بالثقافة يكشف أن التعارض كان دائما قائما فيها خلال هذا القرن على الأقل. لقد طغى الشعر الحر بين بدايات الخمسينات والثمانينات، ولقد ساد ايقاع متفجر صاعد هذه المرحلة الى جانب ايقاع تأملي هاديء. ومثل هذين البعدين خليل حاوي وأدونيس. لكن من منظور استرجاعي الآن ينكشف لنا أن الايقاع التقليدي ظل قائما جنبا الى جنب مع الشعر الحر، وأنه لم يندثر كما خيل لكثيرين منا. ثم جاء مفصل الانكسار الكبير فانبثق الايقاع التقليدي هادرا. ومن اللاذع أنه عاد بقوة في انتاج شعراء مثل نازك الملائكة كانوا في طليعة الذين كتبوا الشعر الحر. ولم يتنبه الكثيرون منا لدلالة هذا الانبثاق الى أن بدا واضحا أن التيارات الاسترجاعية- التي نسميها خطأ الأصولية- أخذت تهدر في حياتنا المعاصرة. لقد كان الانبثاق ألايقاعي ارهاصا بليغا- كما يحدث في الابداع الشعري كثيرا وبما يكاد يشبه المعجزة- بعودة البنى الفكرية التقليدية الى البروز والطغيان. والدال أن ذلك كله حدث في الزمن نفسه الذي شهد طغيان قصيدة النثر في فضاءات متميزة. وما يعنيه هذا الأمر- لي شخصيا على الأقل- هو تجاوز المتناقضات، وتعدد خطوط الانشراخ والصراع في المجتمعات والثقافات التي نسميها عربية، وانقسام أجيال شابة على نفسها انقساما باهرا، كأن كل ما يفترض أنه مشترك، أو ما كان مشتركا، لم يعد قليلا قابلا لأن يكون مشتركا، أو كأن كل أحد صار يصر على الاندفاع في مداره الخاص، في حيز مجاور لحيزات سواه لا متداغم متواشج بها.

     هل يمثل هذا الفضاء- بل ينبغي أن أقول الفضاءات- ازدهارا للتعددية والحرية وقبول الآخر والاختلاف الاخصابي؟ أم يمثل وصول التشظي والتفتت وانقطاع الوشائج والأواصر الى ذرإها؟

     هوذا السؤال الأكثر صعوبة في حيواتنا الراهنات، السؤال الذي لا أملك جوابا عليه الآن، وكل جواب عليه هو بدوره جزء من إشكالية التأويل والعقائديات ودورها في التأويل. كل جواب ينبع من منظور عقائدي وتتحكم به انتماءات عقائدية بسوى ذلك لا أود أن أجازف بقول وأنا انتظر غودو الذي قد يأتي وقد لا يأتي لأقدم جوابا، مع أنني أرهص وأحدس بأن الجواب قد يجمع النقيضين ويقر كليهما فيصوغ بذلك منظورا جديدا متناقضا وثريا للتأويل البحتي لظواهر الثقافات ولاشكالياتها المرهقات.

    الهوامش

    1- في البنية الايقاعية للشعر العربي، دار العلم للملايين، بيروت 1974، ص 517-533.

    2- أغاني مهيار الدمشقي، صياغة نهائية، دار الآداب، بيروت 1988، ص 143.

    3- " تحولات العاشق " الآثار الكاملة- شعر، الطبعة الثانية، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت 1971، ص 113- 117.

     4- سابق ص 10.

     5- سابق ص 11.

     6- من أجل كيفية تحديد مواقع النبر على الكلمات، والأنماط المختلفة للنبر، تستحسن مراجعة كتابي في البنية الايقاعية، ابتداء من الفصل الثالث.

     7- البيت العميق، لن، ط 2، المؤلسسة الجامعية، بيروت 1984، ص 44 - 45 (ط 1 صدرت عام 1960.

    8- سابق ص 59-63.

    9- صمت قطنة مبتلة، منشورات شرقيات، القاهرة، 1995، ص 13.

     10- سابق ص 17-18.

    11- ورد,ص 100

    12- أغاني مهيار، ص 165-166

    13- "حزن في ضوء القمر" الأعمال الكاملة، دار العودة بيروت د. تا، ص22-23.

     14- مواقف ع 33، بتروت 1978، وانظر الثمن كاملا من ص 34- 45.

     15- الجواشن، دار توبقال الدار البيضاء، 1986، ص 104- 105.

     16- رجل من الربع الخالي، دار الجديد بيروت 1993، ص 10.

     17- نقد الألم دار الجديد بيروت 1982، ص 19.

     18- سابق ص 49- 50.

     19- خلاء هذا القدح، دار الجديد، بيروت 1990. ص 47.

     0 2- بحيرة المصل، منشورات الريس لندن، 988 1. ص 7.

     21- المجابهات المواثيق الأجران، التصاريف وغيرها، دار النهار، بيروت، 1997، ص 38- 0 4، 48- 49 على التوالي.

     

     
     

    كمال أبو ديب(ناقد وأستاذ كرسي الدراسات الشرقية بجامعة لندن)

     

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:40 pm