منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.

    كتاب الخصائص لابن جنى

    شاطر


    تاريخ التسجيل: 31/12/1969

    كتاب الخصائص لابن جنى

    مُساهمة   في الأربعاء فبراير 24, 2010 9:46 am

    المنتدى : منتدى النقد التطبيقي، والدراسات النقدية
    كتاب الخصائص لابن جنى
    قديم بتاريخ : 01-07-2006 الساعة : 10:12 PM

    - لمحات من الدراسات اللغوية العربية :-
    " وبعد فإن العلوم اللغوية صنيعة القرآن وربيته "
    د. محمد حسن جبل
    أشار البحث فى الصفحات السابقة إلى نشأة علوم اللغة وإلى أصالة النحو العربى ثم نظر البحث فى نشأة علوم البلاغة العربية ، ثم عاد للبحث فى نشأة علوم اللغة المرتبطة بالقرآن الكريم والحديث الشريف .
    ونتوقف فى لمحة سريعة مع الكتب اللغوية الخالصة عند العرب ، وتطوير وسائل النظر إلى اللغة .
    وكما سبق ، فإن الدراسات اللغوية مدينة للقرآن الكريم ، حتى أن أشهر كتب النحو المبكرة ، ألا وهو كتاب " سيبويه" يضم 447 آية ، وذلك لوضوح الهدف العام الذى من أجله يكتب ويبحث فخدمة النص القرآنى ومن بعده خدمة اللغة التى تحمل هذا النص الشريف هدف الدراسات اللغوية المبكرة .
    وقد جاء فى ( الإتقان جـ2/175 ) بإخراج البيهقى وغيره عن رسول الله  :" أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه "
    1- الكتاب لم يطبع على حد علم الباحث ، ومنه نسخه مصورة بدار الكتب المصرية ونسخه أخرى فى المكتبة الظاهرية بدمشق ، ونحن ننقل عن " تطور الدراسات اللغوية- سابق- صـ161-162 .
    2- انظر السابق- صــ162 .

    وكما سبق وذكرنا نصيحة النبى " أرشدوا أخاكم " ويذكر عن الصديق أنه سأل رجلاً سؤالاً فأجاب قائلاً : لا عوفيت ، فقال له أبو بكر : قل لا وعوفيت0
    أما باقى الصحابة فجهودهم معروفة مبسوطة فى مراتب النحويين والإتقان وغير ذلك .
    وقد كانت رواية القرآن ومعرفة لغاته وأحرفه أول الجهود اللغوية ، حيث حفظ القرآن كله فى حياة النبى أكثر من عشرين صحابياً منهم الخلفاء الأربعة وزيد بن ثابت ( 45هـ) وأبى بن كعب (32هـ) وعبد الله بن مسعود (32هـ) وأبو الدرداء (32) وأبو موسى الأشعرى (44هـ) وغيرهم
    وبانتقال القرآن عن هؤلاء الصحابة وتابعيهم ، بدأت إرهاصات العلوم اللغوية كما سبق .
    وسنتوقف أمام اثنين من اللغويين العرب ، لنتمثل مناهجهم وتطور درسهم للغة وهدفهم من الدرس اللغوى .

    - العين . . . ورجل من الذهب والمسك :-
    " أكلت الدنيا بعلم الخليل وهو لا يُشْعر به "
    النضر بن شميل
    والخليل بن أحمد الفراهيدى علامة بارزة فى تاريخ العلوم اللغوية ، مثلما كان شخصاً فريداً فى سماحته ونقائه ، وعزة نفسه ، وسعيه للعلم ، وتعاليه عن الدنايا والصغائر ، كان يحج سنة ويغزو أخرى . وحينما دعاه سليمان بن على إلى زيارة الأهواز- حين كان واليها- أجابه شعراً :-
    أبلغ سليمان أنى عنه فى سعةٍ * * * وفى غنى غير أنى لست ذا مال
    سخى بنفسى أنى لا أرى أحداً * * * يموت هزلا ولا يبقى على حال
    والفقر فى النفس لا فى المال نعرفه * * * ومثل ذاك الغنى فى النفس لا المال
    وكان الخليل صاحب علم فى اللغة والنحو والعروض والموسيقى والرياضة ، وكان شيخاً لسيبويه وعلى بن حمزة الكسائى ومؤرج السدوسى والأصمعى ، وقد قال عنه تلميذه " النضر بن شميل ": " أكلت الدنيا بعلم الخليل وكتبه وهو فى خص لا يشعر به "
    وقد عاش عمره ( 100-175هـ) فى سعى متواصل للعلم ، حيث لم ينل سوى طيب الذكر وتقدير التلاميذ ، حتى قال عنه سفيان بن عيينه :" من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك ، فلينظر إلى الخليل بن أحمد " على أى حال ، فالعلم العربى مدين للخليل بن أحمد بالكثير ، فإن اختلفوا حول نسبة كتاب العين إليه- كما سنبين- فإن أحداً لم يشك فى نسبة علم العروض إليه ، حيث نسبوا له مروره بسوق النحاسين وهو يترنم ببيت من الشعر ، فتوافقت حركاته وسكناته مع الطرقات الحدادين فأدرك أن موسيقى البيت إنما جاءت من حركات وسكنات منتظمة ، وأخرى ذلك



    فى بقية الأنواع ، حتى استوى له العلم كاملاً (1) .
    وقد روى الليث بن مظفر الكتاب عن أستاذه الخليل ، لأنه " بارع الأدب ، بصير بالنحو والشعر والغريب " كما أشار ابن المعتز فى طبقاته ، وروى عن الليث ستة من أصحابه . وإنا فى حل من الاطالة فى ذكر شجرة الرواية التى انتهت بابن خير الأشبيلى ، وذلك لنفرغ قليلاً لدراسة نسبة الكتاب إلى مؤلفه . ولم نر مثل هذا الخلاف المخيف فى نسبة كتاب مثلما رأيناه فى " العين"
    وسبب الخلاف كان تأخر ظهوره حتى سنة 248هـ أى بعد أكثر من سبعين عاماً من وفاة صاحبه سنة 175هـ . وفى الفهرست يقول النديم نقلاً عن أبى بكر بن دريد :" وقع بالبصرة كتاب العين سنة ثمان وأربعين ومائتين ، قدم به وراق من خراسان "(2) .
    ولكن الذين يكتفون بإيراد هذه العبارة ، لا يتأملون فى تاليتها :" وكان سمع بهذا الكتاب أنه بخراسان فى خزائن الطاهريين ، حتى قدم به هذا الوراق" أ .هـ .
    ويسوقون أيضاً رأى أبى على القالى [ ت 356هـ ] ، الذى أورد إنكار أبى حاتم السجستانى للكتاب لأن أصحاب الخليل أنكروه ، وزعموا عد معرفتهم به مثل النضر بن شميل ، ومؤرخ السدوسى ونصر بن على . . . . إلـــــخ (3)
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1- هذا الحدث من قبيل تفاحة نيوتن التى أوحت له بالجاذبية ، ورغم ذلك فهو حادث عرضى ، ويبدو أن الفكرة قد داهمت الخليل مداهمة ، حيث أعاد قراءة الشعر العربى جميعه فى إطار هذه الفكرة ، فضلاً عن وضعه للتفعيلات وألفاظ علم العروض ذاتها من أوتار وأسباب وفوصل ثم الزحافات والعلل وغير ذلك من المصطلحات العروضية ، فالعروض علم صعب ، حتى أن أديباً كبيراً كالأصمعى قد أيأس الخليل من فهمه للعروض ، حتى طلب الخليل منه أن يقطع قول الشاعر :
    إذا لم تستطع شيئاً فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع .
    وفى ترجمة الخليل تجد مئات الكتب منها " مراتب النحويين " لأبى الطيب اللغوى صــــ54-72 .
    وتهذيب اللغة للأزهرى مجلد1 صــــ4-5 ، والفهرست لأبن النديم صـــ63-65 .
    و" إنباه الرواه " للقفطى مجلد1 صــ376 والنجوم الزاهرة لابن تفرى بردى م1 صـــ311 .
    وكذلك الصحابى وبغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة وكشف الظنون . . . . الــخ وبالنسبة
    لــ" العين" فقد طبع أول مرة عام 1913م بعناية الأب أنستاس الكرملى فى بيروت فى 144 صفحة
    منسوباً لليث بن سيار .
    ومضت عقود حتى أعاد الدكتور عبد الله درويش هذه البضاعة وردها إلى أهلها ننشر الجزء الأول
    1967م منسوباً للخليل موضحاً فى المقدمة معالم قضية نسبة الكتاب .
    ومضت سنوات طويلة حتى بدأ العالمان الدكتور/مهدى المخزومى والدكتور إبراهيم السامرائى يقدمان الكتاب تباعاً من عام 1980م
    حتى صدر الجزء الثامن والأخير عام 1985م ولم تزل الفهارس تبحث لها عمن يخرجها إلى النور . . . . . . .
    2- الفهرست- 64 .
    3- راجع المزهر للسيوطى جـ1 صـــ84 .

    فهو يعترض على " الليث بن المظفر بأنه " مجهول الحال ، غير مشهور فى العلم " وذلك لأنه راوى " العين" .
    ومن ينظر فى مراتب النحويين وإنباه الرواه ومعجم الأدباء ، سيرى شيئاً من ذكر الليث ، الذى يقول عنه الأزهرى " صاحب الخليل رجلاً صالحاً " ويقول عنه ابن المعتز ما سبق وأشرنا إليه من براعته وبصيرته بالشعر والنحو " (1) .
    وقد سبق لباحثين كبار أن أوردوا آراء اللغويين العرب ، وردوا عليها ، وأنكروا على الباحثين القدامى إنكارهم لنسبة " العين" للخليل بن أحمد
    حتى أن لغوياً كبيراً كابن فارس ت 395هـ اعتمد فى انكاره على عبارة الخليل فى نهاية المعجم قوله " هذا آخر كلام العرب" حيث رأى أن الخليل كان :" أروع وأتقى لله جل ثناؤه من أن يقول ذلك " (2)
    وقد فسر الأزهرى " ت 370هـ" مقصد الخليل وغايته من قوله حيث ذكر :-
    " وإنما أراد الخليل رحمه الله أن حروف أ- ب- ت- ث عليها مدار جميع كلام العرب ، وإنه لا يخرج شئ منها عنها ، فأراد بما ألف منها معرفة جميع ما يتفرغ منها إلى آخره ، ولم يرد أنه حصل جميع ما لفظوا به من الألفاظ على إختلافها " (3)
    فاذا تركنا هذا كله ، ونظرنا إلى علمه ، فكما سبق وقلنا أنه تتلمذ على أمثال أبى عمرو بن العلاء ، الذى قال عن نفسه :" لقد علمت من النحو ما لم يعلمه الأعشى ، وما كتب لما استطاع أن يحمله " (4) .
    وعلى هذا كان تلميذه الخليل " مفتاح العلوم ومصرفها "-
    والعين- كما سنرى- جامع بين متن اللغة وعلوم قواعدها ، وقد صادف الخليل مشكلة أولى تتعلق بالكم وثانية تتعلق بالكم وثانية تتعلق بالكيف ، إذا كيف يحصر كلمات اللغة ، ثم كيف يرتبها ، وقد اتخذ لحل الأولى أسلوباً حصرياً رياضياً هو الترتيب الصوتى للحروف ، ووضع قاعدة أن كلمات العربية فى أصولها إما ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية ، ثم كان حصر الكلمات الثنائية بأخذ الحرف الأول مع ما يليه ثم الحرف الأول مع الثالث ثم الرابع حتى النهاية ، بعدها بأخذ الحرف الثانى مع الثالث فالرابع . . . . . إلـــخ .

    1- من أعظم ما كتب حول نسبة " العين" للخليل- دراسة محمد حسين آل ياسين- الدراسات اللغوية عند العرب- سابق صــــ227-صــ244 .
    2- صـ 18 من الصاحبى .
    3- جـ1 من تهذيب اللغة صـ53 وقد نقلناه عن " الدراسات اللغوية " سابق- صـــ241 .
    4- د. محمد حسن جبل- علم اللغة نظرة عربية- مصر عام 1983م- صـــ160 .

    ومجموع هذا كله نضربه فى اثنين لنرى المفردات الناتجة من قلب الحروف .
    ثم إنه رتب الحروف ترتيباً جديداً هو [ ع- ح- هـ- خ- غ ]- [ ق- ك ]
    [ ج- ش- ض ] [ ص س ز ] [ ط د ت ] [ ظ ث ذ ] [ ر ل ن ] [ ف ب م ] [ و أ ى ]- الهمزة (1).
    وقد ابتدأ بالحروف الحلقية ثم الهوية ثم الشجرية ثم الأسلية [ من أسلة اللسان أى مستدق طرفه] ثم النطعية من نطع الغار الأعلى ثم اللغوية ثم الذلقية ثم الشفوية ثم الهوائية .
    ثم قرر الخليل أن كلام العرب مبنى على أربعة أصناف ( ثنائى و ثلاثى و رباعى و وخماسى ) ثم نظر فى الأبنية ، فقسمها إلى الثنائى الصحيح مثل زلْ وإن شدد ثانيهما فكانا زلَّ ( بتشديد اللاَّم ) أو كررا فكانا زلزل ، حيث أن الأصل فى جميع هذه الصور حرفان هما الزاى واللاَّم . وهناك الثلاثى الصحيح والثلاثى المعتل والثلاثى اللفيف ، وهو ما كان من حرف صحيح واحد وحرف علة مثل روى .
    وهناك الرباعى الصحيح والخماسى الصحيح ومثلهما المعتلان .
    وقد التزم هذه الأبنية بهذا الترتيب فى الكتاب سوى الرباعى والخماسى المعتلين . ثم كانت فكرة التقليب ، فاكتشف أن الكلمات الثنائية تنصرف إلى وجهين مثل دق ، قد والكلمات الثلاثية تنصرف إلى ستة أوجهٍ مثل [ ض- ر- ب ] تكون [ ضرب- برض- ربض- بضر- ضبر- رضب ] .
    أما الرباعى من الكلمات فينصرف إلى أربعة وعشرين وجهاً والخماسى إلى مائة وعشرين وجهاً . ومن كل ذلك القليل المستعمل والكثير المتروك (2) .
    وقد احتوى " العين" على آراء صوتية ونحوية وصرفية ، قل أن تجدها فى مؤلف معاصر له ولولا سعى البحث للاختصار لتحدثنا عن جوانب عبقرية دراسة الخليل ، ومدى بصيرته باللغة ، وإطالة النظر فيها ، ودقة الفهم ، وإخلاص الأمر .
    وقد تبع كتاب العين سيلٌ من الكتب فى الرد عليه ، أو الاتباع له ، أولها لمؤرخ السدوسى 195هـ ثم لنصر بن على ثم للنضر بن شميل ت 203هـ وهم من تلاميذه . وهناك " الاستدراك على الخليل" لأبى تراب اللغوى وكتاب " الرد على الخليل وإصلاح ما فى كتاب العين من الغلط والمحال " للمفضل بن سلمة ت 300هـ .

    1- الترتيب ورد فى الجزء الأول المطبوع من العين صــ52 وقد أورده أحمد أمين فى ضحاه صــ267 فلم يذكر الهمزة . وفى المجموعة السادسة ذكر الذال قبل الثاء .
    2- 8 أجزاء بتحقيق الدكتور مهدى المخزومى والدكتور إبراهيم السامرائى- دار الرشيد بالعراق- من عام 1980م حتى 1985م وقد اعتمدنا على نسخة بكلية الآداب جامعة النصورة- قسم الدراسات العليا ، وذلك لأسباب خاصة .

    وهناك عشرات الكتب الأخرى ولم يصلنا منها محققاً سوى ( مختصر العين) للزبيدى.
    وقد اتبع نهج الخليل كثيرون كابن دريد فى " الجمهرة" وأبى على القالى فى " البارع" والأزهرى فى تهذيب اللغة وابن سيده فى " المحكم" والصاحب بن عباد فى " المحيط فى اللغة" .
    وقد نظر الأستاذ أحمد أمين لجملة عيوب فى " العين" نجملها فى :-
    صعوبة الأخذ منه لصعوبة ترتيبه ولاستخدامه نظام التقليب ولوقوع التصحيف فيه مثل " عسا الليل ، أظلم وصحتها غسا وأيضاً : ضبأت المرأة أى كثر ولدها والصواب ضنأت " (1) .
    وهى كلها عيوب فى الاستخدام لا فى الوضع ، فجهد الخليل نادر أن يتكرر ، وسبقه واضح معروف للعيان، أليس هو رجل من الذهب والمسك ؟

    خصائص ابن جنى بين الاعتزال والدرس اللغوى :-

    كتاب " الخصائص" صورة مذهلة من صور التطور الذى أصاب الدرس اللغوى العربى ، ذلك أن الكتاب خرج فى عصر بتعبير " ابن خلدون" صار كل شئ فيه علماً وقد اقترن العلم الدينى بالدنيوى فى هذا العصر فى تلاحم مذهل ممتع ، فابن جنى على سبيل المثال كان معتزلياً ، وقد أثر ذلك فى عمله اللغوى كثيراً بل يبدأ كتابه فى المقدمة بقوله :- الحمد لله العدل القديم ، وصلى الله على صفوته محمد وآله المنتخبين . ."(1)
    والعدل صفة من الصفات التى يركز عليها المعتزلة ، حتى أنهم عرفوا بالعدلية ، فالعدل أحد أصولهم الخمسة .
    وقد ساهم المعتزليون فى تطور الفكر العربى ، وظهور الجدل والتفكير الفلسفى وقد ساهموا فى الفكر اللغوى ، فأشاروا إلى إشارات مضيئة ، منها إشارتهم للعلاقة بين الواقع الحى والمسمى اللفظى ، حيث رأوا أن "أهل اللغة سموا بالقول شئ كل ما أمكنهم أن يذكروه ويخبروا عنه ، وما سمى به الشيء للتفرقة بينه وبين أجناس أخر ، كالقول لون وما أشبه ، فهو مسمى بذلك قبل كونه " (2) .
    وقد كان ابن جنى أبو الفتح عثمان الرومى الأب الأزدى الولاء- كان كثير المشايخ ، لايخلو من إسناد عال وفقيه مذكور " كما يذكر المقدسى فى أحسن التقاسيم ، عاش عمراً مديداً زاد على الثمانيين ، منهم نصف عمره فى صحبة شيخه وأستاذه أبى على الفارس ، وقد صنع منه أحسن عالم لغة فى تاريخ العربية ، حتى أن ابن جنى نفسه يقرر بأنه " لولا أبو على لكان عن هذا الشأن بمعزل ، وبأمر سواه على شغل " (3) .
    وقد سبق وأشار أستاذنا الدكتور/ عبده الراجحى إلى تأثير مذهب الاعتزال على كتب ابن جنى- وله أكثر من خمسين كتاباً لم يطبع منهم إلا "الخصائص" و"المحتسب "وأقل القليل . ويورد الدكتور الراجحى نصاً طويلاً من كتاب كان مخطوطاً وقت تأليف الكتاب منذ أكثر من ربع قرن- يقول ابن جنى تعليقاً على القراءة الشاذة " قال عذابى أصيب به من أساء" يعلق " القراءة أشد إفصاحاً بالعدل من القراءة الفاشية [ المشهورة والمنتشرة ] التى هى " من أشاء " لأن العذاب فى القراءة

    1- الخصائص- تحقيق محمد على النجار- دار الكتب- مصر- 1952م- المقدمة .
    2- أنظر- مقالات الإسلاميين وإختلاف المصلين- لأبى الحسن على بن اسماعيل الأشعرى بتحقيق- هلموت ريتر- س الذخائر- مصر- عام 2000م- صــ161
    3- انظر مقدمة الخصائص التى كتبها المحقق- صــ60 .

    الشاذة مذكور علة الاستحقاق له ، وهو الإساءة ، والقراءة الفاشية ، لا يتناول من ظاهرها علة إصابة العذاب له " (1) .
    وقد عرج المعتزلة على قضايا جدلية فقهية لغوية ، تجد أثراً لها فى كتب الجاحظ وفى كتاب " الخصائص" . حيث ناقشوا طبيعة القراءة واختلافها عن الكلام حيث زعمت فرقة من المعتزلة أن القراءة كلام ؛ لأن القارىء يلحن فى قراءته وليس يجوز اللحن إلا فى الكلام . فى حين رأت فرقة أخرى أن القراءة صوت والكلام حروف ، والصوت غير الحروف .
    وتوسعوا للنظر فى وجود الكلام مع الكتابة أم لا (2) .

    وقد نبه شيخنا محمد أبى زهرة إلى الأصول الخمسة لكى يستحق المؤمن لقب المعتزلى " التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإذا جمع هذه الأصول فهو معتزلى " (3) .
    وهم يعتمدون على منطق الفلاسفة- كما يشير المقريزى ، وهذا أمر واضح فى دراساتهم وجدلهم وأفكارهم .
    ومثلما رأينا من خلاف المعتزلة فى الفرق بين الكلام والقول والقراءة ، نجد ابن جنى يعقد باباً عنوانه " هذا باب القول على الفصل بين الكلام والقول " وواضح مقدار الحكمة واستخدام منطق الفلاسفة الذى سبق الإشارة إليه عند المعتزلة ، فيقول :" إن معنى ( ق و ل )- أين وجدت وكيف وقعت- من تقديم بعض حروفها على بعض ، وتأخره عنه ، إنما هو للخفوف والحركة، وجهات تراكيبها الست مستعمله كلها وهى ( ق و ل )- ( ق ل و) (و ق ل )- ( و ل ق)- ( ل ق و)- ( ل و ق) .
    فـ ( ق ل و) هو حمار الوحش لخفته وإسراعه .
    و ( و ق ل) الوعل وذلك لحركته .
    و ( و ل ق ) قالوا ولق تلق إذا أسرع .
    و( ل و ق ) جاء فى الحديث ( لا آكل من الطعام إلا ما لوِّق لى ) أى خدم وعمل فيه بسرعة .
    و( ل ق و ) للعقاب لخفتها وسرعة طيرانها فهى ( لقوة) .

    1- د/ عبده الراجحى- فقه اللغة فى الكتب العربية- سابق- صــــ190 .
    2- مقالات الإسلاميين- سابق- صـــ194
    3- الإمام أبو زهرة- تاريخ المذاهب الإسلامية- دار الكاتب العربى- مصر- د.ت- صــــ119 .

    وبعد طول تعليق يقول " وعلى أنك إن أنعمت النظر ولا طفته ، وتركت الضجر وتحاميته ، لم تكد تعدم قرب بعض من بعض . . . . " (1) .
    ويستخدم أبو الفتح نفس الأسلوب مع ( ك ل م ) فيشير إلى خمسة أصول للحروف المكونة للفظ ( كلم ) .
    الأولى كلم للجرح والثانى كمل أى صار غير ناقص والثالث ( لكم) أى ضرب والرابع ( مكل) أى قل ماؤه وهى صفة للبئر .
    الخامس ملك : وملك العجين إذا نعمه فى عجنه .
    ويشير إلى الغاية من هذا التأصيل الأيتمولوجى ( اللغوى) للفظين .
    " ليرى منه غور هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة ، ويعجب من وسيع مذاهبها ، وبديع ما أمد به واضعها ومبتدئها " (2)
    وتبدو ملامح الفكر المعتزلى فى تمكين سلطة العقل من الدرس اللغوى ، وربما لا تغادر الحقيقة إذا قلنا إن المبدأ قد أفاد الدرس اللغوى أكثر ما أفاد الدرس الدينى حيث أسلم الأمور الدينية إلى باب واسع فى الجدل الذى سبق ونهى الناس عنه ، لكنهم عابوا على " كلاسيكية" الفكر السلفى بتعبيرنا الحديث ، وبالغ الجاحظ- وهو من أئمة المعتزلة- فى الحرب على أهل الحديث ، فرأى أن " أصحاب الحديث هم العوام ، هم الذين يقلدون ، ولا يحصلون ولا يتغيرون ، والتقليد مرغوب عنه فى حجة العقل منهى عنه فى القرآن " (3) .
    ولا شك أن حكم الجاحظ كان قاسياً شديد اللهجة ، وربما كان تأثير الفلسفات اليونانية واضحاً فى المعتزلة الذين كانوا أسرع من " أسلم" الفلسفة اليونانية ، فصبغوا الفلسفة صبغة إسلامية بتعبير أحمد أمين (4) الذى يبرر التحول فى أساليب الدعوة من بساطة الأسلوب إلى غيره بسبب أن " أهل الديانات الأخرى إنما يدعون إلى دينهم بالعقل والمنطق ، ويرد عليهم بالعقل والمنطق ، حيث جاء أرباب الديانات الأخرى فى العصر العباسى يريدون أدلة عقلية مؤسسة على منطق أرسطو ،فيها مقدمة صغرى وكبرى ، مستوفيان للشروط 0
    وتأثر تفسير القرآن وتفسير الحديث بهذا الأثر الفلسفى ، وهذه ظاهرة جديدة فى العصر العباسى

    1- خصائص ابن جنى- ملحق كتاب فقه اللغة فى الكتب العربية- سابق- صـــ196 بتصرف.
    2- السابق- صـــــ201 .
    3- الفصول المختارة للجاحظ- نقلاً عن تاريخ المذاهب الإسلامية- سابق- صــــ128 .
    4- فجر الإسلام- سابق- صــ299 .

    وإن كانت نتيجة طبيعية لحياة الناس وسيرهم العقلى " (1) .
    بقى أن نذكر اعتراف المعتزلة بسلطة العقل ، وقدرته على معرفة الحسن والقبيح ، وقد اعتبروا " العقل" أصل من الأصول المعتزلية ، ولا شك أن العقل قد طور الدرس اللغوى ، بل قربه من الدرس الحالى للغة .
    فتعريف ابن جنى للغة بأنها" أصوات يعبر بها كل قوم عن أغرضهم " وتعليقه " هذا حدها " تعبير يشير لمعارفه المنطقية . . .

    فقد نبه ابن جنى للمعيار الاجتماعي فى اللغة باعتبارها تخص كل قوم ، ومن هنا جاء ما سمى حديثاً " علم اللغة الإجتماعى " . كما عبر " ابن جنى " عن الطبيعة الصوتية للغة ، بل أفراد أول كتاب لدراسة الصوت اللغوى فى العربية هو " فى سر الصناعة" حدد فيه مخارج الحروف وصفاتها . وإن كان الخليل قد أفاض فى إظهار المخارج للحروف وكذلك تلميذه سيبويه فى نهاية " الكتاب" فإن ابن جنى قد التفت إلى جهاز النطق الذى شبهه بمزمار له ثقوب ، لكل ثقب صوت خاص.
    كما أشار إلى الغاية من اللغة وهى " التعبير عن الأغراض" ولا شك أن هذا التعريف شديد الاختصار قد كان سباقاً وذكياً وعقلانياً فى جمعه بين كل جوانب اللغة كما جاء فى علم اللغة الحديث.
    وكما سبق وأشرنا إلى تفصيل " ابن جنى " للعلاقة بين القول والكلام وهو قول أفاض فيه علم اللغة الحديث ، بل سربله برداء من الكلمات البراقة الصعبة ، رغم أن كل جهود " دى سوسير" و" تشومسكى" لم تزد عما جاء به " ابن جنى" فى هذه النقطة تحديداً ، وبين يدينا كتاب " رند شبلز- علم اللغة والدراسات الأدبية- نقل منه قوله :-
    " لقد أصبح من المألوف فى علم اللغة الحديث توضيح اختلاف نظام اللغة عن الاستعمال اللغوى ، حيث يحشد نظام اللغة قوائم من الوحدات اللغوية والتراكيب ، وعناصر الثروة اللغوية بوظائفها الافتراضية ومعانيها من مستوى الكلام ، حيث يستعمل المتكلمون من القوائم ما يختارونه ثم يحققونه فى النشاط الفعلى ( انظر دى سوسير وانظر تشومسكى ) أ.هـ ( 2) .

    1- ضحى الإسلام- جـ2- سابق- صـــ8-9 بتصرف يسير
    2- برند شبلز- علم اللغة والدراسات الأدبية- ترجمة د. محمود جاد الرب- الدار الفنية للطباعة- عام 1987م-صـــ39 .

    ولذلك فاعتبار " ابن جنى" أن الكلام" لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه ثم تعبيره الهام ( وهو ما يسميه النحويون الجمل ) . ثم ذكره أن القول فأصله كل لفظ مذل به اللسان تاماً أو ناقصاً .
    هذا الكلام فيه إدراك جيد لماهية النحو وميدانه ، حيث هو دراسة للجملة ولذلك فتعريف " ابن جنى" للنحو جاء تعريفاً شاملاً لعلمى النحو والصرف ، حيث يعرف النحو بأنه " انتحاء سمت كلام العرب فى تصرفه من إعراب وغيره ، كالتثنية ، والجمع والتحضير والتكسير والإضافة والنسب والتركيب وغير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها فى الفصاحة ، فينطق بها ، وإن لم يكن منهم ، وإن شذ بعضهم ردُّ به إليها " (2) .
    ورؤية " ابن جنى" رؤية واسعة ، وقد اختار اسماً دقيقاً لكتابه ، حيث لم يختر ما يشير إلى اللغة مثلاً مثلما فعل معاصرة ابن فارس أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة 395هـ مختاراً لكتابه اسم " الصاحبى فى فقه اللغة وسنن العرب فى كلامها " ورغم هذا العنوان الضخم ، فقد كان " ابن جنى" أقرب إلى وضع منهج لدرس اللغة من سابقيه ومعاصريه ، فاختار عنواناً يصلح لاعتبار ذلك قوانين عامة تنتظم العربية كما يرى الدكتور الراجحى (3) .
    وكما سبق، فإن ابن جنى قد استخدم الحكمة الفلسفية والفكر الثاقب المتغلغل فى ثنايا الواقع اللغوى الذى يبحثه ، وأشرنا إلى دور المذهب المعتزلى فى فكره ولعنا نشير إلى الموضوعات التى بحثها كما ذكرها أستاذنا الجليل عبده الراجحى :-
    1- جوانب تتضمن قضايا عامة فى حياة اللغة وتطورها من نحو تعريف اللغة ونشأتها وتفرعها إلى لهجات وتطورها . . . . الــخ .
    2- جوانب تتضمن منهج البحث فى اللغة من مثل حجية اللغة ، وطريقة جمعها وتصنيفها ووضع التعاريف لها وتعليل الظواهر اللغوية . . . الـــخ .
    3- جوانب تشمل مستويات الدراسة اللغوية من صوتية وصرفية ونحوية ودلالية ، وإن كان ابن جنى لا يقدم ربطاً واضحاً بين هذه المستويات " (4) .
    وعلى هذا فكتاب " ابن جنى" يقدم درساً متميزاً فى " علم اللغة" لأنه يدرس العربية بمنهج لا يصلح لسوى العربية ، وهو يتخذ منهجاً علمياً ليصل إلى قوانين عامة أو " خصائص" عامة للغة.



    1- الخصائص 1/34 .
    2- فقه اللغة فى الكتب العربية- سابق- صــــ41 .
    3- السابق- صــــ53 .


    الدراسة مقتطعة من بحث لى بعنوان نهضة اللغة العربية

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 28, 2014 8:34 am