منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    جون كيتس والرومانتيكية الحالمة ...2

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    جون كيتس والرومانتيكية الحالمة ...2

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:23 pm

    [center]1889-1988) الذي انتقد إشارة جبران خليل جبران إلى أن الناس "سطور كتبت لكن بماء" في نهاية قصيدته (المواكب) ربما يكون استشعر نوعا من الإساءة إلى المثال الزهدي، الذي يمثلانه خير تمثيل، في تاريخ الأدب العربي الحديث، إلى جانب كوكبة من الكتاب الآخرين، فاعترض على الرؤية الجبرانية، وأبقى على الافتراض القائل بأن المثال الزهدي قادر على إضفاء المعنى، على حياة كل من يؤمن به، ومع ذلك فإن الإشارة إلى خلو الحياة من المعنى، بالاحتداد الذي يبدو فيه لدى أنصار هذا المثال، تبقى أشد وطأة مما لدى شعراء إراديين كهومر وأبي الطيب المتنبي، وهو ما يقدم انطباعا قويا، يدفع باتجاه الاعتقاد بأن حياتهم الوجودية الذاتية، أقرب إلى حقائق الحياة، من الحياة الوجودية الذاتية التي للشعراء والمفكرين الجماليين أو الأخلاقيين، كجون كيتس وأوسكار وايلد‏

    (1854-1900) وميخائيل نعيمة.‏

    وإنه لمن البديهي الإقرار بأن تجاوز الواقع، والهرب من معطيا ته، باتجاه عوالم فردوسية خيالية، تجعل حياة المرء سرابية وزائفة، ولدى وفاته أعلن جون كيتس أن حياته ليست ذات قيمة أو معنى، أي أنها أشبه ما تكون بالسراب، وإذا كان هناك من يرى في قرار الشاعر أن يصير شاعرا، وأن يدع مزاولة مهنة الطب جانبا، قرارا جريئا، فإن أداءه الحياتي يبقى أداء وقائيا وهروبيا في الوقت ذاته، ويبدو أنه اندفع تحت تأثير مشاعر القهر، التي سيطرت عليه، باتجاه عوالم خيالية مسحورة. وفي رواية (السراب) للكاتب العربي المصري نجيب محفوظ (1911-2006) يفشل بطل الرواية في التعامل مع الواقع، وفي تحقيق النجاح الأكاديمي، أو العملي في مزاولة مهنة المحاماة، وأخيرا يصبح موظفا بسيطا، ويؤدي به عجزه وحياؤه، إلى الإخفاق في بناء علاقة ذات شأن مع المرأة، ليقرر في نهاية الرواية، أن من الأفضل له الاعتزال والتصوّف، وهكذا فإن أداءه يبقى هروبيا طوال حياته، وثمة فارق كبير بين كاتب ذاتي، يصف أحلامه وأداءه الحياتي السرابي، وكاتب واقعي موضوعي يصف السرابية، التي اتصفت بها حياة سواه. واللافت أن جون كيتس الذي امتلك عبقرية شعرية، وخيالا مجنّحا، عانى من العجز والقهر، وأخفق في التكيف مع الواقع، وفي التعامل الواقعي مع الشؤون الحياتية، فأعلن لدى وفاته الباكرة، أنه كمن كتب اسمه على الماء، وبالطبع فإنه الشاعر الذي امتلك عبقرية أصيلة، وقدرة عظيمة على إخراج مشاعره الوجدانية وتصوّراته في أشعار رائعة، ومع ذلك فإن الكلمة الأخيرة تبقى للسيكولوجية أي للإرادة، الواقعة تحت تأثير المعاناة، والحالمة بواقع غير قائم، وإنه لمن الأكيد أن علاقة الشاعر بالثنائية المكونة من الواقع والخيال، مالت صوب الأخيلة السرابية، وابتعدت عن الواقع إلى درجة كبيرة، ومع ذلك فإن أكثر اللوم لا ينبغي أن ينصب على الشاعر بل على البيئة التي تطمس الموهبة، وتعرقل مشروعية "عبادة الجمال" وتدفع القادرين على الخلق الأدبي، إلى هاوية الاغتراب المؤلمة. وبالإضافة إلى القصيدتين السابقتين، ظهرت في ديوان الشاعر الإنكليزي الأول، قصيدته الهامة "النوم والشعر" التي دافع فيها عن الرومانتيكية، كما بدت في حلقة لي هنت الأدبية، وهاجم الرومانتيكية التي أبداها الشاعر جورج غوردون، لورد بايرون، وفي هذه القصيدة رأى أن أهمية الشعر تكمن في حقيقة كونه قادرا على ترقية أفكار الإنسان، وتلطيف همومه، وتهدئة قلقه. والمألوف أن يفترض كل شاعر أو مفكر، افتراضا إيجابيا عندما يتعلق الأمر، بالنشاطيّة الإبداعية التي يزاولها، وعاد ة ما يكون افتراضه على توافق مع جملة طروحاته الفكرية، وآرائه في الطبيعة البشرية، فالفيلسوف اليوناني أفلاطون (428-347 ق. م) يرى بالفعل، أن الفلسفة الشاعرية التي أقرّها، قادرة على ترقية الطبيعة البشرية، ودفعها باتجاه إمكانية مقاربة المثل الماورائية، أي مثل "الخير والحق والجمال" وما يعنيه ذلك من ارتقاء جواني متعال، وفي كتابه (البدائع والطرائف) وتحت عنوان "ابن الفارض" يشير جبران خليل جبران إلى الدور الريادي الذي قام به هذا الشاعر الصوفي، الذي اعتاد الانفلات من قيود المادة، والتحليق في أجواء أثيرية روحيّة، والعودة منها بأشعار قادرة على تزويد الناس بالزاد الحقيقي، والأكثر جوهرية وقيمة، ذلك الزاد الذي يحتاجون إليه في رحلة الحياة الدنيا، ومما ورد في تلك الخاطرة، يبدو أن الفائدة الإنسانية، التي يقدر أمثال أفلاطون وابن الفارض (1181-1234) على تقديمها لنا، أثمن وأعلى مكانة، مما يستطيع فعله شعراء كأبي الطيب المتنبي، وأبي العلاء المعري، وبالطبع ليس من الضروري أن تكون فكرة جبران خليل جبران صائبة، وليس من الضروري أن تكون أصوب من الحقائق التي أعلنها غيره من الأدباء والمفكرين. وحول تأثيرات الإبداع الشعري الأصيل على القارئ، أور د أبو العلاء المعري في إحدى قصائده التي تنتمي إلى ديوانه (سقط الزند)، أبياتا يرد فيها على ما ورده من أحد الشعراء، ويضمّنها رأيه في تأثيرات الشعر على من يقرأه:‏

    لفظ كأن معاني السكر يسكنه‏

    فمن تحفّظ بيتاً منه لم يفق‏

    صبّحنني منه كاسات غنيت بها‏

    حتى المنيّة عن قيل ومغتبق‏

    جزل يشجّع من وافى له أذنا‏

    فهو الدواء لداء الجبن والقلق‏

    إذا ترنّم شاد لليراع به‏

    لاقى المنايا بلا خوف ولا فرق‏

    وإن تمثل صاد للصخور به‏

    جادت عليه بعذب غير ذي رنق‏

    وأيضا ترد في قصيدة (النوم والشعر) إشارة جون كيتس الهامة، إلى كتابة الشعر، في حالة من "المقدرة السلبية" التي تعني الاسترخاء والتكاسل، وما يرافقهما من تيقظ في الأحاسيس، التي سيكون بالإمكان رصدها، والتعبير عنها، بطريقة شاعرية عالية الكفاءة، وطوال حياته استمر على اعتقاده بأهمية هذا المبدأ، الذي ابتكره، وشرح أبعاده في رسائله وأقواله، ففي آخر قصيدة كتبها (إلى الخريف) يمتدح ما يراه في المظاهر الطبيعية، من تكاسل واسترخاء، وغياب تام للاكتراث، مع العلم أنها القصيدة التي أحرز فيها تقدما، من حيث التصاقه بالواقع، وعدم فراره من إشكالياته، والمعاناة التي تخلفها في النفس، وبشكل عام امتدح الثبات في عالمي الطبيعة والفن، وأراد للعواطف البشرية أن تكون ثابتة على حال واحدة دون انقطاع، أي أنه امتدح خلود المتعة الحسية، وأمام استحالة تحقيق هذا الهدف الخيالي، امتدح المتعة الروحية الفردوسية. والمعلوم أن المتعة شأن أثار إشكاليات هامة في الفكر الإنساني، وتحديدا في الفكر الأخلاقي الزهدي، الذي يتنكر كثيرون ممن يؤمنون به، للمتع الحسية، غير أن آخرين يعتقدون أن هذه الرؤية باطلة، وأن الأخلاقيات الزهدية تطالب بإرضائها دون اندفاع وطيش، وعندما تكون المتعة متعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة، فإن هناك من يواصل التنكر لها، ويرى أن الغرض من الزواج إنجاب الأبناء فقط، وهناك من يرى بضرورة إشباعها في هذا السياق، والآراء التي يتداولها الناس والأدباء تطرق الأبواب كلها، وتشمل كل الإمكانيات، وفي هذا السياق يبدو ج ون كيتس ممن تجاوزا هذه الآراء المتناقضة، واعترفوا بأهمية المتعة، وبكونها غاية ينشدها المرء. وثمة نقطة جديرة بالإشارة لها، فيما يتعلق بإبداعاته الشعرية، وهي أنه افترق عن النظام المعرفي الذي يمثله المثال الزهدي، ووجب عليه إيجاد البديل الخاص به، وهنا تكمن عبقرية أمثاله، ممن يخالفون الأعراف القائمة في زمانهم، ويتمكنون من إيجاد البديل اللازم لدعم حياتهم الوجدانية على الأرض، وهكذا فإنه انطلق وراء الأساطير اليونانية، واتضح لقرائه وناقديه أنه شاعر تحرّري، وأهم ما في تكوينه هو أحاسيسه الجياشة، إلى الدرجة التي بدا فيها شعره، كما لو كان ضجيج أصوات وألوان وعطور، أي أنه انطلق من الخبرة الحسية، واستطاع إضفاء بعد متعال عليها، فأصبح بالإمكان الادعاء بأنه اختبر المسار الحسي المتعالي، أو الروحي، ولا ينبغي إغفال المشقة التي يعانيها من يفترق عن الروح التقليدية، الشائعة لدى عامة الناس، ويحاول إنشاء نظام معرفي بديل، وليس مستبعدا أن يكون تخلي جون كيتس عن الطب والصيدلة، وإصراره على كتابة الشعر، هادفا في قراراته، إلى إيجاد نظامه المعرفي الذاتي، الذي سيكون بالإمكان تعميمه على من يملكون طبيعة بشرية مماثلة لتلك التي امتلكها.‏

    أما الشأن الذي يتعلق بالحسية فليس شأنا خطيرا، بالرغم من أنه دفع الشاعر الإنكليزي إلى إقرار الشهوانية، والسبب في هذا يعود إلى أن تلك الحسية اندفعت باتجاه الخبرة المتعالية أو الروحية، أي أنه من أولئك الذين اعتقدوا بأن تحقيق الذات يكون عن طريق المتعة، وليس عن طريق الحرمان والألم، ومن ناحية أخرى فإن اتقاد الأحاسيس والأهواء والعواطف، انقلب إلى نقيضها، أي إلى حالة من الخدر والسكينة والخمول، وهو تطور متوقع لدى من يملكون جيشانا في الأحاسيس والعواطف، فالمعروف أن الروائية الإنكليزية أميلي برونتي (1818-1848) عبّرت عن أهواء متنوعة في روايتها المشهورة (مرتفعات وذرينغ) وأن تلك الأهواء اتصفت بالعنف الفادح، والروائية ذاتها اختبرت مثلها في حياتها، وانقلبت إلى اعتراف بالمبادئ الرواقية الصوفية، الهادفة إلى كبح الدوافع الإرادية، وإخمادها، وليست الحال مماثلة، عندما يتم التطرق إلى الحسية الشهوانية لدى الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821-1867) الذي أصر عليها، ولم يتراجع عنها باتجاه السكينة والاسترخاء، ولذلك أمكن اعتبارها شيطانية، وفي كل الأحوال تبدو في أشعاره الأحاسيس كلها كالأصوات والألوان والروائح بالإضافة إلى أحاسيس اللمس. وفي مرحلة ثانية أصدر جون كيتس ديوانه الثاني (إنديميون) الذي اعتمد فيه، على أسطورة "إنديميون" الراعي الشاب، الذي وقع في الحب مع إلهة القمر "سيلين" وبقي في حالة من النوم الأبدي، والشباب، والاستمتاع، دون أن يكون لذلك كله نهاية، وأجواء القصيدة تركّز على الطبيعة والفن، والمظاهر الحياتية البدائية، وتمتدح الاسترخاء والنوم والمتعة، من خلال الإصرار على الجماليّات، وإغفال الأخلاق العرفية، من الناحية الظاهرية على الأقل، وباعترافه فإنها قصيدة تعاني من أوجه النقص، لكنها أشبه ما تكون بالمحاولة الكبيرة، التي لا بد من الإقدام على إنجازها، إذا كان له إنجاز ما هو أعظم، ومما هو مأثور عنه إصراره على أن يكون بين الروّاد العظام، ممن أبدعوا أشعارا خالدة، أو أن لا يكون شيئا معدودا في هذا المضمار، وانطلاقا من الخلاف مع الشاعر وكاتب المقالات لي هنت ذي الميول الرومانتيكية التحررية القوية، فإن دوريتين محافظتين هاجمتا القصيدة بعنف، لكون جون كيتس ممن ينتمون إلى الحلقة الأدبية التي تزعّمها، ومع ذلك فإن إقرارهما كونها قصيدة لا شكل لها ، ومبالغة في الإسراف، صائب، غير أن التهجّم الشخصي على الشاعر، ونصحه بالتخلي عن كتابة الشعر، خطأ كبير، وفي هذه القصيدة اتضحت الإشكاليات التي عكف الشاعر على التعامل معها، طوال حياته، وأهمها إشكالية "التغير" وما يرتبط بها من أحوال، كالتغني بالجمال وعبادته، والإشادة بالشباب والمتع، وما يلفت الاهتمام أن الشاعر اختبر الخبرات الحياتية الأكثر أهمية، في الوقت الذي يحيا فيه البشر حيواتهم الكاملة، دون أن يتمكنوا من التركيز على ما هو جوهري في طبيعتهم البشرية، والمأثور عن "لويس لامبير" في رواية الكاتب الفرنسي أونوريه دو بلزاك (1799-1850) التي حملت اسمه، أنه امتلك القدرة على التركيز العظيم على الجوانب الروحية، وإغفال ما سواها، وعلى التجاوز الظافر من جانبه، لكل من يحاول عرقلته، بأداء معين، أو تعليق ما.‏

    ومن الشعراء الكبار الذين عاصرهم جون كيتس، الشاعران الرومانتيكيان جورج غوردون، لورد بايرون وبيرسي بيش شيلي، والواقع أن تركيزه على "عبادة الجمال" واعتباره القصيدة إنجازا جماليا، قائما بذاته، جعله شاعرا مخ تلفا تماما عنهما، فالأول اشتهر بإبداعاته التحررية، على المستويين الاجتماعي والسياسي، وبالنزعات الجمهورية الراديكالية، وأكثر ما هو مأثور عنه، ميله إلى التهكّم والتشاؤم، دون استغناء منه عن التعاطف مع المصائر البشرية، وعن الرومانتيكية المثالية، ويبدو أنه نجح في تهجّمه على الرياء، بأنواعه الاجتماعي والسياسي والديني، دون أن يلجأ إلى الغضب، أو يفقد اتزان الرؤية، وإلى ذلك اتصف بالتحررية الأخلاقية، وكمثله بدا الشاعر الثاني الأكثر راديكالية، والأكثر خروجا عن الاتزان في غضبه الثوري الجامح، على الأوضاع التي كانت قائمة في بريطانية، في مطالع القرن التاسع عشر، ومما يقال أنه رحّل أفكار الثورة الفرنسية بعنف، لم يأت بمثله شاعر آخر، واهتم بالمضمون الأخلاقي في أشعاره، بأكثر من اهتمامه بالشكل الفني، أما جون كيتس الذي أحبّ الجمال وعبد مظاهره، في الطبيعة والفن والحياة البشرية، فقد نأى بنفسه عن النشاطات السياسية، ولجأ إلى نوع من الرومانتيكية الوقائية، القادرة على دعم حياته الوجدانية، وحماية كيانه من المعاناة والألم، ومع ذلك فإنه من الشعراء التحرريين، من حيث أداؤه الحياتي، واعتقاداته الفكرية، التي لن يكون بالإمكان الفصل بينها، وبين تركيزه على الأحاسيس، بأكثر من تركيزه على التفكير التأملي، الأكثر انفصالا عنها، وربما كانت هذه الحقائق وراء تأثيره في الشعراء العرب الرومانتيكيين، الذين بدأوا يظهرون في الحياة العربية الأدبية، منذ مطالع القرن العشرين، في الأقطار العربية المختلفة، دون أن يكون تأثرهم به، ناجما عن التحررية التي اتصف بها، بقدر ما هو ناجم عن أدائه الرومانتيكي الحالم. ومن ناحية أخرى فإن أولئك الشعراء التحرريين الثلاثة، عاشوا حياة قصيرة، واعتبرت الحياة التي خاضوا غمارها، أشبه بالأسطورة. وهناك من الناس من لا يكون قادرا على إدراك شيء من العبقرية، والإنجازات التي تخلفها وراءها، غير أن من يملكونها، يحيون حياة أكثر اتساعا وغنى، رغم قصرها بحساب السنين، ممن يحيا أعواما مديدة، دون أن يفكر بالإشكاليات الوجودية الكبرى، ودون أن يكون قادرا على إدراك أبعاد الواقع الذي يحيا في ظله البشر، أو أبعاد الطبيعة البشرية، وما تنطوي عليه من أمان ومطامح، ليست مثالية بالضرورة، أو هي مثالية من حيث إصرارها على بلوغ أهداف معينة، واندفاعها باتجاه تلك الأهداف، التي لا يوجد في العالم اتفاق بشأنها.‏

    وإلى جانب الشعراء المذكورين، اشتهر في تلك الحقبة من تاريخ الأدب الإنكليزي، وليم بليك وصموئيل باتلر كوليردج ووليم وردث ووردث، الذين اعتبروا محافظين في أدائهم العام، وفي اعتقاداتهم الفكرية، ومع ذلك فإن الشعراء التحررين الآخرين، اشتهروا بالأخلاقية القوية، إذا ما تم النظر إلى دوافعهم من الداخل، وليس إلى مجرد سلوكاتهم من منظور تقليدي، والأكثر من هذا فإن التحررية دفعت بهم إلى نمط من الأخلاقية أكثر ثورية وأصالة، وساهمت في وفاتهم المبكرة، بالمقارنة مع زملائهم الآخرين، ومرة أخرى تبرز هذه الإشكالية المتمثلة في العجز العام عن إدراك الأخلاقية التي تنطوي عليها التحرّرية، والمعروف في ميدان الكتابة الإبداعية الأدبية أن الكاتب النرويجي هنري إبسن (1828-1906) بدا في كتاباته المسرحية، وأدائه الحياتي، تحرّريا، وحريصا على الاعتقادات المألوفة، من الناحية الفكرية، وبالرغم من أنه تصدّى في مسرحياته للأخلاقية الفيكتورية العرفية، فإنه بدا في أعقاب المتابعة الفكرية التحليلية النقدية، كاتبا محافظا إلى درجة كبيرة. ومع تأثر الشاعر بالنقد الذي انصب على قصيدته الطويلة (إنديميون)، فإن ه دوام على كتابة الشعر، وأخرج ديوانه الأهم (لاميا، إيزابيلا، ليلة القديسة أجنس وقصائد أخرى)، وأصبح علما من أعلام الحركة الرومانتيكية في العالم، فالديوان المذكور يتضمن الغنائيات المشهورة: "أغنية إلى العندليب" و"أغنية إلى آنية فخارية يونانية" و"أغنية إلى الكآبة" و"أغنية إلى الخمول" و"إلى الخريف" و"إلى سيكي" بالإضافة إلى الملحمة العظيمة (هيبريون)، وبعد وفاته ظهرت "السيدة الجميلة القاسية" وغيرها. وفي هذا الديوان الأخير والأكثر أهمية، يعرض جون كيتس لجملة من القضايا الوجودية البشرية الهامة، ففي قصيدته "لاميا" يحول هيرميز الساحرة أو العرافة "لاميا" التي اشتهرت بأنها تمتص دم الأطفال، من ثعبان إلى فتاة جميلة، يقع في هواها الفتى الكورنثي ليسيوس، ويختلي بها، ويحتفل بقرانه عليها، وأثناء حفل الزواج، يتعرف الحكيم أبولونيوس إلى حقيقتها، ويخاطبها باسمها، فتصرخ صرخة قوية وتختفي، ومع إصرار الشاعر على الجماليّات، وعدم اعتقاداته بأخلاقيات العفة، التي تكبح الشهوات كبحا شاملا، فإنه في هذه القصيدة، يقدم انطباعا بأن الاندفاع وراءها، وجعل الإرادة مملوكة لها، يؤدي إلى الخراب والدمار، وليس من الضروري أن تكون أخلاقيّات العفة المألوفة، هي العلاج الناجع لهذه الحالة، بقدر ما هو الاعتدال، والتحكم بالإرادة الجمالية، وأهوائها، وهكذا فإن هناك فرقا بين نموذج جون كيتس الجمالي الحسي، ونموذج أوسكار وايلد الجمالي الأخلاقي، حيث تعترض أخلاقيات العفة على الأهواء وتكبحها، وهو ما يعني أن جون كيتس أقرب إلى الروح الإغريقية، وأن أوسكار وايلد أقرب بالرغم من أدائه الإغريقي، إلى الكاثوليكية الرومانية، ما دام قد أقرّها أخيرا، واعترف بالمبادئ التي تنطوي عليها، باعتبارها تلك المبادئ الأخلاقية، الأجدر بأن يؤمن بها المرء، إيمانا عميقا.‏

    أما قصيدة "إيزابيلا" فتحكي حكاية الحب الكبير الذي ربطها، وهي السيدة الفلورنسية، بالشاب لورنزو، والكيفية التي يقوم بها أخواها المتكبّران باختطافه وقتله، ولكنها تعلم مكان جثته، عن طريق رؤيا تهبط عليها، وتعثر عليه، وتحتفظ برأسه في إناء للزهور، وعندما يلحظ أخواها اهتمامها الزائد به، يكتشفان الرأس، فيأخذانها، ويدعان "إيزابيلا" تموت جزعا، وثمة نوع من الطغيان الجائر في مواجهة الحب، وفي مسرحية (سيدة الفجر) للكاتب الأسبان ي أليخاندرو كاسونا (1903-1965) ترد إشارة مماثلة، تؤكد انتصار الحب على الطغيان، فالكونت أولينوس وألبانينا ابنة الملكة، يقعان في الحب الرومانتيكي العميق، غير أن الملكة مدفوعة بالغيرة، تأمر بقتلهما، ومع ذلك فإن زعرورة ولدت من الكونت، وشجرة ورد بيضاء من الأميرة، وأخذ الغصنان يكبران حتى التحما، بتأثير عاطفة الحب المتسامية، والقادرة على اجتراح المعجزات، وعندما أمرت الملكة بقطع الغصنين، ولد منهما صقر قوي وبلشون، وطارا في السماء الواحد قرب الآخر، وكذلك فإن الشاعر والروائي البلغاري إيفان فازوف (1850-1921) يعمد في ملحمة (التلة) إلى اعتبار الطغيان نقيضا للحب الرومانتيكي، الذي ينتصر في النهاية، على أيدي البطلين الثوريين كامين وتسينا، وأنصارهما من الأهالي، الذين قاوموا الاحتلال العثماني وأعوانه. وفي قصيدة "مساء القديسة أجنس" تنشأ علاقة حب قوية بين مادلين وبروفير، وهما ينتميان إلى عائلتين متصارعتين، ويهربان من القلعة في مساء القديسة أجنس، والقصيدة تتضمن إشارات حسية، بالرغم من ارتكازها إلى قصة القديسة أجنس، التي اتصفت بالبراءة، والرغبة في تجاوز الحوافز، والشهوات البشرية، والمعلوم أن مسرحية (روميو وجولييت) للكاتب المسرحي ال إنكليزي وليم شكسبير (1564-1616) تناولت شأنا مماثلا، وأن العاشقين المذكورين دفعا حياتهما ثمنا للأحقاد بين عائلتيهما، وأن موتهما ساهم في عودة الوفاق بين السيدين المتخاصمين، مونتاغيو وكابوليت. أما في الملحمة الشعرية (هيبريون) التي أثنى عليها الشاعر الرومانتيكي الآخر بيرسي شيلي، بأكثر من ثنائه على أي من قصائد جون كيتس التي انطوت أحيانا على إباحية، فإن القارئ يلمح تأكيدا على التعاطف والحنو والشفقة، تجاه المعاناة القائمة في حياة الناس، وميلا جليا إلى الإيثارية، وفيها ينعي الإله ساتورن سقوطه، وزوال سلطة التيتان العمالقة، ويحاول طلب العون من هيبريون إله الشمس، وآخر التيتان الذي ما يزال محتفظا بملكه، غير أنهم يفشلون أمام تقدم آلهة الأولمب الجديدة، لتنتهي الملحمة بظهور الإله أبولو إله الموسيقى والشعر والمعرفة، وفي النص الأحدث الذي كتبه الشاعر تحت عنوان (سقوط هيبريون: حلم) يتقدّم الشاعر في حلمه، نحو محراب لا يستطيع الاقتراب منه، إلا أولئك الذين يعتبرون آلام العالم آلامهم الخاصة بهم، وهنا تكشف النبيّة مونيتا للشاعر، إشكاليّات الموت والخلود، والثبات والتغير، وخير الجنس البشري وشرّه، وثمة إشارات رومانتيكية هامة في الملحمة ، فإله البحر الجديد نبتون أكثر جمالا من الإله الأقدم أوقيانوس، والإلهة كليمين القديمة تصف أول سماع لها لموسيقى أبولو فتجدها جميلة إلى حدود الألم، التي تتماشى تماما مع الميل الرومانتيكي الطبيعي، إلى الجمال والكآبة، التي بلغت لدى جون كيتس، درجة السوداوية، في واحدة من أغنياته الهامة. وربما كان الأجدر بالاهتمام، هو التأمل في أمثال هذه الذهنية القادرة على التفكير العلمي، وفي الوقت ذاته الأميل إلى الأساطير البدائية، وبكيفيات مشابهة، تبقى هذه الإشكالية قائمة، لدى القيام بقراءة أدباء قدماء كالشاعر اليوناني هيزيود، ومحدثين كوليم بليك (1757-1827) وجبران خليل جبران، ممن امتلكوا ذهنية أخلاقية ماورائية، وفي كل الأحوال ثمة انتقال لديهم بطريقة أو بأخرى، من المعرفة العلمية إلى المعرفة المتعالية، ومن الخبرات الحسية إلى الخبرات الروحية.‏


    _____
    المصدر
    جون كيتس والرومانتيكية الحالمة

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:08 pm