منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    البحث الإبستمولوجي وآفاقه

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    البحث الإبستمولوجي وآفاقه

    مُساهمة   في الخميس فبراير 16, 2012 8:17 am

    [center]نقد الجابري لـ "العقل العربي" وسمعة الأبستمولوجيا[1]

    د. طراد حمادة

    يسعى الدكتور محمد عابد الجابري إلى أن يصنع، من مشروعه: "نقد العقل العربي"، حلقة مكتملة في سلسلة الأبحاث والدراسات، بل المشاريع، التي تناولت التراث العربي والإسلامي بالدراسة والتقويم.

    وحتى يبدو في مظهر الباحث المتمكن من أدواته، يكشف عن طريقته في قراءة التراث، ومنهجه المعرفي في النظر إلى مناحيه وقطاعاته، وتقوم هذه الطريقة على الجمع بين الموضوع والمنهج في: تعيين حقل البحث وموضوعاته؛ حيث ينسب هذه الخاصية إلى الدرس الإبستمولوجي المعاصر بقوله: "لقد صار مقبولاً عند الباحثين الابستمولوجيين والمهتمين بمناهج العلوم القول إن طبيعة الموضوع هي التي تحدد نوعية المنهج.

    وإذن فالخطوة الأولى في كل بحث علمي هي تحديد الموضوع والتعرف على طبيعته.

    وتكتسي هذه الخطوة أهمية قصوى عندما يتعلق الأمر بموضوع كالتراث".[2]

    ويعترف الجابري أن الإهتمام بالتراث أصبح شغلة الباحثين العرب لدرجة صار معها هذا الإشتغال موضوع سؤال، إن كان أمره يتعلق بردة فكرية، أو "عصاب جماعي"، أصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967.

    فارتدّوا ناكصين إلى الوراء، إلى "التراث". ويضيف إن الذين يقولون هذا يشتكون من أن الإهتمام بـ "التراث" وقضاياه يصرف عن الاهتمام "بالحداثة" ومتطلباتها".[3]

    وحتى يزيل الجابري هذه التهم، من عقول "المشككين"، ينبه هؤلاء إلى أن موقفهم ينم عن عدم تقدير كاف للمشكل المطروح في الثقافة العربيّة"..

    "لأن ما يميز هذه الثقافة منذ عصر التدوين إلى اليوم هو أن الحركة داخلها لا تنسجم في إنتاج جديد، بل في إعادة إنتاج القديم، وقد تطورت عملية الإنتاج هذه منذ القرن السابع إلى تكلّس وتقوقع واجترار، فساد فيها ما سبق أن عبرنا عنه بـ "الفهم التراثي للتراث"، وهو الفهم الذي ما زال سائداً إلى اليوم.

    ويضيف الجابري، في إشارة صريحة إلى مقصود نقده للعقل العربي والتطابق مع الحداثة ومتطلباتها، وذلك بتجاوز هذا الفهم التراثي للتراث" إلى فهم حداثي إلى رؤية عصرية له".[4]

    يكمل الجابري، في هذه الإبانة، ما كان قد انتهى إليه في كتابه الثاني في سلسلة "نقد العقل العربي" بدعوته الصريحة إلى "عصر تدوين جديد" بعدما كشفت "البنية المحصلة" لنظمه المعرفيّة الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، والتي بلغت من فلسفة كل من الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 1037 م.) وعبد الكريم بن هوزان القشيري (ت 1072م)، مرحلة تصالح وتداخل تلفيقي بين بنيّات فقدت القدرة وصارت مفككة أو قابلة للتفكك عند أول محاولة، الأمر الذي سمح لتجربة الغزالي بتوجيه ضربة قاضية إلى هذه النظم وتفكيكها، حتى أصبحت لحظة الغزالي لحظة انفجار أزمة الأسس في الثقافة العربية الإسلامية وابتداء تأسيس الأزمة، أزمة العقل العربي والإسلامي.

    كان الجابري قد شرح المكونات التاريخيّة التي تمثلها لحظة الغزالي في الفصل الحادي عشر من كتابه "تكوين العقل العربي".

    وهو الكتاب الأول في سلسلة نقد هذا العقل، وخلص فيه إلى القول بأن "انتصار" العقل المستقبل" في الغزالي قد خلق جرحاً عميقاً في العقل العربي ما زال نزيفه يتدفق وبشكل ملموس من كثير من العقول العربيّة إلى الآن.[5]

    و"العقل المستقيل" مصطلح ينحته الجابري ليعني في ما يعنيه ذلك "اللامعقول العقلي" الذي يسعى إلى دمج العلم في الدين والدين في العلم كعلامة من العلامات البارزة عن هويته، "إنه يطلب أن يعقل الله" حتى في تلك الأمور التي تركها الله للإنسان كي يعقلها مباشرة عن الطبيعة فيسخرها لمصلحته أو يتخذ منها دليلاً وهادياً إلى إثبات وجود الله نفسه، فضلاً عن تلك الأشياء التي قال فيها نبيّ الإسلام (ص): "أنتم أدرى بشؤون دنياكم".[6]

    ورغم صراحة هذا النص في نعت العقل الإسلامي، الذي يجعل من مسائل التوحيد (الإلهيات) مركز كشوفاته العقلية، يربط فيها بين الدين والفلسفة وبين العلم والإيمان، الشيء الذي يعطيه هويته الإسلامية الصريحة المختلفة، عن العقل اليوناني الوثني، الصادر عن بحث في الكون محوره ما يعرف "بالروح اليوناني"، فإن الجابري يفرغ كل ميوله الأيديولوجية المنافية لقواعد الدرس الإبستمولوجي في محاولته تعيين مواقع هذا "العقل المستقيل" بعد مقدمات مستفيضة حول هرمس.

    والهرمسيّة[7] تكشف عن جهله بواقعيّة علاقتها بالثقافة الإسلامية ليعيد تعيين مقصود "العقل المستقبل" بـ "جميع تلك الهمجيات" الدينية أو الفلسفية التي يشحنها معه الموروث القديم من ركام الهرمسية والغنوصية والمانوية والصائبة والمجوسية والمزدكية والفيتاغوريّة والأفلاطونية المحدثة، ولا سيما في صيغتها "المشرقية"، إضافة إلى الإسرائيليات الحرّانيات والزرداشتيات وسائر المعتقدات القديمة السابقة على الإسلام والتي ظلت تواصل الحياة في بنية المعتقدات الدينية الجديدة التي جاء بها الإسلام، إما كعناصر مستترة لا واعية، وإما كتيارات تتنازع البقاء مع "المعقول الديني البياني العربي إلى أن تم اندماجها في صيغة واحدة هي الفكر الشيعي وما يرتبط به من تيارات باطنيّة كالتصوف والفلسفة الإشراقية، وهي التيارات التي ما فتئت تنخر العقل العربي وتأكله من داخله وتحتل لها مواقع رئيسيّة فيه إلى أن تم بها اكتساح ساحته كلها تقريباً في عصر الانحطاط!"[8]

    في هذا النص الغرائبي إنتقاد أكثر الباحثين الذين تناولوا مشروع الجابري بالرداسة والتقييم، فالمساواة التي يقيمها على هذا النحو بين "قطاع الللامعقول" وبين "الفكر الشيعي" ليست محض جرة قلم، بل موقف إيديولوجي مسبق، يسعى فيه إلى البناء على مقولة المستشرق الفرنسي ما سينيون[9] كانت الشيعة أول من تهرمس ف الإسلام MASSIGNON ليدير تحليله كما لو "أن الشيعة هرامسة".

    وإذا كانت ايران من الشيعة، فإن فارس بكاملها بدون أدنى تمييز، قد تحوّلت عند الجابري إلى مستودع اللامعقول العقلي الديني، أي "الفلسفة تضم أمشاجاً من الفيثاغورية الجديدة، والألاطوينة المحدثة في صيغتها المشرقية الحرانيّة والعلوم السرية الهرمسية، بالإضافة إلى عناصر من الكفر الإيراني الزرداشتي القديم، مما كرس النظام المعرفي في ايران كلها وجعله يؤسس هناك الفلسفة بمختلف فروعها[10]ورغم أن الجابري يقرر أن الجميع قد غرقوا في "بحر الهرمسية" "من الغلاة الأوائل إلى الفرافضة والجهمية وبعض التيارات المجسمة إلى مؤسسي التصوّف النظري الأوائل إلى رسائل إخوان الصفاء التي لم يعد يشك في إنتمائها الإسماعيلي وطابعها الهرمسي، إلى الفلسفة الإسماعيلية في أعلى مراحل نضجها إلى التيارات الصوفيّة الباطنيّة والفلسفة الإشراقية مروراً بأصحاب الحلول وأصحاب وحدة الوجود إلى امتدادات أخرى كفلسفة ابن سينا وتصوف الغزالي وحكمة الإشراق للسهروردي الحلبي".

    تلك هي المواقع الأساسية التي احتلتها الهرمسية، وكانت مرتع ازدهار "العقل المستقبل"، وهي كما يظهر جلياً لكل فاحص فطن، لا تبقي ولا تذر، تخبط خبط عشواء، لتصيب كل قطاعات الفكر الإسلامي، من أصول العقائد وعلم الكلام إلى الفلسفة والتصوّف في صيغته العملية والنظرية (العرفان).

    إن "العقل المستقيل" الذي نسبه الجابري إلى العرفان، في بداية مشواره لاغتيال العقل في الإسلام، عاد وجعل منه عقلاً مسيطراً على بقيّة المنظومات المعرفيّة، من بيان وبرهان وعرفان، والتي تحوّلت إلى نظام معرفي واحد، عبرت عنه لحظة الغزالي في تجربته وإنتاجه، لأ» الغزالي في نظر الجابري يمثل ظاهرة فكرية هي عبارة عن "ملتقى طرق" انتهت إليه النظم المعرفية الثلاثة فالتقت عنده التقاء بنيوياً.

    وحصلت مع الغزالي (ت1111 م) تداخلات يبن الحقول المعرفية الثلاث (البياني والعرفاني والبرهاني، وكان هو الضحيّة.

    لقد انفتح البيان لقسم من العرفان( التصوف السني) ولقسم من البرهان( طريقة المتأخرين التي خلطت مسائل الفلسفة ومسائل الكلام) وانفتح العرفان لقسم من البيان (الأخذ بالظاهر على مستوى الشريعة عند ابن عربي فضلاً عن المتصوفة "السنيين" ولقسم من البرهان (التوظيف الهرمسي للمنظومة الأرسطية وعلومها، وهي عملية كانت جارية في العرفان الإسماعيلي منذ البداية، ونقلها ابن عربي إلى العرفان الصوفي مؤسساً بذلك التصوّف الباطني كما ذهب ماصره السهروردي الحلبي مذهباً آخر، مؤسساً الفلسفة الإشراقية التي ستبقى حية في ايران إلى العصر الحاضر.

    كان البرهان هو ضحية هذا التداخل ـ "التفكيك" ـ وذلك مفهوم عند الناقد، لأن البرهان كما صاغه أرسطو ذو طبيعة نسقيّة يكفي نفسه بنفسه ولا يقبل الانفتاح، وإذا إنفتح تعرض التفكك[11]هكذا يتكون العقل العربي ثمّ يفقد فعاليته ويصيبه الجمود والانحطاط، وربما الإفول.

    إن "البنية المحصلة" للتداخل التلفيقي بين النظم المعرفيّة الثلاث، هي حقيقة العقل العربي (بالمعنى الهيجلي) ـ نسبة إلى الفيلسوف الألماني هيجل Hehel.

    والتي يعرفها الجابري بدلالة السلطات المعرفية التي توجه الممارسة المعرفية وتحدد مرجعيات الفكر ونقطة انطلاقه، ومن ثمّ تحدد منهجيّة إنتاج المعرفة والفكر. وهذه السلطات ثلاث:

    1ـ سلطة اللفظ (اللفظ بوصفه كائناً قائماً في ذاته ومستقلاً عن المعنى، واللفظ بوصفه ظاهراً يقوي وراءه الباطن).

    2ـ سلطة الأصل (سلطة الوسيط العرفاني، الإمام، الوليّ، وسلطة السلف الشاهد الذي يقاس عليه الفرع الغائب).

    3ـ وسلطة التجويز (التجويز البياني الذي ينفي قانون السببية في الوجود ويعزو كل حدث بمعزل عن الآخر إلى مشيئة غيبية اعتباطية هي الصورة المتيافيزيقية لسلطة الحاكم المطلق، والتجويز العرفاني الذي يمنح الأولياء القدرة على خرق العادات وإيجاد الكرامات).

    إن هذه السلطات تداخل معاً تداخلاً عضوياً ويفترض بعضها بعضاً، فهي تجليات لعائلة معينة من الرؤى، وخلاصة ما يصل إليه الجابري، بعد عناء تحليل، هو أن العقل العربي عقل يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إطلاقاً إلاّ من أصل أو انتهاء إليه أو بتوجيه منه.

    الأصل الذي يحمل معه سلطة السلف إما في لفظه أو في معناه.

    وإن آليته: آلية هذا العقل في تحصيله المعرفة هي المقاربة (أو القياس البياني) والمماثلة (أو القياس العرفاني) أنه في كل ذلك يعتمد التجويز كمبدأ، كقانون عام يؤسس منهجه في التفكير ورؤيته للعالم.

    وبتعبير مكثف فإن العقل العربي هو عقل فقهي غيبي سلفي.

    إن المسلمين تأخروا...حين بدأ العقل عندهم يقدم استقالته..في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون عندما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه.

    فالرأسمالية هي بنت العقل.[12]

    في هذه اللمعة الإيديولوجيّة يكشف الجابري عن حقيقة وجهه كناقد تلبس القناع الابستمولوجي ليوجه سفينة العقل إلى شواطئ الغرب، وهو قد فعل ما قام به من تفكيك لأواصر العقل العربي وأوصاله، لينعي هذا العقل ويترك منفذاً وحيداً للمأزق الذي صنعه بيديه، وهو الاتجاه ناحية الغرب الأوروبي.

    ويتضح هذا المنحى في الواقع من بداية مشروعه الذي ارتكز إلى خيار ثقافي ـ أيديولوجي، بدأه بتعريف العقل عنه أندريه لالاند، A, LALANDE ، الفيلسوف الفرنسي الذي اعتنى بدراسة المصطلحات والعلوم المعجميّة، ولم يوضح السبب الذي دعاه إلى اختيار "لالاند" دون غيره، ولماذا أغفل تعريفات العقل في الفكر الفلسفي الإسلامي[13]، الذي بلغ مرحلة متقدمة على نموذج لالاند، القائل بوجود عقلين لا عقل واحد، العقل المكوّن (بكسر الواو) أو الفاعل، والعقل المكوّن (بفتح الواو) أو السائد.

    ونكتشف أن العقل الفاعل هو "الملكة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ، كلية وضرورية وهي واحدة عند جميع الناس أما العقل السائد فهو "مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في إستدلالاتنا".[14]

    ولا يخفي الجابري أغراضه حين يعالج العلوم العربية التي يطلق عليها اسم البرهان، ونجد بدايتها في المشرق عند الكندي ت (886 م.) وإلى حدٍّ ما عند الفارابي ت (950 م.) رغم تأثره بالأفلاطونية المحدثة إلاّ أن الازدهار الحقيقي لهذا النظام المعرفي قد تحقق كما يذهب الجابري في الأندلس والمغرب، ولهذا فهو يرى أن الإدهار البرهاني في المغرب يمثل زمناً ثقافياً آخر، مختلفاً عن الزمن الثقافي في المشرق.

    لقد قامت الدولة الأموية في الأندلس عام 139 هـ.

    وكان لها خصمان تاريخيان كما يقول االجابري: الخلافة العباسية والخلافة الفاطميّة.

    وتقوم كل منهما على إيديولوجية مختلفة عن الأخرى.

    فالأولى سنيّة والثانية شيعية. ولهذا كان لا بدّ من البحث عن إيديولوجية أخرى.

    وبما أن النظم المعرفية المتناقضة في الثقافة العربية آنذاك كانت ثلاثة هي البيان، والعرفان، والبرهان، وبما أنه ليس بالإمكان إضافة نظام معرفي آخر فإن عملية التجاوز المطلوبة كان لا بد أن تبحث لها عن طريق جديد في التعامل مع هذه النظم المعرفية.[15]

    كانت ظاهرية ابن حزم (ت 1064م) ذات الطابع العقلاني النقدي على حد تعبير الجابري بمثابة إعلان نضالي للمشروع الأيديولوجي الذي يختمر في الأندلس ليكون السلاح الفطري الذي تواجه به الدولة الأموية خصميها التأريخيين: الفاطميين في القاهرة والعباسيين في بغداد[16]أراد ابن حزم أن يؤسس البيان تأسيساً منطقياً يقينياً، أي على البرهان وكان خطاب ابن تومرت ودولته الموحدية التجسيد لهذا الزمن الثقافي البرهاني الجديد، وكان يتمثل ذلك في رفض مبدأ قياس الغائب على الشاهد، وفي الدعوة إلى ترك التقليد والعودة إلى الأصول والاستناد إلى الاستدلال المنطقي الأرسطي.

    كانت بداية جديدة ـ كما يقول الجابري ـ للعقل العربي.

    بدأت بابن حزم وتواصلت مع الشاطبي وابن باجة وابن رشد وابن خلدون، ولكن ما إن اكتمل تأسيس هذه المرحلة الجديدة من الزمن الثقافي العربي التي كانت تتسم بنظام معرفي هو نظام "المعقول العقلي" حتى انطفأ شعاعها وأخذ يسود عصر الانحطاط واللاعقلانية، أي استقالة العقل.

    ويعود الجابري لينعي هذا التيار مشيراً إلى أن ثمرات شجرته أينعت في الغرب، في توكيد على قبلة الغرب الأوروبي.

    يقول: "غير أن هذا الاتاجه التجديدي الذي عرفته الأندلس والمغرب والذي بقي لمدة تزيد على ثلاثة قرون، يغالب ذلك التيار الجارف، تيار التداخل التلفيقي المكرس للتقليد في عالم البيان وللظلامية في عالم العرفان وللشكلية في عالم البرهان.

    أقول: إن هذا الاتجاه التجديدي قد بقي يتيماً في عصره. لقد كان بمثابة لهيب الشمعة الذي يتوهج لحظة انطائفها.

    إن رياح التاريخ، تاريخ العلم وتاريخ التقدم كانت قد تحوّلت إلى أوروبا، فبقي العقل العربي محكوماً بالسلطات نفسها التي أفرزتها عملية البناء الثقافي العام التي شهدها عصر التدوين والتي كرستها كـ (بنيّة محصلة) عملية التداخل التلفيقي التي دشنها الغزالي (ت1111 م.) واكتلمت مع الرازي (ت 1209م) ولا زال مفعولها قائماً حتى اليوم.[17]

    إن دراسة أطروحات الجابري وتبيان تهافتها تستلزم نقد ما أصّله في نقده للعقل العربي والذي بدأ مع كتابه "نحن والتراث 1980"؛ وحتى كتاب "العقل السياسي العربي ـ محدداته وتجلياته ط 1990).

    نقد من السنين أمضاه الجابري في متابعة مشروعه، وهو كما يظهر ناقد طموح يواصل أبحاثه في حقل التراث (صدر له كتاب التراث والحداثة 1991)، وفق قاعدة ينطلق منها لتغيير بنية التفكير العربي الراهن، بتوجيهها إلى جهة الغرب الأوروبي، متكئاً على المنهج الإبستمولوجي في تحليله لجوانب التراث: اللغوية والفقهية والكلامية والفلسفيّة.

    ويرى أكثر الناظرين في مشروع الجابري، أن استخدام المنهج الإبستمولوجي محاولة غير مسبوقة وإضافة غنيّة إلى منهاج البحث في الفكر العربي، وقد نال عليها الجابري شهرة واسعة، حتى بات من الصعب تخليص المثقفين المشتغلين في أبحاث التراث والفلسفة، من الوقوع تحت تأثيره دن مواجهته بعمل نقدي يكشف عن التناقضات التي تنخر منهجه، وعن تهافت النتائج التي توصل إليها.

    لقد شعر كثير من الباحثين المعاصرين في قضايا التراث، بخطر النتائج التي توصل إليها الجابري ومخاطرها، على مستقبل الدراسات الفلسفيّة الإسلامية بشك خاص، وعلى مباحث التراث بشكل عام.

    وواجهوا مشروعه النقدي بمجموعة ملاحظات متفرقة، تكشف عن نقاط ضعف ريئسيّة في البناء العام، لكنها لم تستطع أن تحفر في العمق، لتكشف عن الأساس الباطل لبنيان متصدع، ما إن يقوم بناء قويّ متماسك قبالته، حتى ينهار من تلقاء نفسه.

    وهذا يتحصل بكتابة تناظر كتابة الجابري وتكشف بطلان نتائجها.

    ونحن نجد أن هذا المشروع يمكن أن يتحقق وفق ما يأتي:

    1ـ تناول مشروع الجابري، في نقد العقل العربي، بعمل نقدي لا يكتفي بإثارة الملاحظات، والردّ على جانب هنا ومسألة هناك، بل يتابعه في قواعده المنهجيّة التي أصّلها في "تكوين العقل العربي" وفي دراستها وفق الآليات التي تحدد النظام المعرفية للعلوم العربيّة في كتابه "بنية العقل العربي"، وهو عمل يتناول المنهج ومصاديق تطبيقه.

    لقد وقع بعض الباحثين كما ذكرنا على ثغرات في منهج الجابري وآخرون على مشكلات في تطبيق لآلية المنهج على النظم المعرفيّ، لكن تلك الأعمال ظهرت هوامش عبارة على متن قويّ في ظاهره، فيما متابعة هذا المتن في بنيته الداخليّة تكشف بطلانه.

    وسأسوق، في هذا المبحث، عدة إشارات ـ وهي تبقى في كل الأحوال ملاحظات نقدية ـ تعين على المراد منها.

    النظر في مطابقة منهج الجابري للدرس الإبستمولوجي. ومتابعته حتى أبعد مصادره، لتبيان مدى صدق المنهج مع تطبيقاته.

    والعمل بعدها على البحث في صلاحية هذا المنهج لدراسة التراث العربي الإسلامي.

    وقد أدرك هذه الناحية كل من الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث"[18]خالصاً إلى أن نموذج الجابري في تقديم التراث يقع في تعارضين اثنين أحدهما: التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطابي التراثي في الآليات...وإن عدم وقوف الجابري على دقائق الآليات المنقولة التي استعملها في نموذجه التقويمي، أفضى به إلى اتّخاذ مسلك في تجزّئ التراث يخل إخلالاً بالمقتضيات التقنية والشروط الإجرائية لهذه الآليات...وأنه كلما زادت الأجزاء في هذا الجانب أو ذاك من التراث، زادت معها إمكانات إقامة المماثلات بينها، والعكس بالعكس، فكلّما اتجهت هذه الأجزاء إلى الاجتماع فيما بينها، تناقصت الإمكانات التمثيلية فيها.

    وقد اقتبس الجابري وسائل فوقية متعددة من مجالات ثقافية غربية مختلفة: فقه العلم التكويني (بياجيه) وفقه العلم العقلاني (لالاند، وباشلار) والبنيويّة وفلسفة التاريخ الهيجلية والماركسية.

    ورغم ذلك فقد ظهر التصور العمي الرقى للعقل الذي يدعي الجابري تحصيله والتوسل به في بناء نظرية للعقل العربي مدخول من جانبين إثنين:

    أـ تقادم دراسات فقه العلم أو (الابستمولوجيا) التي استند إليها.

    ب ـ فساد فهمه لبعض نواحي هذا العلم.

    ويرى محمد أمين العالم، في ملاحظاته المنهجية على نقد الجابري[19]، أن الإشكالية التي يثيرها هذا النقد هي منهجه نفسه الذي يتمثل في الاقتصار على التحليل المعرفي (الإبستمولوجي) في نقده للعقل العربي وفي الدعوة إلى تجديده..إن استخدام هذا المنهج فضيلة، ولكن هذه الفضيلة هي نقطة القصور في هذا العمل النقدي، فهذا التحليل الإبستمولوجي لا يقوم مفصولاً ومنبثاً عن الجذر والأسس التاريخية لهذا الفكر فحسب، وإنما يمتد هذا التحليل ليصبح سنداً ومرتكزاً لإصدار حكم عام قاطع على العقل العربي كله.

    إن التحليل الإبستمولوجي لوقائع الفكر عملية بالغة الأهمية بغير شك، ولكن الاقتصار عليها ثمّ إصدار حكم شامل تأسيساً عليها وحدها، يسقط هذا الحكم في ما يمكن أن نسميه بالنزعة الإبستمولوجية، التي لا تفضي إلى قصور هذا الحكم عن الإحاطة بحقائق الواقع الثقافي والحياتي فحسب، بل إلى القصور كذلك في منهج هذا الواقع، وتجديده، بل إلى قصور في الرؤية العقلانية النقدية عامة.

    ويثير جورج طرابيشي[20]، في كتابه "مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة"، مسائل مشابهة يرى فيها أنه على الرغم من أن الإبستمولوجيا هي في الأساس منج مضاد للاختزال فإن محل العقل العربي يفاجئنا بأن هذا العقل يرتد عنده إلى تعبيره العقلي، فكأن العقل لا موضوع له سوى المعقولات.

    وكأن اللغة الوحيدة للعقل هي لغة النثر العقلي، وكأن (اللاعقل) لا يؤلف جزءاً مقوماً من "العقل".

    وعلى هذا النحو يستبعد محلل العقل العربي من حقل تحليله كل التعابير اللاعقلية عن هذا العقل.

    يستبعد أولاً الشعر لأن الشعر عنده لغة الحساسية والوجدان، وهذان في تقديره لا يدخلان في عداد العقل، ولا يمكن أن يمثلا أحد أشكال تجلياته، ويستبعد ثانياً النثر الفني، لأن هذا الأخير لغة الخيال، والخيال عنده ملكة مفارقه للعقل، بل مضادّة له.

    ويستبعد ثالثاً وأخيراً النثر العلمي، لأن لغة العلم، سواء أكان علم التاريخ أو علم الطب، هي لغة وقائع وعيانيات، بينما لغة العقل هي تحديداً وحصراً لغة المعقولات والمجردات...لم يستشهد الجابري ببيت شعر واحد، وعرض بإزراء لأثر مثل (ألف ليلة وليلة" وبصمت مطبق للمقامات وقصص أهل الكديه وأمثال العرب وخطبهم وأخبارهم وأيامهم ووصاياهم ورسائلهم...وحتى عندما تناول بالدراسة والتحليل مؤرخاً مثل ابن خلدون فظنه يتناوله كفيلسوف لا كمؤرخ ولا يعني إلاّ بتجديد موقفه من العقل وعلوم العقل...ومع أن عقلاً حضارياً كبيراً مثل العقل العربي هو بالضرورة عقل كلي، أي عقل كان مقيضاً له أن يعبر عن نفسه تعبيراً متساوياً أو شبه متساوٍ، في كل المجالات التي تسنى له أن يبني نفسه فيها بحيث كان يستحيل فعل مفهوم هذا العقل لذاته عن مفهومه للعلم.

    إن الجابري لا يجد حرجاً لا في فصل (العقل العقلي) عن (العقل اللاعقلي) في العقل العربي فحسب، بل كذلك في فصل العقل النظريّ عن العقل العملي والعقل المعرفي عن العقل العلمي.

    وعلى هذا النحو أباح الجابري لنفسه أن يقرأ "الشفاء" لابن سينا من دون أن يقرأ "القانون في الطب" وأن يصدر على الفيلسوف حكماً قاطعاً جازماً بأنه "رائد لعقلانيّة ظلامية قاتلة" من دون أن يرى في مثل هذا الحكم تناقضاً مع الممارسة العلمية لابن سينا بوصفه واحداً من كبار أطباء عصره.

    وعلى هذا النحو فحسب أباح الجابري لنفسه أن يخرق القاعدة الإبستمولوجية الذهبية التي ترفض منطق "من جهة أولى...ومن جهة ثانية) وتشترط ردّ التنوع أو حتى التناقض إلى الوحدة.

    إن البحث عن الأصول المنهجية لنقد الجابري يبدأ في دراسة مراحل ازدهار "الإبستمولوجيا" بالمغرب العربي في أوائل السبعينات[21]في حمأة انشغال المشتغلين في الفلسفة بإعادية الجدلية والتاريخيّة، والاعتقاد بأنها علم.

    ولذلك تقبلوا بسهولة دراسات كل من كيدروف Kedrov وفاطلييف Fataliev وغيرهما نم المهتمين الماركسيين (السوفيات) بقضايا المنطق والمعرفة العلمية.

    وقد ساعد على ذلك إطراء إبستمولوجي الغرب لهذه الدراسات، كما فعل المفكر السويسري جان بياجيه ( J.Piaget) وغيره.

    وقد كرست مجلة أبحاث دولية (Recherhe Internationales) الفرنسية أهم أعدادها لقضايا الإبستمولوجية القطاعية كالفيزياء والبيولوجيا مؤكدة رحابة صدر المادية الجدلية لاستيعابها.

    ثمّ تطورت المسألة لصالح الإبستمولوجيا مع مؤلفات روبير بلانشي (R.Blanche) التي نبهت إلى أهمية كل من باشلار (Bachelard) وكويري (A.Koyre) وجعل ذلك بموازاة أبحاث ألتوسير (L.Altusser) حول الماركسية وكذلك أبحاث جان كافييه(J.Cavailles)، ومن بعد ما بلوره تلميذ ألتوسير لوتور (D.Letourt).

    وقد مثلت أبحاث هؤلاء مادة أغلب المقالات التي بدأت بالظهور في مجلة "أقلام" المغربيّة وقد انبثقت من التحريض الذي مارسته هذه الإبسمولوجية والإشكاليات المترتبة عنه: كالعلاقة العلم بالإيديولوجية، ومفهوم الممارسة، والإستلاب، وعلاقة العلم بالفلسفة،..ومفهم البنية، والبنيوية عند ليفي ـ ستروس Levi Strauss.

    ويمكن اعتبار كتاب الجابري "مدخل إلى فلسفة العلوم"[22] نموذجاً لهذا الخضم، ويعتبر الجزء الثاني من الكتاب نسخاً لكتاب بلانشيه (R.Blanche) "المنهج التجريبي...".

    فهو يقتفي آثاره ويحذو حذوه إلى حد أن النصوص التي ضمه الكتاب، في القسم المخصص لنصوص هي في أغلبها، إن لم نقل كلها، نفس النصوص التي احتوى عليها كتاب بلانشي (Blanche).

    في مقدمة كتاب الجابري توكيد على ما تكتسيه الدراسات الإبستمولوجية من أهمية بالغة جعلت منها الميدان الرئيسي الذي يستقطب الأبحاث الفلسفية في القرن العشرين، وتحسراً، في نفس الوقت، على تخلف الدراسات الفلسفيّة في الوطن العربي عن ركب مثيلاتها في الغرب.

    ويكن القول إن حضور تلك الرؤيا هو ما يؤسس التعامل الوظيفي والفرضي الإيديولوجي مع الإبستمولوجية، يتجلى ذلك في الكيفيّة التي يجمع بها الجابري بين اهتمامه الأصلي بالفلسفة الإسلامية وانشغاله بفلسفة العلوم.

    إنها تقوم أساساً على اعتبار أنّ هذه الأخيرة تمدنا بمفاهيم وأدوات إجرائية تساعد على قراءة التراث قراءة معاصرة.

    فالدراسة التي ساهم بها الجابري في "ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي"[23] سنة 1078 استخدمت مفهوم "القطيعة الإبستمولوجية" بغرض إثبات أن ابن رشد كان أكثر تقدماً من سائر فلاسفة الشرق، وبذلك فهو ينجز قطيعة معرفية معهم.

    إن فتنة المفهوم وإغراءه، جعلت الجابري في توظيفه له، لا يتساءل عن مدلوله الإبستمولوجي الحقيقي ولا حتى عن حدوده الإجرائية وعن مجال انطباقه، فقد اجتثت من ميدان انطباقه اجتثاثاً ليزرع في تربه غريبة عنه من دون مراعاة لتلون الموضوع.

    وكل المصاعب التي اعترضت الفكرة والانتقادات التي وجهت لها كان مصدرها هذا التوظيف (الإيديولوجي) للإبستمولوجية.

    يقول: د. سالم يفوت[24]إن محدودية الإبستمولوجية، بمعناها الضيق..وعجزاه عن استيعاب القضايا التراثية لم يمكنها من الحضور في هذا المشروع التوظيفي الفرضي لها.

    فقد استلمت دون التزام بها بقضها وقضيضها.

    ذلك ن الموضوع المتناول كان يطرح حدوداً لها.

    هذا فضلاً عن "اللغة الإيديولوجية" التي رفقات البحث الإبستمولوجي في المغرب منذ نعومة أظفاره..وأيضاً من العوائق التي حالت دون تقدم البحث الإبستمولوجي في المغرب اهتمامه الأكثر بالابستمولوجية الفرنسية دون غيرها وعدم الانفتاح على ما يجري في العالم الأنغلو سكسكوني إلى جانب العاتق الإيديولوجي الذي يلزم الإبستمولوجية أن تتحول إلى مجرد تقنية في خدمة خيارات فلسفية أو غيرها.

    وكذلك العائق التعميمي الذي يحول، عن وعي، أو من دون وعي، الإبستمولوجية إلى "مقال في المنهج" أو "خطاب في الطريقة" بالمعنى الديكارتي، خطاب جاهز في غيبة التاريخ العقلي للعلوم، فتغدو كأنها نظرية العلم على الإطلاق ونظرية المعرفة العلمية أياً كانت هذه المعرفة تستجلب لفك ألغاز هذه الأخيرة ولاقتحام مجاهلها.

    إن كافة هذه العوائق لها صلة بانحصار أفق البحث الإبستمولوجي لدينا خصوصاً، مع المتفلسفة، في ما تطرحه الإبستمولوجية الفرنسية من قضايا..."

    لقد استخدم الجابري مفاهيم الإبستمولوجيا، مثل: "القطيعة" و"الزمن الثقافي"و"فقه العلم التكويني"، و"العقلاني"، وغيرها، ليجعل منها ثوباً يعمد إلى تقطيع معارف وعلوم التراث لتكون على قياسه، ولذلك وقع في انتقائية صريحة، وكان ضحية أفكار مسبقة، ستتضح لنا عند متابعة دراسة مشروعه النقدي.

    إن عقل الجابري النقدي مزدوج، يوظف الإبستمولوجية في خدمة الأيديولوجية، ولقد عرف حكماء المسلمين، خلال العصور، طبيعة الفكر ذات الحد المزدوج، وأكدوا على إعتباره حجاباً وقيداً وعلى عجزه عن بلوغ الحقائق.

    فقد أبرز جلال الدين الرومي (ت1273) .

    بوضوح صارخ الفرق بين الفكر (العقل الجزئي) و(العقل الكلي) حيث قال:

    هذا الفكر هو الذي شوّه شمعة العقل.

    ونحن نوافق الروميّ، ونقول إن المحصلة العامة لفكر الجابري النقدي قد شوهت في واقع الأمر سمعة الابستمولوجيا.




    [1] إبستمولوجيا (Episteme) يتركب لفظ "إبتسمولوجيا" من كلمتين يونانيتين Episte "إبستمي" وهي موضوع الإبستمولوجيا، وتعني في اليونانية العلم والمعرفة واللوغوس "Logoe" تدل في اليونانية على المنهج، وتدور حول معنيين يتعلق الأول باللغة والخطاب ويخص الثاني العقل بوصفه اداة التفسير والتقويم.

    تفهم الإبستمولوجيا في الحقل الفرنسي بشكل يختلف عن فهم الأنغلوسكان لها.

    فالنسبة للتقاليد الأنغلوساكسونيّة (أيّ الإنكليزية والأميركية) فإن معنى الإبستمولوجيا يكمن في نظرية المعرفة.

    وعندئذٍ تبدو الإبستمولوجيا بمثابة الترجمة الإنكليزية للمصطلح الفرنسي Theorie La Cmmaissance ولذلك فإن هناك إستمرارية بين نظرية المعرفة القديمة كما تطورت في القرن التاسع عشر، وبين النظريات التي تهتم الآن بعمليات المعرفة أو مجرياتها.

    ويعبر عن ذلك مطلح جديد غير الإبستمولوجيا هو Cagnitrisme أي نظرية الإدراك الذهني المرتكزة أساساً على المعلوماتية والمنطق والرياضيات.

    أما بالنسبة للتقاليد الفرنسية فإن الإبستمولوجيا ذات معنى خاص، وهذا المعنى يربط عملية المعرفة بشيء ذو علاقة بتاريخ العلوم، ففي الفلسفة الفرنسيّة الحيدثة نلاحظ أن الجانب الذي طغا هو جانب التحليلات المتوازية التي تنتقل من النص الفلسفي إلى خلفياته العلمية، ومن العلوم إلى معانيها وعواقبها الفلسفية (أي النتائج الفلسفيّة المترتبة حتماً على كل كشف علمي كبير".

    وذلك يدل هذا المصطلح عند الفيلسوف الفرنسي الشهير.

    Michel Foucault على صورة معينة للمعرفة في عهد ما.

    وهكذا يتحدث فوكو Foucault عن "إبستمي" عصر النهضة، وإبستمي العصر الحديث..الخ.

    وقد يصح القول أن "الإبستمي" تعني هنا العقلية المعرفيّة لعصر ما.

    وعرّف المعجم الفلسفي الصادر عن "مجمع اللغة العربية" الإبستمولوجيا بأنها:

    دراسة نقدية لمبادئ العلوم المختلفة وفروضها ونتائجها وتهدف إلى تحديد أصلها، وقيمتها الموضوعية (قريب من الفهم الفرنسي).

    تطلق في اللغة الإنكليزية عن نظرية المعرفة بوجه عام يقول روغز: الإبستمولوجيا أحد فرعو الفلسفة الذي يبحث في أصل المعرفة وتكوينها ومناهجها وصحتها.

    ونرى، أن المعنى الذي يذهب الجابري إلى إستخدامه، هو المتعلق باستخدام الحقل الفرنسي للمصطلح، مع ملاحظة أن للإبستمولوجيا في هذا الحقل أخواها: أ) نظرية المعرفة. ب) تاريخ العلوم ويصبح التصالح بين الحقلين أكثر إمكانيّة في الحضارات أو (اللغات) التي ترادف بين العلم والمعرفة..

    [2] د. محمد عابد الجابري، التراث والحداثة. دراسات ومناقشات. مركز دراسات الوحدة العربية ـ بيروت، ط 1، 1991، ص 21.

    [3] المرجع نفسه، ص 15.

    [4] المرجع نفسه، ص 15.

    [5] د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط 6، بيروت، 1994، ص 290.

    [6] المرجع نفسه، ص 162 0 214.

    [7] هرمس والهرمسية (Hermes et Hermetisme) لا يقدّم لنا الجابري جواباً على سؤال من هو هرمس؟ وتلك إشارة صريحة إلى جهله بحقيقة هرمس Hermes وهو هو أخنوخ Ukhnukh أو إدريس النبيّ Idris الذي جاء ذكره في القرآن الكريم أو هرمس مثلث الحكمة Hermes Trismnegistos وكان هرمس في العصر الوسطى في مثل مقام توت (thorh) عند المصريين وأخنوخ Ukhnukh عند اليهود وهو شانغ Hushang لدى الفرنس القدماء وإدريس عن المسلمين.

    وكان أتباعه في أيّ بلد كانوا، يعتبرونه نبياً حمل إلى البشر رسالة إلهية، وعالماً وضع الأساس لسائر العلوم ولكن قبل أن إلتقى التراث المصري واليوناني في مدينة الإسكندرية لم يكن في حيز الوجود مذهب يعرفه بالهرمسية Hermetisme.

    ومن سنة 250 ق.م. فما بعد عندما ظهر إسم هرمس لأول مرة بوصفه صاحب مذهب ظهرت رسائل ومؤلفات بإسمه.

    وأخذ مذهب هرمس ينتظر بسرعة حتى غدا في القرن الأول للميلاد، من أهم المذاهب العلمية والفلسفية في الإسكندرية.

    وفي الأخبار الإسلامية ذكر لثلاثة حكماء بإسم هرمس تميّز كل منهم بخصائص واضحة.

    1ـ هرمس الأول أو هرمس الهرامسة وذهب بعضهم إلى أنه سليل كايومارت Kaymarth واعتقدوا أنه هو نفسه أخنوخ أو إرديس.

    وقد اعتبروه أول إنسان استمد المعرفة من السماء.

    2ـ هرمس الثاني أو هرمس البابلوني وقد عاش في بابل بعد الطوفان وكان ضليعاً في الطب والفلسفة وطبائع العدد فأحيا حركة القلم والفلسفة بعد عهد الطوفان واليه يرجعون الفضل في إعادة بناء بابل بعد حكم نمرود وفي نشر العلم فيها وكان كذلك أستاذ لفيتاغورس Phthagoras.

    3ـ هرمس الثالث، أو هرمس المصري، ولد في صنفس قرب الفسطاط وكانت مركزاً للعلم قليل الإسكندرية.

    وقد تتلمذ فيها على أغاتدموAgathedemin ولقد بنى عدداً من المدن من الرها وقام برحلات عديدة، وضع في غضونها بكل من الشعوب، في منافاتهم المختلفة تقاليد وأعراف تتفق وأحوالهم الخاصة.

    لا يهتم الجابري بكل هذه التفصيلات، بل يأخذ عن يوسف كرم في تاريخ الفلسفة اليونانية بأن الهرمسية هي العرفانيّة والعرفانية هي الغنوصية مبدؤها العرفان ثمّ يبني عليها ما يشاء!!

    ويعرف معجم الفلسفة الصادر عن مجمع اللغة العربية، الهرمسيّة Hermetime جملة آراء قديمة تصعد إلى "هرمس" الذي يطلق اليونان اسمه على الإله المصري (تحوت) (هو نفسه thoth) وهي مبسوطة في كتب مصرية ويونانية، لا يعرف تاريخها ولا أصلها عل يوجه اليقين.

    وأوضح ما تكون في السحر وصنعة الكيمياء، وبخاصة في العصر الهلنستي والقرون الوسطى.

    ويعد أهل الصنعة هرمس أستاذهم الأول "واضح إعتماد مجمع اللغة العربية على شخصية هرمس المصرية، وفي نقدنا للجابري، سنوضح ما صنع جهله بما دار حول شخصيّة هرمس، من مغالطات".

    إن خذ بعض مفكري الإسلام عن هرمس، على إعتبار أنه مرادف لإدريس النبيّ (ص)، الوارد ذكره في القرآن الكريم، يختلف من ناحية المنهج والنتائج المترتبة عن إعتباره هرمس البابلوني أو هرمس المصري...

    [8] تكوين العقل العربي، دار الطليعة، ط 2 ص 144 ـ 165

    [9] سنتناول موقف ماسينيون، في معرض نقدنا لمباحث الجابري حول الهرمسية والعرفان، لكن يحسن التوضيح في هذا الموضع أن المتكلمين الشيعة كانوا من أوائل المتكلمين الذين ناقشوا الآراء الهرمسية ـ الغنوصية وقاموا بنقضها.

    وقد تركت لنا مناقشات كثيرة بين الإمام جعفر الصادق (ع) وبين كثيرين من أتباع المانوية.

    وكان لهشام بن الحكم كتاب هام أيضاً في الرد على أصحاب الإثنين.

    وقد يكون قصد ماسينيون، أن الشيعة كانوا بهذا المعنى، أوّل من واجه الأفكار الهرمسية واحتكّ بها.

    راجع د. علي سامي النشار. نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة، ص 211.

    [10] الجابري، بنية العقل العربي، المرجع نفسه ط 1 ص 270.

    [11] الجابري، ص 347.

    [12] أنظر: د. هشام غصين هل هناك عقل عربي، دار التنوير العلمي، عثمان 1933، ص 278 ـ 280.

    [13] إن تراث النظر في العقل في العقيدة والفلسفة الإسلامية يكشف عن غنى واسع، سنعود للإستفادة منه، في مناقشتنا التفصيلية للجباري.

    ويحسن التذكير في هذا لموضوع بشروح الفيلسوف صدر الدين الشيرازي (ت1641 م.) على أصول الكافي للكليني (يراجع كتاب العقل والجهل)..يقول الحليم السبزواري (ت 1878 م.) .

    الفكر حركة إلى المبادي

    ومن المبادي إلى المراد

    وفيه تظهر للفكر حركتان: الأولى إلى العقل المكوّن، والثانية العقل المتكوّن، ويكون للسبزواري على لالاند فضل السبق والتأسيس والإبداع . تأمل....

    [14] الجابري، تكوين العقل العربي، ص 318

    [15] الجابري، بنيّة العقل العربي، ص 299.

    [16] الجابري، بنيّة العقل العربي م.س، ص 588 ـ 559.

    [17] د. طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 1994.

    [18] محمود أمين العالم ملاحظات منهجية تمهيدية حول نقد الجابري للعقل العربي، مجلة الوجدة عدد 51، كانون أول 1988، ص 132ـ 145.

    [19] جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، دار الساقي بيروت 1993.

    [20] د. سالم يفوت، البحث الإبستمولوجي وآفاقه، دراسات عربية عدد12 1990 ص 20 ـ 30.

    [21] محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، ج 2، الدار البيضاء 1976.

    [22] الجابري، المدرسية الفلسفية في الغرب الإسلامي أعمال ندوة ابن رشد ومدرسته في الغرب الإسلامي، جامعة محمد الخامس، لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ المؤسسة الجامعية للدراسات، لبنان 1. 19 ـ ص 151 ـ 162.

    [23] د. يفوت، م . س. ص 20 ـ 30.

    [24] د. سيد حسين نصر، الصوفية يبن الأمس واليوم. ترجمة د. كمال خليل اليازجي، الدار المتحدة للنشر، بيروت 1975 ص 68.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:05 pm