منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.

    " الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني الهجري

    شاطر


    تاريخ التسجيل: 31/12/1969

    " الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني الهجري

    مُساهمة   في الأربعاء فبراير 24, 2010 9:37 am


    موضوع الأخ بلخير الزّيدي ذيب في التّعريفِ بكتابِ :
    " الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني الهجري
    بنيته وأساليبه " للدكتورة سامية الدريدي

    مقدمة :
    كتاب " الحجاج في الشعر العربي القديم من الجاهلية إلى القرن الثاني الهجري بنيته وأساليبه " هو كتاب للأستاذة الدكتورة سامية الدريدي ، صدرت طبعته الأولى سنة 2008 عن دار الكتب الحديثة .والكاتبة تعالج فكرة جوهرية في كتابها هي حجاجية الشعر فهي تحاول إثبات وجود حجاج في الشعر وهذا كجانب نظري من الكتاب ثم تعمد إلى رصد التقنيات التي يلجأ غليها الشاعر ليحتج لرأي أو ليدحض فكرة معينة وهذا كجانب تطبيقي من الكتاب.
    وهنا يمكن طرح عدة أسئلة :/ هل يتم إثبات وجود الحجاج بالاكتفاء بحصر الحجج وتعدادها ؟ أم أن الحجاج يمكن أن ينحدر من عوالم أخرى كالمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع ؟.
    وماذا يحدث للشعر حينما يورد مناطق الحجاج ؟ هل يتحول إلى خطابة أم أنه يكتسب ؟.
    هذه الأسئلة وغيرها حاولت الكاتبة الإجابة عنها من خلال كتابها.
    أما عن الجانب الشكلي للكتاب فيقع في نحو خمسمائة صفحة ، وقد قسمته إلى خمسة أبواب تتوزع على جزأين ، يضم الجزء الأول بابين أولهما تمهيد نظري يعرض مفهوم الحجاج ، و أهم ما أنجز من بحوث حوله.وثانيهما تربط فيه الكاتبة بين الحجاج والشعر ، وهنا تسوغ الكاتبة عدة حجج لتثبت وجود حجاج في الشعر .
    أما الجزء الثاني فيتألف من ثلاثة أبواب :الباب الأول يحتوي على ما يعتمده الشاعر من فنيات إغراء وتأثير وهي من جوهر الشعر .والباب الثاني وهنا بؤرة البحث عموما وتدرس فيه الكاتبة بنية الحجاج مع التمثيل من الشعر العربي القديم.وثالث الأبواب تناولت فيه العلاقات الحجاجية (العلية –الاستنتاجية –الشرطية-وعلاقات التتابع والاقتضاء).

    الباب الأول :
    لقد شهدت الدراسات البلاغية منذ ستينات القرن الماضي تقريبا نهضة قوية استعادت بها مكانتها بعد ركود طويل ، وقد ارتبطت أثناء هذه الاستفاقة ارتباطا وثيقا بالمباحث الحجاجية والتداولية إلا أن الاهتمام بالبلاغة والحجاج لم ينحصر في الميدان اللساني التداولي دون غيره بل شكل اهتمام ميادين معرفية كالمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع .إلا أن المدرسة العامة التي ينتمي إليها وفيها يتنزل هي تلك التي تشابكت جذورها وتعددت فروعها وهي المدرسة البراغماية.
    البراغماتية ومجالاتها :تعني في الفرنسية ما هو مادي وفي الانجليزية ما له علاقة بالأفعال والأحداث الواقعية. ومن التعريفات أيضا :
    1/ مجموعة البحوث اللسانية المنطقية التي تهتم بدراسة استعمالات الكلام.
    2/ دراسة استعمالات الكلام كظاهرة استدلالية وتداولية واجتماعية.
    3/ نظام لساني فرعي يهتم تحديدا باستعمال الكلام في التواصل.
    ولئن أسس أوستن(1911-1960) وسيرل (1932) نواة البراغماتية في حقل فلسفي يهتم بالكلام فإن اهتمام الدارسين بأعمال الخطاب وعنايتهم بتأثيراته الفعلية قديمة تمتد إلى الفلسفة اليونانية خاصة عند أرسطو طاليس الذي جعل الحجاج قاسما مشتركا بين الخطابة والجدل ، فالخطابة هي : "فن الإقناع عن طريق الخطاب ".
    وقد أكد أوليفي روبول أن الحديث عن الخطابة يحتم الاهتمام بجملة الوسائل التي تجعل خطابا ما مقنعا .و من هنا كان الحديث عن الحجاج باعتباره مجموع التقنيات التي تحمل التلقي على الاقتناع أو الإذعان ، وهذا الحديث يقودنا للحديث عن الجدل الذي عرفه أرسطو ب : "كون الاستدلال المنطقي "لكنه يخالف البرهنة من جهة انطلاقه من مقدمات مشهورة ،بينما البرهنة تنطلق من مقدمات صادقة كالبرهان في الرياضيات مثلا.
    ويرتبط الحجاج عند أرسطو بمجالين هما : الخطابة والجدل على اختلاف في بنية الحجاج في كليهما ، فهو في الخطابة حجاج بالمثل أما في الجدل فهو حجاج بالقياس غالبا.
    الخطابة الجديدة أو مفهوم الحجاج عند بيرلمان : يقدم بيرلمان تعريفا للحجاج فيجعله : "جملة من الأساليب تضطلع في الخطاب بوظيفة هي حمل المتلقي على الاقتناع بما تعرضه أو زيادة في حجم هذا الاقتناع " لذلك فمؤلف بيرلمان وتيتكاه " مصنف في الحجاج ينزل الحجاج في صميم التفاعل بين الخطيب وجمهوره.
    فالحجاج عند بيرلمان وتيتكاه أمر ثالث فهو مختلف عن الخطابة وعن الجدل إلا أنه يأخذ من كليهما ، فهو يأخذ من الجدل التأثير الفكري ومن الخطابة توجيه السلوك أو العمل والحض عليه ، لذلك فالحجاج عندهما تأثير نظري وسلوكي .
    الحجاج في اللغة : وهو يختلف عما جاء به بيرلمان لأنه يقع على اللغة بالأساس بل يكمن فيها ، وقد بين ديكرو وانسكمبر في مؤلفهما الحجاج في اللغة :"بأن الحجاج في اللغة يجعل الأقوال تتابع وتترابط على نحو دقيق فتكون بعضها حججا تدعم وتثبت بعضها الآخر ".
    أي أن المتكلم يجعل قولا ما حجة لقول آخر يكون نتيجة يهدف إلى إقناع المتلقي بها وذلك على نحو صريح واضح أو بشكل ضمني .أي أن المتكلم قد يصرح بالنتيجة وقد يخفيها فيكون على المتلقي استنتاجها لا من مضمون هذه الأقوال الإخبارية بل اعتمادا على بنيتها اللغوية.
    ويمكن الإشارة إلى مفهوم أساسي في نظرية ديكرو الحجاجية وهو التوجيه إذ اعتبر أن غاية الخطاب الحجاجي تتمثل في" أن تفرض على المخاطب نمطا من النتائج باعتبارها الوجهة الوحيدة التي يمكن للمخاطب أن يسير فيه" أي أن الخطاب يسد المنافذ على أي حجاج مضاد فيحرص على توجيه المتلقي إلى وجهة واحدة دون سواها.
    ومن هنا يمكن أن نخلص إلى ميزتين أساسيتين تميزان رؤية ديكرو الحجاجية :
    - التأكيد على الوظيفة الحجاجية للبنى اللغوية
    - سمة الخطاب التوجيهية.
    خصائص النص الحجاجي :
    وللنص الحجاجي خصائص تميزه عن سواه من النصوص جمعها بنوار ونو فيما يلي :
    1/ القصد المعلن : وهو البحث عن إحداث أثر في التلقي أو إقناعه بفكرة معينة ، وقد عبر اللسانيون بالوظيفة الإيحائية للكلام ، وقد أدرك رجال الإشهار أهمية هذا المر فنجحوا في استغلال هذا الشكل الناجح من أشكال التواصل .
    2/ التناغم : وهو أن يقوم النص على منطق ما في كل مراحله ، ويوظف على نحو دقيق التسلسل وهو يحكم ما يحدثه الكلام من تأثيرات في المتلقي سواء تعلق الأمر بالفتنة أو الانفعال أو إحداث مجرد تقدم .
    3/ الاستدلال : وهو السياق العقلي الذي يسير فيه النص أو تطوره المنطقي فالنص الحجاجي في أبسط صوره هو ترتيب عقلي للعناصر اللغوية ترتيبا يستجيب لنية الإقناع.
    4/ البرهنة : ترد إليها الأمثلة و الحجج وكل تقنيات الإقناع .
    خصائص الحجاج عند بيرلمان وتيتكاه :
    1 / يتوجه إلى مستمع.
    2/ يعبر عنه بلغة طبيعية .
    3/ مسلماته لا تعدو أن تكون احتمالية
    4/ لا يفتقر تقدمه إلى ضرورة منطقية بمعنى الكلمة .
    5/ نتائجه غير ملزمة.

    الباب الثاني : الاحتجاج للحجاج في الشعر :
    يقول ابن سينا في تعريفه للشعر : بأنه كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة ، والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن غير روية وفكر واختيار وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري شواء كان المفعول مصدقا به أو غير مصدق".
    أي أن مسلك الشعر عند بعض العلماء غير العقل ولا يخاطب في المتلقي غير عاطفته ، ولا يحرك فيه إلا أحاسيسه ، بل لا يصور من العالم الا ما يطرب فيحصل الإمتاع ويتأكد الإلذاذ دون أن يكون للعقل دور في حصول الإمتاع أو الإلذاذ .
    وقد رفض بعضهم قيام الشعر على المعاني العقلية واستبعدوا أن يقبل الناس عليه بحيث يخفى القصد يقول الجرجاني (392 هـ):"والشعر لا يحبب في النفوس بالنظر والمحاجة ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة".
    و تقول الدكتورة أن إقصاء الشعر من دائرة المنطق تثير قضية خطيرة هي الأجناس الأدبية فالشاعر كما جاء في منهاج البلغاء لحازم القرطاجني كلما بالغ في الاحتجاج وأطنب في القياس و الأقاويل الحجاجية خرج عن دائرة الشعر وولج دائرة الخطب والخطباء ، وهذا ما جعل بعض النقاد يصنف شعر الكميت شاعر الشيعة في الخطب وقد أراده الشاعر شعرا.
    من الحجج التي قدمتها المؤلفة لإثبات وجود حجاج في الشعر :
    1/ ممهاة القدامى بين الحجاج والجدل ، لذلك أقصوا الحجاج من الشعر ، لأنهم تأثروا باليونان وخاصة كتاب أرسطو الموسوم بالجدل فقد حصر مجالات الحجاج في (الرياضة ، مناظرة الجمهور ، العلوم النظرية ).
    2/ أن القدامى رفضوا الحجاج في الشعر متعللين بان ذلك يفقده ما به يكون شعرا ( الشعرية ) ويحوله إلى خطبة .
    3/الغموض في الشعر : يجد الحجاج أرضية خصبة في الغموض يقول أوليران : " يجري الحجاج في عالم يهيمن عليه الغموض والإبهام والشك والخلاف ".
    لأن الحقيقة لا تكون واحدة فيكون الالتجاء إلى التأثير و الإقناع وتبرير المواقف بدل البرهنة الشكلية الصارمة التي تميز بين الحق والباطل وانطلاقا من مقدمات صادقة.
    4/ سلطة النص : لا يمكن لأي نص أن يكون أحادي الوظيفة ، فكل نص يحمل وظائف مختلفة كالتوجيهية والانفعالية ، وقد حدد القدامى وظيفتين أساسيتين على الأقل وهما : الإلذاذ والنفع وهي ثنائية النافع والجميل .
    وكل نص ينشد غاية فهو يرمي إلى الفعل في المتلقي والتأثير فيه وتوجيه أفكاره وسلوكه فينغرس بداهة في الحجاج.
    الجزء الثاني :
    في هذا القسم تدرس مختلف الفنيات التي يعمد إليها الشاعر للإقناع أو الحمل على الإذعان ، وهذه الفنيات تتفاوت من نص لآخر ومن شاعر لآخر ، لكنها تؤكد أن الحجاج لا يعني حشد الحجج وربط مفاصل الكلام وتعليق بعضه ببعض بل يعني أيضا جملة من الاختيارات الأخرى على مستوى المعجم والتركيب وأزمنة الأفعال وصيغ الكلمات وأنواع الصور اختيارات تراعي غاية الخطاب و تلائم وضع المتلقي ومقتضيات المقام .
    1/ المقام ومقتضيات الحال : إن مراعاة المقام ومقتضيات الحال أمر هام بالنسبة للمتكلم لتحقيق مراده وإقناع المتلقي أو حمله على الإذعان.
    أ/ مقام الحكمة والوعظ والإرشاد : إذا كان المقام مقام حكمة حرص الشاعر على ارتداء ثوب الحكمة والظهور بمظهر الناصح المخلص الذي خبر الحياة وتمرس بالدهر وكذلك يخاطب عبد قيس بن خفاف ابنه في قصيدة له من الكامل يقول :
    أَجُبَيلُ إِنَّ أَباكَ كارِبُ يَومِهِ فَإِذا دُعيتَ إِلى العَظائِمِ فَاِعجَلِ
    أوصيكَ إيصاءَ اِمرِئٍ لَكَ ناصِحٍ طَبِنٍ بِرَيبِ الدَهرِ غَيرِ مُغَفَّلِ
    اللَهَ فَاِتَّقِهِ وَأَوفِ بِنَذرِهِ وَإِذا حَلَفتَ مُمارِياً فَتَحَلَّلِ
    وَالضَيفَ أَكرِمهُ فَإِنَّ مَبيتَهُ حَقٌّ وَلا تَكُ لُعنَةً لِلنُزَّلِ
    وَدَعِ القَوارِصَ لِلصَديقِ وَغَيرِهِ كَي لا يَرَوكَ مِنَ اللِئامِ العُزَّلِ
    وَصِلِ المُواصِلَ ما صَفا لَكَ وُدُّهُ وَاِحذَر حِبالَ الخائِنِ المُتَبَدِّلِ
    فالشاعر في هذا المقام يحرص على تصوير الذات تصويرا يزيد من طاقة النص الحجاجية.
    ب/ و مما يؤكد حرص الشعراء على الظهور بمظهر الحكماء العالمين بخبايا الأمور وأدق أسرارها قول الأعشى :
    فما أنا عما تعملون بجاهل ولا بشباة جهله يتدفق
    فهو حين ينفي عن نفسه الجهل والسفاهة إنما يؤكد صدق ما يقول ويدعم كل المعاني المدحية الواردة في القصيدة ، ولذلك جعل البيت المذكور واصلا بين المدح وما سبقه من معان أخرى وقد افتتح به المدح لينسحب فعله على كل البيات اللاحقة به.
    2/ وسائل الإثارة والتأثير :
    مستوى اللغة : وهي الاختيارات اللفظية والتركيبية التي يعمد الشاعر إليها لغاية حجاجية ليقود المتلقي إلى غاية ما .كقول عنترة :
    جادت له كفي بعاجل طعنة بمثقف صدق الكعوب مقدم
    يصور عنترة خصمه قبل هذا البيت في ساحة الوغى ويجعله بطلا ويكره نزاله وفارسا يعترف بشجاعته وفي بيته هذا ينتقي اللفظتين : الفعل جادت ، والصفة المقدمة عاجل إذ يبين أن موت ذلك البطل بطعنة منه شرف له وقتل عنترة له كرم وأن قتله ليس بالأمر الصعب بل تكفي طعنة عجلى لترديه قتيلا وهذا الانتقاء للألفاظ يقود المتلقي إلى نتيجة هي إدراك فروسية عنترة وشدة بأسه وتفوقه في ميدان الحرب.
    وقد يأتي الحجاج في التراكيب الحكمية فقد تأتي الحكمة في التركيب الاسمي الذي عادة ما يكون مقترنا بأداة من الأدوات كالنفي والإثبات والتأكيد. مثلا في الإثبات قول عبدة بن الطبيب من الكامل :
    إن الحوادث يخترمن وإنما عمر الفتى في أهله مستودع
    ولذلك تعد الحكمة رافدا مهما في العملية الحجاجية لما تضطلع به من وظيفة تبريرية للآراء والمواقف والأحكام.
    مستوى البلاغة : وهي الأساليب (أساليب الكلام ) التي تمكن من تأدية المعنى واضحا فصيحا مع مراعاة الإيجاز فالبلاغة عند العرب (قليل يفهم وكثير لا يسأم ) .
    نكتفي بشاهدين جاء بهما قدامة بن جعفر في تعداده لمحاسن الشعر وأثبتهما ضمن ( الإشارة ) وهو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بإيماء إليها ولمحة تدل عليها كما قال بعضهم وقد وصف البلاغة فقال : " هي لمحة دالة "القول الأول هو لإسماعيل بن يسار النسائي من الخفيف :
    هاج ذا القلب من تذكر جمل ما يهيج المتيم المحزونا
    والثاني قول لامريء القيس من الطويل :
    على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين حبري غير كز ولا وان
    فأما قول الأول ( ما يهيج المتيم المحزونا ) فإنه إشارة الى معان وأبعاد عميقة فقد ترك الباب مفتوحا للمتلقي.
    وأما قول امريء القيس فقد جمع بقوله أفانين كثيرة لذلك فالإيجاز يفتح أمام الأذهان طريق التخييل ويحملهما على التصور والتخمين فيقنعهما بما لم يقل صراحة.
    مستوى الموسيقى :للموسيقى تأثير كبير في المتلقي ، وتعتبر من العوامل التي تساعد الشاعر على حمل المتلقي على الإذعان فيلجا الشاعر أحيانا الى التصريع والتضريع والجناس .مثال ذلك قول الخنساء :
    إن صخرا لوالينا وسيدنا وإن صـخرا إذا نشتو لنحار
    وإن صخرا لمقدام إذا ركبوا وإن صـخرا إذا جاعوا لعقار
    وإن صخرا لتأتم الهداة به كـــأنه علم في رأسه نار
    جلد جميل المحيا كامل الورع وللحروب غداة الروع مسعار
    فمن مميزات الأبيات قوة الموسيقى فيها فهي تمتلك علىالمتلقي سمعه فتكون أفعل في النفس.
    الأساليب المغالطية : يعتمد الشاعر الأساليب المغالطية لخداع المتلقي وإيهامه بصدق ما يقول وصحة ما يصور ، ذلك بغية تحقيق أهداف معينة .مثلا قول النابغة حينما يدعو لمطابقة القوال للأفعال :
    تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في المقال بديع
    لو كنت تصدق حبه لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
    فالنابغة لا ينطلق في رفضه لما يأتيه البعض من معاص من أسباب تتصل بالمعاني من ذاتها بل ستند في رفضه إلى التناقض العملي فهو يحتج بقول هؤلاء الذين يعلنون حبهم لله فيما يرتكبون المعاصي والآثام .
    وقول امرئ القيس :
    فإن تك قد ساءتك مني خليقة فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
    فالمغالطة في قول امرئ القيس متأتية من استنتاج خاطئ أحال عليه التركيب الشرطي إذ يوهم الشاعر الحبيبة بأنها ما لم تجد منه ما يسوؤها فإنها عاجزة عن بتر العلاقة بينهما وبقي ما كان يجمعهما من وصال وود.
    الأساليب الإنشائية :
    السؤال : يعد طرح الأسئلة في الخطاب وسيلة هامة من وسائل الإثارة ودفع الغير لإعلان موقفه إزاء مشكل مطروح. كقول الشاعر :
    بل ليت شعري وأين ليت وهل يفيئن مستعار ؟
    يدفع المتلقي إلى الإقرار بعبثية التمسك بالماضي وعبثية التعلق بأحداثه الموالية فما مضى لن يعود ، وما ذهب فإلى غير رجعة ، ولا قدرة للإنسان على استعادته.كقول الخنساء :
    يا صخرا ماذا يواري القبر من كرم ومن خلائق عفات مطاهير
    فهي تتساءل عما يواري قبره من خصال حميدة وفضائل جعلت منه علما بين الناس وبفقدانه فقدت تلك الفضائل.
    الوظيفة الحجاجية لأسلوبي الأمر والنهي : يقول بيرلمان :"ليست اللغة وسيلة للتواصل فحسب ، بل أنها أيضا أداة تأثير في النفوس ووسيلة إقناع ".
    يمنح الشاعر نفسه حق الاضطلاع بوظيفتي الحض والردع عند ما يلبس حلة الحكيم الناصح ، فيصبح يأمر وينهى ، يقول عبيد بن الأبرص :
    وَإِنّي لَذو رَأيٍ يُعاشُ بِفَضلِهِ وَما أَنا مِن عِلمِ الأُمورِ بِمُبتَدي
    إِذا أَنتَ حَمَّلتَ الخَؤونَ أَمانَةً فَإِنَّكَ قَد أَسنَدتَها شَرَّ مُسنَدِ
    وَجَدتُ خَؤونَ القَومِ كَالعُرِّ يُتَّقى وَما خِلتُ غَمَّ الجارِ إِلّا بِمَعهَدي
    وَلا تُظهِرَن حُبَّ اِمرِئٍ قَبلَ خُبرِهِ وَبَعدَ بَلاءِ المَرءِ فَاِذمُم أَوِ اِحمَدِ
    وَلا تَتبَعَنَّ رَأيَ مَن لَم تَقُصُّهُ وَلَكِن بِرَأيِ المَرءِ ذي اللُبِّ فَاِقتَدِ
    وَلا تَزهَدَن في وَصلِ أَهلِ قَرابَةٍ لِذُخرٍ وَفي وَصلِ الأَباعِدِ فَاِزهَدِ
    وَإِن أَنتَ في مَجدٍ أَصَبتَ غَنيمَةً فَعُد لِلَّذي صادَفتَ مِن ذاكَ وَاِزدَدِ
    تَزَوَّد مِنَ الدُنيا مَتاعاً فَإِنَّهُ عَلى كُلِّ حالٍ خَيرُ زادِ المُزَوِّدِ
    ففي البيت الأول يظهر الشاعر في مظهر الحكيم الرصين الذي خبر الدنيا وأهلها ، وخاض من التجارب ما علمه وهذبه ، فغنم رأيا صالحا به يفضل غيره ، باسمه يمنح نفسه حق نصح الآخرين وإرشادهم ، فإذا بكل الأبيات تستمد شرعيتها من البيت الأول وإذا بالمقطوعة مبنية بناء منطقيا واضحا.
    الضمير المجهول ودوره الحجاجي : تتعدد الأصوات في الخطاب فنجد صوت المتكلم المدافع ، وصوت المعارض الرافض ،/ وصوت المتردد الشاك وأصوات أخرى يستحضرها المتكلم يجادلها ويحاججها ، ويستشهد بآرائها ، إلا أن الضمير المجهول الذي يقابله في الفرنسية ( on ) يظل في الخطاب أكثر تعبيرا عن تعدد الأصوات على نحو متميز يقول النابغة الذبياني :
    إِلى اِبنِ مُحَرَّقٍ أَعمَلتُ نَفسي وَراحِلَتي وَقَد هَدَتِ العُيونُ
    أَتَيتَكَ عارِياً خَلَقاً ثِيابي عَلى خَوفٍ تُظَنَّ بيَ الظَنونُ
    فَأَلفَيتُ الأَمانَةَ لَم تَخُنها كَذَلِكَ كانَ نوحٌ لا يَخونُ
    فالشاعر يتستر خلف الضمير المجهول في ( تظن) ليتهم ابن المحرق وهو النعمان بن عمرو بن هند ومحرق لقب لأبيه بأنه أساء الظن به وظلمه حين شك قي ولائله وصدقه فهو لا يجرؤ على الاتهام الصريح ل>ا لم يقل(تظن بي الظنون ) فبنى الفعل للمجهول جاعلا أصوات الشك كثيرة وجاعلا النعمان بن عمرو واحدا منهم فكثر هم من اتهموه في صدقه .هذا على المستوى الظاهر للبيت إلا أن المقصود في المستوى الباطني والعميق هو النعمان بن عمرو بن هند.
    الحجاج بالسخرية : يعتبر البعض السخرية من الصور المجازية التي تسمح لنا بقول ما هو مختلف عما نراه ويقدم بروندير تعريفا للسخرية يجعل صلتها بالحجاج وثيقة ، إذ يعتبرها تناقض قيم حجاجية .فما يسمح بقيام جملة ما ساخرة عنده كونها حجة على فرضية ما .كقول الحطيئة :
    ومن أنتم ؟إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر؟
    يقول بلنجي : " نسخر حين نتساءل مدعين الجهل ّ. فظاهر البيت استفهام يقوم على نتيجة محددة هي سؤال عن القبيلة التي يهجوها وأصلها وقوتها ، قد يقوم ذلك مقام الدليل على قدم عهده بهم وطول غيابه لكن المقام الثاني وهو مقام ساخر يجعل سؤال الشاعر حجة على ضعة شأن مخاطبيه وحقارتهم فما يجهل إلا حقير لا مجد له ولا ذكر ولا يغيب إلا ضعيف عاجز لا حول له ولا قوة. وقول زهير بن أبي سلمى من الوافر :
    وَما أَدري وَسَوفَ إِخالُ أَدري أَقَومٌ آلُ حِصنٍ أَم نِساءُ ؟
    فَإِن قالوا النِساءُ مُخَبَّآتٍ فَحُقَّ لِكُلِّ مُحصَنَةٍ هِداءُ
    المقام مقام هجاء والشاعر يحشد الحجج والبراهين الدالة على وضاعة المهجو وجدارته بأحط النعوت و ألذع أنواع الشتم والسب ، ويظهر بأنه لا يعلم إن كانوا رجالا أم نساء ، وهذا أقوى و أفعل من قوله (هم نساء ) صراحة لما يحتويه من سخرية تجعل المهجو أحط من أن يوصف وهجاء الشاعر له أبلغ من أن يرفض و أقوى من أن يرد.
    توظيف التكرار في الحجاج : يعد التكرار من الأساليب التي يلجأ إليها المتكلم لرفع طاقة خطابه الحجاجية كما يعين المتكلم على ترسيخ الرأي والفكرة في ذهن المتلقي كقول الخنساء :
    إن صخرا لوالينا وسيدنا وإن صـخرا إذا نشتو لنحار
    وإن صخرا لمقدام إذا ركبوا وإن صـخرا إذا جاعوا لعقار
    وإن صخرا لتأتم الهداة به كـــأنه علم في رأسه نار
    ففي تكرار التركيب كما قالت الكاتبة تدعيم للنفس التفجعي الغالب على القصيدة و إذكاء لنار الحرقة وتأكيد لها .
    وكذلك جاء في قول المهلهل من الوافر :
    أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ ضَنيناتُ النُفوسِ لَها مَزارُ
    أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ لَقَد فُجِعَت بِفارِسِها نِزارُ
    أَتَغدوا يا كُلَيبُ مَعي إِذا ما جَبانُ القَومِ أَنجاهُ الفِرارُ
    أَتَغدوا يا كُلَيبُ مَعي إِذا ما حُلوقُ القَومِ يَشحَذُها الشِفارُ
    فتكرار الشاعر للمقاطع يدعم مقامه ويدعم النفس الحزين الذي يميز القصيدة.
    وقول المهلهل أيضا :
    فَلَأَترُكَنَّ بِهِ قَبائِلَ تَغلِبٍ قَتلى بِكُلِّ قَرارَةٍ وَمَكانِ
    قَتلى تُعاوِرَها النُسورُ أَكُفَّها يَنهَشنَها وَحَواجِلُ الغُربانِ
    يتهدد الشاعر بني تغلب ويعدهم بحرب لا هوادة فيها تأثرا لمقتل أخيه كليب فيكرر المعنى (تركهم قتلى ) لكن دون السقوط في التماثل التام الكلي ،إذ يضيف ما يشي بتقدم في خطابه الموجه إلى قاتلي أخيه ، إذ سيتركون صرعى في كل مكان فتضيق الأرض بجثثهم بل إن القبيلة ستعجز عن دفن اجثث قتلاها، فتترك عرضة لوحوش الصحراء وطيورها الكاسرة ، وذلك حجة كبيرة على فداحة وسوء ما ينتظرهم. ولهذا فالتكرار ليس عيبا بل إنه يساهم في تطور الطاقة الإقناعية في الكلام.
    الباب الثاني : وهو يخص بنية الحجاج: وقد تضمن تقديما وخمس أنواع من البنى الحجاجية
    التقديم : جاء فيه الإشارة الى انه للوصول الى البنية الحجاجية يجب النظر في مختلف الحجج التي وظفها المحتج لغاية الاقناع ، كما أنها تستدعي في واقع الأمر الخوض في المقدمات و كيفيات اختيارها لتكون حجاجية هي الأخرى وأيضا بطريقة عرض المعطيات وشكل الخطاب الحجاجي لأنه يجب دراسة الحجج في سياقها العام وأعطت مثالا بين حجة العلة أو السبب والعلاقة العلية أو بين حجة التناقض وعدم الاتفاق وعلاقة التناقض ثم تشير إلى أن الدراسات الحديثة في أغلبها تقوم على شكل الحجة وعلاقتها بالمقدمات ودراسة المقدمات نفسها .
    وتتراجع عن ذلك وتقول أنه لا يمكن الاستغناء عن دراسة الحجج مستقلة منفصلة عن سياقها لأن هذا هو الذي يوصل إلى ذلك التعدد والتنوع و كيفيات الإنبناء والتشكل وحجتها في ذلك المدونة نفسها (البيت يتضمن المعنى ويستقل عن غيره و به تمام المعنى ).
    ثم تسرد لنا ما يتفق عليه المرسل والمرسل إليه كطرفين للخطاب الحجاجي ، وهذا الاتفاق هو جملة من الوقائع والحقائق والافتراضات والقيم والمواضع وهي تشكل جملة من المقدمات الحجاجية الضرورية تتراوح بين الممكن والمحتمل بعيدة عن مرتبة التصديق.ثم تنتقل الى الحديث عن المدونة وقد ضربت مثالا للوقائع : واقعة ذي قار التي انتصر فيها العرب على الفرس غير أنها أنه يمكن دحضها بسهولة كأيام العرب مثلا ولا يظهر عليها اتفاق كلي.أما القيم فيظهر فيها الاتفاق وقد قدمها قدامة بن جعفر في : العقل والشجاعة والعدل والعفة .ثم أمدتنا بأقسام كل فضيلة.
    وقدمت بعد ذلك تساؤلا حول إقصاء القيم في الحجاج لتحقيق الموضوعية وكان الجواب النفي القاطع حيث يكون الحجاج في ميادين القانون والسياسة والأخلاق وترى أنه يمكن دحضها إذ نخرجها من قيم إنسانية الى قيم كونية خاصة فهو يتجاوز القيم في ذاتها ليشمل المضامين وما تحيل عليه تحديدا ( الاتفاق المبدئي ) .ثم تشير الى مبدأ ضرورة الاعتدال حتى لا ينقلب الى ضده ، وتتناول بعد ذلك في المقدمة كذلك انتقاء المقدمات لتتكيف مع أهداف الخطاب ، خاصة في المتلقي الخاص فيراعى العالم الشعوري والفكري فيأخذ بعين الاعتبار المقدمات التي تلائم المقام وتنسجم مع المتلقي.فاختيار واقعة من جملة الوقائع يتحكم فيها المتلقي ومن ثم يتم اختيار العناصر المناسبة للخطاب الحجاجي وتقصى العناصر الأخرى.
    غير أن هذا يجعل الحجاج معرضا لتهمة الجزئية والانتقائية ويفتح الباب أمام الحجاج المضاد بما أقصاه الحجاج الأول ، وتأتي عملية تأويل المعطيات الحجاجية ، فنحن نبني الحجاج على معطيات معينة ونستبعد أخرى ثم يأتي التأويل وهو ليس مجرد انتقاء قراءة من القراءات المتعددة بل هو بناء للمعنى واختراع للدلالة وقد لا تكون الدلالات متعارضة ولكن انتقاء إحداها يقصي الأخرى وقد يقترح المحتج أكثر من تأويل وصولا للغموض كحجة .وتنقل عن بيرلمان أن صاحب الحجاج إذا أراد جعل المقدمات حجاجية فعليه أن يبرز ملامح تلك المقدمات دون غيرها وذلك بواسطة أدوات لغوية كانتقاء النعت وان كان البعض يرى غير ذلك ، و الى جانب النعوت هناك المفاهيم كالعدل والكفاءة والأحقية فهي خاصية العلوم التي تعتمد البرهنة العلمية الدقيقة وترى أن اللغة ليس مجرد وسيلة للتواصل بل هي أداة فاعلة في الآخر والتأثير في عوالمه.وذلك نظرا للغموض الذي يشوب المفاهيم نتيجة تعدد المعاني واتساع الدلالات مما يتيح قيام حجاج مضاد ، وذكرت مثالا على ذلك مفهوم "الفتوة " فمتى اختار له معاني معينة واجبر المتلقي على التسليم بها اجبره على التسليم بالنتيجة ، وخير مثال قول أبي زيد الطائي : ي
    يا اسم صبرا على ما كان من حدث إن الحوادث ملقي ومنتظر
    فقد حصر مفهوم الحوادث بين ما لقي وما ينتظر وهي قد تدل على النوازل والمصائب أو الأمور الطارئة وغيرها .
    وأشارت أخيرا الى اعتمادها على ما وصل إليه برلمان وتيتكاه من تصنيف في كتابهما : "مصنف في الحجاج : الخطابة الجديدة" ، وانه تصنيف مقنع يحيط بكل الحجج ويصعب معه العثور على حجج جديدة لا يمكن إدراجها ضمن هذه الأصناف رغم وجود حجج يمكن ردها الى أكثر من صنف نظرا لانفتاح البيت ولطبيعة الحجاج.
    وقد وضعت الأصناف الكبرى التالية :
    1/ حجج شبه منطقية .
    2/ حجج تؤسس على بنية الواقع .
    3/ حجج تؤسس بنية الواقع.
    4/ حجج تستدعي القيم.
    5/ حجج تستدعي المشترك.


    وقد جاءت البنى الحجاجية عندها كالتالي :
    1/ الحجج شبه المنطقية : ويقصد بها الحجج التي تستند الى مبدأ منطقي كالتطابق أو التعدية أو التناقض...وهي ليست حججا منطقية خالصة اذ يمكن ردها بيسر فهي على قدر من اليقين ، شبيهة بالاستدلالات الشكلية المنطقية أو الرياضية ، وبالتحليل نتوصل الى الفرق بينها وبين الحجج والبراهين الشكلية ، فهي تسعى لتكون شكلية ، وهي تنقسم الى فرعين : حجج تعتمد البنى المنطقية كالتعدية والتناقض وحجج تستند الى العلاقات الرياضية كإدماج الجزء في الكل وتقسيم الكل الى أجزائه.
    1/ الحجج شبه المنطقية التي تعتمد البنى المنطقية : وفيها التناقض وعدم الاتفاق والتماثل والحد في الحجاج والحجة القائمة على العلاقة التبادلية.
    أ/التناقض وعدم الاتفاق :ولا يقصد به التناقض الصريح الصارخ وإنما دفع أطروحة ما ببيان أنها لا تتفق مع أخرى.وقد أوردت الكاتبة مجموعة كبيرة من الأمثلة منها قول النابغة الذبياني :
    تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في المقال بديع
    لو كنت تصدق حبه لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
    فهو يحتج لارتباط المعصية ببغض الله فيؤكد أن ادعاء حب الله لا يتفق مطلقا مع المعصية إذ أن الحب يقتضي الطاعة فالمحب يسعى لإرضاء محبوبه ، فوصف ادعاء حب الله ممن يعصيه غريب ويدرج ضمن الابتداع.
    ويقول عنترة العبسي :
    يُنادوني وَخَيلُ المَوتِ تَجري مَحَلُّكَ لا يُعادِلُهُ مَحَلُّ
    وَقَد أَمسَوا يَعيبوني بِأُمّي وَلَوني كُلَّما عَقَدوا وَحَلّوا
    وهو احتجاج على ظلم قومه لأنانيتهم ونفتقهم فيعتمد حجة عدم الاتفاق بين التبجيل عند الحرب والحط من الشأن عند الحل .
    وقد يتخذ شكلا آخر يقوم على المقابلة بين مبدأ أو فكرة ونتائجها العملية فالباث متى أراد دفع مبدأ معين انشأ مفارقة بينه وبين نتائجه السلبية إن طبق في الواقع.ومن ذلك قول زهير :
    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
    فهو يحتج للظلم بدفع مبدأ وهو العدل وحجته أن هذا المبدأ نتحقق في مجتمع الجاهليين كان مدعاة للظلم فمن كان عادلا وتجنب الظلم استهانوا به وظلموه.
    وقد يكون بين فكرة ونتائجه السلبية كقول طرفة :
    فَلَو كُنتُ وَغلاً في الرِجالِ لَضَرَّني عَداوَةُ ذي الأَصحابِ وَالمُتَوَحِّدِ
    وَلَكِن نَفى عَنّي الرِجالَ جَراءَتي عَلَيهِم وَإِقدامي وَصِدقي وَمَحتِدي
    فهو ينفي عن نفسه الظلم ويحتج لظلم فمتى كان ضعيفا ضرته عداوة الرجل المؤازر بأصحابه وحتى المنفرد.
    وقد تكون تحققت بالفعل وهذا ما يذهب إليه جميل بن معمر :
    نأيت فم يحدث النأي سلوة ولم ألف النأي عن خلة يسلي
    فانتفاء الاتفاق بين النأي و السلوة جعلها الشاعر حجة للبقاء قرب من يحب.
    وفي كل الأمثلة يبدو التقابل وعدم الاتفاق من صنع الشاعر نفسه لتبرير مواقف معينة ، فعدم التوافق لا يفرض نفسه بل يفرض.
    وتتصل بهذا النوع أيضا حجة أخرى تسمى " قلب البرهان على صاحبه " وهي اعتماد حجة الخصم واثبات أنها تناقض ما يذهب إليه ، فيقول حاتم الطائي :
    يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد وما كنت لولا ما تقولون سيدا
    إذ يدفع تهمة الإسراف والتبذير فمتى افتقر فقد مكانته وانحط وضعه فيقلب الحجة على صاحبها مؤكدا أن ما يراه تبذيرا هو ما جعله سيدا.
    وهناك حجة قريبة من هذه وهي انه يوجد في كلام الخصم ما يقوضه فمن قول المجنون :
    يقولون لو عزيت قلبك لارعوى فقلت وهل للعاشقين قلوب
    فالوشاة يرون أن قيسا يملك دواء ه وسلواه إذا واسى قلبه وثبته ولكن العاشق المتمرد الثائر لا يطيع إلا الحبيبة بل إن العاشق لا قلب له.
    ومن ثم تشير الى نوع آخر مرتبط بالسخرية يقول حسان بن ثابت :
    حارِ بنَ كَعبٍ أَلا الأَحلامُ تَزجُرُكُم عَنّي وَأَنتُم مِنَ الجوفِ الجَماخيرِ
    لا عَيبَ بِالقَومِ مِن طولٍ وَلا عِظَمٍ جُسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافيرِ
    فالشاعر قد بنى حجته في التقليل من شان خصمه على عدم التوافق بين ضخامة الجسم وقلة العقل معتمدة على التهكم والسخرية المضحكة.
    ب/ التماثل والحد في الحجاج :يعمد فيها المحتج الى تقديم تعريفات تفتقر الى الدقة والوضوح وتدعي بدور الضبط والتحديد وهو شائع في الخطاب اليومي كقولنا : " الدنيا هي الدنيا ".ونجد طرفة بن العبد في قوله :
    الخير خير وان طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد
    يدعو الى العفة يحتج لوجوب التحلي بالفضيلة فيؤكد أن الخير قيمة ثابتة لا تتغير فيعرف الخير بالخير.
    ج/ الحجة القائمة على العلاقة التبادلية :وفيه تشير الى التماثل على انه العدالة في التعامل مع العناصر المنتمية الى صنف واحد بكيفية واحدة ، وعلاقة التبادل هي علاقة منطقية غير أن حجتها تظل شبه منطقية فنحن نسند الحكم ذاته الى أمرين ندعي أنهما متماثلان والحقيقة انب ينمهما فروق عديدة يشترط تناسيها ومن ذلك قول زهير :
    ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
    فنجد في عجز البيت مماثلة بين علاقة المرء بذاته وعلاقة المرء بغيره.
    2/ الحجج شبه المنطقية التي تعتمد العلاقات الرياضية: وتعتمد العلاقات والقواعد الرياضية في خلفيتها العميقة ونسيجها الداخلي وهي عديدة وهي تشير هنا الى أهمها :
    أ/ حجة التعدية : ونصها أن (أ) في علاقة مع (ب) و (ب) في علاقة مع (ج) و وفق مبدأ التعدية (أ) في علاقة مع (ج) وتمثل كالتالي :
    أ * ب
    أ * ج ويضربون لها مثالا : " صديق صديقي صديقي "
    ب * ج
    وتعود إليها أصناف عديدة فقد تكون تساو أو تفوق أو تضمين أو اشتمال .وأوردت فيها أمثلة عديدة كقول الأعشى :
    من يلمني على بني ابنة حسا ن ألمه واعصه في الخطوب
    فهو يحتج لمعاداته الكثيرين بحجة التعدية غذ يؤكد تعلقه ببني حسان وإخلاصه لهم ومن عادى بني حسان فقد عاداه واستحق عصيانه.وكذلك قول متمم بن نويرة :
    لقد لامني عند القبور على البكا رفيقي لتذرافِ الدموع السوافكِ
    فقال أتبكي كل قبرٍ رأيته لقبرٍ ثوى بين اللّوى فالدكادك
    فقلتُ له إن الشجا يبعثُ الشجا فدعني فهذا كلُّه قبر مالكِ
    وقد جاءت حجة التعدية كالتالي : رؤية القبور تذكره قبر مالك
    رؤية القبور تثير حزنه وتبكيه.
    وقبر مالك يثير حزنه ويبكيه
    فهناك علاقة التعدية وعلاقة جزئية هي الإثارة.
    ب/ تقسيم الكل الى أجزائه المكونة له : وفحواها تقسيم كل الى أجزائه المكونة له وبيان أن ما ينطبق على كل جزء من أجزائه ينطبق تبعا لذلك على الكل ، ولكنه لا يتعدى كونه شبه منطقي لأن الأجزاء لا تعبر في كل الحلات بدقة عن الكل .وتبدو هذه الحجة في قول أحيحة بن الجلاح :
    وَما مِن أُخوَةٍ كَثُروا وَطابوا بِناشِئَةٍ لِأَمَّهَمُ الهَبولُ
    سَتُشكِلُ أَو يُفارِقُها بِنَوَها سَريعاً أَو يَهِمُّ بِهِم قَبيلُ
    حيث يرى انه ما من قوم كثروا وطاب غرسهم إلا ثكلتهم أمهاتهم أو فارقوهن أو أصابتهم صروف الدهر ويحتج لتفرق الشمل وتشتت الجمع.
    ج/ إدماج الجزء في الكل أو حجة الاشتمال : ما ينسحب على الكل ينسحب على الجزء وهي تقوم على رؤية كمية وتكثر في المراثي حيث يعزي الشاعر نفسه من خلال شمولية مصيبة الموت فتقول الخنساء :
    أخنى على واحدي ريب الزمان وما يبقي الزمان على شيء و لا يذر
    فصخر واحد اثنين أو واحد أخته بعد معاوية أخيه ومن الطبيعي ا نياتي الموت على صخر كما أتى على غيره.
    ولعل أهم الحجج المؤسسة على قاعدة الاشتمال وهي تتمثل في اعتبار الكاذب متفوقا على من غالطهم لأنه يعرف انه كاذب وفيها يقول رؤبة :
    لقد خشيت أن تكون ساحرا راوية مرا ومرا شاعرا
    فالشاعر قرن الشعر بالسحر لان السحر يخيل للإنسان والبيان يتصور فيه الحق بصورة الباطل والباطل بصورة الحق.وفيه يحتج لتمجيد الشعر وإعلاء مكانته وإقرار له على الإيهام.
    د/ الحجج القائمة على الاحتمال : مؤسسة على حظوظ المرء في تحقيق أمر ما أو انجاز حدث معين أو اتخاذ موقف محدد وهي أن المطلق نادر وان المحتمل ممكن وفيها يقول زهير :
    إذا ما أتوا أبوابه قال مرحبا لجوا الباب حتى يأتي الجوع قاتله
    فلو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله
    فهو يحتج لممدوحه بما خبره عنه واقعا وبما هو محتمل فالواقع هو جواد يحتفي بكل من طرق بابه والمحتمل انه يجود بروحه إن كانت كل ما بقي.
    2/الحجج المؤسسة على بنية الواقع : وهي تعتمد التجربة وعلى العلاقات الحاضرة بين الأشياء المكونة لعالم ، فيخرج الحجاج من المفترض والتضمين الى التفسير والتوضيح وفيها :
    1/ التتابع : و بها الحجة السببية والبراغماتية :
    أ/ الحجة السببية : وهي تعمد الى تتابع الأحداث محيلة على رابط سببي يصل بينها ويقول أوليفي روبول : " إذا كان جيش ما يملك دائما معلومات دقيقة حول العدو فإننا نستنتج أن مصلحة المخابرات عنده ممتازة وإنها ستظل كذلك دائما " ومنها قول سبيع بن الخطيم :
    بانَت صَدوفُ فَقَلبُهُ مَخطوفُ وَنَأَت بِجانِبِها عَلَيكَ صَدوفُ
    وَاِستَبدَلَت غَيري وَفارَقَ أَهلَها إِنَّ الغَنِيَّ عَلى الفَقيرِ عَنيفُ
    فهو يرجع مفارقة الحبيبة له الى التفاوت في المراتب الاجتماعية فهو فقير وهي غنية .
    ب/ الحجة البراغماتية : وهي حجة تمكن من تقويم قرار أو حدث أو رأي باعتبار نتائجه السلبية أو الايجابية، يقول النابغة الذبياني :
    وَقَد حالَ هَمٌّ دونَ ذَلِكَ شاغِلٌ مَكانَ الشِغافِ تَبتَغيهِ الأَصابِعُ
    وَعيدُ أَبي قابوسَ في غَيرِ كُنهِهِ أَتاني وَدوني راكِسٌ فَالضَواجِعُ
    فَبِتُّ كَأَنّي ساوَرَتني ضَئيلَةٌ مِنَ الرُقشِ في أَنيابِها السُمُّ ناقِعُ
    يُسَهَّدُ مِن لَيلِ التَمامِ سَليمُها لِحَليِ النِساءِ في يَدَيهِ قَعاقِعُ
    تَناذَرَها الراقونَ مِن سوءِ سُمِّها تُطَلِّقُهُ طَوراً وَطَوراً تُراجِعُ
    فغضب النعمان على الشاعر نغص عليه عيشه وبات مهموما أرقا وجاء بالتشبيه كقوة حجاجية وليقيم تماثلا بينه وبين من لدغته أفعى باعتبار النتائج السلبية.
    2/ الغائية : وهي تقوم على فكرة بأن قيمة الشيء تتصل بالغاية التي يكون لها وسيلة.وتظهر بشكل جلي في شعر الصعاليك كقول عروة بن الورد : ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا من المال يطرح نفسه كل مطرح
    فعروة سلك ذلك المسلك نظرا لحاله.
    وفي ظاهرة الثار ومنها قول عدي بن ربيعة :
    أَكثَرتُ قَتلَ بَني بَكرٍ بِرَبِّهِمِ حَتّى بَكَيتُ وَما يَبكي لَهُم أَحَدُ
    آلَيتُ بِاللَهِ لا أَرضى بِقَتلِهِم حَتّى أُبَهرِجَ بَكراً أَينَما وُجِدوا

    فايزة المستغانمية

    عدد المساهمات: 4
    تاريخ التسجيل: 01/01/2013

    كتاب الحجاج في الشعر

    مُساهمة  فايزة المستغانمية في الخميس يناير 03, 2013 8:18 pm

    بارك الله فيكم كيف يمكن تحميل الكتاب

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 24, 2014 9:18 pm