منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.

    - صلاح فضل ونظرية البنائية في النقد الأدبي

    شاطر


    تاريخ التسجيل: 31/12/1969

    - صلاح فضل ونظرية البنائية في النقد الأدبي

    مُساهمة   في الجمعة يناير 15, 2010 7:31 am

    - صلاح فضل ونظرية البنائية في النقد الأدبي




    وإذا كان زكريا إبراهيم قد جاء بكتاب بنيوي
    شامل، وأغفل النقد البنيوي، فإن (صلاح فضل) قد وضع كتابه (نظرية البنائية في النقد
    الأدبي) 1977(2) للنقد وحده. ولعله أفضل كتاب وُضع بالعربية عن التنظير للنقد
    البنيوي آنذاك، لأنه كتاب علمي جاد، وضع بلغة نقدية، وعالج أصول البنيوية،
    واتجاهاتها، ومستوياتها. وضرب في الصميم، فتحدث عن أصول البنيوية لدى سوسير،
    والشكلانيين الروس، وحلقة براغ اللغوية، والمدرسة الألسنية الأمريكية. ثم عرف
    بالبنية وبالبنيوية، وتحدث عن تطبيقاتها في العلوم الإنسانية، وعن معاركها مع
    الوجودية. كما تحدث عن البنيوية في حقلي الأدب والنقد، وعن لغة الشعر، وتشريح
    القصة، والنظم السيميولوجية.



    وبداية يصر الباحث على استعمال تسمية (البنائية)
    بدلاً من (البنيوية) قائلاً: "إن بعض الباحثين يستخدم كلمة بنيوية نسبة إلى
    البنية، وهو اشتقاق صائب لولا أنه يجرح النسيج الصوتي للكلمة بوقوع الواء (كذا!)
    بين ضرّتيها، بما يترتب على ذلك من تشدق حنكي عند النطق. وهذا ما جعلنا نعدل عن
    هذه التسمية ونفضل عليها (البنائية) لسلاستها وقرب مأخذها" (ص 17). ومن
    الواضح تهافت هذا التعليل، فتسمية (البنيوية) هي التي شاعت وانتشرت ليس في بلدان
    المشرق العربي فقط، بل وفي بلدان المغرب الذي كان يعتمد تسمية (الهيكلية).



    ثم يصنف الباحث أصول البنيوية في أربع مدارس هي:


    1-مدرسة جنيف.


    2-ميراث الشكليين الروس.


    3-حركة براغ اللغوية.


    4-علم اللغة الحديث.


    والواقع أنه يمكن دمج الأرقام 1 و3 و4 في واحد،
    باعتبارها (بنيوية ألسنية)، فتصبح أصول البنيوية عنده اثنتين: الألسنية،
    والشكلانية. وتناسى مدرستين أساسيتين أسهمتا في تكوين البنيوية هما: (النقد
    الجديد) في أمريكا وبريطانيا، والذي كان يكتفي بدراسة (الكلمات على الصفحة) دون أن
    يعود إلى مرجع اجتماعي أو سياسي، كما تناسى (الأعلام الرواد) البنيويين الذين
    طبقوا المنهج البنيوي على حقول العلوم المختلفة، مثل كلود ليفي شتراوس في
    الأنثربولوجيا البنيوية، وجاك لاكان في التحليل النفسي البنيوي، ولويس ألتوسير في
    الماركسية البنيوية، وميشيل فوكو في الأبستيمولوجيا البنيوية. وعلى هذا فإن أصول
    البنيوية ينبغي أن تكون أربعة، هي:



    1-الألسنية.


    2-الشكليون الروس.


    3-النقد الجديد.


    4-البنّاؤون الكبار.


    أما (مدرسة جنيف) فمصدر الباحث فيها (دروس في
    علم اللغة العام) لسوسير أبي الألسنية البنيوية الذي استطاع أن يؤسس مدرسة لغوية
    حديثة أصبحت نموذجاً للعلوم الإنسانية. ولم يترك سوى محاضرات شفوية كان قد ألقاها
    على طلابه في جنيف، نشرها طلابه عام 1916 بعد وفاته في كتاب (دروس في علم اللغة
    العام) الذي تُرجم إلى معظم لغات العالم، ومن أهم ما جاء فيه: ثنائية النظم
    اللغوية في مقابلات ثنائية تكشف عن علاقاتها التي تحدد طبيعتها وتكوينها. وأهم هذه
    المقابلات: ثنائية اللغة والكلام، وثنائية المحور الثابت والمحور المتطور، وثنائية
    النموذج القياسي والنموذج السياقي، وثنائية الصوت والمعنى...



    فثنائية اللغة/ والكلام تعني أن (اللغة) حصيلة
    اجتماعية، ومجموعة من المصطلحات الضرورية التي تتخذها الهيئة الاجتماعية لإتاحة
    الفرصة أمام الأفراد للتواصل بينهم، بينما (الكلام) فردي.



    والمحور (الثابت) في اللغة هو المحور الوصفي.
    أما المحور (المتطور) فهو المحور التاريخي الزمني. والأول يتناول جميع المظاهر
    التي تتصل بأوضاع النظم اللغوية من الوجهة الوصفية، بينما يتناول المحور الثاني
    عوامل وأشكال التطور التاريخية المختلفة. ويقارن سوسير اللغة بلعبة الشطرنج،
    فعندما ندرس انتقال لعبة الشطرنج من إيران إلى أوربا فإن هذا يعتبر شيئاً خارجياً
    (التاريخي). أما عندما ندرس نظام لعبة الشطرنج وقوانينه فإننا عندئذ نكون أمام
    عناصره الداخلية (الوصفي).



    وأما العلاقات السياقية فتقوم بين الكلمات في
    تسلسلها، معتمدة على خاصية اللغة الزمنية كخط مستقيم، تتابع فيه العناصر بعضها
    بعضاً، وتتآلف في سلسلة الكلام (مثل الله أكبر، الحياة الإنسانية، الطقس جميل).
    فإذا أخذنا أي كلمة من هذه السلسلة السياقية لوجدنا أنها تثير كلمات أخرى بالتداعي
    والإيحاء: فكلمة تعليم مثلاً تتوارد معها على الذهن كلمات أخرى مثل: تربية، ومعلم،
    وعلم، ومدرسة... الخ. وهذه التوافقات لا تعتمد على الامتداد الخفي، وإنما على
    الذهن، فهي (إيحائية).



    وأما النظام اللغوي فهو ليس سوى مجموعة من
    الفوارق الصوتية المتآلفة مع مجموعة أخرى من الفوارق الفكرية. وهذه المقابلة بين
    عدد من الرموز السمعية وعدد آخر من الأفكار تولد نظاماً من القيم الخلافية يمثل
    الرابطة الفعالة بين العناصر الصوتية والنفسية داخل كل رمز.



    ويرى (سوسير) أن الكلمات هي مجرد (علامات) أو
    إشارات للأشياء، وأنها تحتوي شيئين معاً: (الدال)، و(المدلول). والعلاقة بينهما
    اعتباطية، بخلاف العلاقة الرمزية التي تفترض سبباً. وبينما ينطبق الدال على
    المدلول تماماً في حالة العلاقة اللغوية، فإن الأمر يختلف عن ذلك في الرمز: فلكل
    من الضوء الأحمر والأخضر في إشارات المرور قيمته الدلالية: فالأحمر يثير معنى
    الخطر والدم والعنف (قف)، والأخضر يثير معنى الأمل والاطمئنان والهدوء (سِرْ).
    و(الدال) هو الترجمة الصوتية لتصور ما، و(المدلول) هو المستثار الذهني لهذا الدال.
    ومن هنا تتضح وحدتهما في الكلمة (العلامة) اللغوية، حتى إن سوسير يشبههما بوجهي
    الورقة الواحدة، إذ لا نستطيع عزل الصوت عن الفكر ولا الشكل عن المحتوى. ولا شك أن
    هذه المبادئ والقوانين الألسنية التي وضعها سوسير كان لها أبلغ الأثر في النقد
    البنيوي الذي هو أساساً نقد ألسني.



    *


    وأما المصدر الثاني للبنيوية فهو (الشكلية
    الروسية). ومصدر الباحث فيها هو فكتور إرليش في كتابه (الشكلية الروسية) 1969،
    وياكوبسون في كتابه (نظرية الأدب) 1965، وتودوروف في كتابه (نظرية المنهج الشكلي)
    1965.



    ومن المعلوم أن المدرسة الشكلية الروسية ازدهرت
    في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين: ففي عام 1915 قامت مجموعة من طلبة
    الدراسات العليا بجامعة موسكو بتشكيل (حلقة موسكو اللغوية) كحركة تستهدف استثمار
    الطليعة الأدبية، والقضاء على المناهج القديمة في الدراسات اللغوية والنقدية. وبعد
    عام انضمت إلى صفوفهم مجموعة أخرى من النقاد وعلماء اللغة فألفوا جمعية دراسة
    اللغة الشعرية التي عرفت باسم (أوباياز)
    Opojaz ومن هذين المركزين تشكلت
    الشكلية الروسية.



    لقد ولدت الشكلية الروسية في ظل ثورة أكتوبر
    الاشتراكية الروسية التي انفجرت عام 1917، وفي ظل الحرب العالمية الأولى التي
    تلتها. وعندها حددت الثورة موقفها من الأدب، أواخر العشرينات، وجندته لخطط
    التنمية، وحلت جميع المنظمات الأدبية، وأدمجتها في منظمة موحدة يشرف عليها الحزب،
    واعتبرت كل خروج على الإيديولوجية الماركسية انحرافاً ينبغي القضاء عليه، فوجد
    زعماء الحركة الشكلية أنفسهم أمام أحد أمرين: إما الصمت والرضا بالموت الأدبي، أو
    التراجع عن الأبحاث الشكلانية البعيدة عن الإيديولوجية. ولهذا انفرط عقد الجماعة:
    فانزوى معظمهم، وهاجر ياكوبسون، وتراجع شكلوفسكي عن آرائه، وصارت سمة (شكلي) سبة
    في عهد الثورة، وتهمة سياسية تستحق العقاب على الرغم من أنهم رفضوا تسميتهم
    (الشكليين) من طرف خصومهم، ورغبوا في استبدالها بـ(المنهج الصرفي). وكان بروب
    أشدهم تمسكاً بهذه التسمية، حتى لقد جعلها عنوان كتابه الذائع الصيت (صرف الحكاية
    = مورفولوجيا الحكاية).



    لقد استبعد الشكلانيون الثنائية التقليدية:
    الشكل/ والمضمون، وأحلوا محلها المادة/ والإجراء، حفاظاً على الوحدة العضوية للعمل
    الأدبي. وقالوا باستقلال العمل الأدبي عن العناصر الخارجة عنه: فالأدب عندهم ظاهرة
    لغوية سيميولوجية، والنقد هو مواجهة الأثر الأدبي نفسه، لا ظروفه الخارجية التي
    أدت إلى إنتاجه. فالأدب نفسه هو موضوع (علم الأدب)، يقول ياكوبسون: "إن هدف
    علم الأدب ليس الأدب بل (الأدبية)، أي العناصر المحددة التي تجعل من الأدب عملاً
    أدبياً". ومن هنا فقد رفض الشكلانيون التفسيرات النفسية والاجتماعية للأدب،
    لأن الأدب عندهم يتجاوز نفسية مبدعه، ويكتسب خلال الموضعة الفنية وجوداً خاصاً
    مستقلاً.



    والتحليل اللغوي للأدب هو الهدف الأساسي للبحث
    النقدي عند الشكلانيين. وهو وصف للعمليات الوظيفية في النظم الأدبية، وتحليل
    لعناصرها الرئيسية، وتعديل لقوانينها لتصبح على مستوى المعارف السائدة. وهذا الوصف
    العلمي للنص الأدبي هو الذي يتيح الفرصة لإقامة العلاقات بين عناصره. وقد تركزت
    جهود الشكلانيين في مرحلتهم الأولى على تحليل الشعر، فميزوا بين المستويات الصوتية
    العامة والصوتية اللغوية. وبحثوا مشاكل الوزن والإيقاع باستفاضة. وحللوا علاقة هذه
    العناصر بالمستويات الصرفية والنحوية والدلالية.



    وقد اعتمدت نظرية النظم الشعري عندهم على
    مبدأين:



    1- التأكيد على وحدة العضوية للغة الشعر.


    2- تصور العنصر المسيطر كخاصية تعتبر المحور
    المنظم للصياغة. العامل البنيوي المسيطر في بيت الشعر، والذي يكيف بقية العناصر،
    ويمارس تأثيره الحاسم على جميع المستويات الصوتية والصرفية والدلالية هو (الإيقاع)
    الذي يتجلى في التناوب الزمني المنظم للظواهر المتراكبة. وقد اعتبروا الوزن حالة
    من حالات الإيقاع. كما أدخلوا القافية في تأسيس الإيقاع الذي اتسع لديهم ليشمل
    مظاهر عديدة من تركيب النسيج اللغوي للشعر، على الرغم من تعارض بعض هذه العوامل
    لبعضها الآخر، إلا أن هذا يخلق لوناً من التوازن لا يمنع من قوة بعضها وغلبتها على
    ما سواها.



    على أن وجود (الإيقاع) ليس في الشعر وحده، وإنما
    هو في النثر أيضاً، فقد أثبت الشكلانيون أن النثر الأدبي ليس مجرد مادة هلامية
    مشوشة مضادة للإيقاع، وإما يمكن التأكيد بأن التنظيم الصوتي يحتل مكاناً فيه لا
    يقل أهمية عن التنظيم الصوتي للشعر، وإن كانت طبيعة كل منهما تختلف: فقد نرى في
    النثر تنظيماً موسيقياً دون أن يصبح شعراً، كما في النثر الموقّع، وقد نرى في
    الشعر نقصاً في الإيقاع دون أن يتحول إلى نثر كما في الشعر الحر مثلاً.



    وتتمثل خاصية الشعر التي تميزه عن النثر- عندهم-
    في أن الكلمة الشعرية يتم تلقيها ككلمة، وليست مجرد تمثيل لموضوع مدلول عليه، أو
    تفجير لشحنة عاطفية. وبهذا فإن الكلمات بتركيبها ومعناها وشكلها الخارجي والداخلي
    معاً تكتسب ثقلاً وقيمة بنفسها في الشعر. وعلى هذا فإن لغة الشعر- عندهم- تتميز
    بأنها (نظام) لغوي تتراجع فيه الوظيفة التوصيلية إلى الوراء، وتكتسب الأبنية
    اللغوية قيمة مستقلة. وفي مرحلة تالية تجاوز الشكلانيون المرحلة الصوتية إلى
    المرحلة الدلالية، فركزوا على العلاقة بين الصوت والمعنى، وأدركوا أبعاد فكرة
    الرمز اللغوي.



    وأما في مجال السرد، فلعل أهم ما جاء به
    الشكلانيون هي نظرية (بروب) في (صرف القصة) وما كان لها من أثر كبير في الفكر
    النقدي المعاصر للرواية. وهي ترى أن صرف (أو مورفولوجيا) القصة، إنما يدرس الأجزاء
    التي تتكون منها القصة، وعلاقة هذه الأجزاء ببعضها بعضاً، وبالمجموع. أو بعبارة
    أخرى (دراسة بنية القصة). وقد اختار (بروب) الحكايات الشعبية الروسية، وصنفها في
    ثلاثة أنواع هي: حكايات العجائب، وحكايات العادات، وحكايات الحيوانات. ولكنه وجد
    هذا التصنيف يفتقر إلى معيار ثابت، وأن هناك قيماً ثابتة (كالأعمال، والوظائف)،
    وأخرى متغيرة (كالأسماء والصفات التي تتسم بها الشخصيات)، وأن المعيار الدقيق هو
    دراسة القصة انطلاقاً من (وظائف شخصياتها) باعتبارها قيماً ثابتة. وقد درس (بروب)
    هذه الوظائف في القصص فوجدها لا تتجاوز إحدى وثلاثين وظيفة هي: (الابتعاد،
    والتحريم، وارتكاب المحرم، والسؤال، والبيان، والخديعة، والتواطؤ، والحرمان،
    والتوسط، وبداية العمل المضاد، والرحيل، وعمل الواهب الأول، ورد فعل البطل، وتلقي
    الشيء المسحور، والانتقال عبر المكان، والصراع، وعلامة البطل، والنصر، وإصلاح
    الضرر، وعودة البطل، والمطاردة، والنجدة، والوصول غير المتوقع، والأغراض الخادعة،
    والمهمة الصعبة، والقيام بها، والتعرف، واكتشاف الخديعة، وتحول الشكل، والعقاب،
    والزواج). وبهذا وضع (بروب) قانوناً ثابتاً للسرد ما يزال يسترشد به النقد
    المعاصر.



    وفي (تاريخ الأدب) تبلورت أفكار الشكلانيين حوله
    بشكل منهجي منظم في البيان الذي أصدروه عام 1928، واستخدموا فيه- لأول مرة- كلمة
    (بنيوية) بطريقة منهجية، وأكدها ياكوبسون في بحثه أمام مؤتمر اللغات السلافية عام
    1929 والذي دار حول وظائف اللغة الشعرية تبعاً للمنهج البنيوي. وقد جاء في بيان
    الشكلانيين: إن تاريخ الأدب تربطه وشائج حميمة بالعلوم الأخرى، ويقتضي من دارسيه
    الإلمام الكامل بالقوانين التي تحكمه. ومن المستحيل إقامة علاقة دقيقة بين الأنظمة
    الأدبية وغيرها دون معرفة هذه القوانين. وإن التطور الأدبي لا يمكن فهمه بطرح
    مشاكل تعرض عليها من خارج نظمه الخاصة، مثل مشاكل الإبداع النفسية، أو التأثيرات
    الخارجية.



    وقد حرص الشكلانيون على إبراز حقيقة عدم
    الاستقرار في الأشكال الأدبية، مما يجعل دراسة وظائف هذه الأشكال ضرورياً،
    والتمييز بين العمل الأدبي كحقيقة تاريخية في ذاته، وحرية تأويله من وجهة نظر
    التطلعات المعاصرة للأذواق والمصالح الأدبية.



    لكن الشكلانية آذنت بالقصور عندما أغفلت رصد
    علاقات الأدب المتشابكة بالظواهر الثقافية والاجتماعية المختلفة، وتجاهلت الوحدة
    النفسية للإنسان الاجتماعي الذي يبدع ويستهلك ما صنعته يداه. ومن هنا عودة بعض
    أعلامها عن مبدئهم في عزل موضوع دراستهم نهائياً. كما فعل شلوفسكي في كتابه
    (المصنع الثالث) 1926 الذي حاول فيه التوفيق بين نظرية الأدب والبحث النفسي والاجتماعي،
    قائلاً: "إن الهوة التي كانت تفصل بين الشكلانيين والإيديولوجيين قد أخذت
    بالانكماش". واعترف في كتابه (نظرية النثر) بتأثير الظروف الاجتماعية على
    الأدب من خلال اللغة، فقال: "لقد شغلت في دراساتي النظرية بالقوانين الداخلية
    للأدب. وإذا كان لي أن أستخدم عبارة مأخوذة من المجال الصناعي فإنني كنت كمن لا
    يشغل بوضع القطن ومنتجاته في الأسواق العالمية والسياسة الاحتكارية المتبعة فيه،
    وإنما يركز اهتمامه على مشاكل الغزل والنسيج من الوجهة الفنية".



    وقد أُخذ على الشكلانيين اقتصارهم الأدب على بعض
    جوانبه، فهم يقفون عند مستوى التفصيلات الجزئية دون أن يعالجوا كلية العمل الأدبي.
    غير أنه ينبغي ألا ننسى أنهم قد جدوا في التمييز، داخل العمل الأدبي نفسه، بين
    مستويات متراكبة، ابتداء من المستوى الصوتي والأسلوبي والإيقاعي، إلى المستوى
    الوظيفي العام، إضافة إلى أن التحليل الأدبي الشكلي يتعدى هذه المستويات إلى تعدد
    الدلالات.



    *





    المصدر الثالث للبنيوية هو (حلقة براغ اللغوية)
    التي أسستها طائفة من علماء اللغة في تشكوسلوفاكيا، وقد ضمت مجموعة من الباحثين
    الذين ينتمون إلى بلاد أخرى كروسيا وهولندا وألمانيا وانكلترة وفرنسا. وقد صاغوا
    جملة من المبادئ الهامة تحت عناوين (النصوص الأساسية لحلقة براغ اللغوية) تقدموا
    بها إلى المؤتمر الدولي الأول لعلماء اللغة الذي عقد في لاهاي عام 1928. وفي العام
    التالي قدّموا الجزء الأول من دراستهم الجماعية بعنوان (الأعمال) التي ظلت تصدر
    تباعاً حتى عام 1938 حيث صدرت منها ثمانية أجزاء. وفي عام 1930 ظهرت أول دراسة
    منهجية في تاريخ الأصوات اللغوية من إعداد ياكوبسون الذي كان المحرك الأساسي
    للحلقة، والذي كان في براغ ملحقاً ثقافياً، حيث وجد الجو المناسب لآرائه، بعد أن
    أدرك أن المناخ الذي كان سائداً في وطنه سيخنق نظرياته التي التقت بأفكار المثقفين
    الأوربيين في وجوب تعميق الدراسة الوصفية للغة.



    وقد أخذ باحثو حلقة براغ بدراسة القوانين التي
    تحكم بنية النظم الصوتية. ويُعتبر استكشاف هذا الميدان من أهم المكاسب العلمية
    التي أسهمت فيها الحلقة، خاصة وأنها استطاعت أن تتجاوز المرحلة الجزئية إلى
    المرحلة البنيوية، حيث تولى ياكوبسون تنمية هذا الاتجاه البنيوي في دراسة
    الصوتيات، معتمداً منهجاً متكاملاً، ومشيراً إلى أن كل حدث صوتي هو وحدة جزئية
    تنتظم مع وحدات أخرى في مستويات مختلفة. ولا يكفي مجرد وصف التغيرات، إذ لا بد من
    تفسيرها وشرحها: فالوصف يوفر البيانات اللازمة، ولكن ينبغي الانتقال بعد ذلك إلى
    السياق التاريخي، إذ أن الثبات في اللغة مجرد فرض علمي.



    ومع أن حلقة براغ اشتهرت بدراساتها الصوتية
    الدقيقة، فإنها أسهمت أيضاً في تحليل لغة الشعر، فرأت أنه لا بد لوضع مبادئ وصف
    لغة الشعر من مراعاة الطابع الثابت المستقل لها، تفادياً لخطأ شائع يتمثل في الخلط
    الدائب بينها وبين لغة التواصل والتفاهم العادية، إذ تتميز اللغة الشعرية بأنها
    تكتسب صفة الكلام من حيث هي عمل فردي يعتمد على الخلق والإبداع، ويرتكز على
    التقاليد الشعرية ولغة الحياة. وهما عنصران متضادان، إذ كلما اقتربت لغة الشعر من
    لغة التفاهم تعارضت مع التقاليد الشعرية. وكلما تواطأت مع هذه التقاليد ابتعدت عن
    حيوية الخلق العفوي.



    والمستويات المختلفة للغة الشعر (من صوتية،
    وصرفية، ونحوية، وبلاغية...) ذات صلات حميمة فيما بينها، بحيث يستحيل عزل أحدها
    عما سواه. والعمل الشعري هو بنية وظيفية لا يمكن فهم عناصرها المختلفة خارج نطاق
    علائقها المشتركة. وتعتبر القيم الصوتية في لغة الشعر نقطة الانطلاق في وصف البنية
    الشعرية، وهي تشمل مقارنة استخدام الحروف، ومشاكل الإيقاع، وهو المبدأ المنظم
    للعناصر الصوتية الأخرى، وتأثير القافية الذي لا يقف عند حد النظام الموسيقي
    الصوتي، وإنما هو وثيق الصلة أيضاً بالنظم الصرفية والنحوية والأسلوبية وحتى بمعجم
    الشعر.



    ولما كان ياكوبسون هو أكثر الجماعة اهتماماً
    بقضايا الشعر، فإننا نعثر في كتاباته على العناصر الأساسية التي تعتبر امتداداً
    وتنمية لمرحلة المدرسة الشكلانية، وذلك في بحثه (عن الشعر) الذي نشره عام 1933
    وقال فيه: "إن الخاصية المميزة للشعر تتمثل في أن الكلمة فيه تتلقى ككلمة،
    وليس كمجرد محاكاة لشيء محدد، ومن هنا تكتسب الكلمات ودلالاتها ثقلاً وقيمة خاصين
    بها". وعلى ذلك فإنه ينبغي تأكيد استقلال لغة الشعر، وتحديد الطريقة التي يتم
    بها تحليلها تحليلاً وصفياً باعتبارها عملاً فردياً مبدعاً يؤدي إلى إنتاج لغة
    تعتبر بدورها جزءاً من التقاليد الشعرية. ثم تُدرس نتائج هذا التحليل في إطار أوسع
    يشمل جميع ارتباطاتها التاريخية، بهدف الوصول إلى وحدة الإنتاج الشعري في اللغة.
    هذه الوحدة التي كثيراً ما تتوارى في الدراسات التقليدية التي تفصل بين الجوانب
    الصوتية والصرفية والتاريخية، ولا تدرك أن لغة الشعر إنما تمثل بنية وظيفية لا
    يمكن فهم عنصر منها خارج نظامها المتكامل، كما أنه لا يمكن وضعها في هياكل وجداول
    مسبقة ومعرفة وظائفها خارج سياقها. وعلى حين تقوم لغة النثر بوظيفتها التوصيلية،
    فإن لغة الشعر تكتسب استقلالاً خاصاً وقيمة مميزة، وتجنح إلى استبعاد عنصر الآلية
    والمراتب المسبقة، كاشفة بذلك عن نوع خاص من الدلالة الشعرية.



    ومن مبادئ حلقة براغ ما وضعه الفيلسوف جان
    موكاروفسكي
    J.Mokaroyovsky الذي رأى أن النشاط اللغوي للحلقة يجب ألا يقتصر على الجانب
    اللغوي وحده، وإنما ينبغي أن يتعداه إلى الطبيعة السميولوجية للفن، وإلى دور
    الفاعل في الفكر الوظيفي، وإلى خواص الوظيفة الجمالية وعلاقاتها بالوظائف الأخرى،
    وإلى دراسة الرموز والعلاقات. ولا يتجلى دور الفاعل الوظيفي (النحوي) في شخص
    المؤلف، وإنما في شخص المرسِل (أو المسند إليه): ففي جملة (حواء تعطي التفاحة
    لآدم) نجد أن حواء هي (الفاعل) لأنها نقطة الانطلاق في العلاقة المزدوجة بين حواء
    والتفاحة. ومثلها (آدم يتلقى التفاحة من حواء) حيث اختلف الفاعل النحوي لكن الفاعل
    الدلالي ظل كما هو.



    وقد طبّق غريماس هذا النموذج الدلالي على
    الفلسفة، حيث وضع الترسيمة التالية:






    في
    الفلسفة المثالية


    في
    الإيديولوجيا الماركسية


    الفاعل

    هو
    الفيلسوف


    هو
    الإنسان


    الموضوع

    هو
    العالم


    هو
    مجتمع بلا طبقات


    المرسِل

    هو
    الله


    هو
    التاريخ


    المرسَل
    إليه


    هو
    الإنسانية


    هو
    الإنسانية


    المساعد

    هو
    الروح


    هو
    الطبقة العاملة


    العائق

    هو
    المادة


    هو
    الطبقة البرجوازية





    وهذا (النموذج) يذكرنا بنظرية (بروب) في التوزيع
    الوظيفي للأدوار والشخصيات في الحكايات الشعبية، بل لعله من ذرية بروب أيضاً كتاب
    الناقد الفرنسي (ايتين سوريو): (مائتا ألف موقف مسرحي) الذي أحصى فيه الوظائف التي
    تقوم بها شخصيات المسرحيات فوجدها في ست وظائف هي:



    1-وظيفة الأسد، وتمثل القوة الموضوعية
    الموجهة.



    2-وظيفة الشمس، وتمثل الخير المرغوب فيه
    والقيمة الموجهة.



    3-وظيفة الأرض، وتمثل ما يحصل للخير الذي
    يعمل من أجله الأسد.



    4-وظيفة المريخ، وتمثل المعارض أو
    العائق.



    5-وظيفة الميزان، وتمثل الحكم الذي يهب
    الخير.



    6-وظيفة القمر، وتمثل المساعد الذي يعزز
    إحدى القوتين السابقتين.



    وبهذا يبتعد علم الجمال البنيوي عن التقاليد
    الفلسفية المثالية. وقد أصبحت هذه الفكرة من المحاور البنيوية التي تخلصت من وهم
    (الفاعل) المستقل ذي السلطة المطلقة على جميع الأحداث، وقصرته على نطاق (الوظائف)
    التي يقوم بها كما تكشف عنها بنية العمل الأدبي نفسه.



    كما ميز فلاسفة براغ بين التحليل الوظيفي
    لعلاقات الفن بالمجتمع، ونظرية الانعكاس الماركسية، على أساس أن تطور الأبنية
    الفنية دائب ومستمر وخاضع لقوانينه وحركته الداخلية الخاصة به. ولهذا فهم يرفضون
    التسليم بأن الفن تابع مباشر للتطور الاجتماعي، حتى مع الاعتراف بالقوى الخارجية
    التي تمارس تأثيراً ما على الأبنية الفنية، إذ أن طريقة الاستجابة لهذا التأثير
    وتوجيهه تخضع لعوامل جمالية منبثقة من الفن نفسه. وهي لا تسمح بقيام علاقة سببية
    آلية بين الفن والمجتمع، كما لا تؤدي إلى الحكم بأن نظاماً اجتماعياً ما يولد
    بالضرورة شكلاً معيناً للإبداع الفني.



    وهكذا خطت حلقة براغ بالدراسات البنيوية خطوات
    هامة، حيث جنحت إلى التخلص من الطابع الشكلي البحت، ولم تعد قاصرة على الدراسات
    اللغوية والأدبية بل مدت اهتمامها إلى المجالات الاجتماعية والنفسية والفلسفية،
    دون أن تغفل علم اللغة كنموذج لهذه الدراسات. ولعل من أكبر مكاسبها دعوتها إلى
    تطوير فكرة تعدد الوظائف للوحدات البنيوية، واعتمادها على بعض العناصر الرياضية في
    تحليلاتها، وعدم اقتصارها على ما يُلاحظ في الواقع المباشر فحسب.



    *


    ثم يعرض الباحث إنجازات (المدرسة اللغوية
    الأمريكية) التي من أبرز أعلامها: سابير، وبلومفيلد، وشومسكي. أما (سابير) فقد نشر
    كتابه (اللغة) عام 1921 أكد فيه الطابع اللاشعوري للبنية اللغوية، وركز على الجانب
    الإنساني لا الغريزي للغة باعتبارها نظاماً من الرموز. كما أكد أن الحقيقة اللغوية
    تتمثل في التصنيف والنمذجة الشكلية للتصورات.



    وأما (بلومفيلد) فقد نشر كاتبه (اللغة) عام 1933
    وعرض فيه الجانب الآخر من النظرية البنيوية الأمريكية. وكان أبعد تأثيراً إذ تربى
    على يديه جيل من الباحثين.



    وأما (شومسكي) فقد جاء بفكرة المستوى البنيوي،
    إذ انتقد الذين سبقوه، لأنهم قصروا اهتمامهم على البنية السطحية للغة ولم ينتبهوا
    إلى ما أسماه (البنية العميقة) للغة. وقد لاحظ أن هذا القصور كانت له نتائج خطيرة،
    إذ أدى إلى استبعاد جانب كبير من المعارف اللغوية التي يمكن الاهتداء إليها بالحدس
    والاستبطان. وتمثل (البنية العميقة) شبكة من العلاقات النحوية، يقوم عليها علم
    معاني القول، بينما تعتمد (البنية السطحية) على المستوى الصوتي وحده.



    والخلاصة أن الألسنية البنيوية (أو الوظيفية) قد
    أصبحت، بدءاً من الأربعينات، محور اهتمام علماء اللغة في أوربا وأمريكا. وكان لها
    فضل الإصرار على دراسة اللغة من وجهة النظر الوصفية، مما أدى إلى تصفية الأحداث
    اللغوية من ملابساتها المتغيرة، وإلى التركيز على النظم الكلية الشاملة، وعدم
    تبديد الجهود في التفاصيل الصغيرة، وإلى إحياء علم الدلالة.



    وكان لهذه الثورة العلمية في الدراسات الألسنية
    تأثيرها الكبير على باحثينا في اللغويات، فاستوعبوا مكاسب الألسنية الحديثة، وبعض
    ما في تراثنا اللغوي، وتناولوا القضايا الألسنية بدقة علمية ترقى إلى أحدث مستويات
    الدراسات اللغوية. ولعل من أشهر دارسينا اللغويين المعاصرين: تمام حسان في كتابيه:
    (مناهج البحث في اللغة)، و(اللغة العربية: معناها ومبناها) حيث استعاض فيهما عن
    استعمال المصطلحات البنيوية بمصطلحات أخرى من مثل (الخصائص التركيبية)، و(المباني
    للمعاني)، و(المعاني الوظيفية). وعرّف بالفكر اللغوي عند (سوسير) و(بلومفيلد)
    وغيرهما، وشرح القرائن اللفظية والمعنوية على أساس تحليل البنية اللغوية، كما شرح
    (نظرية النظم) عند عبد القاهر الجرجاني على ضوء فكرة العلاقات السياقية.



    *


    وبعد أن انتهى الباحث من معالجة مصادر البنيوية
    التي نرى فيها قصوراً واضحاً، وخلطاً بين المصادر والمنجزات: فمن المعلوم أن
    شومسكي بنيوي وليس مصدراً من مصادر البنيوية. انتقل الباحث إلى التعريف بالبنية
    وبالبنيوية وتطبيقاتها في العلوم الإنسانية، فرأى أن مصطلح (البنية) مشتق، في
    اللغات الأوربية، من الأصل اللاتيني
    Stuere الذي يعني (البناء) أو
    الطريقة التي يُشاد بها المبنى. ثم امتد مفهوم الكلمة ليشمل وضع الأجزاء في مبنى
    ما. ولا يبعد هذا المعنى عن أصل الكلمة في الاستخدام العربي القديم للدلالة على
    التشييد والبناء والتركيب. وقد تحدث النحاة عن (البناء) مقابل الإعراب، وتصوروه
    على أنه التركيب والصيغة. ومن هنا جاءت تسميتهم (للمبني) للمعلوم و(المبني)
    للمجهول.



    وأما تعريف (البنية) اصطلاحاً فيعتمد على التصور
    الوظيفي للبنية كعنصر جزئي مندمج في (كل) أشمل. وقد ركز هذا التصور على السياق،
    وعالج به كثيراً من مشكلات اللغة، كمشكلة الترادف (توافق المعنى واختلاف المبنى:
    سكين/ مدية)، ومشكلة المشترك اللفظي (اختلاف المعنى واتفاق المبنى: البِرّ،
    والبَرّ، والبُرّ).



    والنموذج الواضح لهذا التصور هو علم الصوتيات
    الذي يرى في الوحدات الصوتية (الفونيمات) أو الحروف عناصر ذات معنى، ولكنها لا تكتسب
    معناها إلا بدخولها في نظام أشمل منها. وقد استخدم شتراوس هذا التصور الصوتي في
    دراسته لظاهرة القرابة في المجتمعات البدائية.



    و(البنية) في استخدامها العلمي هي (وصف للنموذج)
    لا للواقع المباشر. وفي استخدام مصطلح (البنية) يمكن أن نميز اتجاهين كثيراً ما
    يشتبهان: اتجاه يطلق (البنية) على مجموعة مكونة من (عناصر ذهنية) تقدم تصورات
    ذهنية عن الواقع، واتجاه آخر يطلق (البنية) على مجموعة (العلاقات) القائمة بين
    الأشياء في الواقع نفسه. فهي في الحالة الأولى (نموذج عقلي)، وفي الحالة الثانية
    (جوهر واقعي). وقد اعتمد الاتجاه الأول المفكر الفرنسي ليفي شتراوس وطبّقه على
    الحقل الأنثروبولوجي، منطلقاً من التأثير على تصور أساسي هو أن فكرة البنية
    الاجتماعية لا تشير إلى الواقع التجريبي، وإنما إلى النماذج التي يتم تكوينها
    طبقاً لهذا الواقع. بينما أُطلق على الاتجاه الثاني اسم (البنيوية التكوينية أو
    التوليدية)، ويمثلها العالِم النفسي (جان بياجيه) والناقد الكبير (لوسيان
    غولدمان). وقد قدم (بياجيه) تصوراً نظرياً متكاملاً عن البنية في كتابه (البنيوية)
    وضع فيه ثلاث خصائص للبنية، هي الشمول، والتحول، والتنظيم الذاتي.



    وأما لوسيان غولدمان فقد طبّق التصور البنيوي
    التكويني على مجال الدراسة الاجتماعية للأدب. ومفهوم (البنية) عنده ينطلق من تصور
    بياجيه الذي يرى أن البنية توجد عندما تتمثل العناصر المجتمعة في (كل) شامل. لكن
    (غولدمان) لا يقصر مفهوم البنية على المظهر الثابت، لأنه يعتبر عمليات التوازن
    أبنية نشطة يتعين على الباحث أن يرصد حركتها. وقد استخدم غولدمان مفهوم (البنية)،
    وأضفى عليه مدلولات متعددة، تبعاً للسياق الذي يرد فيه. ففي دراساته عن باسكال
    وراسين قصد بالبنية (النظام) أو (الكل المنظم) الشامل لمجموعة من العلاقات بين
    عناصره التي تتحدد طبقاً لعلاقاتها داخل الكل الشامل. ثم قرن النظام الداخلي للأدب
    بالبنية الفكرية والاجتماعية للعصر الذي أنتج هذا الأدب. ومن هنا فقد اصطبغت
    قوانين البنية عند غولدمان بلون جدلي ماركسي، ولخصها في ثلاثة: الضرورة
    الاقتصادية، والوظيفة التاريخية للطبقات الاجتماعية، والوعي الممكن: (فالضرورة
    الاقتصادية) ناجمة عن الأنشطة التي يمارسها الإنسان في حياته وأهمية العامل
    الاقتصادي فيها، إذ يتوقف عليه إشباع الحاجات المادية، مما يشغل جزءاً كبيراً من
    حياة الإنسان، ويسهم بالتالي في تنظيم وعيه، بيد أن هذه الضرورة الاقتصادية لا
    تؤدي إلى رفض تأثير الظواهر الفكرية.



    والذي يحدد (الوظيفة التاريخية للطبقات
    الاجتماعية) هو وضعها في عملية الإنتاج، وهي أساس (رؤية العالم) التي هي صلب فكرة
    البنية التي تُقاس بها الأعمال الأدبية عند غولدمان. فالضمير الواقعي للجماعة هو
    جملة الضمائر الفردية، لكنه لا يصل إلى ذروة إمكاناته في الإطار الجماعي العام، بل
    يتجلى لدى بعض الأفراد الممتازين الذين هم مبدعو الإنتاج الثقافي العام. وتعود
    أهمية أعمالهم إلى تبلور الحد الأقصى للضمير الجماعي الذي ينتمي المبدع إليه.



    *


    وفي تطبيقاته للمنهج البنيوي على العلوم
    الإنسانية: الأنثربولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والنقد الأدبي. يُعد (كلود
    ليفي شتراوس) الرائد البنيوي بلا منازع في الحقل الأنثربولوجي، فقد درس المجتمعات
    الفطرية والهندية في البرازيل، ثم أكمل دراسته في نيويورك، حيث التقى ياكوبسون
    مؤسس الشكلية الروسية وحلقة براغ اللغوية الذي مارس تأثيراً منهجياً عليه. وطبّق
    شتراوس بنيوية (سوسير) في دراسته للمجتمعات البدائية، وبخاصة ثنائية: اللغة/
    والكلام التي ترى أن اللغة شكل وليست جوهراً. كما أفاد من منهج الصوتيات الذي
    تجاوز دراسة الظواهر اللغوية الواعية إلى دراسة البنية اللاشعورية. ورفض معالجة الكلمات
    أو الوحدات على أنها عناصر مستقلة. واتخذ العلاقات القائمة فيما بينها أساساً
    للتحليل، وأدخل فكرة النظام في التحليل، وبحث عن القواعد العامة بغية تقنينها،
    وذلك عن طريقة الاستقراء أو الاستنتاج.



    ويعرّف شتراوس (البنية) بأنها (نموذج) يقوم
    الباحث بتكوينه كفرض للعمل، انطلاقاً من الوقائع نفسها. وهي تمثّل الأداة المنهجية
    في نفس الوقت الذي تعد فيه خاصية للواقع. وليس من الضروري أن نتمكن من مشاهدة هذا
    الفرض العلمي مباشرة كي نسلم بوجوده. فالالكترون مثلاً كان مجرد فرض في البداية.
    وقد سلم به العلماء قبل أن يتمكنوا بالأجهزة العلمية الحديثة المعقدة من مشاهدته
    بشكل مباشر.



    وتتم خطوات منهج التحليل البنيوي لدى شتراوس عبر
    مرحلتين: الأولى وصفية يتوفر فيها الباحث على ملاحظة أكبر عدد ممكن من الظواهر،
    ويحللها بجميع تنويعاتها واختلافاتها. والمرحلة الثانية تجريدية نظرية تختص
    بالانطلاق من عدد محدود من الوقائع الدالة التي تميزت عند الملاحظة، لتكوين نماذج
    منطقية جديرة بأن تشرح بقية الظواهر بدقة علمية.



    وقد طبق شتراوس المنهج البنيوي في تحليل
    الأساطير. ورأى أن الأسطورة، كأي كيان لغوي، تتشكل من وحدات داخلة في تكوينها،
    تشمل وحدات أخرى تدخل في تكوين بنية اللغة. وقد قام بتحليل كل أسطورة على حدة بشكل
    مستقل، وترجم تتابع الأحداث فيها بأقل قدر ممكن من الكلمات. ثم كتب كل جملة في
    بطاقة تحمل رقماً يشير إلى موقعها في الحكاية. وقد لاحظ أن كل بطاقة تتمثل في
    إسناد محمول إلى موضوع أو حدث إلى فاعل أو مسند إليه، أي أن كل وحدة كبرى ستصبح
    بطبيعتها (علاقة). ثم افترض أن الوحدات المكونة الحقيقية للأسطورة ليست هي
    العلاقات المنفصلة وإنما هي مجموعة العلاقات. وتآلف هذه المجموعات في أشكال معينة
    هو الذي يجعلها تكتسب وظيفتها الدلالية.



    وأما (جاك لاكان) فقد قام بتطبيق المنهج البنيوي
    على علم النفس، حيث أصبحت اللغة عنده نظرية علمية مستقلة يمكن بوساطتها وصف
    اللاشعور بطريقة علمية، وفهم قوانينه بدقة متناهية. وبناء على هذا المبدأ فقد وضع
    لاكان بعض الأسس التي ترى أن كلام اللاشعور ينتظم في بنية متماسكة على أنه لغة،
    وأن بنية الشخصية هي عدة مستويات لغوية. ويترتب على هذا أن الأمر الحاسم ليس الحلم
    في ذاته وإنما مادته المحكية التي هي أهم وثيقة من وجهة النظر التحليلية. وهي
    مرتبطة بالبنية اللغوية المتعددة المستويات. كما يعد التفسير بدوره وثيقة. ومهمة
    المحلل عندئذ هي اتخاذ موقف تكميلي كان فرويد يصفه بأنه تركيبي.



    وعلى هذا فإن المادة التي يعمل بها المحلل
    النفسي هي المادة اللغوية. ومن هنا ينبغي ألا ندهش مما كان يخصصه فرويد من وقت
    لدراسة وتحليل التداعيات اللغوية واللعب بالألفاظ وخطأ اللسان... إذ أن التحليل
    اللغوي هو المنهج الملائم لدراسة اللاشعور. وقد أبرز لاكان أهمية مرحلة (المرآة)
    في التطور المبكر للطفل واكتشافه المندهش لصورته، مما يمثل الإدراك الأولي لنفسه
    كجسم موحد يمكن التحكم فيه. وهذه الصورة لا تلبث أن تسيطر على علاقته بالأطفال
    الآخرين، وتتحول إلى لعبة السيد والخادم أو الممثل والنظارة. ويصبح ذلك مظهراً
    لرفض الواقع. ويحدث شبيه بهذا في اللغة. فطبيعة اللغة التجريدية تجعل أي معرفة
    بشرية ممكنة، وتتضمن نوعاً من إنكار الحقيقة الواقعة. ومع ذلك فإن الوظيفة
    الأساسية للغة إن لم تكن جزءاً من الحوار الإنساني وتخضع لقوانين القول العادي
    فإنها يمكن أن تطبق جميع إمكانياتها في النقل والتكثيف والإسقاط لإنكار الواقع
    والخضوع المطلق لمبدأ اللذة. وهكذا تتكون (اللغة المنسية) للاشعور.



    وأما (رولان بارت) فيجعله الباحث "مطبقاً
    للمنهج البنيوي على علم الاجتماع"! فيعرض تحليله البنيوي للأزياء! (وهو تحليل
    سيميائي). إذ يلاحظ بارت أن الرأي العام يظن (الموضة) ظاهرة متقلبة تخضع لأهواء
    مصممي الأزياء وقدرتهم على التخييل، فهي أسطورة من أساطير الإبداع العفوي
    الرومانسي الذي لا يسير على قاعدة معروفة. ولكن الواقع غير ذلك، لأن من أهم
    اكتشافات علم التاريخ المعاصر إثبات أن التاريخ يتكون من مراحل ذات أطوال مختلفة
    متراكبة. وكذلك تاريخ الأزياء. وأطول فتراته هي نماذج ملابس حضارة معينة، مثل
    العباءة الشرقية، والكيمون الياباني، والملحفة المكسيكية، وهي تعد نماذج أساسية في
    مجتمعاتها، إلا أن هناك تنويعات مختلفة داخل هذه النماذج، تُقاس فتراتها بدورات تستمر
    زهاء خمسين سنة.



    ومن الواضح أنه إذا كان إيقاع التغيرات في
    (الموضة) قد اختل في العصر الحديث فإن هذا نتيجة لتأثير وسائل الاتصال والاستهلاك
    المتزايد، مما يكشف عن التغيير العميق في البنية الحضارية للشعوب الحديثة. فاللباس
    نوع من النشاط يعطي معنى للأشياء. والوظيفة التي تقوم بها الأزياء هي رمزية دالة،
    مما يحملنا على إعادة النظر في الفكرة التقليدية القائلة إن بواعث الملبس ثلاثة،
    هي: الحماية من الطبيعة، والحياء الذي يحمل الإنسان على تغطية عريه الطبيعي،
    والرغبة في الزينة والتجمل ولفت الأنظار. ومع صدق هذه الاعتبارات فإنه ينبغي أن
    نضيف إليها باعثاً رابعاً هو الوظيفة الدلالية للملابس. فالإنسان يلبس- حسب بارت-
    كي يمارس نشاطه الدال. ومن هنا فإن اللباس عملية اجتماعية عميقة المغزى تقع في قلب
    النشاط الجدلي للمجتمع.



    *


    في القسم الثاني المخصص للنقد الأدبي البنيوي
    يعالج الباحث: البنيوية في الأدب، ومستويات التحليل البنيوي، وشروط النقد البنيوي،
    ولغة الشعر، وتشريح القصة، والنظم السيميولوجية في الأدب.



    والواقع أن هذا القسم هو أهم ما في الكتاب، لأنه
    يضرب في صميم النقد الأدبي البنيوي الذي كثيراً ما كان غير واضح في أذهان النقاد
    والقراء، لجدته، وعدم استساغته من قبل أصحاب الذوق التقليدي، ومن مؤثري النقد الذي
    يعتمد العلوم المساعدة. ولهذا كان من الضروري تعريف هذا المنهج النقدي الجديد،
    وعلى الخصوص في تلك المرحلة المبكرة من استقبال هذا المنهج الجديد، في مطلع
    السبعينات من القرن العشرين. وعلى الرغم من محاولة الباحث الإحاطة بالنقد البنيوي،
    فإن موضوعه هذا بحاجة إلى تعمق أكثر، وبخاصة في اتجاهات النقد البنيوي التي لم
    يذكر عنها شيئاً، على الرغم من تعددها (النقد البنيوي الشكلي، والتكويني،
    والسيميائي... الخ) وتباينها. ولقد كان، في معالجته لموضوع النقد البنيوي، مشتتاً،
    وغير شامل: إذ جاء بجذاذات من التحليل البنيوي ودمج بها لغة الشعر(!) وتشريح
    القصة(!)، وأجهز بمقولات رتشاردز، ونورثروب فراي وغيرهما(!) ممن لا علاقة لهم
    بالبنيوية، وإن كانوا قد بشروا بالشكلانية. ولو أنه عرّف باتجاهات النقد البنيوي،
    وبأعلام كل اتجاه، وبنماذج تطبيقية من كل اتجاه، لكان كتابه أوضح وأشمل وأكثر دقة
    علمية. ولكن عذره أنه جاء في مرحلة مبكرة لم تكن فيها هذه الاتجاهات قد توضحت
    تماماً. ومع ذلك فإنه بذل جهداً يُحمد عليه، لا سيما وأنه جاء في مرحلة عزت فيها
    مثل هذه التآليف النظرية لقلة مصادرها حتى في اللغات الأجنبية.



    ومن سلبيات فهم الباحث للنقد البنيوي مناقشته
    لـ(مضمون) العمل الأدبي، على الرغم من أن هذا المنهج لا يلتفت البتة إلى المضمون،
    وإنما يحصر همّه كله في (بنية) العمل الأدبي المفترضة، و(علاقات) وحداته ببعضها
    بعضاً. وقد غالط الباحث نفسه عندما رأى "هدف التحليل البنيوي هو اكتشاف تعدد
    معاني الآثار الأدبية". فالواقع أن (المعنى) كان هدف نقاد المراحل السابقة،
    وليس مرحلة النقد البنيوي الذي أدار ظهره للمعنى كلياً، من أجل إعطاء البنيات
    والعلاقات حقها المهضوم.



    و(التحليل البنيوي للأدب) هو نموذج للتحليل
    اللغوي، يتكئ على بعض المصطلحات من مثل (العلاقات السياقية) التي تدل على علاقات
    التسلسل والتوافق بين الكلمات، ويُطلق عليها (علاقات المجاورة)، أو تدل على علاقة
    كل عنصر من السياق بما يثيره من عناصر مخالفة له تم اختياره دونها، وهي تمثل
    الثروة الاحتياطية له، والتي كان يمكن أن تحل محله، ويُطلق عليها اسم (علاقات
    المخالفة أو الاستبدال أو الإيحاء). كما لا يمكن تحليل النص الأدبي إلى وحدات
    متتابعة دون اعتبار مجموعات (الرموز) التي تكونه، فهي رسالة تنقل دلالة سياقية،
    لكنها ذات قيمة بنيوية، مما يفرض ضرورة قيام علاقة جدلية بين محوري المجاورة
    والمخالفة. وبهذا فإن الرمز في العمل الأدبي له قيمتان: تشير إحداهما إلى (كود)
    اللغة وتوصف بأنها عملية توصيلية، وتتصل الثانية بجملة الرموز من حيث تكوينها
    لكلٍّ بنيوي.



    وقد اتخذ ياكوبسون من هذا أساساً للتقعيد
    الجمالي للشعر والقصة: فإذا كنا نميز في اللغة بين (المظهر الاختياري) الذي يتصل
    بانتقاء رمز ما من بين الاحتياطي الممكن من الرموز المشابهة، و(المظهر التوفيقي)
    الذي يتصل بتسلسل الرموز المختارة تبعاً لحاجات القول، فإن كل واحد من هذين
    المظهرين يرتبط بشكل نموذجي بلاغي: فالمظهر (الاختياري) يتصل بالاستعارة، وهي
    إحلال كلمة محل أخرى لأداء نفس المعنى، وإن لم يكن لهما نفس القيمة، والمظهر
    (التوفيقي) يقابل المجاز المرسل والكناية حيث ينتقل فيه المعنى من رمز إلى آخر.
    ومن هنا فإن المظهر الاختياري للغة الاستعارية هو محور الإبداع الشعري، بينما
    المظهر التوافقي السياقي هو الأساس الجمالي لفن القصة.



    وعلى هذا فإن العلاقات السياقية في علم اللغة
    تقابلها (علاقات الحضور) في الأدب. كما أن العلاقات الخلافية أو الاستبدالية تقابل
    (علاقات الغياب). مع ملاحظة أن هذا التقسيم لا يمكن أن يكون مطلقاً، إذ أن هناك
    عناصر غائبة من النصوص ولكنها حاضرة في ذاكرة القراء في فترة معينة، لدرجة أنه
    يمكن اعتبارها عناصر حاضرة. وعلى العكس من ذلك فقد نجد في كتاب ما بعض الأجزاء
    التي تبعد عن البعض الآخر لدرجة أنه يمكن اعتبار علاقتها من النوع الغائب.



    وفي تصور المستويات المتداخلة بنائياً يعتمد كل
    مستوى على ما قبله في كل يكشف عن ضرورة التحليل المنتظم للموضوع. فالتحليل الأدبي
    يمر بمستوى الرموز في العمل الأدبي، وبالوحدات الدلالية الكبرى التي تكوّنها
    وتحددها، وب

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 31, 2014 9:01 pm