منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    دراسة سيميوطيقية

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    دراسة سيميوطيقية

    مُساهمة   في الخميس نوفمبر 07, 2013 3:58 pm

    [center]#cc3333]]دراسات عن البردوني
    الكناية في شعر البردوني ديوان (السفر إلى الأيام الخضر) أنموذجاً دراسة سيميوطيقية
    دراسة وإعداد : عبد الله حمود الفقيه
    المقدمة :
    لكلِّ شاعر من الشعراء طرائقه في تشكيل النص، كلٌّ حسبَ رؤاه، وأفكاره، وقدرته على الخلق والإبداع، والتعامل مع أنظمة اللغة بما يسمح في إنتاج نصوصٍ تمتطي صهوة الإبداع، ولتسمو وترتفع درجاتٍ عُلا في معراج الشعريّة. والشاعر عبد الله البردّوني أحد أولئك الشعراء العظام، الذين استطاعوا، ببراعة وعبقرية، أن يجمعوا بين الأختين: ( الأصالة، والمعاصرة )
    ، مستخدماً تقنيات عِدّة،وأدوات متنوعة، في إنتاج الدلالات الإيحائيّة، وبثّ الشعرية روحاً نابضاً يسري في جسد النص فيهبه الخلود.
    والنظام الكنائيّ أحد الأنظمة الفاعلة في النصِّ الأدبيّ، التي تعطيه حيويّةً وثراءً، وتكثيفاً دلاليّاً وجماليّاً في آن؛ إذ إنّه إقصاءٌ للمعاني المباشرة للدوال،والتحّول عنها إلى دلالات إيحائية عميقة، ما يجعل المتلقيّ يشعر بلذّة في رحلته الفضائية، في الكون النصي ، لاستكشاف تلك الدلالات الغائبة، السابحة في فضائه الواسع.
    ويهدف البحث، فيما يهدف إليه، إلى تسليط الضوء على الصورة الكنائيّة في شعر البردونيّ، من خلال النظر العميق، المتأنّي في ديوانه الخامس : " السفر إلى الأيام الخضر" ، لمحاولة التعرّف على كيفية إنتاج الدلالة في النظام الكنائي، في الديوان، بالتأمل في الأنظمة العلاقية التي تربط الدوال بمدلولاتها، والسياق القوليّ للنص الكنائي، مستفيدا ًمن معطيات الدرس السيمولوجيّ الذي " يتركز على فعاليات العنصر اللغوي داخل جملة من السياقات الترابطيّة يحددها البحث في الأنظمة الدلاليّة للشفرات،وكيفيّة إنتاجها للمعنى "[1]،ويقوم " بتحرير النص من المواصفات والقواعد والقيود عن طريق فتح مجالات الخيال والتفاعل مع إشارات اللغة الشعريّة وعلاماتها ".[2]؛ ذلك أنّ " السيمولوجيا – كمنهج – نقدي- تطوير للمفاهيم اللغويّة والتقنية والأدبية، لتجعلها قادرة على احتضان التوليفات الإبداعية الجديدة التي تدخل فيها الأشياء في نسيج مع الكلمات، والشخوص لتحقيق عمل إبداعيّ فنيّ "[3]
    ولأن الظاهرة، موضع الدرس، قد مثلتْ أحد الملامح الرئيسة في تشكيل البثّ الشعري لدى الشاعر؛ فقد آثر الطالبُ أن تكون موضوعاً للبحث، إضافة إلى ما يفتحه البحث من آفاق رحبةٍ للاطلاع، وتوسيع المدارك القرائية، والمعرفية. خاصة أنّه .. على حد علم الطالب­- لم يسبق أن تناول أحدٌ هذه الظاهرة في شعر الشاعر ( البردونيّ ) تناولاً متكاملاً، وعلى ضوء المنهج السيميائي.
    وقد واجهتُ صعوبات شتّى في البحث ، لعلّ أهمها عدم عثوري على الكثير من المصادر والمراجع التي تناولتْ الكناية في ثناياها خاصة وفق المنهج السيميائي.
    والحقيقة أني واجهتُ الكناية، وبناءها، في أماكن عدة، أهمها المكتباتْ؛ إذ دائماً ما كنتُ أحصلًُ على المدلول المرجعيّ ( اسم المصدر ) في الفهرس،لكني أظلُّ باحثاً – في المقابل – على المدلول الإيحائي المغيّب، على مستوى الوجود المادي، في المكتبة.
    ومن الصعوبات التي واجهتها كذلك : الكثافة الإيحائية التي يشكل الشاعر مادتها على أساس من التداخل والتعالق والتعامد العلاميّ، والتراكم المعرفي والثقافي، والتشتتْ الدلاليّ، بحيث يصعب التعرّف إلى دلالاتٍ واضحة أكيدة. وكان تقسيم البحث على أساس من التالي:-

    1.المبحث الأول: ويشتمل على الآتي:
    - تعريف الكناية وأقسامها عند البلاغيين القدماء- العرب- وبعض المحدثين.
    2. الكناية من حيث : البساطة والتركيب.
    3. الكناية من حيث التمركز و( اللاتمركز).

    - خاتمة : تشتمل على أهم النتائج التي خلص إليها البحث .
    - قائمة بالمصادر والمراجع التي أفاد منها البحث.

    وإذ أتمنى أن ْ أكونَ قد وفقتْ في بحثي هذا، أتقدم بالشكر الجزيل إلى أستاذي الفاضل
    د/ عبد الله البار ، الذي أفادنا كثيراً ، من منذ المستوى الأول حتى اليوم ، وسنظل إن شاء الله نفيد منه إلى ما شاء الله .
    وإلى أستاذي أ/ محمد الكميم لما أفادني من مراجع ، ومعلومات قيّمة ، وإلى كل من مدّ يد العون والمساعدة لي ، في بحثي .
    والشكر لله تعالى أولاً وأخيرًا.

    1-1 الصورة الكنائية في الدرس البلاغي القديم: -
    لم يقف الدرس البلاغي القديم عند مفهوم واحد جامع مانع لمفهوم – وماهية الكناية – بل تناهبتها الآراء، وتناوشتها وجهات النظر؛ فتعددتْ – تبعاً لذلك – المفهومات، وتشعبت – تبعاً لتغيير زوايا النظر- التقسيمات و التفريعات،وتعدى الأمر ذلك إلى الاختلاف في المصطلح ذاته، فتنقلتْ بين مسميات عدة ، فمن الإرداف إلى التتبيع والتجاوز،إلى آخر ما هنالك من ذلك، كما اخُتلف في علاقة الكناية بغيرها من الصور البلاغية الأخرى، وتقاطعها وتداخلها معها، وغير ذلك مما يجده المتأمل في كتب البلاغة العربيّة. ولا بأس من الوقوف على عجالة، عند بعض تلك الأراء والنظريات الأشتات.
    - أورد قدامة بن جعفر الكناية بمسمى (الإرداف) الذي أدرجه ضمن ما أسماه بـ (ائتلاف اللفظ والمعنى ) وعرفها بقوله " أن يريد الشاعر دلالةً على معنى من المعاني، فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ يدل على معنى ردفٌ له وتابعٌ له، فإذا دل على التابع أبان عن المتبوع"،[4] فهي ، على ذلك، انتقالٌ بالمعنى من ظاهر اللفظ إلى مضمره، وهو تاليه، أو ملازمه في المعنى ففي قولهم ( بعيدة مهوى القرط )" إنما أراد أن يصف طول الجيد فلم يذكره بلفظه الخاص به، بل أتى بمعنى هو تابع لطول الجيد وهو بُعد مهوى القرط"[5]
    فثمة تحوّلٌ عن المعنى القريب ( المرجعيّ)، الذي يشير إليه اللفظ إشارةً مباشرةً، إلى معنى بعيد ( إيحائي ) يُتوصّل إليه بواسطة المعنى الناتج عن اللفظ المذكور،( المرجعيّ ).
    ومثل ذلك ما ذكره الجرجانيّ في تعريفه للكناية بأنها :
    " أنْ يريد المتكلّم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلاً عليه"[6] ، فهي
    ( الكناية ) تلازمٌ بين معنيين،يدلُّ أحدهما على الآخر، معنى تنتجه القراءة الخطية للدال، وهو المعنى الحقيقي، يتمّ تجاوزه- لعدم القصد إليه-إلى المعنى الكنائي، المقصود بالكلام، فالمعنى الأول ليس إلا أداة توصيل، تؤدي بالضرورة دور الوسيط بين اللفظ ومعناه الإيحائي، بسبب من الارتباط الوثيق بينهما ( أي: بين المعنى ومعنى المعنى ).
    ولعلّ في تعريف السكاكي لها أكثر إيضاحاً؛ إذ يعرِّفها بأنها : " ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه، ليُنتقل من المذكور إلى المتروك كما نقول: " فلانٌ طويل النجاد، لينتقل منه إلى ما هو ملزومه،وهو طول القامة، وسمي هذا النوع (كناية ) لما فيه من إخفاء وجه التصريح"[7]. ولكنّ المختار في تعريفها عند العلويّ في الطراز،"أن يقال : هي اللفظ الدال على معنيين مختلفين، حقيقةٍ ومجاز، من غير واسطةلا على جهة التصريح".[8]
    ويظهر من ذلك ارتباط الدال بمدلولين مختلفين من حيث حقيقة أحدهما، ومجازيّة الآخر، ولكنهما _ على ذلك – متساويان من حيث احتمال اللفظ لهما معاً _ في القصديّة).
    وهنا تبرز قضيّة أخرى، من القضايا التي ارتبطتْ بالحديث عن الكناية، وانشغل بها الدرس البلاغيّ سنوات طوالاً، تتمثّل في مجازية الكناية، وموقعها بين الحقيقة والمجاز؛ فمن الدارسين من أنكر مجازيتها، كما فعل الفخر الرازي، الذي يرى أنها " عبارة عن أنْ تذكر لفظة، وتفيد معناها معنى ثانياً هو المقصود، وإذا كانتْ تفيد المقصود بمعنى اللف*ظ فيجب أن يكون معناه معتبراً، وإذا كان معتبراً، فما نقلت اللفظة عن موضوعها، فلا يكون مجازاً ".[9]
    ويفرّق دارسو البلاغة بين الكناية والمجاز من زاويتين:
    1. أن المجاز لا يحتمل سوى معنى واحد هو المعنى المجازي؛ لوجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، على العكس من الكناية التي تحتمل المعنيين معاً.
    2. يُنتقل في الكناية من لازم المعنى إلى ملزومه، وعلى العكس منها المجاز؛ إذ يُنتقل فيه من الملزوم إلى اللازم.
    ومن ناحية تقسيمهم للكناية، فالزوايا عديدة، والتقسيمات مختلفة ، ومن ذلك الآتي:
    1. من حيث المكنّىعنه: وتحته ثلاثة أقسام:
    1-2 كناية يُطلب بها نفس الصفة وهي ضربان:
    أ‌. قريبة: وفيها يتمّ الانتقال إلى المطلوب انتقالاً مباشراً كالانتقال من (طول النجاد)
    – المعنى الأول ( غير المطلوب ) إلى (طول القامة) _ المعنى المطلوب – في مثل قولهم عن فلان إنه " طويل النجاد ".
    ب‌. بعيدة :وفيها تتعدد الانتقالات الدلاليّة بين المعنيين الحقيقي، والمجازي، فنكون أمام سلسلة مترابطة من اللوازم المؤدية إلى المعنى المقصود من التعبير الكنائي الملفوظ، ومثالهم المشهور على ذلك : الكناية (بكثير الرماد ) عن الكرم؛ إذ تتضامُّ اللوازم، وتتعدد الإحالات قبل الوصول إلى مدلول (الكرم) في البنية العميقة، فتتكون السلسلة الآتية :
    ( كثير الرماد) كثرة إحراق الحطب كثرة الطبخ كثرة الضيوف الجود والكرم.
    1-2 كناية يُطلب بها نفس الموصوف: وتضمّ ضربين كذلك هما:
    أ‌. قريبة : كما في قول الشاعر:
    الضاربين بكلِّ أبيض مخذم والطاعنين مجامع الأضغان
    فقوله : ( مجامع الأضغان ) صفة يكنى بها عن موصوف تحيل إليه يتمثل في ( القلوب) على المستوى العميق.
    ب‌. بعيدة: وفيها تُضم مجموعة من الصفات التي تحدد_ بجملتها – الموصوف الذي تحيل إليه. كمثل القول عن الإنسان إنه: ( حي،مستوى القامة، عريص الأظفار)، فمجموع هذه الصفات تحيل، بالضرورة، إلى الإنسان، طاردةً ما عداه من الكائنات.
    3-1 كناية يُقصد بها تخصيص الصفة بالموصوف، وهي ما أُسميتْ بـ (كناية النسبة):" ويراد بها إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه".[10] ومنها قول زياد بن الأعجم:
    إن السماحة والمرؤة والندى في قبّةٍ ضُربتْ على ابن الحشرج .
    فالشاعر أراد أن ينسب، أو يثبت للممدوح كل تلك الصفات فنسبها- بمجموعها – إلى قبّة مضروبة عليه. ومثل ذلك قولهم : " المجدبين برديه "، إذ نُسب إلى الموصوف المجد، وأثبت له، بجعله بين بُرديه، توصلاً بذلك إليه.
    وفي هذا النوع ينتفي المعنى الحقيقي من دائرة القصديّة، ولا يبقى إلا المعنى المجازي، وهو ما يتعارض مع اشتراطهم إرادة المعنيين، الحقيقي والمجازيّ، في بنية الكناية، ولربما لاحظ ذلك عبد القاهر الجرجاني الذي اعتبرها من المجاز الإسنادي"[11]
    2. من حيث الوسائط : قُسمتْ إلى الآتي :
    1-2 التعريض: ومن تعريفاته عندهم: أنه " ما أشير به إلى غير المعنى بدلالة السياق، سواءً أكان المعنى حقيقة أو مجازاً أو كناية".[12]
    فهو – على ذلك – ليس خالصاً للكناية وحدها إذ قد يكون كنايةً، وقد يكون حقيقة،أو مجازاً، كذلك، والسياق وحده من يحدد مرجعيّته، فإذا كان السياق مبنياً على الحقيقة كان المعنى التعريضيّ حقيقياً[13]ومثلوا لذلك بقولك عند المؤذي: " أنا لستُ بمؤذٍ للناس " فإنّ ذلك يُنتج معنىً أوليّاً، هو أن تنفي أذى الناس عن نفسك، ولكن دلالة القياس تُسهم في إنتاج معنى آخر،تعريضيّ يتمثّل في إثبات مانفيته عن نفسك فيمن تكلمتَ به عنده. وإذا كان السياق مجازيّـًا كما في قولك: " أنا لستُ طاعناً في عيونهم" فالمعنى الناتج عن الصياغة اللفظية (نفي طعنك في عيونهم )، والمعنى المراد، نفي أذاك لهم باستعارة ( الطاعن في العيون) للمؤذي، ويُشار بالسياق إلى كون من تكلمت عنده مؤذياً أيضاً.
    وقد يكون السياق كنائيّاً كما في مثل قولك" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" إذ تُنتج الصياغة معنى حقيقياً هو انحصار الإسلام في الموصوف،ومعنى كنائياً هو انتفاء الإسلام عن المؤذي مطلقاً، وينتقل منه سياقياً إلى نفي الإسلام عن المؤذي المُعّرض به حال القول.
    والمتأمل في الأمثلة السابقة يمكنه أن يلحظ بجلاء، أنها في مجملها، داخلةٌ تحت المفهوم الكنائي، إذ ينتقل بالمعنى من دلالته المرجعيّة إلى الدلالة الإيحائية عن طريق القياس، وقصدية المتكلم. وفي المثال الثاني بالتحديد، المدرج تحت بنية التعريض المجازي، يبدو الخلط واضحاً بين الكناية والمجاز(الاستعارة)، حسب تحديدهم لكل منهما، إذ لا قرينة تمنع من إرادة الحقيقة سوى قصديّة المتكلم، فهو على ذلك، أدخل في مفهوم الكناية؛ إذ يشير السياق الملفوظ (الخطي) إلى الأذى بالطعن في العين كنائياً،ثمّ تقوم البنية كاملة علامة تشير عبر السياق الخارجي­ - إلى إلصاق الصفة(الأذى)، التي نفيتها عن نفسك في البنية السياقية المقالية ؛ بالمُعرّض به.
    2-2 التلويح: ويصطلحونه على ما تعدّدتْ فيه الوسائط بين اللازم والملزوم، كما في قولهم المشهور:" كثير الرماد".[14]
    3-2 الرمز: ويطلقونه على ما قلّتْ فيه الوسائط مع خفاء اللزوم نحو رمزهم للقسوة بـ
    ( غليظ الكبد ).
    4-2 الإيماء والإشارة: وهي ما قلّتْ وسائطها من الكنايات مع الوضوح كما في قول البحتري:
    أو ما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحة ثُمّ لم يتحوّل
    وللمتأمل في كتب البلاغيين أنْ يلحظ أنّ تحليلاتهم للكناية بقيتْ " تدور في حلقة تسميتها – الكناية_ أو تجاذبها بين المجاز والحقيقة، أو قضيّة الإسناد والأقيسة المنطقية واللازم والملزوم .. دون الالتفات إلى بيان السياق القولي للنص الكنائي".[15]
    وذات الأمر يمكن ملاحظته بجلاء في الدرس البلاغيّ الحديث- أو على الأحرى، في بعض الدراسات الحديثة للبلاغة – عند العرب - ؛ إذ تظلّ على الرغم من محاولة تحديثها، تدور في ذات الفلك من المفاهيم والتقسيمات والتجزيئات، وحتى في نفس الأمثلة في الدرس القديم، فتُعومل معها على أنها أيقونات، وبني ثابتة غير قابلة للتغيير والتبديل، فاكتسبتْ انغلاقاً دلالياً، أثر سلباً على قيمتها الدلالية.
    فوظيفة الكناية الأساسية هي إثبات وتقرير المعنى الإيحائيّ " عن طريق تدخل العقل في استخلاص اللازم من الصياغة"[16]
    ولأن النظر إليها لم يخرج عن إطار علاقة اللزوم المنطقي بين معنيين: حقيقي ناتج عن القراءة الأولى للدال، ومجازي ناتج عن التحوّل من المعنى الحقيقي إليه عن طريق اللزوم بينهما، مع جواز إرادة الأول لعدم وجود قرينة مانعة؛ فقد ظهر" أن علاقة اللزوم في [الكناية النسبية] غير واضحة، ومن هنا اعتبرها عبد القاهر الجرجاني من المجاز الإسنادي... "[17]، ومع هذا فهي إحدى أنواع الكناية، كما أنّ الفرق بين التعريض والكناية هو أنّ الكناية " تقوم على استخدام اللفظ في اللازم مع جواز إرادة الأصل"[18] بينما " التعريض : أنْ يفهم من اللفظ معنى بالسياق من غير قصد استعمال اللفظ فيه أصلاً "[19] مع أن التأمل في بنيتي الكناية والتعريض يُظهر أنّ كليهما يومي إلى شيء آخر، وتظلُّ القصديّة متجهة نحو المعنى المجازي، في كليهما، متجاوزة حدود الملفوظ، وإلا بقيتا عند حدود الحقيقة، والحكم في كل ذلك راجعٌ إلى السياق، فهو وحده الذي يحدد المعنى المراد، ففي استخدام كنايات من مثل:
    ( كثير الرماد )أو ( طويل النجاد ) في عصر البوتوجاز و التقنيات والتكنولوجيا الحديثة،إقصاء للمعنى الحقيقيّ، وتجاوز له إلى المدلول الإيحائي وكذلك الأمر في كتايات النسبة، التي تتشكل على أساس من تداخل الصور، وهو ما يوضحهُ ويبرزه النظر العميق في السياق. فالدلالة الكنائية- على كل حال- لا تكتسب قيمتها سوى من سياقها المتموضعة فيه.
    2-1 الكناية في النقد الأوربي الحديث( السيميائي):
    تتموضع الكناية، في الدرس البلاغي العربي الحديث، في إطار علاقتي التجاور والتداعي؛ إذ الكناية_ كما يرى دي سوسير_ " امتدادية أو تتابعية، وتستثمر العلاقات الأفقية للغة"[20] ويتجلى ذلك بوضوح أكثر في نظرية جاكوبسون الدلالية، التي وضعها في حديثه عن الحبسة" القائمةعلى اختزال الوجود البلاغيّة في علاقتي التشابه والتجاور، إذ تتألف هاتان العلاقتان من عملية الإزاحة الحاصلة في كل من المحورين الاستبدالي (العمودي) والسياق (الأفقي )، فالاستعارة تقوم على الإبدال اعتماداً على المشابهة والمشاكلة، على حين يعتمد المجاز المرسل والكناية على الإزاحة القائمة بين التجاور والتداعي".[21]
    وفي نموذج هنريش بليث السيميائي[22] تأخذ الكناية موضعها، مع الاستعارة، تحت مسمى
    ( الصورالدلالية، أو الميتا دلالية) المنضوية في إطار الصور المعتمدة على الانزياح في التركيب، وهي ( الصور السيمو تركيبية )، وتجمع – لديه – الكناية، " عدداً من التعويضات القائمة على المجاورة التي تعرف في الأسلوبية المعيارية باسم: المجاز المرسل (sunesdoque) ( الجزء الكل، النوع- الجنس- المفرد- الجمع)، وتعويض الاسم الشخصي باسم الجنس والعكس(antonomase) والكناية(metonymie) ( السبب ، المسبب ، المساحة ، الحجم ، الزمن ، المدة ). [23] وذهب إلى مثل ذلك " جورج لا كوف ، ومارك جونسن في كتابيهما (الاستعارات التي نحيا بها ) حيث يستخدمان مصطلح ( الإحالة ) بدلاً من ( التعويض )، فهما يُعرِّفان الكناية بـ ( استعمال كيان معين للإحالة على كيان آخر مرتبط به " [24]
    وشبيه بذلك ما ذهب إليه ( أو لمان ) الذي أدرج " الكناية ( أو ما أسماه البيانيون العرب بالمجاز المرسل )، في النقول الناتجة عن المجاورة التي يمكن أن تكون فضائية- كدلالة ( المكتب باعتباره أثاثاً على القاعة التي توجد فيها _ أو زمنية – كتسمية صلاة ( المغرب ) باسم الزمن ... الخ".[25]
    ومن السيميائيين العرب الذين أخذوا بمثل ذلك، محمد مفتاح إذ يرى " أنّ المجاز المرسل يصير حالة خاصة من الكناية؛ لأن كلاً منهما يحتوي على علاقة بين شيئين اثنين، وإذا صحّ هذا – فإن كثيراً من العلاقات المنسوبة إلى المجاز المرسل هي علاقات الكناية"[26] على الرغم من وجود فوارق بينهما، الأمر الذي استدركه فيما بعد.[27]
    ويرى عادل فاخوري: أن معظم الاتجاهات في دراسة الدلالات قد اتجهتْ نحو التركيب العمودي لها، وعلى ذلك فـ ( ثمّة جانب أفقيّ لم يول بعد الأهمية التي يستحقها، فالمدلولات (م) لا تتعلق فقط بالعلامات الفردية(ع1 أو ع2 أو....ع د ) ، بل أحياناً ما تلحق بمنظوم ما من العلاقات وفقاً للتركيب النحوي، وقد تتداخل عدة توابع Function دلالية بالنسبة لمنظوم ما. فعدم الأخذ بعين الاعتبار لتراكب التوابع أو الوظائف الدلالية قد يؤدي إلى سوء الفهم والخلط بين الصور البيانية"[28]على ذلك يمكن القول: إن دراسة البنية الكنائية في نصٍّ ما يُحتِّم عدم اجتزائها من سياقها الواردة فيه، والنظر إليها من خلال موقعها وعلاقاتها بغيرها من العلامات في إطار السياق النصِّي، ليُمكن فيما بعد" تتبّع إنتاج الدلالة الشعريّة وعوامل تولّدها بالتعرّف على هذه البنية وتحديد رموزها لإدراك كيفيّة قيامها بوظائفها السيميولوجية"[29]
    1-2 البساطة / التركيب :
    الناتج الدلالي في النظام الكنائي قد ينتج مباشرة عن البنية الكنائية دون المرور بانتقالات، وإحالات عدة عبر نواتج دلاليّة سابقة للمعنى النهائي المقصود في البنية العميقة، وهو ما أطلق عليه دارسوا البلاغة العربية بالكناية القريبة، ولكنّه في مواضع أخرى يتجاوز ذلك التركيب البسيط، ليصبح القارئ أمام شبكة دلاليّة تتعدد فيها الانتقالات الدلاليّة عبر البنية السطحية للوصول إلى الدلالة النهائية.
    " ونستفيد هنا من قراءة ( بيرس) للعلامة، حين تحدّث عن العلاقة المركبة التي تدّل على موضوع ما، وتعبيرها حين يستنطق ذهنياً متلقي العلامة ثم يحيله إلى تعبير آخر ( ذهنياً ) وهكذا ....".[30]
    والبنية الكنائية كما في الديوان كما تتجلى بسيطة تتجلى مركبة. أما بساطتها ففي مثل قوله[31]:
    ( ما استعرتُ غير جبيني) إلى المدلول الإيحائي في البنية العميقة، المتمثل في دلالات الشموخ والعزّة ،والثانية إلى دلالات البقاء على الأصل وعدم التغيّر، فيتم التحوّل المباشر من دلالة المطابقة إلى الدلالة الإيحائية كالتالي:
    دال مدلول أو ل ( مطابقة) مدلول2 إيحائي
    ما استعرت غير جبيني لا أمتلك سوى الجبين الشموخ والعزة.
    ما حملت غير سماتي لم أحمل سمات الآخرين الأصالة؛

    وتبدو بسيطة التركيب كذلك في قوله[32]:
    كيف أقضي ديني، وليس ببيتي غير بيتي، ومعزفٌ غير شادي .
    فالبنية الكنائية( ليس ببيتي غير بيتي) تحيلنا إلى مدلول الفقر والعجز المجاور لخلاء البيت من أيّ شيء سواها، وهو ما تنتجه القراءة الأولى للدال، قبل التحوّل منه إلى المدلول الإيحائي العميق.
    وتتشكّل الدلالة هنا عبر الترابط التماسي بين الدوال في السياق النصيّ الكنائي القائم على التشاكل والتباين بينها في المستويين السطحي والعميق فالنفي في (ليس) يخالفه على المستوى السطحي الاستثناء في( غير )، إذ يقوم الاشتثناء – في الأصل – بتحجيم عمومية النفي قبله ونفيها، ولكنه في المقابل يشاكله دلالياً على المستوى العميق؛ إذ تتجذر، وتؤكّد عمومية النفي بدلالة الاستثناء، ويتضح تخالف آخر في المستوى العميق إذ يقوم التماثل الفونولوجي، سطحياً، المتجلي في الدال(بيت)المضاف إلى( ياء المتكلم)؛ بكسر مركزية التركيب في أصل الوضع، حيث إن الأصل تخالف ما بعد أداة الاستثناء وما قبلها، ولكنّه أعاده بذاته.. ليصبح كل ذلك بؤرة دلالّية تنطلق من الدلالة الكنائية، ويسهم في تكثيفها دلالياً وجمالياً، يتراسل مع ذلك الكناية في قوله
    ( معزف غير شادي)؛ إذ يقوم السياق القولي بنية كنائية توحي بالعجز وما ينتج عنه من أسى وألم وحزن.
    وعلى كلّ حال" فإن استقراء آلية" الكناية" والبحث عن معنى المعنى والقبض على المدلولات الكامنة وراء الظاهر لا بد له من قراءات أولية تستحضر:الشاعر والظرف والنص العام والبنية الإفرادية والتركيبية للنص واستحضار الموقف الفكري والبعد النفسي، ثم تأتي القراءة الثانية القائمة على الاستبطان والاستكشاف لمختلف الطبقات الدلالية البعيدة والقريبة لبنية الكناية، إلا أن ذلك لا يمنع من الوقوف أولاً على الدلالات المعجمية المباشرة الأولى (للصورة الكنائية)[33]
    ففي قوله في قصيدة (صنعاء في طائرة)[34]
    ومثلي؛ أنا صرتُ عبد العبيد وأنت لكل الجواري وصيفة
    يقوم المقول النصي(صرتُ عبد العبيد) بإنتاج دلالة كنائية عبر علاقة السببية تتمثل في المهانة والذل والخضوع، ويسهم السياق الذي يتموضع فيه التعبير الكنائي بتكثيف الدلالة الإيحائية/، فنجد الدلالة المعجمية للفظة (عبد)المتلازمة ومعنى الخضوع والاستسلام والذل، يكثفها إضافتها إلى الاسم المعرف الجمعي( العبيد)، ويوحي فعل الصيرورة بالانشطار الزمني والتحول المعنوي بين زمنين، ماضٍ يغيّبه النص، ويستوحى منه إشراقه وزهوره، وحاضر متبدّل متغير تفقد فيه الذات حريتها وتُصادر كرامتها، وتُمتهن عزّتها، ما يّولد لديها الأسى ، ويُعمق الشعور بالذل والهوان، والألم النفسي الحاد؛ جراء الانتقال من الحرية إلى العبودية، بل وعبودية العبيد، وينهض- إلى جانب ذلك- التشاكل الصوتي؛ الناتج عن الترابط التماسي بين المضاف (عبد) والمضاف إليه ( العبيد)، ليقوم بتوسيع دائرة العبودية حتى لتكاد تشمل جميع العناصر الواقعة تحتها. ومثلها الكناية في عجز البيت ( وأنت لكل الجواري وصيفة).
    وإذا تجلى النظام الكنائي في الأمثلة السابقة، وأمثالها في الديوان، بسيطاً يومي الدال فيه إلى مدلوله إيماءً مباشراً دون الحاجة إلى وسائط تتناقل الدلالة محيلة الذهن إلى الدلالة النهائية في البنية العميقة، فإنه في مظان أخرى، في الديوان، يبدو معقداً، مركباً، تحيل فيه العلامة إلى مدلول يصبح بدوره علامةً أخرى تحيل إلى مدلول آخر... وهكذا فتنتقل الدلالة الإيحائية عبر قراءات علاميّة، متتابعة إلى الموضوع المحال إليه في البنية العميقة.
    مثل ذلك يمكن أنُ يُلمح في قوله كناية عن الشقاء: " أمُّه من سورة المسد"[35]؛ إذ تستدعي العلامة الكنائية، عبر بنية التناص، من القرآن الكريم ( سورة المسد )، وبواسطة الدال ( أمّه ) يخصص الاستدعاء في الآيات التي ذكرت المرأة والتي هي ( وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبلٌ من مسد)[36] ، ويؤخذ من الأولى ( حمل الحطب) ومن الأخرى (حبل المسد) الذي هو" الحبل المضفور المحكم الفتل"[37]، ما يحيل إلى الشقاء والعذاب، بكل ما فيهما من إيحاءات دلاليّة ونفسية، فتتلاقح الدلالات ، وتتعدد الإحالات، ما يمكن تشكيله على نحو من الشكل التجريدي الآتي:
    علامة / ( أمّة من سورة المسد) ــــ " وأمرأته حمالة الحطب/ في جيدها حبلٌ من مسد "

    موضوع / حمل الحطب حبل المسد في جيدها
    ( الشقاء – العذاب ) ( بنية عميقة )
    وكذلك هي في قوله:
    التابعون بلا رؤوس والملوك بلا رعيّة. [38]
    ففي البيت كنايتين مركبتين لا يحيل الدال فيهما على مدلوله مباشرة، بل تتعدد الوسائط، وتتجاور الدلالات، وينتفي التساوي بين المدلول المرجعي في البنية السطحية، والمدلول الإيحائي في البنية العميقة.في الشطر الأول تقوم المقولة اللغوية ( التابعون بلا رؤوس) علامة سيميائية، تنظفر فيها الدوال وتتضام في إنتاج الدلالات؛ إذ تنطلق الدلالة من دخول عنصر النفي التحويلي (بلا) على الاسم الجمعيّ المنكر(رؤوس)، الرامز عرفيّاً إلى ( الأدمغة) ( العقول) – التي هي علامةٌ على التفكير، والتفكير بدوره علامة على إنسانيّة الكائن الحيّ؛ إذ يقوم- العنصر التحويلي ( بلا) بهدم كل تلك الدلالات، مما يمنح دلالات مغايرة يؤدي إليها ذلك الهدم، من مثل : الحيوانيّة، والصنميّة، المجاورة لدلالات الغباء وسهولة الانقياد مجازيّاً، وينهض بدوره علامة على التبعية العمياء والعبودية والخضوع سبباً ، وهو مؤشر علاميّ على بقاء الحال، واستقراره، على ما هو عليه، وانعدام الأمل في التغيير،على هيئة من الشكل الآتي:
    دال ( التابعون بلا رؤوس )
    مد 1 تعطلتْ عقولهم
    مد 2 لا يفكرون
    مد 3 الحيوانية- الصنميّة انعدام الأمل في التغيير وبقاء الحال على ما هو عليه
    مد 4 الغباء
    مد 5 سهولة الانقياد
    مد 6 استمرار التبعية – العبودية

    يتراسل مع ذلك البنية الكنائية في الشطر الثاني من البيت : ( الملوك بلا رعيّة)؛ إذ تنطلق الدلالة من بنية التناقض في السياق- أو التضاد على الأحرى- بين دلالة الملوك الأصلية،ودلالتها السياقية فالملوك في الأصل، حكامٌ على شعوب، ومسؤولون عن رعيّة، وانتفاءُ الرعيّة عنهم، ما يؤديه عنصر النفي التحويلي يعني الانفصال، والانفصام بين متلازمين ( الملوك والرعيّة)، وما دام " الحاكم راع، ومسئول عن رعيته "، فانفصاله، وتفرده يعني التخلي عن مسئوليته، ما يوحي بالتمزق والشتات فانفصاله، وتفرده يعني التخلي عن مسئوليته، ما يوحي بالتمزق، والشتات والضعف من ناحية، والظلم المؤدي إلى تثبيت الوضع على طبعيته تلك من ناحية ثانية، ويمكن تمثيل ذلك بالشكل الآتي:
    الدل ( المستوى سطحي) مد 1 مد 2 مد3 " مستوى عميق "
    التمزق – الشتات- التيه –الضعف – الظلم – الدكتاورية – ثبات الموضع

    ( الملوك بلا رعيّة العزلة " الانفصال) تخلي الحاكم عن مسؤوليته
    بين الحاكم والمحكوم
    فالناتج الدلالي الكنائي يمر بمراحل متتالية قبل أن يصل إلى البنية العميقة، عبر علاقات التجاور والتداعي، والملاحظ أن البنية الكنائية، هنا لا تحيل على بنية دلالية ثابته متمركزة في مدلول محدد ، بل تنفرط عن عقد التمركز، وينزلق الدال إلى مدلول غير محدد، فتنفتح الدلالات وتتعدد القراءات وفق ثقافة ورؤية القارئ.
    وتظهر مركبة متجاورة الدلالات في قوله[39] :
    غزاةٌ لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري
    فالسياق الكنائي يُنتج مدلولاً هو الإحساس بالألم دون معرفة المصدر، ليصبح علامة تشير إلى دلالات متجاورةهي ، خفاؤهم وعدم ظهورهم ما يحيل إلى صعوبة التعرف عليهم والإمساك بهم وبالتالي صعوبة القضاء عليهم، ما يعني انتشارهم واستفحال خطرهم وقوتهم ما يشير إلى خطورتهم البالغة فالبنية الكنائية تتجاوز حدود المدلول المرجعي ، لتوغل في مزيج من العلامات المؤشرة إلى دلالات متجاورة مترابطة مع بعضها بعلاقات الاستدعاء والتجاور. وقد يتجلى النظام الكنائي متداخلاً، متراكباً، يشكله دلالياً، مزيج من العلامات والمؤشرات الرمزية التي تحيل، بكل ما تحمله من شحنات وطاقات دلالية إيحائية، إلى ( السيمة) ( الوحدة الدلالية الكبرى) في المستوى العميق. من ذلك ما يوحي به قوله[40]:
    وتقل براميلاً تسطو تحت الأضواء ولا تُسجن.
    تتحرك الدلالة الكنائية من الدال ( براميلاً ) باعتباره مؤشراً رامزاً يشير إلى كل ذات فارغة من المبادئ والقيم الإنسانية، ما يجعلها خواءً قابلاً للامتلاء بأي شيء، بل ساعياً إليه بنهم لا يحد، وعبر السياق الاستعاري يرتبط الكيان السابق، بكيان كنائي آخر يتمحور في قوله ( تسطو تحت الأضواء) الذي يُنتج مدلولاًمرجعيّاً على مستوى الكتابة، هو الشهرة والظهور، ويقوم الدال
    ( تحت الأضواء) بؤرة دلالية في إنتاجه، وعبر علاقة الأثرية – ( من حيث علاقة الدال بالمدلول )، يتحول منه إلى المدلول الإيحائي المتمثل في اللامبالاة، وعدم الخوف المتعالق مع دلالة هيبة الآخرين، وضعفهم عن عمل أي شيء، بما يشبه المُقدمة والنتيجة، إذ عدم الخوف نتيجة لمقدمة هي هيبة الآخر وضعفه، وهو بدوره ، نتيجة لسلطة ( البراميل) ونفوذهم، يجاور ذلك على المستوى الأفقي كتابياً، ما ينتجه التضاد، على المستوى الخطي، بين الكيان الكنائي ( تسطو تحت الأضواء) المقدمة، والكيان ( لا تُسجن ) النتيجة؛ فهو يحيل إلى غياب القانون، وضعفه، الأمر المؤدي لا نتشار الظلم، ونقل المجتمع من ( الكون الإنساني) إلى ( الكون الحيواني)، ليتواشج كل ذلك مع بعضه مكوناً علامة توحي بالطبقية في المجتمع. ويمكن توضيح ذلك بالترسيمة الآتية:
    علامة/ ( براميلا ) ــ ( تسطو تحت الأضوء ) ـــ ولا ( تسجن )
    (أثر)
    طبقة نهمة فارغة عدم الخوف/ اللامبالاة ( أثر)
    من المبادئ والقيم هيبة الآخر غياب القانون ( سبب )
    موضوع ( بنية عميقة .

    أثر نفوذهم وسلطتهم الظلم (الطبقيــــة )
    ومنها ما يسهم في إنتاجه السياق التركيبي اللغوي للدوال، وإيحاءاتها سياقياً ما يمكن ملاحظته في مثل قوله[41] :
    فهنا إقطاعيٌ دسم وهنا إقطاعيٌ أسمن
    فالتشاكل والتخالف على المستوى المورفولوجي والتركيبي في البيتين بؤرة تنتج عنها، وتتكثف، المدلولات الكنائية، متجاوزة حدود المداليل المرجعيّة، فالتشاكل في الصفة ( إقطاعيٌ)، والاختلاف مورفولوجياً في الصفتين ( دسمٌ ) و ( أسمن )؛ إذ جاءتْ الأولى على صيغة ( فَعِلٌ )الإفراد، والثانية على صيغة ( أفعل ) التفضيل والتكثير ، وكلاهما تحيلان إلى الغنى والثراء، لكن التمايز اللفظي في الصيغة، معنوياً أنتج تمايزاً آخر في الثراء ونسبته بينهما ما يوحي بالتدرج العمودي كالتالي: أسمن أثرى
    ≠ ≠
    دسم ثري
    وعبر مبدأ النقيض، يوحي السياق بتمايز آخر يتمثل في ( فقير ≠ ( أفقر) ليصبح التدرج كالآتي:ك
    أثرى

    ثري

    فقير

    أفقر
    ما يحيل إلى فكرة الطبقية، بكل ما تحمله من شحنات تعبيرية ودلاليّة. وقس عليه السياق الكنائي في قوله في قصيدة ( ابن فلانه ) على لسان الذات المتكلمة في النص[42]:
    وإذا لاحظوا قميصي جديداً رددوا: فوق ركبتيها خزانة.
    فالمقول اللغوي( فوق ركبتيها خزانة) ينهض علامة كنائية سيميائية تتشكل من الترابط التماسي بين الدوال الرمزيّة المنضوية تحت المقول النصي الكنائي الكلي، إذ يقوم الدال ( خزانة ) علامة كنائية تشير عبر علاقة الاحتواء إلى مدلول أول هو الأموال لكنها لا تقف عنده؛ إذ يصبح هو الآخر مؤشراً رامزاً للثراء، عبر علاقة التجاور والتداعي، ويقوم الدال ( ركبتيها ) مؤشراً رامزاً إلى البغاء، لتتآزر كلها وتتواشج لتصبح المداليل السابقة دالاً واحداً ينتج دلالات متجاورة هي الثراء والتكسب عن طريق البغاء، ليقوم السياق كاملاً بإنتاج بنية تعريضية تنتج دلالات الاحتقار والازدراء، وهو مايمكن تشكيله على نحو من الآتي:
    رددوا : فوق ركبتيها خزانة

    تجاور احتواء
    المال
    (البغاء) ( الثراء )
    التكسب والثراء عن طريق البغاء
    تعريض
    الاحتقار والازدراء
    فالتركيب في النظام الكنائي، ناتجٌ عن ذلك التداخل والتقاطع والتعامد بين كيانات علاميّة مترابطة في السياق القولي للنص الكنائي، وهو ما يقوم بتكثيف الدلالات الكنائية، ويعطيها حركيّة دائمة تُبعد البنية الكنائية عن النمطية والنمذجة،[ التي تجعل الاتصال بين الدوال ومدلولاتها اتصالاً كسولاً مباشراً]؛ مايجعلها ترتفع في سلم الشعرية درجات؛ إذ " إن جمالية النظام اللغوي في النص الشعري يعتمد على مبدأ الخرق الدائم لقواعد النظام اللغوي المعياري المألوف "[43] .
    لأن البنية الكنائية- بوصفها علامة سيميائية – لا قيمة لها في ذاتها، بل بارتباطها بغيرها من العلامات داخل السياق الواردة فيه؛ فدراستها تقتضي تتبع البنى المشكلة للدلالة في السياق النصي فيها داخلياً، وعلاقتها بغيرها من العلاقات خارجياً، ومن ذلك يمكن تتبع كيفية تشكل الدلالة في النظام الكنائي من خلال السياق الكلي المتموضعة فيه. والنظام الكنائي في الديوان (موضع الدرس) يقوم على أساس من الارتباطات والتواشجات الدلالية بين البنى المختلفة القائمة في كثير من الأحيان، على النقض الدائم للتمركز الدلالي، ما يعطي لفكرة الاعتباطية أساساً،يجعل المتغير ينفتح على دلالات مختلفة، ما نجده في مثل قوله[44]:
    عرفت من أنت يا عمي : تلال ( بنا ) عيبان أثقله غابٌ من البرد
    فالدلالة الكنائية هنا تنهض عبر اندغام عدة عناصر أسلوبية تقوم بوصفها علامات سيميائية، بتكثيف الدلالات الإيحائية للمدلول في النظام؛ إذ يسهم تواشجها، وتعالقها بإحداث فجوات دلالية بين الدال والمدلول تعطيه شعريته وجمالياته.
    تتحرك الدلالة على مستوى الكتابة في النص من الدال ( عيبان) الرامز وفق السياق العرفي إلى دلالات متجاورة منها : الشموخ والعزة والقوة والصمود والثبات، ما يولدها الموقع المكاني الجبلي الشامخ المتجذر في عمق الأرض من ناحية ، وارتباطه تاريخياً بالحدث العظيم
    ( الثورة )، لكن السياق يسهم في نقض مركزيته تلك بسلبه تلك الصفات من خلال إسناده إلى جملة تتموضع في إطار الاستعارة المكنية التي تنقله من دلالته الحسية على الجماد الذي من مقوماته
    [ - الإحساس والشعور + الثبات والقوة ..] بمنحه مقومات عرضية تخص ( الكائن الحي ) التي منها [ + الشعور والاحساس ، - الثبات والقوة..] ثم يقوم المستعار الفعلي ( أثقل )المتعدي ، بسلب فاعليته، وقدرته على الفعل، الأمر الذي يَسِمُه بالضعف والإنهاك، ومما يزيد في تكثيف كل ذلك إسناد الفاعلية للدال ( الغاب) الذي يحيله السياق الاستعاري( بكل ما يحمله من طاقات تعبيرية تدل على الكثافة والتشابك والكثرة)، شيئاً مادياً يُجمع فيحمله( عيبان ) ويثقله. وإذا كان من دلالات الغاب الخير والنماء،لارتباطها بالأشجار، فإنه يقوم بنقضها ، بجعلها ( من البرد ) التي ترمز للجمود والبرودة والجدب، بارتباطها بالشتاء، وإلى جانب ذلك يقف الجانب اللغوي في إنتاج الدلالة وتكثيفها، فتقوم الجملة الفعلية ذات الفعل الماضي ( أثقله) بمنح دلالة الجمود والثبات والسكون، إضافة إلى الإيحاء المعنوي، في الفعل ( أثقل ) بالتعب والإنهاك والضعف والإعياء، وعدم القدرة على الثبات، وتعطل الحركة، يتراسل معه الدال ( الغاب)، الذي جاء في بنية القول بصيغة جمع التكسير موروفولوجياً، إذ يوحي بدلالات الكثرة، والكثافة والضياع، والوحشة، ناهيك عن أنها وطنٌ للحيوانات المفترسة والمؤذية للإنسان، ومعه تتواشج دلالات ( البرد) على الجفاف والجمود، وانقطاع التواصل، ومما يعمق دلالات التعب وعدم القدرة على الحركة، (من ناحية أخرى) حركية الدوال العمودية من أعلى إلى الأسفل، فالفعل( أثقل) تتحرك فاعليته دلالياً من أعلى لأسفل، ما يدل على السقوط، ومثله ( الغاب ) في علوه وارتفاعه وكثافته، وتجذره في الأرض، فالغابة: ( الأجمة ذات الشجر الكثير المتكاثف )[45] يتراسل معه ( الَبَرد ) في حركته الرأسية كذلك ، وكل ذلك ينضفر، ويندغم مع دلالات السقوط، والتعب والإعياء والانهزام، والضعف، وانعدام القدرة. ما يشف عن أن الدلالة الكنائية لا تنتج ذاتياً، بل بارتباطها بالسياق النصي، ولأن المدلول يتجاوز حدود فرادة الدلالة، والارتباط الكسول بالدال، فقد يُذهب إلى أبعد من تلكلم الدلالات المتجاورة؛ إذ يقوم ارتباط ( عيبان ) بالثورة بالإحالة سياقياً إلى جمودها وسقوطها، وعدم قدرتها على التغيير، وينتج دلالة بقاء الأحوال على ما هي عليه، واستواء الزمنين: السابق واللاحق لها ، ما يؤدي إلى سوداويّة الواقع، وثبات المأســاة.
    التمركز / اللاتمركز:
    مثل النظام الكنائي في الدرس التنظيري بنية ثابتة، يرتبط فيها الدال بمدلولين كلاهما تستهدفه القصدية، أولهما، وهو المدلول المرجعي، يتعالق تعالقاً مباشراً مع الدال، فالعلاقة بينهما علاقة
    ( مطابقة) وثانيهما المدلول الإيحائي المُتحوّل إليه من الأول ، ويرتبط عبر الأول مع الدال بعلاقة ( لزوم ) " فالكناية إحالةٌ في نظام ( البنية ) وارتباطٌ بمغزى آخر، عندما تقول الكلمات شيئاً وتبغي شيئاً آخر، يختفي وراءه.." فسياج النظام الكنائي، بنية ثابتة لوجود ملموس، وحوادث معاشة لعمليّة خلق الفكرة، إنه بنية مستقرة ونمطٌ ثفافيٌ أو اجتماعي – بيئي – محدد يفرض علينا أعرافاً لغوية تتحوّل بدورها- رغم تغيرات بنيات المجتمع – إلى تعابير جاهزة محددة في قيمتها المضمونية وفق أوجه انبثاقها إلى وجود ملموس "[46] على ذلك تبدو فكرة التمركز الدلالي واضحة جلية؛ إذ تصبح العلاقة بين الدوال ومدلولاتها، علاقة وثقى لا انفصام لها، فما إن يُذكر الدال حتى يتداعى للذهن المدلول الإيحائي، عبر التوصيفات الدلالية بينهما، والمناطة قسراً بالدال، فمدلول الكرم في النظام الثقافي العربي بنية ثابتة، يحيل إليها، عبر التوصيفات المعروفة، الدال( كثير الرماد )، أو دال ( بسط الكف) أيقونياً، فبقيت على ذلك دوالاً ثابتة الإحالات، متمركزة المدلولات.
    ومن تلك البنى الثابتة: الندم والحسرة التي تنتج عبر التماس الدلالي بين دالي ( عض اليدين )، فهي كناية مشهورة متوارثة، ونجدها بذاتها في الديوان في قصيدة" من بلادي عليها" في قوله[47]:
    قل لها قبل أن ( تعض يديها ) هل غرام الذئاب يحلو لديها
    فالترابط التماسي بين فعل العض والمفعول ( اليدين ) يحيل إلى مدلول الندم والحسرة، بنية عميقة عبر حركة ( عض اليدين ) علامة أيقونية ( تصويرية ) على مستوى البنية السطحية.
    كذلك الحال في الشطر الثاني من البيت ، ففيه تشكل كنائي يسير عبر بنية التناص الكنائي الرمزي ، في خط دلالي واحد مع المورث الثقافي في البنية الكنائية، ما يسهم في بلورتها تحت دلالة ثابتة يقوم الدال بالإحالة إليها سلفاً، فالذئب في النظام العرفي مؤشر رمزي لمجموعة من السمات والصفات، التي هي في الأصل مقوماتٌ عرَضيّة " ناشئة بحكم الاعتقاد والعرف، مثل :
    [ + ليلي ] ، [ + خبيث ] ، [ + مخاتل ] ، [ + مخيف للإنسان ]."[48].
    فأصبحت بنيات ثابتة مرتبطة لزومياً بالدال ( الذئب ).
    والنظرة التأمليّة في ديوان البردوني: ( السفر إلى الأيام الخضر )، بإمكانها أنْ تكشف عن أنّ الكثير من الرموز الكنائية- [ الكناية الرمزية ] – الورادة فيه، لها أصولٌ وجذور في الاستخدام التراثي، العام أو الخاص، من مثل: الرمز بالجبهة أو الجبين للشموخ والعزة، والرمز إلى العلوّ والشموخ والتجذر والقوة بالأشجار، والكناية عن البغي بشهرة بيتها... إلى آخر ما هنالك من ذلك. لكن الحقيقة الأخرى، التي يلاحظ المتأمل المتمعن في تشكيل الدلالة في الديوان، كامنةٌ في أن الشاعر ينأى بتشكيله لدلالات كل ذلك، وتوظيفها في النص، عن أن تنسرب في النمطية والنمذجة التي تجعل من العلامة خائرة القوى، فاقدة القدرة على الإشعاع الإيحائي، نتيجة الإلف الناتج عن التكرار؛ إذ يقوم بغرسها في سياق تتآلف وتتآزر وتتداخل وتتعامد بناه وعلاماته في إنتاج الدلالة، فتكتسب قدرة، وبريقاً إيحائيين، باكتسابها رصيداً جديداً من الدلالات الناتجة عن التداخل العلاميّ، والتكثيف الإيحائي المنبعث من السياق النصي، إنْ لم تنزلق أصلاً عن دلالاتها الوضعيّة، إلى دلالات أخرى عرفيّة مستقطبة من السياق.
    ولعل مثل ذلك يلمح في قوله[49]:
    وبعتِ أخيراً لحى ( تبعٍ ) وأهداب ( أروى )، وثغر ( الشريفة )
    فالدال (تُبّع ) مؤشّر رمزيّ يحيل، عبر بنية التناص، عرفياً إلى دلالات الحضارة، والمجد والشموخ والعزة، والقوة، يزيده كثافة إيحائيّة إضافة جمع التكسير(لحى) إليه، وفي ذلك كسرٌ للنسق الأصل معنوياً، إذ على الأصل في الوضع أن يقال (لحية تبّع)، الأمر الذي أحدث فجوةً دلاليّة أسهمتْ في إقصاء المعنى الأصلي لتغوص في دلالات إيحائية عميقة، واللحى إحدى المقومات في الرجولة، وفي الرجولة دلالات القوة والبأس، كما أنها ترتبط بالوجه إذ هي: " شعر الخدين والذقن)،[50] وفي الوجه دلالات العزة والنصاعة والسمات الإنسانية، مما يكثف الدلالات الإيحائية ويثري الأبعاد العميقة في الرمز التاريخي( تبع )، وذات الأمر في ( أهداب أروى) و ( ثغر الشريفة) إذ تحيل الأولى، بدلالة إضافة الأهداب إليها، إلى النظارة والجمال والعزة، والثانية إلى الفصاحة والتجذر العربي والعزة، عرفياً، لكنّ السياق الكلي، في البيت يقوم بتهديم كل تلك الدلالات، وينقلها من دائرة الإيجاب إلى دائرة السلب، بتسليط الفعل ( باع ) المسند إلى تاء التأنيث المحيلة إلى ( صنعاء )، عليها فهي في بنية القول مفعولات للفعل مسلوبة الدلالات المتعارف عليها فيها لتصبح جميعها في المقولة اللغوية علامة سيمائية، ( كنائية) تشير إلى دلالات التغير والتبدل، وتلاشي الحضارة ، وانهدام معاني العروبة الأصيلة، والقيم والعادات، والانبتات عن الجذور والأصول، ما يوحي بالعجز والسقوط والزيف والضعف ، ويشير كل ذلك سياقياً إلى تمكن الاستعمار.
    وقد يقوم النظام الكنائي في سياقات أخرى، على كسر النسق الدلالي المتعارف عليه؛ إذ يوهم السياق الكنائي بانزلاق الدال إلى مدلولات جديدة، مفارقاً للدلالات الأصول المرتبطة به عرفياً،
    ( وضعياً )، لكن التأمل في السياق النصي الكلي المتموضع فيه يبين عن خيوط دلالية تكشف عن بقاء الدلالات الوضعية، إلى جانب المحدثة، في البنية العميقة، ما يمنح النظام الكنائي بُعداً جمالياً ودلالياً يجعله يبارح درجة الصفر ليوغل في الشعرية درجات. من ذلك على سبيل المثال قوله:[51]
    وثبوا كالسيل كالسيل انثنوا تحت أمطار اللظى احمرّوا، ورفوا
    الأصل في (المطر) أنه رمز للخير والخصب والنماء، والتطهير، لكن الظاهر في السياق فقدانه لتلك الدلالات من خلال السياق الاستعاري المتشكل من إضافة( الأمطار) إلى ( اللظى)، الرامز إلى الموت والفناء والجدب، ومجيئ دال ( الأمطار) ، مورفولوجياً بصيغة جمع التكسير يضفي دلالات الكثرة والكثافة والقوة، فهو رمزللموت والدمار القادم من أعلى، من بطون الطائرات، لا من بطون السماء. لكن المتأمّل في السياق الكلي يلحظ أن علامة ( أمطاراللظى ) تبارح الدلالات الطارئة تلك، إلى دلالات عرفية، ذات علاقة بالوضع العرفي، هي : البعث ، والنماء؛ إذ لم تكن سوى مقدمة على الرغم من كل الدلالات السابقة، نتيجتها (احمرار المناظلين ) وارتفاعهم للأعلى ، ويقوم التدرج اللوني بإنتاج دلالة كنائية متمثلة بالاشتعال والثورة والانبعاث، وفيها صعود وعلو، كما في الفعل ( رفّ) من دلالات الانطلاق إلى الأعلى والشموخ، ليصبح كل ذلك علامة (بنية كنائية ) تحيل إلى دلالات التحدي والصمود والإصرار.
    ومثله في المقولة الكنائية في قوله[52] في قصيدة " أحزان .. وإصرار "،
    وانزرعنا تحت أمطار الفناء شجراً ملء المدى أعيا الزوال.
    إذ ينزلق الدال (أمطار) عن دلالات النماء والتجدد والخصب، إلى دلالة الفناء والجدب، بإضافته استعارياً إلى دال (الفناء) على أساس من بنية التضايف اللغوي الاستعاري. لكن الدال
    ( شجراً ) الرامز عرفياً إلى الشموخ والعزة والقوة، والمقولة المتمحور فيها شرطة نتيجة للمقول السابق، ما يمنح كيان( أمطار الفناء) دلالات البعث ليصبح النص الكنائي كاملاً ذا دلالة إيحائية كلية تتمثل في الإصرار والتحدي والصمود.. الخ.
    مثل ذلك دلالة الأمطار في قصيدة " لص تحت الأمطار"[53]؛ إذ ترمز ا

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 4:59 pm