منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    حجاجية التكرار

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    حجاجية التكرار

    مُساهمة   في الثلاثاء أغسطس 27, 2013 4:39 pm


    حجاجية التكرار في "اللهب المقدس " قصيدة وتكلم الرشاش جل جلاله نموذجا".




    التفاصيلنشر بتاريخ الخميس, 11 نيسان/أبريل 2013 14:52كتب بواسطة: أ.بن يامنة سامية جامعة مستغانم"الزيارات: 587
    حجاجية التكرار في "اللهب المقدس"
    قصيدة وتكلم الرشاش جل جلاله نموذجا".
     
                                                                         أ.بن يامنة سامية
                                                                         جامعة مستغانم"
    تقديم:
    يؤكد منظرو الحجاج  على أهمية التكرار بوصفه وسيلة يرمى من خلالها عرض الخطاب عرضا حجاجيا لإبراز شدة حضور الفكرة المقصود إيصالها والتأثير بها، ونجد الشاعر يعنى بها أكثر من عنايته بسواها فهو بذلك" ذو دلالة نفسية قيّمة تفيد الناقد الأدبي  الذي يدرس النص ويحلل نفسية كاتبه، إذ يضع في أيدينا مفتاح الفكرة المتسلطة على الشاعر1.
    كما اُعتبر التكرار طريقة من طرق العرض ذات الأثر الحجاجي وهذا ما أكدّه كل من بريلمان وتتيتكا "كثرة إيراد الحكايات الدائرة حول موضوع واحد، وإن تراكمت حوله الحكايات، وكثيرا ما يصحب هذا التراكم قضية حجاجية أخرى تتوخى في العرض، هذه الإشارات إلى دقائق والوقائع المتعلقة بذلك الموضوع  تكييفا لحالة الحضور  الذي نريد أن يتسم بها موضوعنا في ذهن السامعين، ولإحداث الانفعال أيضا، فبقدر ما يكون الموضوع مخصوصا يكون أبعث على الانفعال"2.
    1-مفهوم التكرار في التراث العربي والغربي:
    ولتبيّن هذا الأثر الحجاجي لا بد لنا من الولوج إلى معرفة ماهية هذا المصطلح، فإذا ما عدنا إلى المعاجم اللغوية، نلمح أنّ التكرار مصدر "كرر" إذا رددوا أعاد، وهو "تفعال" بفتح التاء، وليس بقياس، والمصدر القياسي هو التكرار؛ وقال الكوفيون : هو مصدر فعل والألف عوض عن الياء في التفعيل.إن مصطلح التكرار مصطلح عربي كان له حضوره عند البلاغيين العرب القدامى فهو في اللغة من الكر بمعنى الرجوع.ويأتي بمعنى الإعادة والعطف يقول ابن منظور:الكرّ:الرجوع يقال كرّه وكرّ بنفسه…والكر مصدر كرّ عليه يكرُّ كراً وكروراً وتكراراً:عطف عليه وكرّ عنه: رجع… وكرر الشيء وكركره: أعاده مرة بعد أخرى. فالرجوع إلى شيء وإعادته وعطفه هو تكرار، وقد يأتي تصريف آخر بمعنى التكرار وهو التكرير يقول الجوهري (393هـ) الكرّ الرجوع، يقال: كرّه وكرَّ بنفسه يتعدى ولا يتعدى وكررت الشيء تكريراً وتكراراً(3).أما في الاصطلاح فهو تكرار الكلمة أو اللفظة أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة إما للتوكيد أو لزيادة التنبيه أو التهويل أو للتعظيم أو للتلذذ بذكر المكرر.
    والتكرار لا يقوم فقط على مجرد تكرار اللفظة في السياق الشعري، وإنما ما تتركه هذه اللفظة من أثر انفعالي في نفس المتلقي، وبذلك فإنه يعكس جانباً من الموقف النفسي والانفعالي، ومثل هذا الجانب لا يمكن فهمه إلا من خلال دراسة التكرار داخل النص الشعري الذي ورد فيه، فكل تكرار يحمل في ثناياه دلالات نفسية وانفعالية مختلفة تفرضها طبيعة السياق الشعري، ولو لم يكن له ذلك لكان تكراراً لجملة من الأشياء التي لا تؤدي إلى معنى أو وظيفة في البناء الشعري، لأن التكرار إحدى الأدوات الجمالية التي تساعد الشاعر على تشكيل موقفه وتصويره ولابد أن يعتمد التكرار بعد الكلمة المتكررة حتى لا يصبح التكرار مجرد حشو، فالشاعر إذا كرر عكس أهمية ما يكرره مع الاهتمام بما يعده حتى تتجدد العلاقات وتثرى الدلالات وينمو البناء الشعري4. وهذا ما دفع بعض البلاغيين إلى النظر لظاهرة التكرار من زاوية أخرى، إذ رأوا أن التكرار قد يقع في المعنى دون اللفظ، فيري ابن الأثير(637هـ) أن التكرار قسمان: "أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى والآخر في المعنى دون اللفظ، فأمّا الذي يوجد في اللفظ والمعنى كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: أطعني ولا تعصني فإن الأمر بالطاعة هو النهي ،كما نعد  ابن الأثير من أهمّ النقاد القدماء الذين أدركوا دقة المأخذ في هذا النوع من أنواع  البيّان ووعورة المسلك فيه:"فقال واعلم أنّ هذا النوع من مفاتل علم البيان وهو دقيق المأخذ"5.
    والحق أنّ العرب القدماء قد التفتوا إلى هدا المظهر من المظاهر البيانية مدركين أهميته في تماسك النص وتقوية المعنى؛ ويعزز ذلك الرضي بقوله" التكرير ضم الشيء إلى مثله من اللفظ مع كونه إياه في المعنى للتأكيد و التقرير"6
    وقد نحصر له جملة من المفاهيم ونجملها في الأفكار التالية:
    1-التكرار- ويسمى أيضا بالتكرير والتّرديد و التّرداد-وظائف خطابّية عدّة، عبّر عنها بالإفهام الإفصاح7، وتوكيد الكلام والتشييّد من أمره، وتقرير المعنى وإثباته8.
    2-ليس التكرير محض وقوع للفظ في الكلام أكثر من مرّة، أو صياغة المعنى الواحد أكثر من مرة.
    3- ارتباط بعض حالات التكرار بدرجة التأثير على سلوك المتلقي وحتى توجيهه، وهذا ما أكده ابن الأثير؛في قوله"إذا صدر الأمر من الآمر على المأمور بلفظ التكرير مجرّدا من قرينة تخرجه عن  وضعه، ولم يكن مؤقتا بوقت معيّن، كان ذلك حثّا له على المبادرة إلى امتثال الأمر الفور، فإنّك إذا  قلت لمن تأمر بالقيام: (قم، قم، قم)، فإنما تريد بهذا اللفظ المكّرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة"9
    أمّا إذا ما التفتنا إلى مفهوم التكرار في النقد الغربي؛ فنجد مصطلح التكرار مرتبط بالدراسات الأسلوبية «    Repetition وقد يستخدمون أحيانا مصطلح Recurrence ، ولكنّا نجد المصطلح الأول أكثر استعمالا وشمولا في معجمات الأدب، وهو في أغلبها ومعظمها يعنون به تكرار أي عنصر من عناصر النص الأدبي؛ وهو أنواع كثيرة قد يشمل تكرار الصوت  Syllables و الكلمات، والعبارات، والمقطوعات الشعرية، والأوزان العروضية. والأفكار والإلماع والنسق ويعدون تجانس الحركات والقوافي في الشعر والفواصل في النثر والايقاع الداخلي...والأصوات ذات الجرس المعبّر أكثر أنماط التكرار شيوعا في الأدب الأوروبي)10
    لقد تبدى لنا من خلال تتبعنا لمفهوم التكرار لدى العرب والغربيين أنه ظاهرة لغوية يلتجأ إليها الكاتب أو الشاعر أو المتحدث في كتاباته لتحقيق مقاصده ، بل عد وما يزال أسلوبا تعبيريا قد يستعين به صانع الكلام ليصور مثلا درجة انفعاله في فرح أو ليجسد عمق ألمه وجرحه أو غيرها.  كما قد يمثل( أحيانا المفتاح الدلالي للدخول إلى أفق خصوصه الشعرية لإيصاله الوثيق بالتصوير الفني.
    2-ظاهرة التكرار في الشعر العربي:
    تتشكل ظاهرة التكرار في الشعر العربي بأشكال مختلفة متنوعة فهي تبدأ من الحرف وتمتد إلى الكلمة وإلى العبارة وإلى بيت الشعر وكل شكل من هذه الأشكال يعمل على إبراز جانب تأثيري خاص للتكرار.وتجدر الإشارة إلى أن الجانب الإيقاعي في الشعر قائم على التكرار، فبحور الشعر العربي تتكون من مقاطع متساوية والسر في ذلك يعود إلى أن التفعيلات العروضية متكررة في الأبيات فمثلاً في بحر الرجز: مستفعلن مستفعلن، مستفعلن. هذا بالإضافة إلى أن التفعيلة نفسها تقوم على تكرار مقاطع متساوية. إن هذا التكرار المتماثل أو المتساوي يخلق جواً موسيقياً متناسقاً، فالإيقاع ما هو إلا أصوات مكررة وهذه الأصوات المكررة تثير في النفس انفعالاً ما "وللشعر نواح عدة للجمال أسرعها إلى نفوسنا ما فيه من جرس الألفاظ وانسجام توالي المقاطع وتردد بعضها بقدر معين وكل هذا ما نسميه بموسيقى الشعر. وقد أشار إلى هذا الناقد ريتشاردز بقوله "فالإيقاع يعتمد كما يعتمد على الوزن الذي هو صورته الخاصة على التكرار والتوقع"11،وتشير نازك الملائكة" إلى هذه الظاهرة في الشعر العربي وبينت أن التكرار في ذاته ليس جمالاً يضاف إلى القصيدة وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة خادعة فهو على سهولته وقدرته في إحداث موسيقي يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري، فهو يحتوي على إمكانيات تعبيرية تغني المعنى إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه ويستخدمه في موضعه وإلا فإنه يتحول إلى مجرد تكرارات لفظية مبتذلة ،كما أشارت إلى أنواع التكرار وحصرتها في تكرار الكلمة والعبارة والمقطع والحرف وترى أن أبسط أنواع التكرار تكرار كلمة واحدة في أول كل بيت من مجموعة أبيات متتالية في قصيدة، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يلجأ إليه صغار الشعراء ولا يعطيه الأصالة والجمال إلا شاعر موهوب حاذق يدرك المعول لا على التكرار نفسه وإنما ما بعد الكلمة المكررة12.
    3-حجاجية التكرار في قصيدة:" وتكلم الرشاش جل جلاله":
    القصيدة التي بين أيدينا كتبها مفدي زكريا في ذكرى احتلال الجزائر "يوليو" (تموز)،1830-1959.، إذ حاول فيها شاعر الثورة أن يقنع الرأي العام بعظمة الثورة الجزائرية التي تفجرت بقوة الرشاش، والتي نلمح فيها توظيفا للتكرار؛وذلك لما يوفره من طاقة مضافة إلى الحجج فتؤثر على المتلقي، وتساعد على إقناعه أو حمله إلى الإذعان. كما أنّ التكرار يفيد التأكيد وترسيخ الفكرة في ذهن المتلقي بعد تبليغه وإفهامه.
    وبهذا عد التكرار وما يزال أسلوبا تعبيريا قد يلجأ إليه معظم الشعراء ليصوروا درجة انفعالهم،  كما قد يمثل( أحيانا المفتاح الدلالي للدخول إلى أفق الخصوصة الشعرية لإيصاله الوثيق بالتصوير الفني).
    أ-دلالة العنوان:
    فالعنوان هو مفتاح للقصيدة والعنصر،و الإطار الأول فيها، أمّا مسألة الإطار الواردة فتتوقف على التأويل أو القراءة. فالعنوان الذي ارتضاه شاعر الثورة  مفدي زكريا "وتكلم الرشاش جل جلاله" هو بمثابة العتبة التي توحي بقداسة وعظمة هذه الثورة التي يبتغيها الشعب الجزائري والتي لا بديل عنها، ورمز إلى هذه الأخيرة بالرشاش.ومن هنا نستطيع القول بأنّ هناك قراءة ضمنية تنسجم مع التحليل الحجاجي الذي سوف يستبان من خلال توظيف تقنية التكرار، وتظهر هذه القراءة في وعيد المستعمر بالرشاش وبالمقاومة إلى آخر نفس، وقراءة ثانية توحي وتعبر عن الألم والظلم القهر الذي عانته الجزائر الأم؛وهذه العبارات تبين ذلك وهي أكباد من التي تتفطر"، القلوب، الرؤوس ،المذابح، المشنقة وغيرها.
    ب-الرابط الحجاجي :
    لقد وظف الشاعر مجموعة من الروابط الحجاجية ، وكررها في كامل ثنايا القصيدة؛ بحكم أنّ الرابط الخجاجي إذا تكرر في أيّ نص شعري،  قد يساهم في جعله منسجما إن بنائيا وإن تداوليا وحجاجيا لذا  فنحن لا نتكلم ههنا عن ظاهرة التكرار المولد للرتابة والملل، أو التكرار المولد للخلل والهلهلة في البناء، ولكنه التكرار المبدع الذي يدخل ضمن عملية بناء النص أو الكلام بصفة عامة ،إنّه (التكرار الذي يسمح لنا بتوليد بنيات لغوية جديدة باعتباره أحد ميكانيزمات عملية إنتاج الكلام) 13
    1_تكرار الاستفهام:
    يعد الاستفهام من أهمّ الأفعال اللغوية التي قد يوظفها المتكلم لأغراض إقناعية وحجاجية، وقد استعمل مفدي زكريا في قصيدته  اسم استفهام من" في بدايتها وكرره ، إذ قال:
    أكباد من.. ؟ هذي التي تتفطر..؟    ودماء من ..؟ التي تتقطر؟
    وقلوب من..؟  هذي التي أنفاسها    فوق المذابح للسما ، تتعطر؟
    ورؤوس من..؟ تلك التي ترقى إلى    حبل المشانق، طلقة تتبختر؟
    ومن الذي..؟ عرض الجزائر شبّها    من كل شاهقة، لظىّ تتعّسر؟
    وقد أسهم هذا الاستفهام في الربط بين هذه المعاني التي تفصح بكل ألم عن معاناة الشعب الجزائري من ظلم الاستعمار الغاشم وتلذذه في تعذيب المواطنين ، هذا الظلم الذي أبكى القلوب و أحرق أكباد الأمهات من جهة، وحيرّ عقول المتفرجين وتساءلوا أهذه جهنم أم أرض شعب  أراد الحياة فستجاب له القدر وتصدى لهذا المستعمر.
    كما وظف أداة أخرى وهي" الهمزة"" وهل"؛ فالهمزة تظهر في قوله:
    أجهنمّ....هذي التي أفواهها         من كل فجّ ، نقمةّ تتفجر!!
    أم أرض ربك، زلزلت زلزالهاّ         لما طغى ،في أرضه، المستعمر؟
    والاستفهام ههنا لا يراد به الإجابة بنعم أو لا؛ وإنما طرح هذا السؤال يعتبر فعلا كلاميا غير مباشر يرمي من خلاله الشاعر تهويل الوضع  الذي يعيش فيه الشعب الجزائري، من جهة والبركان الذي تفجر من شدة الطغيان من جهة أخرى.
    وأداة الاستفهام هل في قوله:
    هل جئت يا "يوليو" تذكرّنا الأسى؟   عهدي بنا ، طول المدى نتذكر...!
    وقد أقرّ الاستفهام ههنا حجة تقريرية بأنّ شهر "يوليو" سيبقى راسخا كرسوخ الجبال الشامخة في قلوب وعقول الجزائريين.
    بالإضافة إلى أداة الشرطية:
    والغاضبون ، العابثون، إذا هم        سمعوا الحديث،من الحديد تدبروا..!
    والعزل، والمستضعّفين ، إذا هم        تركوا القيادة للرصاص، تحرروا..!
    والذكريات، وإن تقادم عهدها        في أمة ، أشباههـا تتـكـر .....
    2- تكرار رابط الوصل:
    يعتبر هذا الرابط بمثابة  الجامع بين الجمل ، كما أنّ لكل رابط  معنى يحدد وظيفته بالإضافة إلى السياق الذي يكون فيه وهذا ما وضحه" عبد القاهر الجرجاني"(ت471هـ) حين تحدث عن الروابط سواء أكانت عن طريق الوصل أم الفصل قائلا: "فليس الفضل للعلم بأن "الواو" للجمع، والفاء للتعقيب بقير تراخ، و"ثم" بشرط التراخي، وإن لكذا، وإذا لكذا، ولكن لأن يتأتى لك ذلك إذا نظمت شعرا، وألفت رسالة أن تحسن التخيّر، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه"14
    والوصل Conjonction"هو:" تلك العلاقة المنطقية تتمثل في تكوين قضية مركبة انطلاقا من قضيتين بسيطتين بواسطة الرابط "و" مثلا"15، وهذا ما عززه أكثر فان ديك Van Dijk" حيث اصطلح عليها بمصطلح "روابط الوصل التشريكي"، أمّا الوظيفة المخول إليها فهي "تكوين جمل مركبة من جمل بسيطة، وعلى ذلك فعمل هذه الروابط هو حصول الإجراء الثنائي"16
    ومن أبرز الروابط الغالبة في القصيدة هي" الواو" وغالبا ما توظف هذه الواو للعطف وتفيد إشراك معاني متعددة في حكم واحد وكذا الجمع بينها وهذا ما وجدناه ماثلا في هذه الأبيات:
    و "الأطلس الجبار" بتّ قراره          فاندكّ منه " الأطلس" المتجبرّ
    والشعب أسرع للشهادة عندما         :اداه" عقبة" للفداء "وحيدر"!
    وتكلم الرشاش، جل جلاله..!!         فاهتزّت الدنيا، وضجّ النيّـر!
    وتنزلت آياتــه، لهابــة      لواحة، أصغى لها المستهـر
    والنار، للألم المبرح  ، بلسم           يكوى بها العظم الكسير،فيجبر
    والنار في "مس الجنون" عزيمة          يصلى بها المستعمر المتكــر
    والغاضبون ، العابثون، إذا هم        سمعوا الحديث،من الحديد تدبروا..!
    والعزل، والمستضعّفين ، إذا هم        تركوا القيادة للرصاص، تحرروا..!
    والذكريات، وإن تقادم عهدها        في أمة ، أشباههـا تتـكـر .....
    وكل هذه الأبيات تدل على مثابرة الشعب وتلبيته لنداء الواجب بالالتحاق بالثورة ، والإسراع لحمل الرشاش فاحتضنه الأطلس الجبار وحماه من نيران الجيش الفرنسي، كماحمسه للمحاربة ، هؤلاء الفدائيين ورمز إليهم باسم أحدهم "حيدر"،  فاستطاعوا أن يوقظوا كل مستضعف وخائف وحثوه على الحرب والصبر، فكانوا أجمل صورة كتبتها الذكريات من حروف من ذهب. وما نلحظه من هذه الأبيات أنّ كل معنى فيها ارتبط بمعنى جوهري هو الرشاش .
    كما نجد الواو في الأبيات التالية:
    والسلم ، سرّ للنذالة ،باسمها        توتى (الشرور) ، ويستباح المنكــر
    والناس في الأطماع، يأكل بعضهم     بعضا ، ويبتلع الضعيف الأكبــر
    والجرح ، لا يطوى على علاته       والدهر يقبل كالحظوظ ويدبـــر
    ويح القويّ من الضعاف، إذا هم     يوم القصاص، على  الطغاة، تنمروا!
    وإذا الجزائر بالسلاح استعبدت      فمصيرها ، بسلاحـها ، يتــقرر
    حاول شاعر الثورة من خلال تكرار العطف التبيين للرأي العام أنّ ما أخذ بالسلاح يسترجع بالسلاح لكنّه لم يقلها بشكل واضح بل تسلسل في تقديم حججه وربطها بمجموعة من المعاني التي توحي بذلك وكلّها تومئء بدرجة الجرح الذي عشش في قلب الجزائر الأم.
    3- التكرار اللفظي:
    كما نجد الشاعر استعمل نوعا آخر من التكرار وهو "التكرار اللفظي"، لما له من"وقع في القلوب وأثر بليغ في الأسماع والأذهان ممّا يجعله رافدا مهمّا للحجاج في الأبيات الشعرية ولكن الشاعر مطالب في كلّ الأحوال يحسن الصيّاغة والقدرة على إحلال اللّفظ المكرّر أو التركيب المستعاد محله المناسب في البيت فلا ينقلب التكرار عندها إلى عيب يشين البيت"17، لقد كرر الشاعر مفدي زكريا جملة من الألفاظ في قصيدته، كان من أهمّها كلمة الجزائر في الأبيات التالية:
    أرض الجزائر، والسماء، تحالفا         فاختلطّ حلفهما النجيع الأحمر
    غضب الجزائر ذاك..؟ أم أحرارها    ذكروا الجراح، فأقسموا أن يثأروا؟
    و تكرار كلمة الأطلس في قول الشاعر:
    سر"الأطلس الجبّار" بتّ قراره          فاندكّ منه " الأطلس" المتجبرّ
    لقد صرح شاعر الثورة بلفظتي "الأطلس الجبّار"و"الأطلس المتجبّر"وكل منهما تحمل بين طياتها معنيين متعارضين تماما؛الأطلس الجبار وهو المكان الذي اجتمع فيه صانعوا القرار وهو محاربة الاستعمار الظالم ودقوا فيه ناقوص الثورة، و"الأطلس المتجبر" وهو الرجل القوي الشجاع المجاهد الذي سيجاهد من أجل تحرير الجزائر الأم؛ و كل هذا سمح بتوليد نتيجة مقنعة وقوية في الآن نفسه، ألا وهي عظمة الثورة التحريرية الجزائرية.
    كلمة النار:
    والنار، للألم المبرح  ، بلسم           يكوى بها العظم الكسير،فيجبر
    والنار في "مس الجنون" عزيمة          يصلى بها المستعمر المتكــر
    قد استند الشاعر على تكرار "كلمة النار"، لإرادة معنى خاص استلهمه من هذه المفردة التي تدل على دلالتين مختلفتين دلالة النار الحقيقية التي تلهب وتحرق من يصلب بها، والنار بمعنى القوة والسلاح التي حمت الشعب الجزائري وحفزته على التصدي للاستعمار الفرنسي.
    وتكرار الفعل "سل" تلاث مرات متتالية في هذه الأبيات:
    سل النسوة ،فيها ذبحن ، ورضعا    واسأل صبايا ، فكّ عنها  المنــزر...
    وسل المدارس ، كيف دكّ بناؤها    وانظر إلى الأحرار، فيها تقـــبر...
    وسل الحرائق ، في لظى نيرها        مهج الكرام، اصّعّدت تتبخــــر
    و قد عد هذا الفعل -سل- فعل كلامي ينتمي إلى الأمريات بتصنيف أوستن ، يقوم على حمل المتلقي على الإذعان للانجازات المطلوبة، فالشاعر هنا قد اختزل لنا حقيقة أكيدة، تؤكد لنا مدى عذاب كل فرد في هذه الأرض المعطاءة التي أنجبت شعبا قويا صار يضرب به المثل في ثورته.
    خاتـمة:
    كل ما نستطيع إجماله في هذه اللحظة الشعرية التي سبحنا فيها وحاولنا الغوص في هذه القصيدة الشعرية المميزة لشاعرنا المعطاء مفدي زكريا، أنّ ظاهرة التكرار الماثلة في قصيدته وتكلم الرشاش جل جلاله" قد حققت حجاجا كسا كل أبيات القصيدة، فجملها وزينها إن صح التعبير ، كما أضاف إليها طاقة خلاقة أغرت المتلقي ، ممّا تجعله ينبهر بالثورة الجزائرية من جهة، وبعظمة شعب قهر وظلم وعذب ونكل به  لكنّه صمد في وجه هذا العدو الغاشم، لكن ما يصدر الإشارة إليه أن كل هذه الروابط الحجاجية المستعملة ساعدت على ذلك.
    الإحالات:
    1-ظواهر أسلوبية في شعر بدوي الجبل، عصام شرتج، دمشق، إتحاد كتاب العرب، 2005، ص 7.
    2-ينظر ابراهيم عبد المنعم  ابراهيم، بلاغة الحجاج في الشعر العربي، شعر ابن الرومي نموذجا، مكتبة  الآداب القاهرة ، الطبعة الأولى، 2007م، ص102-103.
    3- انظر تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري (مادة كرر)، وقاموس المحيط للفيروزآبادي (مادة كرر ).
    4- الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي ، مدحت سعيد الجيار ،  الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للكتاب، ليبيا، 1984م ، ص47.
    5-ينظر ابن الأثير ، المثل السائر، الدار العلمية  دت، ص 211.
    6-شرح الكافية في النحو، بيروت ، الدار العلمية، دت،ج1،ً15.
    7-ينظر ابن الأثير، ج3، ص 20 ،29.
    8-المصدر نفسه؛ ج3، ص17.
    9-المصدر نفسه، ج3، ص3.
    10-نجوى محمود صابر،دراسات أسلوبية وبلاغية، الاسكندرية، دار الوفاء، 2008، ط1،ص9.
    11- موسيقى الشعر، د. إبراهيم أنيس، ص8.
    12-  ينظر قضايا الشعر المعاصر، ص 236 وما بعدها.
    13-أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، لبنان، مؤسسة الرحاب الحديثة، 2010، ص48.
    14-دلائل الإعجاز، تعليق محمود محمد شاكر، القاهرة، مكتبة الخانجي، ص250.
    15- آن ربول جاك ،مزشلار: التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس، محمد الشيباني، المنظمة العربية للترجمة، 2003 ،ص 276.
    16- النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، تر عبد القادر قنيني، المغرب، افريقيا الشرق، 2000،ص38.
    17- سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، الأردن، عالم الكتب  الحديث،ىط1، 2008، ص171.6
    المصادر والمراجع:
    1-إبراهيم عبد المنعم إبراهيم، بلاغة الحجاج في الشعر العربي، شعر ابن الرومي نموذجا، مكتبة  الآداب القاهرة ، الطبعة الأولى، 2007
    2-د. إبراهيم أنيس،موسيقى الشعر،القاهرة، دت.
    3-ابن الأثير، المثل السائر ، الدار العلمية، دت.
    4-أبو بكر العزاوي، الخطاب والحجاج، لبنان، مؤسسة الرحاب الحديثة، 2010
    5-عصام شرتج -ظواهر أسلوبية في شعر بدوي الجبل،  دمشق، إتحاد كتاب العرب، 2005.
    6-مدحت سعيد الجيار، الصورة الشعرية عند أبي القاسم الشابي ،  الدار العربية للكتاب والمؤسسة الوطنية للكتاب، ليبيا، 1984م .
    7-شرح الكافية في النحو، بيروت ، الدار العلمية، د.ت.
    8-نجوى محمود صابر،دراسات أسلوبية وبلاغية، الاسكندرية، دار الوفاء، 2008، ط1.
    9- عبد القاهر الجرجاني ،دلائل الإعجاز، تعليق محمود محمد شاكر، القاهرة، مكتبة الخانجي، ص250.
    10- آن ربول جاك ،موشلار: التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس، محمد الشيباني، المنظمة العربية للترجمة، 2003.
    11- فان ديك، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، تر عبد القادر قنيني، المغرب، افريقيا الشرق، 2000.
    12- سامية الدريدي، الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، الأردن، عالم الكتب  الحديث،ط1، 2008،
    13- مفدي زكريا ،اللهب المقدس، الجزائر ، موفم للنشر والتوزيع، 2006،ط4.
     
     

    • < السابق 
    • التالي >



      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 5:00 pm