منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    لعبة الصوت والرائحة واللمس قراءة في رواية (غرام براغماتي)

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    لعبة الصوت والرائحة واللمس قراءة في رواية (غرام براغماتي)

    مُساهمة   في الجمعة ديسمبر 20, 2013 1:13 pm

    "قد يكون الإنسان تعيساً، لكن ما أسعد الفنان الذي تمزِّقه الرغبة!" (بودلير: سأم باريس)

    د. رسول محمَّد رسول

    في أواخر سبعينيات القرن العشرين، كنتُ أقرأ لعالية ممدوح في صحيفة تصدر ببغداد اسمها (الراصد). ويومها كان قلم الكاتبة العراقية له وقعه المؤثِّر في قارئ الصحافة بالعراق. لكن عالية تركت عراقها ذاك إلى أوطان أخرى حتى استقرت في فرنسا، وطنها البديل الذي كتبت فيه نصوصاً سردية عدَّة (1)، ومنها روايتها "غرام براغماتي" (2). في هذه الرواية، يأخذكَ جسد النَّص إلى عالمه؛ فالعناوين تكحِّل هامة بعض الصفحات، وبما لا يخلو من التشفير أو التعقيد في أحيان عدَّة، والتعقيد المقصود هنا، هو مناورة العنونة Intitlation = "فلسفة فعل كتابة العنوان Title"، وتواترها الدلالي المرتبط بهندسة الرَّسم الكتابي أو نقشه على بياض الصفحة، ا لأمر الذي يُعدَّ تشفيراً Encoding لطاقة العنوان الدلالية والتعبيرية والخطابية؛ خصوصاً وأن العنوان، وكما هو معروف، "يؤسس، في الخطاب الروائي، موقعه الخاص والمتميز به، انطلاقاً من بنيته التركيبية والسِّيميائية، كما يُعلن عن وجوده بصفته نصاً مصغَّراً Microtexte ومولِّداً لسننه الخاصة به Codes، وباعتباره مكوِّناً متميزاً في سياق صفحة العنوان Page de titre الزاخرة بالعلامات اللغوية والتشكيلية، ولا يفترض العنوان الاستقلال التام عن النَّص؛ فهو عنصر من مجموعة العناصر المكوِّنة للخطاب الروائي برمته" (3). في ضوء ذلك، راحت عالية ممدوح، وهي الناصَّة Textor، تهندس عنوانات فصول الرواية؛ فالمتن الروائي يضمُّ تسعة وثلاثين عنواناً، لكن المتصفِّح له يلاحظ وجود ثلاثة عشر عنوناً مرقماً فقط، والبقية منفرطة تحت سقفهم؛ يضمُّ الأول خمسة ملفوظات، والثاني أربعة، والثالث ملفوظين، والرابع اثنين، وكذلك الخامس والسادس، بينما يضمُّ السابع ثلاثة ملفوظات، والثامن كذلك، والتاسع اثنين فقط، والعاشر ثلاثة، والحادي عشر أربعة ملفوظات، وكذلك الثاني عشر، أما الثالث عشر فيضمُّ ثلاث ملفوظات. في العنوان الثاني، فضَّلت الناصَّة استخدام ملفوظ بدلالة أيقونية مستل من اللغة الإنجليزية ذلك هو: "Google Earth". وفي العنوان الثاني عشر استخدمت ملفوظ منقوص الرَّسم، ألا وهو: "ـ و... ـ" لتترك فراغاً، وتطلب من المتلقِّي ملئه بالقراءة التأويلية، ولولا النقاط الموجودة بعد واو العطف، لكُنّا في مساحة بيضاء (4) ستتطلَّب من المتلقِّي قراءة تأمُّلية مضاعَفة من دون استغفال دلالة استخدام الشَّرطتين فيما لو تمَّت قراءة الملفوظ/ العنوان كوحدة قرائية دالة، الأمر الذي سنجده في العنوان/ الملفوظ الثالث عشر، أي ملفوظ: "ـ حتى لو ـ". ومثلما استخدمت الناصَّة مفردات إنجليزية، كذلك استخدمت مفردات اللهجة المصرية الدراجة في العنوان الحادي عشر "من أدِّ إيه كنا هنا؟"، واستخدمت في العنوان الثاني ملفوظات ذات حمولة دلالية محلية ترتبط بثقافة الطعام في العراق مثلاً، وهذا ما نجده في العنوان الأول، أي ملفوظ "ماعون الفاصوليا اليابسة" أو أُكلة "تمن ويابسة" العراقية في إشارة إلى الفاصوليا غير الخضراء أو المقطوفة حديثاً Fresh مقابل الجافة "يابسة" منها أو المخزَّنة لشهور عديدة، وهو ملفوظ تشي دلالته بما هو أيقوني بحسب تخريجات التسريد، إلا أن دلالة العناوين الواردة في المتن الروائي تبقى رهينة قراءة المتن، وملاحقة التدليل عليها سردياً في كل برامج الرواية. أما العناوين، فهي: 1. الأصوات، الأعضاء، العادة الشَّهرية، روتين، ماعون الفاصوليا اليابسة. 2. التَرْك، العشيقة الآفلة، دبلوماسية، Google Earth. 3. الحمّام، عادي. 4. حضرا لكي أحبكِ، القفا. 5. الشَّم، الحموضة والحلاوة. 6. ملل الصياد، الاستحمام والحب. 7. خزانة الملابس المستعملة، الأزرار والبطانة، خزانة الكلمات المستعملة. 8. المنفعة العليا، الموت الأليف، نصف على نصف. 9. الحلزون وقصص أخرى، جميل كعمل فني. 10. الكائن الانتهازي، الفشل الذريع، الرجل التالي. 11. من أدِّ إيه كنا هنا؟، أسرار الحيطان، فقه الغرام، أموت عليك. 12. "أدخل الموضوع يا حبي"، أنت السرير وأنا نومك، بين المرض والمريض، ـ و... ـ. 13. "يتركون الأسوأ إلى النِّهاية"، خداع الانتظار، ـ حتى لو ـ. ارتأت الناصَّة أو عالية ممدوح، في روايتها هذه، أن يكون الراوي متجانس الحكي Heterodiegetic، أو راوٍ مشارك في أحداث الرواية، أو راو صريح Narrateur explicite، فصوتُ الراوي واضح كل الوضوح كونه لا يترك شاردة أو واردة في أفعال الحدث/ الأحداث إلا ويدخلها في تسريد فاعل. هذا من وجهة، ومن وجهة أخرى، يشتغل المحكي في رواية "غرام براغماتي" على سيميائيَّة التواصل في أغلب البرامج السَّردية المعتمدة (PN). ويبدو ذلك جلياً؛ فـ "بحر" أو "رالف ألن" (ص 15)، وهو أحد الفاعلين الرئيسيين في الرواية، إلى جانب "راوية"، يتواصلان على نحو عابر Trans رغم أنهما التقيا في بريطانيا في عام 2005، لكنهما افترقا تالياً بحسب أقدار حياتيهما، فكلاهما عاد شطر مكان إقامته؛ راوية، المغنية العراقية الأصل تعيش في باريس، وبحر، الشّاعر والمصوِّر العراقي الأصل يعيش في مدينة برايتين البريطانية. ولا يتجلى تفعيل سيميائية التواصل على هاتين الشَّخصيتين فحسب؛ بل كلاهما يتواصل مع شخوص آخرين وفق جدلية الاستحضار والتقابل والتجاور؛ فثمَّة تأويلات مستدامة في كل خطوط الرواية السَّردية؛ تأويلات الذكورة للأنوثة، وتأويلات الأنوثة للذكورة، وثمَّة استبدالات وإسقاطات تُمارس، خصوصاً من طرف راوية، على شخوص تُستدرج من ماض طوته الأيام والسنوات كاستدراج والديها وغيرهما. إن الناصَّة تُدرك، وبعمق، أن السَّرد المعاصر يوظِّف كل إمكانات التمثيلات البصرية (VR) في خلق الوحدات السَّردية أو المحكية، ويستعين بما هو أيقوني Icon في خلق لحظة فعل المحكي الثَّر بدلالاته الإيحائية والجمالية من خلال ضخِّه بما تجود به المخيَّلة السَّردية من نفيس العلامات الدالة على جسديَّات الأشياء الداخلة في فعل التسريد. لقد عملت الناصَّة جاهدة على تفعيل هذه الممكنات في نصِّها السَّردي "غرام براغماتي"، وهو ما سنسلِّط الأضواء عيله في دراستنا هذه، ومنها الصوت، والرائحة، واللمس. ـ الصوت: عندما يدخل الصوت المسموع عبر آله Audio في فعل تسريد، فإنه يتحوَّل إلى عامل أيقوني Icon actant يلقي بضلاله وأشغاله وفاعليته على مجمل نظام علاقات التواصل بين المُرسل والمُرسَّل إليه في الفعل المحكي. وهذا ما نجده واضحاً في الفصل الأول من الرواية، الذي حمل عنوان "الأصوات"؛ فالعلاقة بين راوية وبحر، وكلاهما فاعل رئيس في متن الرواية، تتم وفق سياق الاتصال عن بُعد، وعبرَ وسيط، هو آلة التسجيل في جهاز الهاتف؛ فـ "الحبكة تُدار فعلياً بيننا على هذا النحو من المودَّة والاتصالات" (ص Cool، تقول راوية ذلك عندما يتصل بحر من بريطانيا، ولم يجدها ترد، فيترك لها رسالة، وهنا يصبح صوته في التسجيل المُرسِل المباشرDistinateur، ويصبح بحر المُرسِل عن بُعد، وتصبح راوية المُرسَل إليها عبرَ تلقِّيها للصوت Distinataire، وبذلك يصبح الصوت، بكل ما فيه من دلالات، كائناً أيقونياً سيتم تأمُّل مضامينه تمثيلياً من جانب راوية، ما يؤكِّد تواصلاً مضاعفاً عندما تتوالد مضامين أخرى في الصوت/ الرسالة بحسب تلقِّي وتفعيل راوية له، وهو ما ستكشفه دروب التسريد في الرواية. في تأمُّل أنثوي لنص الصوت الذكوري، تعتقد راوية أن "الصوت البشري قلما تكبح طبيعته فيظهر البني آدم، في أثناء الكلام، بكامل عدّته؛ التَّنفُس البطيء، الصمت المتقطع، وبسبب هذا، وأنا أسمع الأصوات، تكون الإثارة عندي في الأوج" (ص 7 ـ Cool. إن "الإثارة" هنا ستحيل على مدار Topic تحرص الناصَّة على تسريده، ذلك هو مدار الأم أو مدار والدتها الغائبة والبعيدة في سحيق ذاكرتها؛ فصوت بحر الذكوري، أحالها إلى صوت والدتها: "انتقالاتك بين مواضيع شتى، جعلتني ألم شتاتك نَفَساً بعد نَفَس، كما هي أنفاس أمي حين تحضر للتوِّ، وهي توقفني أمامها في بغداد" (ص Cool. و"أتتبع صوتك بالتدريج، تماماً، كما كانت الوالدة تفعل حين تلاحقني، وتتبعني من الطابق السُّفلي إلى الطابق العلوي، ومنه إلى السَّطح" (ص Cool، وبالتالي، تصل إلى تحقيق التشابه بين صوت بحر وصوت والدتها: "صوتُكَ يشبه صوتها شبهاً نادراً، يتفرَّع، يتبرعم، يصير حادَّاً ورقيقاً، يتقوّى ويضعف معاً" (ص 9). وهكذا، تبدو أيقونية صوت بحر، عبر التسجيل، أيقونية مولِّدة لعدد غير متناهي من التأويلات؛ أيقونية مُحيلة على صوت أنثوي مستعاد بكل ما فيه من طاقة استرجالية ذلك هو صوت الأم، وبحسب تمثيل الناصَّة له، والتي حرصت على المضي في ذاكرة بطلتها الصوتية حتى أعانتها، تلك الذاكرة، بصوت الأم: "وهنا أنا أكتب هذه الكلمات كما أشاء، أضع للوالدة هيكلاً رائعاً، وأدعها تتحرَّك بضراوة" (ص 9). من هذه الوحدة القرائية، راحت راوية تستدعي، استذكاراً، علامات جسديتها الأنثوية من خلال تثوير علاقتها المتوترة بوالدتها، لكنها، بداية، تضعنا عند جسديَّة تلك الوالدة، فتقول: "تمدُّ لي يدها ذات الأصابع الوارمة والأظافر المقصفة نهاياتها" (ص 9). لتمضي، بعد ذلك، بتسريد الكيفية التي كانت والدتها تقرصها من فخذها في لحظة غائرة الغموض: "أنظرُ في وجهها الساخر، ترقب زندي العاري شديد البياض، كان حفل تعارف جديد بيننا، نقف وجهاً لوجه؛ هي بقامتها اللطيفة، وأنا بكامل تبرُّجي وزينتي، في تلك اللحظة تفيض نظراتها بالإعجاب بي، وبسرعة، تقرُصُني من فخذي قرصة كان متوقَّع أن تكون في زندي" (ص 9). أن دوّامة التشفير في موضع القرصة له علاقة بجسديَّة تبرج راوية؛ فالهدف من هذا التبرُّج والتزيُّن هو هدف أنثوي يبتغي تحقيق تواصل مع ذكورية مضمرة في سطح النَّص المسرود Surface structure، لكنها، وفي بنيته العميقة Deep structure واضحة التجلي؛ فلو نظرنا إلى ملفوظ هذه الحالة، حالة القَرص، لوجدنا أن فعل القرص Nip أو Pinch يضمر تعويضاً عن سلطة أو لدغة القضيب المسلوبة التي تفتقر إليها والدة البطلة في ظل عجزه الجنسي، أو التعويض عن السُّلطة ذاتها التي تفتقر إليها البطلة نفسها كونها لم تتزوَّج بعد. كما أن قرص الفخذ قد يضمُّ رسالة مداعبة، وربما حسد عقابي تكيله الأم لابنتها في ظل لغة أنثوية متبادلة، ومتعارف عليها بينهما، وجدت الأم فيها تعبيراً أكثر تكريساً للرسالة التي تريد إيصالها لابنتها، خصوصاً وأن المعتاد من الأم أنها كانت تقرص ابنتها من زندها، بحسب مدار القرص، لكنها "غيَّرت خططها من دون علمي"، تقول راوية (ص 9)، ولا ندري من أي موضع كانت تقرصها من قبل؛ هل من المؤخرة أم من النهدين.، وقد يكون الأمر يرتبط لامتلاك الخيالي للقضيب الغائب بالنسبة للأُم والمغتصب بالنسبية للابنة (5). ولعل المقابلة بين سمرة بشرة الأم وبياض زند الابنة لكفيل بتفسير ليس الجانب التحرُّشي فحسب، إنما الجنسي، لكنه التحرُّش البريء، بل والطاهر. إلا أن الساردة، سرعان ما ستغبن ما تبقّى من تلك الذكرى، لتنتقل مباشرة إلى تذكُّر صوت والدها "صوت الوالد العربي المكروب والمغبون" (ص 11)، وتقارن بين صوتين؛ "وذلك صوت الأم"، لكنها تعود إلى حبيبها بحر "مسلَّم به هنا، لكن لا طائل منه، وذِكْره يرد بجوارك، ومعك" (ص 11). تبقى عملية تسريد الحدث متشبثة بأنطولوجية الصوت كأيقونة تحقِّق قدراً مما اسماه تشارلز بيرس بـ "النوعانية Quale" (6) وإن صح التعبير النوعانية اللذوية اللذوية؛ أيقونة تفرِّخ دلالات جديدة عبر التواصل المثمر، بل وتدخل مع صوت بحر في تمثيل حسي مُضاعف الحضور؛ فمرّة عبر الفم، وأخرى عبر الأذن، أي محاولة مضغ الصوت وتسمُّعه كما لو كان أثراً ترسياً Trace أو مضغة لسان أيقونية، ومسمعة أذن أيقونية: 1. "في كل مرَّة، يتضاعف إحساسي بأنَّ صوتك يملك ضميراً مرتاحاً، فأمتصه، وانظر إلى لعابي، وأنا أسمح لك بالتجوال ما بين فكي الأعلى والأسفل، فلا أستطيع اختزال طبقاته.. أنت تُطعِمُني صوتكَ باليد قطرة وراء قطرة" (ص 11). ولعلنا نلاحظ هنا الكيفية التي تحوِّل بها الناصَّة صوت بحر الأيقوني إلى كائن ممضوغ لتتضاعف نوعيته الأيقونية أكثر فأكثر. 2. "جنيَّة الإذن البشرية التي تجعلني أصغي جيداً فأعتدل في جلستي لكي يسهل مرور الصوت لمجرى الدم، فأتصور صوتك وصفة شعبية شهيرة تقول محتوياتها: كيف نتوغل في الآخر عن طريق عضلة اللسان، وصيوان الأذن، فأعرف أنني مرغوبة عبر الإشارات التي يبثها الصوت" (ص 11). ما زالت قراءة صوت بحر من جانب راوية مستمرة، وما زال تأويلها مضاعفاً لما يضوع به من دلالات ومعان، فهي "لا تجيب على اتصالاته؛ تستفرد به وحدها لكي توقف تقدِّمه فيها" (ص 16 ـ 17)، وتضيف قائلة: "شاهدتُ جميع قسماتِك وأنا أصغي إليك، لا أجيب، أتظاهر باللامبالاة، ببرودة دم" (ص14). وهنا يتحوَّل الصوت إلى باعث أو مُرسِل لعلامات بحر الجسديَّة، ما يعني أن دلالة الصوت تتم وفق مدلول مرئي visual signification بعد أن امتصت تمثيلاتها الصوت حتى إنه استحال إلى لعُاب أو مضغة، تنتج بدورها، مُدْركات حسية تلهث في كينونة بحر الذكورية. كما أنها توسِّع من تأثير الصوت في المكان، بل تلتذ في نشر هذا الصوت أو تمثيله كطواف أيقوني: "ألتذُّ حين أدع صوتك يواصل طوفانه في أرجاء الشّقة، فيدخل بين المسام والأصباغ، وباقي الموجودات" (ص 17). وهذا يعني تحويل الصوت الأيقوني إلى جسديَّة مضاعفة الحضور؛ جسديَّة غرفة مشبعة بصوت الحبيب. على أن هوى الرَّغبة الأنثوية الثاوية في قاع النَّص المحكي لدى راوية هنا، يشي بأنها تسعى إلى بسط كينونة الصوت الذكوري كمُتَجسَّد حسي، وبحسب التحليل "السيكو ـ نصيPsyco - textuel " (7)، فإنها تريد استحضار صورة حبيبها ككينونة حسية، ومرئية، ومنظورة، وهو الغائب البعيد عنها. ليس هذا فحسب؛ بل جعلت كينونة صورة الصوت الذكوري المتخيَّلة ذات حركة دائبة، حركة طوفانية، حركة تتلبَّس موجودات الغرفة بمعطيات صورة الصوت حتى يكون التمثيل الشَّمي، وهو تمثيل أنثوي، على درجة من التوتر المنتج للذَّة الاستماع الدائم؛ فهي تريد للصوت أن يستقر أو يثوي بين مسامات الجدران، وبين مطاوي وأحشاء الموجودات على نحو مبثوث حتى تشرئب ثناياها الأنثوية به، ويتحوَّل إلى جزء أساسي من كينونة الغرفة. في ما وراء الصوت المتبادل، الصوت الذكوري والصوت الأنثوي، ثمَّة رغبة Desire، رغبة مؤسِّسة لفعل التواصل بين "ذات الحالة/ بحر"، و"موضوع الحالة/ راوية"، لكنها العلاقة متبادلة أيضاً، وهذا يعني أنها تتواصل بين "ذات الحالة/ راوية"، و"موضوع الحالة/ بحر"، بين راغب/ بحر، ومرغوب بها/ راوية، وبين راغبة/ راوية، ومرغوب به/ بحر. وبهذا تؤسِّس علاقة الرغبة Relation desire كيانها، وتنتج منجزها الذي عبَّرت عنه جملة من الملفوظات الحكائية المسرودة التي أنجزت، بدورها ملفوظات الرغبة Enounces faire عند راوية تجاه بحر، إلا أن هذا الأخير، وبحسب ملفوظات الحالة لديه، أنجز فعله التوصيلي والتواصلي معاً، وذلك عندما قال لها، وعبر آلة التسجيل: "كلما أسمع صوتكِ العجول والوحيد، أشتهيك كأي أعزب يعيش شظفاً جنسياً مبرحاً" (ص 17). لقد مارست دلالة وقع هذه الرسالة الصوتية دورها الفاعل في استثارة موضوع الحالة Objet d’ état أو راوية بوصفها موضوعاً لرغبة بحر، لكي تواصل، بوصفها ذات حالة Sujet d’état، رغبتها في الطواف بإنجازها مع بحر الذي تحوَّل إلى موضوع حالة Objet d’ état من جانبها. وبذلك، تحوَّلت الرغبة المتبادلة بينهما إلى موضوع إنجاز Objet faire حقَّقته ملفوظات الحكي فعلاً وتواصلاً، إنجاز قوامه الصوت المُتواصّل معه. ـ الرائحة: إلى جانب الصوت، سيتم تسريد الرائحة المشمومة كعلامة دالة على علاقة التواصل بين عالمين؛ عالم الذكورة وعالم الأنوثة، عالم بحر وعالم راوية، وكلاهما تداخل عضوياً في علاقة تواصل مع غيره؛ راوية التي أخذت على عاتقها، بوصفها الراوية في النَّص، تسريد ما هو شمي Olfactory بوصفه علامة فعل ستنجلي كينونته السِّيميائية من خلال فعل الحكي. ما هو بديهي، أنه، ومنذ القِدَم، نظر الفلاسفة في الرائحة والعطر؛ الفلاسفة الذين ميزوا بينهما وفق معايير أخلاقية وجمالية وتواصلية، فـ "انعدام الثِّقة بالرائحة مرتبط بجنسها الذي هو مصدر لسوء الظن؛ إذ لا بدَّ من اعتبارها نقيضاً للعطر، الذي لا يبدو أنه ينتمي إلى نفس النوع، بل هو تحوُّل للنوع؛ فإلى العطر تُنسب الطراوة والكمال والصفاء، أما الروائح، فتنسب إليها هذه الفوضى الحاضنة للنتانة والفساد والبهيمية. إن هذه الكيفية تشي بكيفية إحساس الإنسان بجسده وبعلاقته مع المجتمع وبحالته" (Cool. في ضوء ذلك، غالباً ما تهزم الرائحة النتنة الجسد، بينما غالباً ما تجعله العطور منتصراً، لكن هذا في الواقع ـ الواقعي، الواقع غير المتخيَّل، أما في الواقع الإبداعي المتخيَّل، فإن الأمور لا تجري وفق هذا التوجُّه؛ فلطالما كانت الأهواء تتواصل بدافع الرغبة في إنجاز الذوات، تتحوَّل الرائحة البشرية، بغض النَّظر عن طبيعتها، إلى عطر مرغوب به، فلا أحد يُحب الرائحة النتنة الصادرة عن تعرُّق الجسم البشري، ولا الحيواني، ولا الشيئي العفن أو المتعفِّن، لكن هذه الرائحة يمكن أن تتحوَّل، ومن خلال السَّرد الإبداعي، إلى حالة مرغوب بها؛ حالة مُنتجة للتواصل بين الذات والموضوع من وجهة، والموضوع مع الذات من وجهة أخرى، حالة منتجة بوصفها حافزاً، ورغبة، وبوصفها كذلك دالاً ومدلولاً ودلالة غالباً ما تُقرأ النتانة والفساد والبهيمية فيها على أنها أيقون مرغوب بالتواصل معه، خصوصاً وأننا سنجد الناصَّة، في أثناء تسريد برنامج الرائحة في هذه الرواية، نجدها تخلق عاملاً معادلاً تواصلياً لرائحة عرق بحر ألا وهو حموضة رائحة جسد راوية. لذلك، وفي مدار تسريد هذه الرائحة، حرصت الناصَّة على تثوير مشهديَّة المشموم والشام من خلال فعل الشَّم المتبادل Alternate olfaction. وإذا كان تسريد الصوت كعلامة قد مضى وفق علاقة تواصل حسي عن بُعد، فإن تسريد المشموم كعلامة جرى وفق علاقة تواصل حسي متبادل عن قرب، علاقة محسوسة مباشرة؛ علاقة لمس بلمس، علاقة لامس بملموس، وملموس بلامسة. ففي لقائه بحر وراوية بمدينة برايتين البريطانية في عام 2005، كان سرير الجنس أو الانتعاض خياراً لدى غَريبين التقيا تحت طائلة الغربة، لكن الكيد الأنثوي غالباً ما يُسقِط الذكورة في حبائله، فصاحبتنا ثارت ثائرتها بعد أن انقطعت عنها دورتها الشَّهرية: "بعد توقُّف الدورة الشَّهرية، واضطراب أرجائي كلها" (ص 21)، فسعت إلى البحث عمّا يؤكِّد مصيرها هذا من عدمه، لكنها وجدت: "من المحتمل أن تحصل التتمة عندك، تماماً، لمَ لا؟" (ص 22)، فسارت في دروب السرير بغرفة حمراء، وهناك كان العامل الشَّمي قد لعب أدواره في خلق لحظة التواصل الشَّمي الذي فتح آفاق المشهد مدفوعاً بنار الرغبة الغاضة. لذلك مضى كرنفال الشَّم المتبادل وفق ملفوظات التواصل الآتية: 1. "بعد الحفلة، وتعارفنا الأول، شممتُ رائحة عرقك الطبيعية وأنت تقترب أكثر من اللازم، فصار بمقدوري أخذ عينات من الرائحة، من منّا، نحن الاثنين؟" (ص 21). 2. " أنا وأنت على سرير واحد في الفندق" (ص 23). 3. "فرائحة حيضي كانت تعاودني بجميع المثيرات المزعجة واللذيذة وأنت تُدرِّب يديك على ظهري، أنا التي طلبتُ منك: هيا يا بحر، مرِّن يدك، أي: هنا، من تحت الثياب، لا تستح كما أشعر، وأنا لا أراك" (ص 21). 4. "كانت رائحتك موجودة، حضرت ودخلت أنفي، وذراعاك يهبطان ويرتفعان على كتفي وظهري" (ص 22). 5. "وما أن تبادلنا القُيل العميقة، الرَّطبة، حتى لم نعُد نقدر على التمييز تماماً، ما بين حسية حموضتي الغالية على قلبي، وبين حموضة عرقكَ التي شممتها بدقَّة في مكان ما من جسدي، أو لنقل: صارت دليلي إليك" (ص 22). 6. "يدك الإيروسية" (ص 23). لدينا ست وحدات قرائية تغنينا بالكثير عن مدار الشَّم المسرود كعامل Actant من عوامل المشهد. مبدئياً، لا يكتمل فعل الشم إلا بمشموم، ولا يكتمل هذا الأخير إلا بنوعية المشموم؛ فالشّام هي حاسة راوية، والمشموم هو عرق بحر، وبالمعنى التعييني المباشر يكون بحر هو المُرسِل Sender، بينما، وبالمعنى ذاته، تكون راوية هي المُرسَل إليها Receiver، ويكون بحر هو المشموم، بينما راوية هي الشامَّة. ولكن، وبالمعنى التسريدي/ العلاماتي، فإن العرق، بل رائحة عرق بحر، هي المُرسِل Distinateur، بينما حاسَّة الشَّم لدى راوية هي المستقبِلة أو المُرسَل إليها Distinataire. أما الرسالة Message، فكان موضوعها الصفة النوعية للمشموم، ألا وهي حموضة عرق بحر، وبالتالي حموضة رائحة راوية نفسها. ولو أردنا أن نفهم علاقة التواصل في برنامج الشّام والمشموم وموضع الشَّم، وفي ضوء نظرية ألجيرداس. ج. غريماس، فإن "فهم علاقة التواصل، ضمن بنية الحكي، ووظيفة العوامل، يفرض ، مبدئياً، أن كل رغبة من لدن ذات الحالة، لا بدَّ أن يكون وراءها محرِّك أو دافع يسميه غريماس مُرسَلاً، كما أن تحقيق الرغبة، لا تكون ذاتياً بطريقة مطلقة، ولكنه يكون موجهاً، أيضاً، إلى عامل آخر يسميه مُرسَلاً إليه. وعلاقة التواصل هنا، بين المُرسِل والمُرسَل إليه، تمرُّ عبر علاقة الذات بالموضوع. إن المُرسِل هو الذي يجعل الذات ترغب في شيء ما، والمُرسَل إليه هو الذي يعترف لذات الانجاز بأنها قامت بالمهمة أحسن قيام" (9). إن الصفة النوعية، صفة الحموضة بوصفها مفتاح دخول البطلة إلى عالم بحر "صارت دليلي إليك"، تلك الصفة استدرجت مداراً مصغراً Sous - Topic، فإذا كانت قوة الذكورة تكمن في حموضة عرق بحر، فإن المقابل لتلك القوة، وهي قوة الأنوثة لدى راوية، هو حموضتها التي تصفها بـ "الغالية". ولكن، لا بدَّ من الإشارة هنا، إلى أن تسريد الناصَّة لما هو شمِّي، وتحديداً العرق الجسمي البشري، وتحويل هذه المادَّة السائلة إلى علامة جسديَّة أيقونية، يُضمر، في بنية النَّص العميقة، تعويضاً أنثوياً عن جفاف سوائل العادة الشَّهرية لدى راوية، ليصبح وجود العَرق الذكوري السائل معادلاً حسياً ـ بيولوجياً لغياب سوائل ما تفرزه الأنثى في دورتها الشَّهرية المعتادة. إنه تعويض أنثوي سعت راوية إلى تجريبه مع حبيبها بحر، راوية المرأة التي يكاد الدهر يُطبق على نهاية ماكنة الانتعاض والإنجاب والشَّهوة العارمة لديها، بل أطبق فعلاً. لذلك، استبدلت راوية "الحيض/ حيضها" على أيام تعافي جهازها البيولوجي، بـ "رائحة الحيض" التي تبقَّت لها بغياب سوائل حيضها المنظورة أو المُدركة حسياً. وهذا ما تؤكِّده لحظات ليلتها الحمراء، وعلى سرير واحد مع بحر، وذلك في أثناء لقائمها التاريخي المباشر ببريطانيا، فمنذ تلك الحفلة اقتنصت راوية عينات من رائحة عرق بحر الذكورية، وظلَّت تلك الرائحة أُكلة شهية تمضغها بانتظار الإجهاز على رحيقها وعبقها في سرير النوم وإن كانت نتنة، بعد أن أصبحت، تلك الرائحة، في حالة انشطار واستقرار في مسامات حاسَّة راوية الشمية، وصولاً إلى حالة انصهار المشمومات في لحظة الاهتياج أو الانتعاض الكامل بينهما في الوحدة القرائية الخامسة. ولا بدَّ من الإشارة هنا، إلى أن الحموضة الذكورية، حموضة رائحة بحر، سُرِّدت بوصفها علامة جسديَّة مطبوعة على جسد راوية كعلامة مرئية أيضاً، إنه الأثر الأيقوني، الذي تستعذبه هذه المرأة بوصفه الترس المُلذ الذي تبقَّى مطبوعاً من ذكورية بحر على جسديتها. إنها رغبة أنثوية لتحويل المحسوس إلى موضوع مجرَّد بغية الالتذاذ بكينونته الذكورية. ـ اللمس: نبقى في كرنفال الحواس الذي يؤسِّس للتواصل بين الطرفين. ومعلوم أن ما تناولناه يؤكِّد على أن الناصَّة عملت على تسريد ما هو مسموع ومشموم ليس بعيداً عن تمثيلات ما هو حسي، والذي يندرج تسريد اللمس في سياقه كعامل من عوامل التواصل. لقد كان لقاءهما في بريطانيا، وبحسب ملفوظات الحالة، قد بدأ بالتواصل المرئي. وهو الأمر الذي جعل راوية تصف يد بحر بالإيروسية: "يدك الإيروسية" (ص 23). وقبل ذلك، قالت: "فيدي تأكُلني لكي المسكَ، فمن ناحيتي، اللمس ليس كله شهوانياً، في لحظة أو لحظات منه يدخل فيه الغيظ والاحتجاج" (ص 11). وهنا، لا بدَّ من التوقف عند ما يمكن أن تحُيل عليه هذه الوحدة القرائية؛ فللمس حكاية في حياة راوية؛ راوية التي تحدَّثت عن قرص والدتها لها، ذلك القرص الذي كان يتأرجح بين المداعبة والحقد والغيظ وعدم الرِّضا عن المقروص. أما برنامج لمس بحر لها، فهو سيبقى شهوانياً مذ لحظة اللقاء تلك، وهو ما أعادت سرده راوية مع نفسها. ولو أردنا أن نعود إلى الصوت، فإننا نتذكَّر ما قالته راوية مخاطبة بحر عن بُعد: "وأنت تُطعمني صوتك باليد قطرةً قطرة" (ص 11). وما هو معروف أن إطعام شخص باليد لا بدَّ وأن يترك للمس حرية الحضور. على أن "اليد" ستدخل في مدار مصغَّر أيضاً باعتبارها عاملاً مساعداً في الكشف عن طبيعة الرغبة بلمس اليد: "يدكَ الإيروسية كانت حازمة في التقاط ضوئي أفضل من عينيك، فتحاول وضعي في فتحة يدكَ قبل العدسة، فتلتقط إيماءة يدي، حركة جفوني قبل أن تُطبق، خصلة شعري وقد تلبَّدت من العرق الشديد" (ص 23). من هنا بدأ تمثيل مهرجان اللمس، وذلك عندما كانت راوية برفقة بحر في مدينته برايتين يوم أراد أن يصوِّرها بعدسة الكاميرا الخاصة به. ولعل هذه الوحدة القرائية تكشف لنا، بقدر ما تضمر، عن علامات الكون المحسوس كالضوء، وفتحة اليد، والعدسة، والإيماءة، والجفون، وخصلة الشَّعر، والعرق. ليس هذا فحسب؛ وليس بعيداً أيضاً عن عدسة بحر: "كما كنتَ تفعل وأنتَ تغريني من وراء العدسة، وروح يدك ورغبتها في لمسي أطول فترة ممكنة تحدِّد اللقطة" (ص 34). إننا نلاحظ تكرار ملفوظ اليد لمرتين في الوحدة القرائية ما قبل السابقة، وتكرارها مرة واحدة في الوحدة القرائية اللاحقة التي صار اللمس بالكف فيها مجرَّد مثير رغبة، بحسب دلالة سطح النَّص، بينما سيتطوَّر تمثيل فعل اليد لمساً في وحدة قرائية أخرى سبق وأن تطرَّقنا إليها، وفيها اعتقدُ أن مدلول ملفوظ "يدكَ الإيروسية" سيكون دالاً على فعل اللمس بمعناه الرغبوي، وذلك عندما طلبت راوية من بحر أن يمرِّر كفِّه على جسدها: "رائحة حيضي كانت تعاودني بجميع المثيرات المزعجة واللذيذة وأنت تُدرِّب يديك على ظهري، أنا التي طلبتُ منك: هيا يا بحر، مرِّن يدك، من تحت الثياب" (ص 21). إن يد بحر ليست مجرَّد يد بشرية، فبحسب هذه التمثيلات، نعتقد أنها أيقونة ذكورية دالة على فعل اللمس المرغوب به؛ فراوية، ومنذ ذلك اللقاء، جعلت من يد بحر لساناً ينطق صورة؛ اللسان البديل المرغوب به من جانب راوية بوصفها عضواً ذكرياً تفتقد إليه، وجعلت من الكف كلامه، بل إنها، وفي أثناء نومهما معاً على سرير الانتعاض، طلبت منه أن تكون يده الإيروسية أداة تهييج كان اللمس معولها المرغوب به في حرث نار الرغبة وحرقها فعلاً كان مأمولاً. وهذا ما نجده في وحدات قرائية أخرى؛ "خصلات شعري تريد، هي أيضاً، تحقيق بعض النجاح على يديك" (ص 190). إن الشعور بالامتلاك؛ امتلاك يدي بحر من جهة راوية، قابله فعل امتلاك جسد بحر من جهة راوية نفسها "وأنت بين ذراعيِّ، فلا أدع نفساً منك يذهب هباء" (ص 191). و"هيا درِّب يديك الاثنتين على ظهري. مد يدك، ليس من فوق الشال والثوب، أزحهما قليلاً، وجُس كل المسام والخلايا" (ص 166). وغير ذلك. وهكذا، يتعاضد الصوت، والشَّم، واللمس، وما دار في فضائهم، لخلق مشهديَّة التواصل المحكي في برامج ومدارات مسرَّدة في الرواية. إنه الاحتفاء الكرنفالي بالمرئي والمحسوس استطاعت الناصَّة أو عالية ممدوح الخوض في غماره بلغة سردية طافحة الأداء من خلال شخصيات حكائية أضاعت الغربة الكثير من حيويتها وقوتها البشرية فآثرت اللعب بما تبقى لها من أهواء ومشاعر ورغبات ممكنة.



    الهوامش ــــ (1) ولدت عالية ممدوح في العراق عام 1944، كتبت في الصحافة العراقية، ومنها في جريدة (الراصد)، كتبت القصة القصيرة، لكنها تحولت إلى كتابة الرواية، ولها في هذا المجال سبع روايات، هي: "ليلى والذئب/ بغداد 1981، و"الولع/ 1995"، و"حبات النفتالين/ بيروت/ 2000"، و"الغلامة/ لندن، 2000"، و"محبوبات/ لندن 2003"، "التشهي/ بيروت، 2007"، "غرام براغماتي/بيروت، 2011". (2) عالية ممدوح: غرام براغماتي، رواية، دار الساقي، بيروت، 2011. (3) د. عبد المالك أشهبون: العنوان في الرواية العربية، ص 14، دار محاكاة للنشر والتوزيع، دمشق، 2011. والوقع أن العنونة في "الكتابة سيرورة ثقافية لأنه تحدد كثيرا من خصائص النصوص، ومن شروط تبادلها بين الكتاب والمستعملين؛ فالعنوان، بناء على بنيته التركيبية، وعناصر المعجمية والدلالية، يمكن أن يُفضي إلى تجنيس النَّص، والى تحديد شكله دلالته. وترجع هذه الأهمية إلى وضعيته الخاصة بالمقارنة مع العناصر الأخرى، فهو أول عنصر يتم تبئيره في النَّص من طرف الكاتب الضمني. ويمنح، هذا التبئير، للعنوان سلطة خاصة، حيث يمكن أن يُبرمج قراءة النَّص من قبل المسرود ـ له والقارئ، ويفعل في كل تأويل ممكن للنص". راجع كتاب الدكتور عبد المجيد نوسي: التحليل السِّيميائي للخطاب الروائي، ص 109. شركة النشر والتوزيع، الدار البيضاء، 2002. (4) حول مفهوم "البياض"، اُنظر دراسة هشام القلفاط: "البياض مكوناً من مكونات الخطاب الواصف"، بحث منشور في كتاب: "مقالات في تحليل الخطاب"، مجموعة باحثين، منشورات كلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة ـ تونس، 2008. (5) راجع حول هذا الموضوع كتاب جاك أندرييه: "النزوع الجنسي الأنثوي"، ترجمة: اسكندر معصب، ص 149 وما بعدها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2009. (6) عبد اللطيف محفوظ: المعنى وفرضيات الإنتاج، ص 166، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008. (7) للمزيد حول توظيف هذا المفهوم، راج كتاب الدكتور عبد الواحد المرابط: السِّيمياء العامة وسيمياء الأدب، ص 109، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2010. (Cool برجيت مينياي: تناوبات العطر/ حاسة الشَّم وسيكولوجية التلقِّي، مقال، ترجمة: المنتصر الحملي، مجلة (الرافد)، العدد (167)، ص 37، الشارقة، 2011. وللمزيد حول الرائحة كعلامة في السرد الإبداعي، راجع كتابنا: (الجسد في الرواية الإماراتية)، ص 118 وما بعدها، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، أبوظبي، 2010. (9) د. حميد لحمداني: بنية النَّص السَّردي، ص 35، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000.


    مجلة آفاق أدبية
    العدد 1

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:45 am