منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الصورة وخصوصية التشكيل الجمالي للمكان

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الصورة وخصوصية التشكيل الجمالي للمكان

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 12:38 pm

    [center]5- الصورة وخصوصية التشكيل الجمالي للمكان: أ- المكان في الصورة:

    تعد الصورة أبرز خصيصة في القصيدة المعاصرة، فهي فضّ للذات عبر الاصطدام بالعالم الخارجي الذي يتفتت وينشطر ويتفكك ليعاد تركيبه وصياغته من جديد، وفق ما تُمْلِيه الذات المتخيلة الحالمة من أنساق وأشكال وأبعاد، يمكن أن تكون في أكثر الأحوال غير واقعية، وإن كانت تستمد جزئياتها من الواقع، إلا أنها تتجاوزها وتعلوعليها، بفضل الطاقة الإحائية التي تتوفر عليها، والدفق الخيالي الذي هو "الفعل النفساني المكلف بصياغة الصور وتنسيقها في أنظومة أحادية البنية. فهوبذلك مسؤول عن الصياغة والتلاحم معا، إنه يصوغ ويملغم ما يصوغ في بنية واحدة"(1) متماسكة؛ هي الصورة في تشكيلاتها الكونية والنفسية معا؛ لأن الخيال -بحسب تعبير باشلار- لا يمكن اعتباره فقط قوة كونية بقدر ما هو قوة سيكولوجية(2) أيضا، تنفذ إلى أعماق الوجود الإنساني، لتقبض على مكمن الجوهر فيه، وتطبع به العمل الفني وتسمه بالرفعة، ذلك لأن الأدب الرفيع هو الذي يُعبَر عنه في الصورة لا في الزخرفة البيانية، يقول أدونيس في الصورة الشعرية تعمد إلى إذابة الفوارق بين الأحجام وطبائع التكوين في الأشياء، وتحويلها إلى كون منسجم:‏

    سأشق عروقي‏

    نهراً يحمل الفضاء‏

    سأدور مع الكوكب المغرّب أجمرت الشروق‏

    لابسا قامة الهواء(3)‏

    فالصورة – هما كما نرى- تتضمن الخوارق والمتناقضات، التي تمكِّنها من القفز فوق حواجز الواقع، والتسامي عليه، ووسمة بالطرافة والغرابة المدهشة.‏

    ولعله بسبب من هذا النزوع الموغل في الغرابة والطرافة المتسامية غير القابلة للاختزال، يصبح تفهم الصورة وتمثلها ليس بالأمر الهين، إذ أن عملية مستعصية ودقيقة كهذه تحتاج من الباحث والقارئ على السواء "أن يكون ظاهراتيا* فيتابع الشاعر إلى الحدود القصوى لصوره، دون أن يختزل تطرفها، لأن هذا التطرف هو الظاهرة المحددة للدافع الشعري"(4) والمنظمة له. هذا بالإضافة إلى أن الصورة كما يرى جان برنيس)، هي "مادة هاربة لا تتخذ معناها إلا في المجال الحاضر للوجدان الذي تستحضر فيه. ولكنها لا تستقر ولا يكون القبض عليها ممكنا إلا في اللحظة التي أُطلق عليها اسم "فجر الصورة""(5) أي في لحظة بداية أو أواليات تكوّنها، وهي لحظة جد حاسمة. فالصورة لا تُفهم بيسر ما لم تُؤخذ في هذه اللحظة الفجرية بالذات، ذلك لأنها "تتعلق قبل كل شيء بشكل آخر من أشكال الحياة النفسية غير المعقول"(6) وغير الخاضع للتحليل المعقلن، بل الأصح من ذلك "يجب مبادرته بكثير من الجهل والبساطة. إنه يقع خارج الملاحظة الموضوعية والبناء العقلي لأنه متقدم عليهما وهويدمج الذهن وعمله في اندفاع واحد. والمخيلة تؤدي وظيفتها بواسطة النشاط النفسي بكليته،"إنها ليست حالة بل هي الوجود ذاته"(7) " .‏

    ولعل هذا النموذج الأدونيسي يوضح ذلك أكثر، في غرابته وسموه على العقلي والموضوعي ومعانقته للوجودي والبَدْئي :‏





    في الجرح أبراج وملائكة‏

    نهر يغلق أبو ابه وأعشاب تمشي‏

    رجل يتعرّى بفتت ريحانا يابسا ويهلل‏

    ثم ينقط الماء فوق رأسه‏

    ثم يسجد ويغيب‏

    أحلم-‏

    أغسل الأرض حتى تصير مرآة‏

    أضرب الأرض حتى تصير مرآة‏

    أضرب عليها سورا من القيم سياجا من النار‏

    وأبني قبة من الدمع أجلبها بيدي(Cool

    فمن هذه الغرابة، ومن هذا الإيغال في الطرافة والغرابة التي لا تستلم لشرطية العالم الخارجي، يتأتى للصورة طابعها الشمولي والبدئي والجوهري الكينوني .‏

    بناءا على هذا يستلزم أخذ الصورة كما هي في حالة ابتداعها من طرف الذات الشاعرة، والسير معها في دهاليز أعماق الروح- التي انبثقت منها- إلى أقصى حد ممكن، والاستسلام لمغناطيسيتها، أعني محاولة تمثّلها، والعمل على خلقها من جديد في طزاجتها المبتدَعَة عليها دون الالتفات على مدى مطابقتها للواقع القائم، أو الخضوع إلى إساره لأن "الصورة ناقل ذاتي للحالة –المفهوم التي تمثل في باطنها) الاستنكاف عن الاندراج في الواقع القائم، أو انتقاض التوافق مع هذا الواقع"(9) ، فهي قبل كل شيء تكوين شعري ظاهراتي يحدوه التسامي النازع إلى التخلص النهائي من أطر الواقع المحدودة "ومن الأثقال العضوية والنفسية التي يرغب الإنسان في التحرر منها، وبكلمة أخرى، إنه مطابق للتسامي المحض"(10) ، الذي لا يعترف بالواقع إلا بقدر ما يأخذ منه، وهذا بدوره يعني الاندماج مع الداخل وتحفيزه على محاورة الخارج.‏

    ولذلك فلا تني الصورة تستعين بالخيال الجموح الذي يمكِّنها من هذا التسامي المحض، ويوفر لها سبلا للمحاورة أرقى، وعندها يسكن الإنسان الداخل) في الصورة، كما تسكن الصورة في الخيال، وتصبح ذات طبيعة تضخيمية "تسعى لزعزعة العلاقة بين المحتوَى والذي يحتويه"(11) ، وبذلك يغدوعند أدونيس الجرح)، هذا الحيز المكاني الصغير هو الحاوي)، بينما السماء ذلك الفضاء الفسيح هي الـمَحْوِي):‏

    ... والسماء على الجرح ملصوقة والضفاف‏

    تتهامس...(12)‏

    وبدل أن تكون شظايا الزجاج المكسّر هي التي تنغرز في يد أو رجل الإنسان مثلا، يصبح الإنسان هو الذي يدخل في هذه الشظايا- حينما تصير مدينة محطّمة- وهكذا يصبح الحاوي محويا والعكس :‏

    من مبنى بلا معنى إلى معنى بلا مبنى وجدنا الحرب‏

    هل بيروت مرآة لنكسرها وندخل في الشظايا‏

    أم مرايا نحن يكسرنا الهواء(13)‏

    هذا وبينما يكون المجيء عادة إلى مكان ما، وطبقا للمنطق والعقلانية، في وسائل نقل معروفة، قد تكون حيوانا أو سيارة أو طائرة أو غيرها، فإن المجيء هنا، وطبقا لرؤية استبطانية، وجموح خيالي، ينحومنحى الغرابة التي تندمج فيها الذات بالطبيعة كلية، فإن المجيء-كحركة في المكان- يكون في سعف النخل ورئة العصفور، يقول أدونيس(14) :‏

    جئت إلى بغداد:‏

    في سعف النخل وماء النهر‏

    في رئة العصفور‏

    فهذه الصور يغلب عليها طابع الحلم، الأقرب إلى الفوضى التصويرية، منها إلى الإيحائية الشعرية، التي يجب أن تلتزم حدا أدنى من الموضوعية حفاظا على ذلك الجسر الدلالي الذي ينبغي أن يبقى ما بين الشاعر والقارئ. ولكن لا غرابة في ذلك، فهذه الصوّر من حيث هي زعزعة للمنطق الخارجي وإيغال في الغرابة، وتبديل لخصائص الأشياء ووظائفها-كما رأينا في الحاوي والمحوي- فإنها رؤية الذات المبدِعة للأشياء، وسعيها الدائب-في الآن نفسه- إلى خلق حالة من التواؤم والتوافق بينها وبين الموضوع المبدَع، وجعله طبيعيا، ولومن وجهة نظرها، فقط أو على الأقل مألوفا. وبعبارة أخرى أقلّ عدائية إزاءها، بغضِّ النظر عن عدم موافقتها للحقيقة الموضوعية.‏

    وبناء على هذا يمكن أن تُفهم الصورة على أنها"انسحاب عن الحقيقة من اجل التفاعل الأفضل معها. ولذلك فإن كل صورة ناجحة هي علاقة لقاء ناجح مع الحقيقة"(15) ، التي تتجلى وتتضح أكثر من خلال عملية التجادل بين الذات والموضوع، الأمر الذي يفرض تحديد وعي الشاعر وفق ما يحيط به من أمكنة متعددة الوظائف والأحجام، من خلال عملية المعاينة الذاتية أو التجربة الجماعية، وبالتالي الشعورية، مما يتشكّل معه ذلك المكان بمختلف التشكيلات، وتتنوّع -معه- الأحاسيس فيه؛ ذلك لأن "العملية الإبداعية الشعرية المستميزة بالطاقة الروحية الفياضة، هي التي تعمل على ملء الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، وينفذ فيه أبعاده"(16) ، وهي التي تشيع فيه الحركة بعد الجمود والسكون، وتشبعه بالأحاسيس الإنسانية الحارّة، لتخلِّصه من رقبة التموضع العقلي الموضوعي، وتحيله من مجرّد مقولة هندسية مجرّدة، إلى مقولة نفسية وذهنية، بل – والأكثر من ذلك- إنه لَيعامَل على أنه كائن إنساني حي يشعر ويحس ويتفاعل ويصارع مع المواقف الحادثة. ولذلك نرى المدينة نفسها أيضا تعاني وليس الإنسان وحده فقط، يقول البياتي:‏

    مدينتي الحزينة الصمّاء‏

    تخاف من حاكمها الشرّير‏

    الميّت الضمير...(17)‏

    فالمكان أيضا يعاني مثله مثل الإنسان تماما، يحزن، ويخاف ويضجر، إلى غير ما هنالك من الاحساسات الاسقاطات التي يريدها له التشكيل الشعري، ذلك لأن "المكان حي بالنسبة لمن يستعمله،وليس من قبيل التمثيل المدرك ذهنيا). وفيما يتعلق بالمكان المجرد للمعماريين والمخططين وخبراء التعمير،فإن مكان الأداء الذي يحقق الحياة اليومية لمن يستعمله، هو مكان حسّي متعين، مما يعني القول إنه مكان ذاتي، ومكان الذوات. وليس مكان الحسابات، مكان التمثيل، له أصله: في الطفولة بتجاربها، مكتسباتها وخساراتها، وعلاقة المكان الحي هي الصراع بين النضج المحتوم الطويل الصعب، وعدم النضج الذي يترك المصادر الأولية ويُبقي على البكارة"(18) . إذن وبعد هذا التوضيح –الوجيز نسبيا- للصورة والتعريف بحقيقتها حري بنا الآن أن نطرح التساؤل التالي:‏

    كيف كان موقف الذات الشاعرة إزاء المكان المديني، وكيف كانت اسقاطاتها عليه، وتشكيلاتها وتلويناتها له، وممارساتها فيه؟ وبخاصة إذا عرفنا أنه مكان معاد في معظم تجلّياته؟‏

    من الواضح -ومن خلال ما سبق- تبين لنا أن الذات الشاعرة ذات الأصول الريفية، وجدت حين وفدت إلى المدينة صعوبة كبيرة في التكيف مع طبيعة مكانها المعقدة، ووتيرة الحياة المتسارعة فيها، ولقد حاولت هذه الذات جاهدة التكيف والتلاؤم معها، لكن دون جدوى، إذ أن الشعور بالاستبعاد والاغتراب، والمعاناة القلقة كانت سيدة الموقف. فأول شيء يفتقده الإنسان في هذا المكان، هو حرارة العواطف الإنسانية وانعدام الأصدقاء، وأول شيء يقابله فيه هو ضخامة الجدران وعملاقيتها؛ الأمر الذي يؤكد لديه الشعور بالاستبعاد والغربة أكثر، يقول أحمد عبد المعطي حجازي بعد توديعه لقريته الحالمة وولوجه عالم المدينة:‏

    غريب في بلاد تأكل الغرباء‏

    وذات مساء،‏

    وعمر وداعنا عامان،‏

    طرقت نوادي الأصحاب، لم أعثر على صاحب !‏

    وعدت ... تدعني الأبواب، والبواب، والحاجب!‏

    يدحرجني امتداد طريقي‏

    طريق مقفر شاحب،‏

    لآخر مقفر شاحب،‏

    تقوم على يديه قصور‏

    وكان الحائط العملاق يسحقني،‏

    ويختفي‏

    وفي عيني... سؤال طاف يستجدي‏

    خيال صديق،‏

    تراب صديق‏

    ويصرخ ... إنّني وحدي‏

    ويا مصباح! مثلك ساهر وحدي(19)‏

    يجسد الخطاب الشعري، حسّ الضياع المسيطر على الذات في هذا المكان التراجيدي الغريب، الذي ولجته بعد توديعها لمكانها الأليف. فهوبجومن الرعب والخطر الذي يتهددها بسبب ذلك الانشراح الماثل ما بين الداخل والخارج، وهومتأتّ من كون الذات جاهلة لمعالم هذا المكان، لمناظره الواسعة العملاقة التي تكاد تسحق الشاعر. فلعبة التكامل هنا غير متعادلة ما بين إدراك الجسد وإدراك العالم الخارجي؛ فبينما يزداد العالم الخارجي ضخامة، يزداد الجسد إزاءها تضاؤلا؛ فالصورة في الأول متنامية، بينما هي في الأخير متناقصة. ومن هذا اللا تماثل ما بين الذات والعالم، يتأكد الشعور بالاستبعاد، ويزداد النفور بين العالمين، العالم الداخلي والعالم الخارجي. وتصبح العلاقة بين الداخل والخارج، الحاوي والمحوى-المدينة والشاعر)- مستحيلة. فالـباب الذي يمثل جدل الداخل/الخارج ويرمز إلى الانفتاح على العالم الخارجي وأيضا الانفتاح على العالم الداخلي الحميمي، لا يصبح هنا إلا رمزا للاضطهاد والاستبعاد تدعني الأبواب)، بينما يغدوالطريق رمز المنفتح، مجالا مفتوحا لضياع الشاعر وانسداد الأفق أمامه، فيظّل حبيس أمكنة مسطحة بلا عمق، هو لا يستطيع تركها إلا إلى أمكنة أخرى تشابهها كلية طريق مقفر شاحب لآخر مقفر شاحب). فالأماكن التي تتحرك فيها الذات الشاعرة تتكرر لكنها لا تتنوع وتختلف ولذلك فانطلاقة الذات هنا لا تنطوي على نقطة بداية ولا نقطة نهاية أو وصول، وإنما تظل تدور في حلقة مفرغة لا يسلم فيها الضياع إلا إلى ضياع آخر، فكل شيء ساكن، منغلق على نفسه، يمارس استبعاد ويوحي بالرعب. وتمّحي الانطباعات السمعية لكون الصراخ والاستجلاء لا يأتي بنتيجة، بينما تسيطر الانطباعات البصرية سيطرة تامة على المشهد ممثَلة في تلك المناظر الراعبة، ويغدوأيضا القصر- رمز الرفاه المادي والسموالاجتماعي والمنعة والحصانة- مصدر قلق للشاعر وتأكيد لحقارته وضآلته.‏

    ونجد الشعور نفسه عند صلاح عبد الصبور، في أو ل لقاء له مع المدينة، فيقول:‏

    وصلتها في وسط الصيف، بيوتها التلال‏

    موصدةٌ، لتتقي الأغراب والسخونهْ‏

    وصوتها تحت سياط الشمس والرمال‏

    يئن‏

    يئن‏

    يئن‏

    نخطئه مسامع الأرصاد والرجال‏

    تسمعه كلابها الضالة، محتضروها‏

    بعض المجانين بها‏

    والشاعر الذي رمت به سفينة الحديد والصدأ‏

    على تخوم رملها في ساعة الزوال(20)‏





    فكل معالم المدينة تؤكد للشاعر شعوره بالغربة والاستبعاد، وتمنعه من الانخراط فيها. ويصبح الشاعر والمهمشين في المدينة سواء، وليس عبثا أن يحشر نفسه في زمرة المحتضرين والمجانين والكلاب الضالة.‏

    وهذه المرحلة، أي مرحلة الدخول إلى المدينة، تمثل طقس العبور عند الشاعر، وهوطقس يمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، وهوأيضا طقس يمثل مرحلة اللا عودة، أو استحالة العودة إلى المرحلة الأولى: مكانيا وزمانيا. مما يفرض عليه التسلح بوعي ذاتي لمواجهة المرحلة الثانية. ولكن تظل طقوس العبور الأولى أكثر سيطرة على حس الشاعر وذهنه، نظرا لمثاليتها بالنسبة له، مما يحرمه من سحر المكان الجديد ويُعمي عينه عن رؤية الأشياء الجميلة فيه. وبذلك يظل الشاعر حبيس ماضيه متشبثا بطقس عبوره الأول، يستلهمه كلما عجز عن مواجهة واقعه الجديد، ويقول السياب:‏

    وتلتف حولي دروب المدينة:‏

    حبالا من الطين يمضغنا قلبي‏

    ويعطين، عن جمرة فيه، طينه،‏

    حبالا من النار يجلدن عُرَيَ الحقول الحزينة‏

    ويحرقن جيكور في قاع روحي‏

    ويزرعن فيها عماد الضغينة.(21)‏

    يواجهنا الخطاب الشعري هنا، بنوع متداخل من الأمكنة المتنوعة ما بين: الواقعيالمدينة) والخياليجيكور) والأسطوري النار والطين)، وغني عن البيان أن هذا التداخل ما بين الأمكنة، هو تعبير عن الاضطراب والتمزق بين عوالم هذه الأمكنة وإيحاءاتها، بين اليقظة والحلم، الاضطراب والسكينة، الخوف والطمأنينة. وهذه التعددية المكانية وتداخلها، لا يمكن أن تجسدها إلا الصورة الفنية الراقية المتاخمة لحدود الحلم، والخاضعة لجدل الداخل والخارج ،الرؤية والواقع)، المغلق والمفتوح: قاع الروح، دروب المدينة)، وبالتالي الأمن والخوف وعلى الرغم من أن "صور الاستدارة الكاملة تساعدنا على التماسك، وتسمح لنا أن نضفي مزاجا مبدئيا على ذواتنا، وأن نؤكد وجودنا بحميمية، في الداخل"(22) ، إلا أن صورة الاستدارة هنا تتدخل لتضاعف من حس الخوف والتناهيتلتف حولي دروب المدينة: حبالا من الطين ومن النار...). كما أن النار، رمز الإخصاب والإنضاج في اللا شعور البشري، تفقد هنا هذه الخاصية، وتصبح مصدر عدوان على الشاعر، فتحرق ذكر مكانه الأليف المترسبة في قاع روحه، ألا وهوجيكور)، وتصبح الطين بمائها أيضا مصدر موت للشاعر لا مصدر انبعاث له. ويتراجع الحس الزماني ليحتل الحس المكاني ساحة الوجدان، لكونه أكثر سيطرة، ولأن صراع الإنسان هنا مع المكان وليس مع الزمان. والشاعر -من خلال الصورة وتشكيلاتها للمكان- لا يقدم لنا أمكنة جاهزة بكل تفاصيلها، بل هو يقدم لنا عدة اختيارات مكانية تؤكد خضوع الوجدان لحس المكان، بنوعيه: الأليف والمعادي، وتنبئ عن صراع مرير بينهما، تكون الغلبة فيه لهذا الأخير، ويصبح المكان بالنسبة للإنسان معاناة سيزيفية لا تنتهي، يتداخل فيها المكان الأسطوري ببنيويته –كونه جزءا من بنية الكون وبنية الفكر الإنساني من خلال تراكماته عبر التاريخ- مع المكان الحسي بوَظِيفِيَتِه.ليتأكد بذلك الصراع الأزلي ما بين الإنسان والمكان، في محاولة الأول الفكاك من قيود المكان بشتى السبل والتخلص من قهره، وتقييد الثاني أي المكان) لحركة الإنسان واحتوائه بعنف.‏

    والانطباع الوحيد الذي يتأكد لنا من خلال ما سبق، هو أنه في خضم المحاولات المبذولة من طرف الذات الشاعرة لإيجاد صيغ التلاؤم مع هذا المكان السيزيفي، تبرز المعاناة النفسية المؤلمة نتيجة الشعور بالقهر والاغتراب، ويتجلى القلق والتمزق الذاتي في أبرز أشكاله. وهذا من شأنه أن يعطي للعملية الإبداعية تدفقاً حيويا ودفقا شاعريا ملتهبا، إذ أن أعظم شعر هو ذلك الذي يَنتُج عن أعظم معاناة وأكبر ألم . ومما يؤلم حقا أن يُحكم المرء بقوانين لا يعرفها ولا يؤمن بها، كما حدث للشاعر في أو ل لقاء له بالمدينة‏

    ولكن أي شعر عظيم دون ألم أو معاناة أو قلق؟ فالقلق في اعتقادنا "هوالشرط الأساسي للإبداع الفكري والفني والسموالشخصي والتضحية، ولكل ما هو فائق في التاريخ البشري"(23) ، هذا إضافة إلى أن أغلى ما يمتلكه الإنسان هذا العصر –بل وكل إنسان على مر الأزمان– وهوأكثر جوهريا من الفرح، إذ أنه "الوسيلة الأصلح لإيقاظ الجوهر الإنساني الحق وبلوغ قدسية الحياة"(24) . كما أنه الوسيلة الأنجع لمحاولة التحرر من سطوة المكان وثقل الزمان في آن واحد، والقبض على بكارة الحقيقة الأزلية والجوهرية للوجود، والتسامي على كل ما هو عرضي وزائل ودخيل ومصطنع، فبه تتجلى "كيفية رفض الإنسان لكيانه المدني الحالي، ونضاله ضد هذا الكيان لاسترجاع جوهره المفقود، وجوهره المفقود هو حقيقته الأزلية التي أُعطيَها يوم انبثق إلى الوجود. فكان في نظرته الأولى صوت الحقيقة الإلهية في الكون. فكأنما الفطرة هي كمال بالقوة. والمدينة ليست ربطا بين الطرفين. بل هي خيانة للحقيقتين معا. ووحدة الألم – هي النزوع إلى المعرفة وممارسة التأمل والاندفاع، لتجاوز حيثيات الزمان والمكان –يـحررنا من ذواتنا التي انحرفت عن خطها، ويعيدنا إلى نقطة الابتداء، حيث بناء ذاتنا الكبرى"(25) . "وهكذا عن طريق "أتون التجربة الخلاقة"، نجد وسط الألم والخسران إيجابية الحياة التي تتخطاهما"(26) ، وهذا ما يتبدى لنا بجلاء في صراع الشاعر مع المكان، الذي كان لا يرى فيه سوى حيز رهيب معاذ، "يفترسه التناقض، وتتقاسمه أفكار وقيم متضاربة، وتفتك به مصالح طبقات معينة، وتنهال عليه ضربات الإستغلال والإستبداد، وتشيع فيه مظاهر النفاق والتمزق والتشتت"(27) ، وتتفاعل فيه بشكل خطير معطيات شتى لا تمت بالمنابع الأصيلة في النفس الإنسانية بصلة. ولعل السوق كمكان عامر بالحركة والنشاط، هو أبرز مكان تتجلى فيه مثل هذه المظاهر وتتفاعل. يجسد صلاح عبد الصبور ذلك حين نزوله إلى السوق مع الشيخ بسام الدين فيقول:‏

    ونزلنا نحوالسوق أنا والشيخ‏

    كان الإنسان الأفعى يجهد أن يلتف على الإنسان الكركي‏

    فمشى من بينهما الإنسان الثعلب‏

    عجبا ...‏

    زور الإنسان الكركي في فك الإنسان الثعلب‏

    نزل السوق الإنسان الكلب‏

    كي يفقأ عين الإنسان الثعلب ...‏

    واهتز السوق بخطوات الإنسان الفهد‏

    قد جاء لبقر بطن الإنسان الكلب‏

    ويمتص نخاع الإنسان الثعلب(28)‏

    ترتبط صور السوق –كمكان حضاري متمدن- هنا بالحضيض والتدني، كون الحركة متجهة من الأعلى إلى الأسفل نزلنا)، وتؤدي وظيفة درامية تتمثل في التصادم والصراع المرير القائم بين الشخصيات التي تتحرك بداخله، ويستمر النزول أكثر إلى أن تتم تصفية إنسانية الإنسان، ولا يبقى في المشهد إلا محض حيوانات لا يمكن أن تثير في الإنسان إلا شعور الرعب والموت، ويكتسب السوق بذلك صفة القتامة والوحشة، على الرغم من أنه مكان منفتح على الآخر، أو بعبارة أخرى تنفتح فيه الذات على الآخر، وتتعاون فيه معه، فيما يمكن أن ينفعهما. ولكن الشاعر يريد من خلاله إدانة واقع حضاري مبني على صراع المصالح، متّسم بالتدني الإنساني والانحطاط الأخلاقي إلى حدّ الحيوانية. وبهذا يتأكد انفصال الداخل عن الخارج، ويغدوالسوق كمعادل موضوعي تُسقط من خلاله الذات الشاعرة رؤاها على الواقع، بفضل ما فيه من كثافة وترميز وقدرة على الإيحاء بما تريد تصويره. وبدل أن يغدوهذا المكان العامر بشرا مصدر إئتناس يتوحّد فيه الفرد بالجماعة ويتنامى إحساسه بالانتماء والألفة، فإنه يغدوجحيما يجب تركه، إلى ما يمكن أن يعيد للشاعر أمنه وألفته، يقول السياب عن المدينة وسوقها:‏

    أهرب منها، من ذراها الطوال‏

    من سوقها المكتظ بالبائعين(29) .‏

    فابرز خصيصة للسوق هنا، هي الاكتظاظ، ثم سيطرة منطق البيع، كقيمة تنبني عليها المعاملة بين الناس، وهي قيمة تشير إلى ما هو مادي، في حين أنها تهمِّش الروحي، بل وتغيّبه، مما يعني أنّ الإنسان أصبح يتخبط في "أزمة تتداخل فيها المعطيات، فلم نعد نميّز ما بين"(30) الإنساني وغير الإنساني، الروحي والمادّي، والأخلاقي وغير الأخلاقي.‏

    ففي ظل التحولات الحضارية الكبرى التي شهدها عالمنا المعاصر، وتحت تأثير الضربات المتوالية التي كانت تسددها هذه الحضارة المادية العقلانية للروح، بدأت تتقوض تلك المظاهر الأخلاقية التي كانت قطب الرحى وبؤرة التوازن الذاتي للإنسان، الأمر الذي عطّل كل ما هو روحي لديه وقزّمه وهمشّه، ودعم من الجانب الآخر كل ما هو مادي دنس.‏

    ولقد كان المكان المديني، أبرز تجلّ، لهذا الانهدام الأخلاقي، وهذا التراجع الروحي. ممّا ولّد لدى الشاعر نفورا قويا من مثل مكان كهذا، وشحن نفسه إزاءه بالكراهية، فاتخّذ منه موقفا معاديا، واعتبره مكانا سالبا لكلّ ما هو ذي قيمة إيجابية في الذات، ملطخا إياها بكل ما هو متدنّ ودنس. ولا مهرب للشاعر منه سوى"العودة القسرية إلى الداخل، وإحداث جزر مديني حقيقي"(31) ، أعني التقوقع على الذات، والانسحاب إلى الداخل، واجترار الذكريات، ذكريات الريف، بوصفه المكان الأليف- وعلى اعتبار أن المكان ذاكرة فنية – الذي يحوي ويحتضن كل ما هو أثير ومقدس لدى الشاعر. وهكذا نجد أنفسنا بازاء تجادل مكانيّ نصطلح على تسميته، بناء على ما سبق، بإشكالية المدنّس المدينة) والمقدّس الريف).‏

    ب)- إشكالية المدنّس والمقدّس‏

    1)- المدينة مكان مدنّس: إن أو ل شعور يلفح وجداننا، ونحن نتصفح قصائد المدينة، هو تلك الأدران التي تكتنف المكان، وذلك الوحل الدنس الذي يتمرّغ فيه. فمكان كهذا لم يعط للشاعر شيئا-مما يتوقعه فيه- يطمئنه إليه، بل على العكس من ذلك تماما، فلقد جرّده من كل ما هو أثير لديه، واستنفد كل مضامين عالمه الجميل، بل وأخذ منه أكثر مما أعطاه، الأمر الذي جعله يملؤه حقدا وعداوة، ولم يره -يوصفه إطارا حضاريا- إلا مكانا للبغي والسفالة والفساد والدنس، الذي ينبغي تحطيمه وهدمه والثورة عليه، كما يتجلى في قول عبد الوهاب البياتي:‏

    أرى بعين الغيب- يا حضارة السقوط والضياع‏

    حوافر الخيول والضباع‏

    تأكل هذي الجيف اللّعينة‏

    تكتسح المدينة‏

    تبيد نسل العار والهزيمه‏

    وصانعي الجريمة.(32)‏

    ويتبدى هذا الدنس المرتبط بمكان المدينة أيضا في قول السياب ممثّلا في المومس العمياء) التي هي رمز المدينة:‏

    مات الضجيج، وأنت، بعدُ، على انتظارك للزناه،‏

    تتنصّتين، فتسمعين‏

    رنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:‏

    الباب أو صد.‏

    ذاك ليل مَرَّ‏

    فانتظري سواه(33) .‏

    ونجد ذلك أيضا عند فاروق شوشة، فعندما سقط قناعها المزيّف،وانقشع الوهم عنه، لم يجدها إلا قاهرة عاهرة:‏

    وجدتك عاتية القهر‏

    شامخة العهر‏

    فاسدة الأمكنة(34)‏

    وهي أيضا عند البياتي –مرة أخرى- مكانا مُغتصَبا مُستبَاحا:‏

    مدينتي استباحها الغجر(35)‏

    والحق أنّ رغبات الشعراء تكاد تتشابه، ورؤاهم تكاد تتّحد على معاداة هذا المكان المدينة)، ووسمه بالفساد والعهر، وبالتالي الاتفاق على حتمية تطهيره من هذا الدنس الذي يكتنفه. فلقد كان صدمة لوجداناتهم الطاهرة. وليس بالأمر الغريب "أن تتشابه تجارب الشعراء الريفيين المهاجرين إلى المدن العربية في طبيعة الصدمة –إن حدثت- فهي دائما تعبيرا عن الاغتراب النفسي والاجتماعي الذي أصابهم، ولكنها تتفاوت في العمق والمدى"(36) ، أضف إلى ذلك أن فصل الإنسان عن مكانه –كيفما كان هذا الفصل- ومجابهته عادات مختلفة عما كان قد ألفه، يولِّد تخلخلا في التوازن النفسي، وشعورا بالغرابة، وصدمة في اللقاء، يصعب التحكم فيها. هذا ما يصوّره أحمد عبد المعطي حجازي في قوله :(37)‏

    فُجعت فيهم يا أبي، كرهتهم في أو ل النهار‏

    شوارع المدينة الكبيرة‏

    قيعان نار‏

    تجتر في الظهيرة‏

    ما شربته في الضحى من اللهيب‏

    يا ويله من لم يصادف غير شمسها‏

    غير البناء والسياج، والبناء والسياج...‏

    وحتى الزمن يختلف الإحساس به تبعا لاختلاف المكان:‏

    الليل في المدينة الكبيرة‏

    عيد قصير...(38)‏

    ولكن تجدر الإشارة على أن المكان المديني لم يكن –لدى شعرائنا- ممقوتا لذاته – بل نتيجة لما يتضمّنه من تهديد لأمن الإنسان، وتقزيمه لروحه، ومعاداته لينابيعه الأصيلة، وأنماطه العليا التي ترسخت في نفسه منذ صباه – بوصفه ابن الريف- وصارت جزءا من كيانه الذي لا يستطيع التخلي عنه بسهولة، الأمر الذي يربك الذات، ويلقي بها في أتون موقف تصارعي مقيت؛ يتجلى في الصراع ما بين الخارج المرعب والداخل الكئيب.‏

    - رعب الخارج وكآبة الداخل التماهي الاسقاطي ):‏

    ففي وضع كهذا، ونتيجة وحشة الخارج وجوّه الكئيب، لا يكون الداخل إلا مرعوبا بالهموم المشبّعة، ومحاطا بالخوف والاضطراب، يجسد صلاح عبد الصبور ذلك فيقول:‏

    قلبي المليء بالهموم المشبعة‏

    وروحي الخائفة المضطربة‏

    ووحشة المدينة الكئيبة(39)‏

    فنحن هنا بازاء تبادل تجادلي بين قطبي الداخل والخارج، فارتباك الداخل ورعبه، ما هو إلا انعكاس لخلل الخارج وقسوته على الروح، هذه الروح التي ما تني تتراجع، أمام قسوة المكان، وتعاني تهميشا وإهمالا مريعا... يعطل كل قواها الانبعاثية ويدمر رغبة الحياة فيها، ويحاصرها بتلك المعاناة السيزيفية الرهيبة يقول حاوي:‏

    عاينت في مدينة‏

    تحترف التمويه والطهارة ...(40)‏

    ولكن أبد ا ما كانت تلك المدينة – طاهرة، بل هو محض تزييف وتمويه يتمرأى بريقه الكاذب، لكنه ما يلبث أن يتهاوى أمام حدس الرؤية الشعرية المدعمة بالذاكرة – فهي كفيلة بفضحه- والتي يرفدها احتراق الذات بنار السؤال الحائر والساخر في الآن نفسه:‏

    كيف استحالت سمرة الشمس‏

    وزهوالعمر والنضاره‏

    لغصة، تشنج، وضيق‏

    عبر وجوه سلخت من‏

    سورها العتيق(41)‏



    إن اقتلاع الذات من موقعها الحصين والأصيل، وتموضعها في مكان معاد. خلخل توازنها، ووصم واقعها بالضيق، والتشنج، والغصص، وأحال تلك السمرة الشمسية اللون إلى شحوب واغبرار، يوحي بتسارع السنين وزوال الشباب. الأمر الذي أو قظ حس المأساة في الروح، وأشعرها بالمحاصرة الكلية وفقدان قيمة الحياة. ولعلّ ما يدعّم زعمنا هذا، أن أصل هذا الإحساس المأساوي، سببه الأولي، ذلك الاقتلاع القسري الذي مُورِسَ على الذات، والذي جسّدته بصراحة لفظة سُلِخت) ورفدته عبارة من سورها العتيق)، هذا السور العتيق، الذي يوحي بالمنعة والحصانة، ويجسّد حاجة الإنسان القصوى إلى الأمن والاحتماء، وكذا الانتماء إلى شئ مركوز وعميق في الذات وأليف لديها.‏

    ولعل هذه المعاناة الصريحة، وهذه الحاجة الملحة إلى الاحتماء، لا تنمّ إلا عن خوف وتوجس عميق ومتأصل، وشعور بالقمع المتسلط على الذات، والذي جرّدها حتى مما يمكن أن يُشعرها بإنسانيتها أو بمتعة حياتها؛ فحين يندحر لحن الحب، وتتلاشى نجواه، ويصبح محمولا على نعش ليل المدينة، لم يبق للشاعر سوى التحسّر المضني، والحزن المرير: (42)‏

    أتُغنين لنا الحب ونجواه ولينهْ‏

    وصفاء الأمس في أرض السكينهْ‏

    أتغنين!/ وهل أبقى لنا ليل المدينهْ‏

    أضلعا تشتاق ما كان/ وتشتفّ حنينهْ!‏

    يجسد الخطاب الشعري تجادل عالمين. عالم يتراجع ويكاد يختفي وهوعالم الداخل بفرحة وحبوره وصفائه ترفده الذاكرة، وعالم يسود ويتقدم بكآبته وسطوته يرفده الواقع الحاضر، وهوعالم الخارج اللّيلي اللامتناهي، والذي لا "يتوقف عن كونه مكانا فارغا"(43) ومحبطا ومغتصبا، الأمر الذي يتصعّد ويحتدّ معه جدل الداخل والخارج، ويكون أكثر حسما. وجدير بالملاحظة أن مواجهة الداخل والخارج تعني التفكير بالوجود والعدم فـ"حين يواجه الفلاسفة الخارج والداخل" فإنهم يفكرون بمصطلحات الوجود والعدم"(44) ، وكذلك الشعراء فما الشعر إلا الوجه الآخر للفلسفة- مكثّفا. وعلى الرغم من ميتافيزيقيتها العميقة، إلا أنهما يتضمنان معنى مكانيا، ذلك لأن "الميتافيزياء العميقة متجذرة في هندسة ضمنية، تضفي- سواء أردنا أم لم نرد- مكانية على الفكر"(45) الفلسفي والشعري على حد سواء.‏

    ومقاربة جيدة للأبيات السابقة، ومعايشة مستقصية لها. تؤكد لنا، أننا أمام مزيج من الوجود والعدم، أو بعبارة أو ضح اللاّإمكان والعدم الإمكان، فالداخل الذي يمثل المكان الأليف، أصبح وجودا للاّإمكان بسبب من تراجعه وارتعاشه ولا استقراره، وكذا ضبابيته وفقدانه لوضوحه، في حين أن الخارج، أي العدم، يصبح ممكنا ومتحققا بكل محتوياته؛ بحيث أنه "يفقد عدميته، والوجود العدمي هو المادة الخام لامكانية الوجود"(46) ، إنهما-أي الداخل والخارج)- يتبادلان الأماكن، ليتسنى لهما مبادلة العداوة. لأن تجادل الداخل والخارج هو تجادل اغترابي عدائي شكلا ومضمونا، هندسة ومعنى، وإن كان صراعا كهذا "يمتنع عن اتخاذ الدليل الهندسي كمعيار"(47) ، ولكن دليلنا في ذلك أن "وراء ما هو مُعََبر عنه، بخصوص صراعهما الشكلي، يقع الاغتراب والعداء بين الاثنين"(48) ، والذي يتجلى في شكل معاناة تنضج بها الذات، وتجسدها في خطابها الشعري متنوعة عبر مختلف أبعاد المكان واتجاهاته وحركاته وأشكاله كالمتّسع والضيّق، والعالي والمنخفض، والمستدير، والمنفتح والمغلق والمتناهي في الصغر والمتناهي في الِكبر، وغيرها من الأشكال والأحجام، بل والألوان.‏

    شعرية اللون:‏

    وحتى الألوان – باعتبار أن اللون هو قيمة جمالية وبعد مكاني أيضا- تسهم في تشكيل البنية الدلالية للخطاب الشعري، وتعطي للصورة إيحاءات بتنوعها، وهذا على الرغم من أنه"لا يمكن وضع قاعدة قارة بشأن القيمة الجمالية للون بوجه عام"(49) ، ذلك لأن الاستجابة لشعرية اللّون)، عملية معقّدة ذات طابع إشكالي، كونها ترتبط بالتراث واللغة المستعملة، والعصر وثقافته، وحتى الإيديولوجيا السائدة، هذا إضافة إلى أن التعبير باللون قد يكون تصريحا، وقد يكون تلميحا، وأحيانا أخرى يكون ترميزا أو انزياحا، وهوالسائد في الشعر العربي الحديث، يقول السيّاب:‏

    أهذه مدينتي؟ جريحة القباب‏

    فيها يهوذا أحمر الثياب‏

    يسلِّط الكلاب‏

    على مهود اخوتي الصغار ... والبيوت..(50) .‏

    فاللون الأحمر هنا كصورة مدركة تثير في الذات منظرا دراميا مرعبا، وتجسد القهر المسلط، الذي ينذر بالموت والزوال، ويشير إلى مناظر دماء الضعفاء المسفوكة دون شفقة.‏

    ولعلّ الشاعر محمد عفيفي مطر من أكثر الشعراء المعاصرين تعبيرا بجمالية اللون، لتجسيد رؤاه، والتعبير عن مواقفه، يقول:‏

    الجوع في المدينة‏

    يصفرّ في إنسكابة الجدائل‏

    يخضرّ في المزابل‏

    يسودّ في حدائق الإسفلت والسكون المخنثة(51)‏

    فجمالية استعمال اللّون هنا، لا تأتي كتوظيف تصريحي لدلالية اللون المعروفة، ولكنها تنتقل من لغة الرؤيا المسطحة إلى لغة الرؤيا المركبّة، التجريدية، المنبثقة من عالم باطني، يصبغ على اللون دلالات ميتافيزيقية -لا معان فيزيقية معروفه سلفا- تفجر مكامن عاطفية، هي وليدة تجربة الذات الشاعرة مع واقع عرفت تفصيلاته، ومحتويات أماكنه، فكانت استجابتها الداخلية لهذه المحتويات هي التي تلّون المكان بحس رؤيتها له، لا كما هو في الواقع.‏

    ونعتقد أن تلوين الشاعر لهذا المكان المعادي المدينة) بهذه الألوان القاتمة، ما هي إلا نوع من التشويه والتدمير الذي كثيرا ما يمارسه الإنسان على المكان الذي لا يجد فيه إلا إحباطا لطموحاته وقبرا لآماله.‏

    2-المكان المقدس مكان الحلم) :‏

    إن ّ أو كد انطباع تركته الخطابات الشعرية السابقة على مرآة الوعي، هو أن جدلية الذات -المدينة، الذات– الريف، هي العلاقة الرئيسية الأولى التي تؤطر جل العلاقات، وتؤسس معظم القيم سواء الاجتماعية منها أو السياسية أو الأدبية؛ ذلك لأن المدينة كمكان) ليست فقط بُعدا من أبعاد الحياة الاجتماعية والسياسية والنفسية وبالتالي الفكرية والأدبية، كما أنها ليست فحسب بعدا كينونيا طبيعيا جغرافيا محايدا، بل هي أكثر من ذلك "سمة تحايث الذات وتلازمها بحيث تمتزج وإياها في وحدة لا فكاك لأواصرها"(52) . فالتقوقع المحيطي، والانغلاق الأفقي، والتعملق المعماري للمدينة، والانفجار السكاني والتزاحم البشري فيها، مسؤولةٌ كلها عن الشعور بالتفاهة والانسلاب الروحي، والانحدار الذاتي، وفقدان القيم الأصيلة، التي يشكل فقدانها عاملا مهما وحاسما من عوامل ارتباك الذات وفقدانها لهويتها، وبالتالي نفورها من المكان الذي سلبها كينونتها ووجودها الخلاق والحر:‏

    وتلتف حولي دروب المدينة:‏

    حبالا من الطين يمضغن قلبي‏

    .........................‏

    حبالا من النار يجلدن عُريَ الحقول الحزينة‏

    ويُحرقن جيكور في قاع روحي(53)‏

    إن الذات تروم الخلاص من المكان القاهر، وترى بحتمية الانفصال عنه، وربما الشيء الذي صعّد هذا الانفصال والنفور أكثر، هو أن طبيعة الريف وملامح أمكنته، كانت قائمة في وعي الشاعر ومتغلغة في نفسه، بل هي كيانه نفسه، لأنه إذا كان في الطبيعة مكان الريف) الحرية والجمال، ففي المدينة الرعب والانسحاق، و"في الرعب فزع ميتافيزيقي، وفي السحق فزع اجتماعي"(54) . ولكن كيف السبيل إلى استعادة المكان الأليف، الذي تروم الذات الشاعرة الارتماء في أحضانه والموت في كنفه، الجواب على ذلك نجده في قول الشاعرة ربيعة جلطي):(55)‏

    وحين خيَّروها بين الموت والموت‏

    سافرتْ في تنفّس المزارع.‏

    يقرر الخطاب الشعري، ألا سبيل لامتلاك ذلك المكان، إلا عن طريق السفر الحلمي الذي يتم عبر الصورة الشعرية التي تقفز فوق حدود المكان من خلال تقويض أركانه، وتتجاوز الزمان عن طريق عدم الاعتراف بأمدائه وآناته.‏

    والصورة متمردة غير قابلة للتموضع، بل هي نوع من الهلوسة البصرية أو السمعية أو الشميّة أو الذوقية، أو لنقل هي حلم يقظة؛ بسبب ذلك التداعي المكاني واللاّثبات الذي تستميز به، إضافة إلى لامبالاتها بالأبعاد المكانية الموضوعية، إذ أنه "قد لوحظ أننا إذا تصورنا مكانا فيه أشياء مختلفة لا نبالي بأوضاع هذه الأشياء بالنسبة بعضها إلى بعض"(56) ، بل نحن الذين نقوم بتنسيقها على حسب ما نريد –ولوفي مخيلتنا فقط – وهذا ما يقوم به حاوي، حين يجعل الأشياء ويرتبها في غير أماكنها الواقعية:‏

    النعنع البري يموج في مطاوي‏

    السفحِ‏

    والريحان أدغالا بأوديتي تهيجْ‏

    تلهووتمرح فيه قطعان الوعول(57)‏

    ولا تتم عملية موضعة الصورة، وكبح جماح تمردها الكاسح للمكان، إلا باللجوء إلى الإحساس، فهوالذي يعطيها "صفة جسمية، وهذا يحدث عن طريق الاحساسات اللّمسية، أو الحركية الحاصلة على المحيط. فالعناصر الحسية تندمج في الصورة وتساعد على تموضعها "(58) ، ونعتقد في هذا الصدد أن "فحص الانطباعات الحسية للكاتب مقاربة جيدة جدا لعالمه الادراكي"(59) ؛ ولكن هذه الانطباعات الحسية تختلف بحسب اختلاف بنية الحاسة التي يعتمد عليها الشاعر وأهميتها في تشكيل تصويره للمكان، ومدى انتباهه أو عدم انتباهه لمظاهر معينة من محيطه. فقد لا نستطيع كبح جماح الصورة وإلجام تمرّدها، وبالتالي تجسيمها إلا من خلال الإحساس، لأن "الإحساس قابل للتموضع، فالمكان والقرب والبعد ووضع الأشياء بعضها بالنسبة لبعض تتعيَّن وفق المعطيات الحسية عن طريق النظر واللّمس وعن طريق الاحساسات الحركية"(60) ، لا عن طريق حُلمية الصورة وطبيعتها المتعالية التضخيمية والغريبة، التي تسعى دوما إلى زعزعة العلاقة بين الحاوي والمحوي، هادفة من خلال ذلك إلى خلخلة وهدم معالم المكان وإعادة بنائه من جديد. ولكن لا ينبغي أن يُفهم من هذا، أن الشاعر -بذلك- يقوم بعملية خلق اصطناعي، فالصورة بنت الخيال، والخيال كما يرى غاستون باشلار "هوأكثر الملكات طبيعة"(61) وأشدها التصاقا بكينونة الذات الإنسانية وأعمقها تجذرا في حنايا باطنها، إذ في البدء كان الخيال، وكان الحلم، فكانت الصورة الحلمية.‏

    - مكان الحلم :‏

    يبرز مكان الحلم إلى الوجود، عندما يكف المكان الأليف عن التواجد في الواقع، سواء بواسطة الافتقاد القسري، أو بسبب القسوة والقمع الذي يمارسه المكان الواقعي –الحاضر على الذات . وعندها يعمد الشاعر إلى "إخراج مضمون داخلي إلى الخارج- وتعارض مبدأ الداخل والخارج مبدأ أساسي في التحليل النفسي"(62) ، وهنا نجد أنفسنا بازاء لعبة التكامل ما بين قطبي الداخل والخارج، الداخل برؤيته، والخارج بعناصره التي تخضعها الذات الشاعرة لتشكيلاتها الطبيعية التجريبية الحلمية، يقول صلاح عبد الصبور:‏

    رأيت في المنام أني أقود عربة‏

    تجرها ست من المهاري‏

    تجوب بي الوديان والصحاري‏

    وفجأة تحولت خيولُها قطاطا‏

    تمشي إلى الوراء، وجهها، عيونها تبصّ لي شرارا‏
    ثم غدت عيونها نجوما‏ هذا النجم ... النجم القطبي‏ الدب القطبي الأبيض‏ صارت قططي دببه‏ يخطونحوي الدب القطبي ليأكلني‏ أويأخذني ليعلقني في فكه‏ أتخيل أني علقت بفك الدب الأبيض‏ إني أتدلى من أسنان الدب الأبيض‏ يا خدام القصر..... ويا حراس ..... ويا أجناد‏ .... ويا ضباط ... ويا قادة‏ مدوا حول الكرة الأرضية نسج الشبكة‏ سقط الملك المتدلي جنب سريره(63)‏ يؤكد لنا الخطاب الشعري في هذا المقطع العلاقة المتينة والتبادلية ما بين صيغة الحلم وطبيعة اللاشعور، في انبثاقها أساسا من العقل الباطن برموزه الخاصة، وصوره اللامعقولة، المكسِّرة للعلاقات المنطقية بين الأشياء، والمعتمدة على التشويش كأساس للتصوير. ليندمج الذاتي بالموضوعي، واللا مرئي بالمرئي، وتتشكل الأشياء على غير طبيعتها ضمن منظور كشفي جديد، يشير بوضوح إلى ذلك الفيض اللاشعوري لعالم الذات الداخلي، الذي تنهل منه عملية الإبداع رؤاها، وتتشكل من خلاله طرائق التعبير فيها، تشكلا لا منطقيا، غامضا، وثريا بالدلالات والايحاءات الوجدانية، التي تشكل تربة خصبة للحلم؛ فإذا نحن أمام عالم غريب أساسه النظائر المتعارضة والمتناقضة والاتجاهات المتعاكسة:‏ الأمام/ الخلف : بالنسبة لسير العربة‏ الضخامة/ الضآلة / ثم الضخامة : الخيول/ القطط/ الدببة‏ الواسع / الضيق، والمنفتح/ المغلق: الصحراء / فك الدب الأبيض‏ المنخفض / العالي: الوديان/ النجوم‏ الكلي / الجزئي: القطط ثم عيونها، الدببة ثم أسنانها...‏ الفاعلية/ السلبية: قيادة الأنا للعربة/ ثم السيطرة عليها...‏ إنه سياق حلمي تتأسس فيه الأشياء على نحوغير منطقي . فإذا العربة التي كانت تندفع في حركة أمامية عنيفة على اللاّمكان تجرها الخيول، تتراجع بصورة غير متوقعة إلى الخلف وتُمسخ تلك الخيول إلى قطط، وتفقد الأنا إذ ذاك فعاليتها في القيادة لتسقط في وضع سلبي، محاطة بجومن الرعب سببه تلك العيون التي تنطق شررا. ثم تتجه نحوالعلو، فإذا هذه العيون نجوما، ثم هي دببة تتهدد الشاعر، ثم إذ هو بعد ذلك يتخيل نفسه في فك أحدها مكان)، ثم ينفتح المشهد على الخارج، فإذا به يتدلى من أسنانه أسنان الدب)، لنصل في النهاية إلى تفسير هذا الحلم ألا وهوسقوط الإنسان ممثلا في عبارة سقط الملك). هكذا يتشكل عالم الحلم عبر تداعيات تتجمع في سلسلة من المتفارقات، لا رابط منطقي بينها، تحيل مباشرة إلى عالم اللا وعي الذي تنكشف فيه حقائق عالم الوعي، حيث تمّحي الحدود بينهما، ويكتسب بهذا "مكان الحلم بعدا ثالثا ما دام قد اشتمل على الحالم وحلمه وتفسير ذلك الحلم"(64) .‏ ونظراً للخصيصة التطهيرية التي يتوافر عليها الحلم، فإنّ مكان الحلم، يتميز بالتقوقع الاحتمائي والانغلاق المزدوج الذي يلعب على مستويين: مستوى الفعل، ومستوى الإدراك المتلاشي. وعندها يكون مغلقاً أمام العالم الخارجي، بينما هو مفتوح على العالم الداخلي والماضي(65) المنبثق من الذاكرة ببساطتها وتعقدها في آن: فالبساطة تكمن في سهولة استرجاع الذات لذكرياتها، لكونها أكثر جذرية والتصاقا وحميمية بها، ومعقدة لكونها تشحن الصورة وتحشوها بمركب من الذكريات –لا الفردية فحسب بل الجمعية أيضا- الحادثة في فترات زمنية متباعدة. مما يتراجع معه المكان الواقعي ويخلف وراء الذات، ليصبح المجال مفتوحا لبروز مكان الحلم أو المكان الداخلي المنبثق عن انسحاب الذات نحوأعماقها، وكفها عن التعامل مع الخارجي إلا بمنطقها هي، ويصبح آنئذ مكان الذات هو مكان الشعور الداخلي لا المكان الواقعي . يقول أدونيس:‏ أعرف أنّ الطريق‏ لغة في شعوري، لا في المكان‏ لغة في العروق، وفي نبضها، لغة في السريرة‏ حيث تأتي المسافات من أو ل الروح موصولة بالبريق‏ ببريق الفتوحات والكشف والعابرين‏ في التخوم الأخير(66) .‏ فالمعجم اللغوي ذوالدلالات المكانية المعتمدة هنا الطريق، المسافات، الوصل، البريق، الفتوحات، العابرين، التخوم) هي تجليات مكانية صوفية لا تَمَوْضُعَ لها في الحقل الإدراكي العادي، فهي تنفتح على عالم نوراني غريب، تنعدم فيه جاذبية وفاعلية العالم الخارجي، وتبقى رهن رؤية الذات الباطنية، معلقة في فراغ، لا تخضع إلا لمنطقها اللاشعوري. وما يريد الشاعر نقله هنا حين خضوعه لهذه الاشراقات الصوفية، هو إقامة نوع من "التفاعل بين الحلم والواقع، بين الايحاءات المنبعثة من عالم اللاشعور والمجهود العقلي الذي يبذله الفنان في صياغة هذه الإيحاءات في صورة قادرة على أن تحقق التجاوب"(67) . لتتبدى الصورة-هنا- في شكل بداية ونهاية، حركة دائرية يؤدي فيها بعد الداخل/ الخارج بتكراره المتوارد إلى مجموعة لا نهائية من الأمكنة التي تندمج مع بعضها البعض وتتداخل.‏ ومادام مكان الحلم هو مكان اللاشعور-بامتياز- وما دام أنه مكان الذكرى أيضا، هذه الذكرى التي ترتبط حتما بمكان ما. وانطلاقا من فكرة فحواها أن المكان يقوم بوظيفة إيحائية، على اعتبار أنه مرتبط بوقائع وشروط معينة، مادام الأمر كذلك، فإن الذكريات السائدة هنا، هي ذكريات الطفولة المترسبة، وبالتالي المكان، الأبرز حضورا هنا، هو المكان الأليف-أعني بيت الطفولة – والذي يعتبر أحد أبرز المكونات اللاشعورية الثاوية في عقل الشاعر، بوصفه المكان الأثير لدى النفس، أو بمعنى آخر الفردوس المفقود بشكل من الأشكال، هذا ما تجسّده نازك الملائكة في استدعائها لماضيها الطفولي بكل تفاصيله وجزئياته:‏ ليتني لم أزل كما كنت قلبــا‏ ‏ ‏ ليس فيه إلا السنا والنقــاء‏ ‏ كل يوم أبني حيــاتي أحـلا‏ ‏ ‏ ما وأنسى إذا أتاني المســاء‏ ‏ أبد أصرف النهـار على التـل‏ ‏ ‏ وأبني من الرمــال قصـورا‏ ‏ ليت شعري أين القصور الجميلا‏ ‏ ‏ ت وهل عدن ظلمة وقبورا؟..‏ ‏ ذهب الأمس لم أعد طفلـة تر‏ ‏ ‏ قب عش العصفور كل صبـاح‏ ‏ لم اعد أبصر الحياة كما كــــــنت رحيقا يذوب في أقداحي...‏ ‏ آه يا تل أنا مثلمـا كــــــنت فارجع فردوسي المفقــودا‏ ‏ أيّ كفٍ أثيـمة سلبت رمـ‏ ‏ ‏ ـلك هذا جمـاله المعبـــودا‏ ‏ كنت عرشي بالأمس يا تلّي الرمـ‏ ‏ ‏ ـليّ والآن لم تعـد غير تــلّ‏ ‏ كان شدوالطيور رجع أناشيـ‏ ‏ ‏ ـد وكان النعيم يتبع ظليّ.......‏ ‏ ذهب الأمس والطفولة واعتضـ‏ ‏ ‏ ـتُ بحسي الرهيف عن لهوأمسي‏ ‏ كل ما في الوجود يؤمني الآ‏ ‏ ‏ ن وهذه الحيـاة تجرح نفســي(68)‏ ‏ تتحد ذكريات الطفولة هنا بأزمنتها وأمكنتها لتشكل مشهدا مفعما بالمتعة والأمن،والدفء الانساني والألفة والاستقرار؛ حيث يشحن هذا البيت‏ بيت الطفولة) بقيم حليمة لا تزول بزوال البيت، بل تتجمع في وحدة شعورية مركزة تستعصي على الزوال، وتعاودنا كلما ضجرنا من حاضرنا وشقينا به، لتمدنا بالراحة والاسترخاء الذي يمكننا من مواصلة رحلة حياتنا من جديد. ولذلك، نرى الشاعرة هنا، تحشد لهذا الموقف جملة من الألفاظ والجملة ذات الدلالات الموحية بالمشاهد الطفلِية التي تمتزج فيها الذات بالموضوع، والواقع بالحلم، بكل محتوياتهما، ولم يعد هناك من تناقض بين الداخل والخارج، المغلق والمفتوحعالم الذات الداخلي) والعالم الخارجي)، فكل شيء علامة على هناءة القلب وراحة النفس، التي يمثلها بيت الطفولة بمشاهده الأليفة والمنسجمة والمتناغمة مع رؤية الذات لها. ولكن هذا الانتقال لا يكفل للذات أمنا وراحة تامة، ولا يستطيع أن ينتزعها من انغلاقها، فأقصى ما يمكن أن يؤمنه لها هو مهلة مؤقّتة، تنقذها من حضور واقع ثقيل بات مؤكدا وشديد الوطء على النفس. فبيت الطفولة يبدأ في التلاشي والانحسار من ساحة الشعور، بمجرد ما يبدأ مكان الواقع في الظهور إلى الوجود، وتدرك الذات الشاعرة أن بيت الطفولة فردوس قد تراجع وإلى الأبد لا ينفعها معه أي تحسر، ومن شأن هذا التراجع ألايؤد

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:08 pm