منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    النص والخطاب.3

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    النص والخطاب.3

    مُساهمة   في السبت يناير 21, 2012 1:56 pm

    في الأبيات إشارة إلى خطيئة قوم عاد التي ذكرها القرآن الكريم، والتي
    استحقّوا عليها أن أهلكهم الله. وكأنّ الشاعر حين أراد أن يصور أمنية حفّار
    القبور بإبادة البشر، لم يجد أمامه من صورة إلا صورة قوم عاد التي ذكرها
    القرآن، لما فيها من دلالة على محو الأثر، وهلك النسل، بل واستئصال العقب([61]
    )

    . وهو يتساءل هنا؛ ما دام هؤلاء هم أحفاد أولئك، فلم إذن لا يهلكهم الله مثلما أهلك آباءهم؟


    وثمّة ألفاظ وردت في قصائد السيّاب الثلاث، تشير إلى تناص مع ألفاظ
    قرآنية، عبّر بها الشاعر عن صور تحمل دلالات قريبة من الدلالات التي وردت
    بها في النصّ القرآني، من هذه الألفاظ لفظة (النشور) التي جاءت في قصيدة
    (المومس العمياء) في البيت الآتي:


    18. موتى تخاف من النشور




    و وردت في المقطع الآتي من قصيدة (حفّار القبور):




    1. 243. يطفو و يرسب، والسماء كأنّها صنم

      بليد

    2. 244. لا مأمل في مقلتيه.. و لا شواظ.. و


      لا رثاء؟

    3. 245. لو أنّها انفجرت تقهقه بالرعود

      القاصفات!

    4. 246. لو أنّها انكمشت وصاحت كالذئاب

      العاويات:

    5. 247. "فات الأوان فخطّ لحدك واثو فيه


      إلى النشور!"


    والنشور معناه "بعث الناس من القبور"
    ([62]
    )

    ، وهو لفظ استعمله القرآن الكريم في مواضع عدة للدلالة على يوم القيامة، وعودة الناس إلى ربّهم للحساب؛ يقول تبارك وتعالى: >
    وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ
    يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا
    يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا
    <
    ([63]
    )

    .


    والنشور الذي يتحدث عنه البيت في (المومس العمياء)، هو الخروج الذي
    يتوجّب على أبناء المدينة أن يقوموا به، وهو الثورة على واقعهم المرير،
    الذي أوقر ظهورهم، وكبّلهم بالخوف، فألجأهم للهروب منه إلى حوانيت الخمور،
    ولعلّ غاية الشاعر من هذا التناص بين اللفظين، هو القول بأنّ هذا الخروج من
    هذا الواقع، سيأتي إن عاجلاً أو آجلاً، وإنكم مهما أخفيتم رؤوسكم خوفاً،
    فإنّ ذلك اليوم آتٍ لا محالة، مثلما هو وعد الله بالنشور واقع مهما طال أمد
    الحياة الدنيا.


    وورد لفظ النشور في قصيدة (حفّار القبور)، في المقطع الذي يصوّر حالة
    اليأس التي تسيطر على حفّار القبور، والذي يتمنى أن لو تزجره السماء،
    برعودها، أو ترسل عليه قاصفاً يبقيه في اللحد حتى نشور الأموات، حين تقوم
    ساعة الحساب.


    ومن مظاهر التناص مع الموروث الديني أيضاً، ما ورد في الأبيات الآتية التي تصوّر الحوار بين المرأة (المومس)، وأخرى من صاحباتها:



    1. 219. لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها

    2. 220. أخرى توسوس: "والجحيم؟ أتصبرين على لظاها؟

    3. 221. وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
    4. 222. حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش نار
    5. 223. وتساءل الملكان: فيم قتلتِ نفسكِ يا أثيمه؟

    6. 224. وتخطفاك إلى السعير تكفرين عن الجريمه
      .



    تتحدث هذه الأبيات عن حالة اليأس التي تدفعها إلى قتل نفسها، لتتخلص
    من حياة لم تجد فيها غير البؤس والهوان، وهنا تتدخل المرأة الأخرى فتذكرها
    بالقبر وعذاباته، وسؤال الملكين (منكر ونكير)، حين يطالبانها بأسباب
    ارتكابها إثم قتل نفسها. وفي هذا تناص واضح مع النصوص الدينية التي تتحدث
    عن رحلة ما بعد الموت، وأهول سؤال الأموات عن ربهم ونبيهم ودينهم،
    ومساءلتهم عن خطاياهم وآثامهم([64]
    )

    . وهذا المعنى هو ما عناه الشاعر، واستدعاه من موروثنا الديني، ليعزّز به
    النص، ويبيّن حالة الخوف والاستلاب التي تعانيها شخصية القصيدة، من عواقب
    ماتراه منفذاً يخرجها من عذاباتها، ويكون نهاية آلامها.




    3-3-2 صور التناص مع النصّ الأسطوري



    يشير كثير من دارسي شعر السيّاب إلى أنّه أوّل من فتح الباب أمام
    دخول الأسطورة في الشعر العراقي الحديث، ومن فضله في تضمين شعره الأسطورة،
    أنّه جعل الأسطورة في متناول الجميع، ولم تعد قاصرة على النخبة من الأدباء،
    بل إنّ غالبية الشعراء حتى الذين لم يسلكوا طريقة شعره، تأثروا به، ومالوا
    إلى تضمين أشعارهم الأساطير([65]
    )

    .


    تشير قراءة نصوص القصائد ولاسيّما قصيدة (المومس العمياء)، إلى عدد
    من العلاقات التناصية مع نصوص أسطورية، استحضرها الشاعر لاستجلاء الصورة
    التي يحاول إيصالها إلى المتلقّي، ففي الأبيات الآتية من مطلع القصيدة
    (المومس العمياء):




    1. 3. وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،

    2. 4. كعيون ""ميدوزا""، تحجّر كلّ قلب بالضغينة،



    نجد أنّ الشاعر استعان بأسطورة ميدوزا([66]
    )

    ، تلك الشخصية التي ورد ذكرها في الأساطير اليونانية القديمة، والتي كان
    كلّ من ينظر إلى عينيها يتحوّل إلى حجر؛ إذ حاول الشاعر أن يربط بين أضواء
    مصابيح المدينة الخافتة الكئيبة، التي تبعث على الحزن والأسى في قلوب
    العابرين من أبناء المدينة، فتجعلها قاسية كالحجر، شأنها في ذلك شأن ميدوزا
    التي تحوّل البشر إلى أحجار. فهذا التناص مع الشخصية الأسطورية وما تحمله
    من دلالات قارب الشاعر بينها والأجواء التي أراد أن يرسمها للمدينة المعتمة
    الكئيبة، وأبنائها المتعبين، الذين حجّرت مشاعرهم حالة الظلام والظلم التي
    يرزحون تحتها، أعطى -التناص-، قيمة توضيحية، وبعدا تهويلياً عمد الشاعر
    إليه من أجل إيصال صورة المدينة المتخيلة إلى ذهن المتلقّي/القارئ.


    والأسطورة الثانية التي أشار إليها السيّاب في قصيدته؛ هي أسطورة أوديب أو أوديبوس الضرير([67]
    )

    ، وأبناؤه أبناء الخطيئة، وأبو الهول الجاثم على أبواب طيبة يقتل كلّ من لا يجيب عن سؤاله:




    1. 20. مَنْ هؤلاء العابرون؟
    2. 21. أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصرون

    3. 22. جوكست أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال

    4. 23. يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلال

    5. 24. والموت يلهث في سؤال

    6. 25. باق كما كان السؤال، ومات معناه القديم

    7. 26. من طول ما اهترأ الجواب على الشفاه
      .

    8. 27. وما الجواب؟
    9. 28. "

      أنا" قال بعض العابرين
      ...



    في الأبيات تلخيص لقصة أوديب التي وردت في الأساطير اليونانية، وفي
    أدب سوفكليس، ولاندري هل ثمّة ما يدعو الشاعر إلى أن يستحضر هذه الشخصية،
    ويجعل من أبناء المدينة، المقهورين المتعبين، أبناءً لأوديب وورثة له، أ
    فهؤلاء العابرون يراهم الشاعر أبناء زنى، وأيّ زنى؟ أم هم ضحايا السؤال
    المميت؟


    أم أنّ الشاعر أراد أن يصوّر في الأبيات حال العابرين إلى المبغى،
    فهم صورة من أوديب -مثلما يراهم د. البطل-، أو هم أكثر مسخاً منه، فقد
    مسختهم آلهة المدينة من مال ونضار، مثلما مسخت البغايا من قبل([68]
    )

    .


    هذا القول قد لاينطبق على استعمال الشاعر للفظ (العابرين)، ففي أول
    القصيدة يصوّرهم متعبين مثقلين بأعباء أحنت ظهورهم، بائسين خائفين يبحثون
    عن الأمل في عيون الآخرين، لايقوون على تغيير حالهم فاختبأوا خلف زجاجات
    الخمور. ثمّ أن الشاعر استعمل لفظ السكارى لأولئك الذين يرتادون المباغي،
    ولم يرد لفظ (العابرين) إلاّ في حالة العموم المقصود منه كلّ الرجال في
    المدينة الذين هم خطّاؤون بلا خطايا، وهم الضحايا الذين تنتظرهم شراك
    البغايا، والفرق بين الاثنين تبينه أبيات القصيدة.


    وبعيداً عمّا إذا كان الشاعر موفقا في استعماله للرمز هنا، حتى بلغ قمّة النجاح "في
    الدخول بالرمز القديم إلى التجربة الحديثة في يسر وإحكام، وتفجير كلّ
    الدلالات التي يحملها الرمز، والتي يأتي بها السياق الجديد، مثيرأً طاقات
    غنية من الشعور في التجربة الفنية المبدعة"
    ([69]
    )

    ، أو أنّه انساق وراء رغبته في إظهار معارفه بالأساطير فزجّ بهذه الأسطورة،
    وبتفصيل لا نراه إلا نادراً في قصائده؛ فالسؤال الذي يلحّ هنا هو: هل أفاد
    النصّ من هذا التناص، في جلاء دلالة، أو توضيح فكرة؟ ولعلّ الجواب يكمن في
    أنّ استدعاء هذه الأسطورة لم يعزّز صورة هؤلاء المسحوقين الذين رمز إليهم
    النصّ بالعابرين، وهم أبناء المدينة، وطن الشاعر الكبير، إلا إذا كانت غاية
    الشاعر السعي وراء الوظيفة الجمالية للنصّ، أو الهروب من الواقع المادّي
    الذي فرضته عليه قسوة الحياة المدنيّة، إلى عالم من الخيال الرحيب، ذلك
    العالم المتخيّل الذي تقدّمه الأسطورة([70]
    )

    .


    والإشارة الأخرى إلى النصّ الأسطوري نجدها في الأبيات التي تتحدّث عن
    السكارى مرتادي المبغى، الباحثين عن المتعة في جيف المواخير، والمنتظرين
    قدوم أخريات يخلقهن زبد بحر المعاناة، فينجرفن إلى أحضان الزناة خلف جدران
    المبغى، مثلما خلقت إفروديت من زبد البحر([71]
    )

    ، لتمارس شهوتها مع كلّ ذكر رأته، من آلهة أو بشر. تقول الأبيات:




    1. 66. يا أنت، يا أحد السكارى،
    2. 67. يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى
    3. 68. (ما ظلَّ يحلم، منذ كان، به ويزرع في الصحارى
    4. 69. زبد الشواطئ والمحارا

    68. مترقّبا ميلاد "أفروديت" ليلا أو نهارا)


    فالتناص هنا عمق الدلالة التي سعى الشاعر إلى تقديمها عبر النصّ، وهي
    حقيقة الأوضاع السائدة التي تجعل من (السكارى) مترقّبين لقدوم إفروديت
    جديدة أخرى يلقي بها الفقر، أو الخوف من القتل بسبب العار، إلى أحضان
    المبغى؛ فتمارس لعبتها معهم، فينالون ما كانوا يحلمون به، وقدّموه زبداً من
    البحر فوق رمال الصحارى.


    ومن التناص الذي عمد إليه السيّاب فاستحضره شعره، هو ذلك التناص الذي تشير إليه الأبيات الآتية من قصيدة (المومس العمياء):

    94. سيظلّ غاصبها يطاردها وتلفظها البيوت




    1. 95. ستظلّ-مادامت سهام التبر تصفر في الهواء-
    2. 96. تعدو- ويتبعها "أبولو" من جديد كالقضاء،
    3. 97. وتظلّ تهمس، إذ تكاد يداه أن تتلقفاها:
    4. 98. "أبتي... أغثني" بيد أنك لاتصيخ إلى النداء
    5. 99. لو كنت من عرق الجبين ترشها ومن الدماء
    6. 100. وتحيلها امرأة بحق، لامتاعا للشراء
    7. 101. كللت منها، بالفخار والبطولات، الجباها
      !





    وهنا يصور الشاعر الرجل الذي أغوى الفتاة اليتيمة واغتصبها، وجعلها
    طريدة الثأر، أنّه مازال يتبعها أينما حلّت، فقد عصفت به سهام الشهوة،
    فجعلته يطاردها، مثلما أشعلت سهام (كيوبيد) قلب (أبولو)، بالحب فطارد
    (دافني) التي فرّت هاربة منه إلى الغابات، فتوسّلها أن تأتيه ولا تنفر منه،
    ولمّا يئس منها طاردها، ولما أوشكت أن تقع بين يديه، استنجدت بأبيها،
    فأحالها شجرة غار([72]
    )

    . إلا أن الفتاة لم تجد من ينجدها، فحولها المغتصب الذي ظفر بها، إلى جيفة
    ملقاة على أرض المبغى، يطؤها كلّ داخل فيه. والفرق بين الاثنين هو أنّ
    دافني صارت شجرة غار يفخر المنتصرون بوضع أغصانها على رؤوسهم، فيما أمست
    الفتاة اليتيمة رمزاً للعار، بعد أن غدت مرتعاً للسكارى والزناة.


    ومن التناص أيضاً ما استلهمه الشاعر من الحكاية الأسطورية لشخصية
    السندباد، تلك الشخصية التي ألهمت السيّاب، وكثيراً من أبناء جيله من
    الشعراء، بوصفه رمزاً من رموز موروثنا الشعبي، وأنموذجاً عربياً جسّد من
    خلاله الإنسان طموحاته ورغباته، وعدّت هذه الشخصية من بين الرموز الأكثر
    استحواذاً على اهتمام شعرائنا، فلا يكاد يخلو ديوان من دواوين شعراء مابعد
    الحرب العالمية الثانية، إلا ويطالعنا وجه السندباد من خلال قصيدة أو أكثر،
    وما من شاعر إلا وقد عدّ نفسه سندبادَ في مرحلة من مراحل تجربته الشعرية([sup][73]

    )[/sup]
    .


    ومن المواضع التي ورد فيها التناص مع حكاية السندباد، أبيات المطلع من قصيدة (الأسلحة والأطفال)؛ التي جاء فيها:



    1. 10. كأنّي أسمعُ خفقَ


      القلوعْ

    2. 11. وتصخابَ بحّارةِ


      السندبادْ
      ..

    3. 12.

      رأى كنزهُ الضخمَ بينَ

      الضلوعْ

    4. 13. فما اختار إلاهُ كنزاً..


      وعادْ
      !


    السندباد الذي تصوّره حكايات ألف ليلة وليلة بطلاً أسطورياً مغامراً،
    لا يكاد ينتهي من رحلة حتى يشرع في أخرى، باحثاً في رحلاته الطويلة عبر
    البحار والجزر النائية، عن التجارة والمغامرة والفضول([sup][74]

    )[/sup]
    . وما أن تنتهي رحلته، حتى يعود باحثاً مرة أخرى عن هدف جديد، وغاية أخرى،
    إلا أنّ سندباد السيّاب هنا وجد ضالته (كنزه الثمين) في غاية القرب منه،
    أنّها في داخله، وتحقّقت المعجزة التي يبحث عنها الشاعر متمثّلة في "تحقيق
    اللقاء بين الإنسان وأخيه على صعيد العواطف النبيلة، ولعلّ هذا الموقف هو
    الموقف الوحيد في شعر السيّاب، الذي تتحقّق فيه المعجزة، وإن كان تحقيقها
    في عالم الطفولة البريء، فهذه المرة الوحيدة التي وجد فيها الجوال
    -السندباد- هدفه... فرجع عن بحثه تاركاً كنوز المادة"
    ([sup][75]

    )[/sup]
    .


    وبذا حقّق التناص الترابط الدلالي الذي قصده الشاعر، عبر الاغتراب
    الذي يعيشه الشاعر، والشخصية الأسطورية، إلا أنّ الشاعر عاد منها راضياً،
    مكتفياً بما وجده في نفسه، في حين أنّ السندباد الأسطورة ظلّ على ترحاله
    باحثاً عن هدفه الذي ما أن يصل إليه حتى يجد نفسه بعيداً عنه مرة أخرى.


    والأسطورة الأخرى التي أحدث معها السيّاب تناصاً في قصيدته (المومس
    العمياء)؛ هي أسطورة (الدكتور فاوست)، هذه الشخصية الأسطورية التي جمعت
    التناقضات الكثيرة، فهو رجل الدين الذي درس اللاهوت وحصل فيه على شهادة
    الدكتوراه، والطبيب الذي واسى الكثيرين بأدويته، وهو أيضاً ذلك الرجل
    اللاّهي، الذي انتهب اللذّات وصاحب الفجّار، وتمرّد على الدين، فباع نفسه
    للشيطان من أجل اللهو، وحبّ الاستطلاع، والمجون، وإرضاء شهوته بسبر أغوار
    السماء والأرض([76]
    )

    . هذه الشخصية وظفها السيّاب في الأبيات التي كان يصف بها البغايا، قبل أن ينتقل للحديث عن (المومس العمياء):




    1. 74. المال، شيطان المدينة
    2. 75.

      لم يحظ، من هذا الرهان، بغير أجساد مهينه

    3. 76. "فاوست" في أعماقهن يعيد أغنية حزينه
    4. 77. المال شيطان المدينة، ربُّ "فاوست" الجديد
    5. 78. جارت على الأثمان وفرة مالديه من العبيد،
    6. 79. الخبز والأسمال حظُّ عبيده المتذللين
    7. 80. ممّا يوزع من عطايا- لا اللآلئ والشباب،
    8. 81. والمومس العجفاء-لا هيلين، والضمأ اللعين
    9. 82. لا حكمة الفرح المجنح والخطيئة والعذاب

    قدّم الشاعر باستدعائه لهذه الشخصية الأسطورية، موازنة بين شيطان
    فاوست، والشيطان الجديد (المال)، وبين فاوست الذي باع نفسه من أجل المتعة
    والشباب واللآلئ، والبغايا اللواتي بعن أنفسهن من أجل خبز وأسمال، ومن أجل
    لقمة عيش جعلتها قسوة الحياة المادية في المدينة، وسطوة القهر الاجتماعي،
    أمنية لا تتحقّق إلا بثمن باهض. فالربّ الجديد لم يعد يعطي مثلما أعطى
    لفاوست، والسبب في ذلك كثرة عبيده، من الفقراء الذين لم يجدوا أمامهم
    خياراً سوى بيع أنفسهم والمقابل كسرة خبز.


    ويبدو أنّ سخط الشاعر على الأوضاع القاسية التي يعيشها السواد الأعظم
    من الشعب، في مقابل ثلّة تستأثر بالمال والسلطان، هو ما دفع الشاعر إلى
    هذا التناص مع أسطورة فاوست، فالاستعداد لبيع النفس التي رمز إليها الشاعر
    بـ (فاوست)، راسبة في قرارة الكثيرين من المعدمين، الذين لايجدون سبيلاً
    للعيش إلا بها، ولايجدون غضاضة في هذا الفعل، فالفقر والعوز يدفع كثيرين
    إلى أن يقوموا بما قد ينكرونه إن كانوا في حال أفضل.


    التناص في هذه الأبيات أعطى صورة لإحساس الشاعر بالألم لما يعانيه
    قومه، وببشاعة الفعل، الذي ساقهم إليه الجوع، فوازن بين الفعل المنكر الذي
    أقدم عليه فاوست ببيع نفسه إلى الشيطان، وحصل بالمقابل على اللذّة
    والمعرفة، وبين المحرومين الذين باعوا أنفسهم إلى شيطان المدنية الحديثة
    المال، ولم يجنوا إلا الذلّ والخزي، وليحقّق من هذا التناص تواصلاً بين
    النصّ والمتلقّي، الذي سيجد الرابط بين فكرة الأسطورة، وما يرمي إليه
    الشاعر من وراء هذا التناص.



    3-3-3 صور التناص الثقافي



    في قصائد السيّاب بعض التناص مع نصوص أدبية، وأخرى هي جزء من الثقافة
    المحلّية للشاعر تمثّلها في قصائده، ليعزّز بها حالة تواصل النصّ مع
    المحيط الثقافي العام، وتتطلّب حالة من الاستدعاء على المتلقّي أن يقوم بها
    للمخزون الثقافي الذي أخذ منه النصّ، وللمعرفة بالعالم الذي أنتج النصّ في
    ظلّه، كيما يكتمل عقد التواصل بين طرفيه (المرسل والمتلقّي).


    من أمثلة هذا التناص ما نجده بداية في البيت الأول من قصيدة (المومس العمياء)، إذ استعمل الشاعر الاستعارة (الليل يهبط ... فتشربه المدينة
    )، في هذه الاستعارة تناص مع بيت لأبي العلاء المعري؛ يقول فيه:


    فَكَادَ الفَجْرُ تَشْرَبُهُ المَطَايَا وتُمْلأُ مِنْهُ أَسْقِيةٌ شِنانُ
    ([77]

    )




    من الواضح أنّ العلاقة بين البيتين هي الصورة التي استدعاها الشاعر
    من موروث الشعر العربي، وإن كان لكلتا الصورتين معنى مختلف، إلا أنّهما
    يتطابقان في الحالة المجازية، فشرب الفجر في بيت المعري يشير إلى قافلة
    المطايا وهي تسير ساعة الفجر، فتبدو صورتها وكأنّها وهي في الأفق ورقابها
    منحنية، تعبّ من ضياء الفجر الذي يبدو في الأفق كالماء الرقراق([78]
    )

    . فيما كان السيّاب يرسم صورة موحشة لمدينة يخيّم عليها الليل، وتعيش حالة من الحزن، فهي ماتزال "تشرب
    ليلها مرة إثر أخرى، وهنا يمكن أن نقول إنّ الشاعر أخذ يتجاوز الالتفات
    البسيط والعابر للصورة القديمة، لقد بدأ يتمثّلها ويعيد خلقها، لتخدم
    موضوعه وموقفه المعاصر"
    ([79]
    )

    .


    وثمّة تناص آخر مع شعر أبي العلاء المعري في القصيدة نفسها في الأبيات التي تصور حال المبغى:



    1. 31. لا تنقلنَّ خطاك فالمبغى "علائي" الأديم:
    2. 32. أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح
    3. 33.

      يتضاحكون ويعولون.

    4. 34.

      أو يهمسون بما جناه أب يبرّؤه الصباح




    ففي الأبيات إشارة إلى بيت أبي العلاء المعري -في قصيدته الدالية-؛ الذي يقول فيه:

    خََفِّفْ الوطْءَ ما أَظُنُّ أدِيمََ الـ أرضِِ إلاّ مِنْ هذهِِ الأجسادِِ
    ([80]
    )



    وعلاقة التناص هنا تتمثّل في توظيف الشاعر لوصف أبي العلاء المعري، لتراب الأرض الذي تطؤه الأقدام([81]
    )

    ، والذي أراد بهذا الوصف أن يقول: إنّ ذرات تراب الأرض؛ إنّما هي من أجساد
    البشر المدفونين، والتي استحالت تراباً، ليشير -السيّاب- إلى الأجساد
    المفترضة للأبناء الذين يلقي بهم الآباء الزناة على أديم المبغى، تلك
    الأجساد التي تطؤها أقدامهم وأقدام البغايا، والتي كان من الممكن أن تكون
    صبية يضحكون ويمرحون أو يبكون، لولا جناية ذلك الأب.


    وفي حوار (المومس العمياء) مع نفسها، نادبة حظّها، الذي جعلها عمياء
    تصارع الجوع بعد أن أعرض الزناة عنها، فتردّد اسمها في نفسها مع عبارات
    الحسرة على الحظّ، والبصر الذي فقدته، فتأتي على خاطرها أغنية قديمة،
    ردّدتها بلا وعي منها، إلا وعي الشاعر الذي ربط بين شاعر الأغنية الذي
    ينادي (سليمة)، ليخبرها أنّه لاينام من شدّة الحبّ والوله بها، وبين
    (سليمة) العمياء التي أذهب الكرى عن عيونها الجوعُ والألمُ والتحسرُ على ما
    أضاعت من النضار، والنظر:




    1. 329. وعضّت اليد وهي تهمس: بالعيون..."!
    2. 330. عمياء أنت وحظّك المنكود أعمى يا سليمه
      .

    3. 331. وتلوب أغنية قديمة
    4. 332. في نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
    5. 333. نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟"

    التناص هنا أحدث مفارقة بين الحال التي تصفها الأغنية، والوصف الذي
    أراد أن يقدّمه الشاعر لحال المرأة (المومس العمياء)، في تلك اللحظة
    الزمنية من حياة النصّ، فالسياق الذي ورد فيه التناص، يستدعي حالة بكائية
    لا تتحقّق بالغناء، بل بالعويل والنواح، فالغناء في هذه الحال، إنّما هو
    ضرب من السخرية من الأقدار التي وضعت المرأة في هذه الحالة من البؤس
    والاستلاب، فغاية منشئ النصّ/الشاعر أن يجد قناة تواصل بين الصورة المتخيلة
    عن تلك اللحظة التي عاشتها شخصيته، وذهن المتلقّي، الذي يمكنه استدعاء هذه
    الأغنية من الموروث الثقافي الذي استمدّها النصّ منه، ليتمكّن من فهم
    الرسالة/النصّ.


    أمّا التناص الذي ضمّنه الشاعر قصيدته (الأسلحة والأطفال)، هو من التناص الذي يطلق عليه د. أحمد حلبي؛ التناص الاقتباسي([82]
    )

    ، إذ نجد في الأبيات (61-76)، أنّ الشاعر اقتبس نصّاً من المشهد الخامس، من
    الفصل الثالث في مسرحية روميو وجوليت لشكسبير، هذا المشهد الذي يصوّر ساعة
    الوداع بين الحبيبين([83]
    )

    ؛ يقول النصّ:




    1. 66. -"دعيني.. فما تلك بالقبّرة!
    2. 67. دعيني أقل إنّه البلبلُ
    3. 68. وإن الذي لاح ليس الصباح"



    هذا الحضور للنصّ في القصيدة أراد منه الشاعر أن يصور حال الفراق
    التي قد تحدث بين الأم وبنيها بسبب الحروب التي قد يذهب ضحيتها الأطفال،
    مثلما يذهب ضحيتها الجنود الذين يلوّحون بأيديهم إلى زوجاتهم، كما لوّح
    روميو إلى جوليت في فراقه الأخير، وصداح القبّرة استعاره الشاعر من
    المسرحية أيضاً، الذي يحمل دلالة فراق الأحبّة، هو الصوت الذي يتشاءم منه
    الشاعر، فيستبدله بصوت البلبل، ولعلّه أراد أن يخفّف وطأة ما ينتظر الصغار،
    حين يشعل الطغاة الحروب.


    والتناص الاقتباسي الثاني في القصيدة؛ هو من مسرحية مكبث لشكسبير
    أيضاً، وقد جاء به الشاعر حين أراد الفصل بين وجهي بريطانيا؛ وجه الشعر
    الجميل الذي يمثّله شكسبير، والوجه القبيح الذي تمثّله (الكولينيالية)،
    التي شبهها بمكبث الذي غدر بمليكه ليسلب منه الملك، وعاث في الأرض قتلاً
    وفسادا:





    390. أفق شاعر النور، أنّ الشروق



    391. تهدّده غيمة داجيه،



    392. سعى "مكبث" تحتها في احتراس



    393. لقتل النعاس...



    394. لقتل النعاس البريء:



      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 25, 2017 12:33 am