منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الصورة الشعرية لسليمان دغش -

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الصورة الشعرية لسليمان دغش -

    مُساهمة   في السبت مارس 03, 2012 1:03 pm

    [center]
    المـقـدمـة
    تعد الصورة الشعرية مركزية في تحليل القصيدة و تقييمها بوصفها عملاً إبداعياً، سواء كان النص الشعري من العصور السابقة أم من العصر الحديث،وتعتمد القصيدة الحديثة كثيراً على رسم صورة شعرية تستفز خيال المتلقي وتمنحه لحظة كشفية للكون والذات.
    وكان اختياري للشاعر الفلسطيني سليمان دغش مبني علىدوافع عدة أهمها:
    1- اعتاد البحث النقدي في فلسطين تسليط الأضواء فقط على مجموعة من الشعراء دون سواهم، فأصبح الحديث عن هؤلاء الشعراء الكبار لا جدة فيه،ولهذا اخترت سليمان دغش لأصل إلى شعراء اَخرين و أشجع النقاد للأنتباه إليهم، لأنهم عانوا وكتبوا ولم يلتفت إليهم أحد.
    2 – أنه شاعر متميز،يمتلك حساً شعرياً يلفت الانتباه.
    3- أنه يشارك المثقفين في الأراضي المحتلة67مشاعرهم وقضاياهم، وهو دائم المشاركة في معظم الندوات و المهرجانات.
    4- يعد نفسه من المثقفين المضطهدين،حيث دخل السجن فترة طويلة،لأنه يرفض قانون التجنيد الإجباري المفروض على الطائفة الدرزية الفلسطينية.
    ليس اختياري للشاعر سليمان نابع عن تعاطف وطني فحسب،بل لأنه شاعر كبير يستحق أن نلتفت إليه، ونعطيه حقه في الدرس و البحث، وهذا واجب علينا،من باب ربط العلاقات الثقافية وأواصر الأخوة بين أدباء 48 وبين مثقفي الضفة الفلسطينية وغزة، لأن الحواجز العسكرية الإسرائيلية لم تترك لنا فرصة اللقاء، بل منعت أي طرف من لقاء الطرف الثاني بكل الوسائل والسبل.

    إن قصيدة سليمان تكشف لنا عن عمق ارتباط شعراء 48 بالأمة العربية و بفلسطين خاصة، فكانت آهاتهم كلها في سبيل القضايا العربية، وضد العدو الذي نهب كل شيء حتى مشاعرنا و قصائدنا. إن أشعار سليمان و شخصيته المستقلة بأسلوبه و أدائه الشعري، بل والعمق الفكري الذي يكمن في أعماله، جعلني شغوفاً باقتحام عالمه الشعري، ومعرفة أسراره و مكنوناته.
    لقد كاد أن يسيطر محمود درويش على شبكة الصورة الشعرية في فلسطين بل وفي العالم العربي فهل يستطيع الجيل التالي له تجاوز درويش؟ وهو يتمتع بهذه السطوة على المشهد الشعري الفلسطيني، ولا يستطيع ناقد أن يغفل الحقيقة، فهو أشبه بالأديب نجيب محفوظ في الرواية العربية، والروائي إميل حبيبي في فلسطين، حيث يصعب تجاوز هذه الأعلام في المستقبل المنظور، فهل هذه جناية العمالقة على من يأتي بعدهم؟!
    نحاول هنا إظهار أحد الشعراء الذين لهم لفتات شعرية متميزة و كان منهجي في الدراسة هو منهج {التحليلي الوصفي} أداة لكشف أسرار الصورة الشعرية، وسبر أغوارها.
    ملاحظة: تشير إلى الأرض المحتلة عام 1948 ( عرب 48).
    ولله ولي التوفيق.

    المؤثرات العامة ومفهوم الصورة
    1- حياته و المؤثرات العامة في شعره:
    ليس الهدف معرفة حياة الشاعر الخاصة بقدر ما نستكشف مدى تأثير هذه الحياة وأسرارها و تعرجاتها على أداء الصورة الشعرية و تشكيلها في ديوان الشاعر.
    يعيش سليمان دغش في قرية المغار الواقعة في الجليل الأعلى في أقصى شمالي فلسطين، معظم سكانها من الطائفة الدرزية، يعمل أغلبهم في الزراعة، وتقع في مكان جبلي مرتفع، حيث الموقع الجغرافي و المنطقة الجبلية الصخرية، وتزخر بالأراضي الزراعية والأشجار المثمرة والفواكه، مما أثر على مزاج سكانها، وقد صادر العدو الصهيوني جزءا كبيرا من أراضي القرية ليقيم عليها مستوطنات يهودية. ولد سليمان دغش في العام 1952، ليجد الصراع الدائر بين القرار العسكري الصهيوني وبين أبناء الطائفة الدرزية لإجبارهم على العمل في الجيش الإسرائيلي(1) ومن يرفض منهم يدخل السجن ويحاكم بتهمة العصيان، فدخل سليمان دغش كغيره من شعراء تلك الطائفة السجن، وكتب هناك أشعاراً تنبض بانتمائها للأمة العربية، يقول في قصيدته{عربي حتى الموت (2) في حواره مع السجان :
    من أنت
    عربي يتحدى الموت
    وأبوك
    وأمي و جدودي من هذه الأرض
    هل ترفض قانون التجنيد الإجباري
    كل الرفض
    درس سليمان في مدارس الرامة شمالي فلسطين، حصل على بكالوريوس إدارة الأعمال في جامعة حيفا عام 1976، وسجن ثلاث سنوات، بسبب رفضه تطبيق قانون التجنيد الإجباري و كذلك رفض ولداه (نجد، وفاتح) ما رفضه والدهما، ودخلا السجن.
    لسليمان دغش علاقات واسعة مع المثقفين و الأدباء الفلسطينيين في الضفة و القطاع، ولا يزال دائم المشاركة في معظم المهرجانات و الندوات كذلك شارك في ندوات شعرية في القاهرة و عمان، وله تسعة دواوين شعرية، يمتاز شعره بأنه يرفض الهوية الإسرائيلية في ديوان (هويتي الأرض) الصادر عام 1979 ويبحث عن الذات القومية، مؤسس و رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي، يعمل الآن مديراً للبيئة في بلدية المغار.
    وقد رسَّخ السجن في قلب سليمان الكثير من أدوات التحدي و المواجهة، مما أثر على صورته الشعرية، خاصة الإحساس العميق بالعروبة "إن العلاقة ما بين القارئ و الكلمة هي علاقة القرب بين غريبين دون أن يحتكم أحدهما للأخر ضمن ما يعرفانه.. يجب أن يكون الاحتكام الأخير لمشاعر لم يتم التعبير عنها.. وهذه العلاقة بالتالي تنتزع الدمعة من الصخر"(3) إن ظاهرة الانتماء في شعر عرب 48 من أخطر الظواهر وأكثرها شيوعاً، وقد نجح سليمان في تعميق الانتماء و تجسيده على شكل صورة شعرية حسية، تفيض بالدمع و الإحساس الفكري و العاطفي الشديدين، وهذا يعمق المأساة 0يقول في قصيدته بعنوان (حذار) في ديوان جواز الحجر:
    إذا جفت شراييني
    فداك
    ومت مصلوباً
    على أخشاب زيتوني
    بلا أهل
    بلا كفن يغطيني ص71
    عقد سليمان كغيره من عرب 48 آمالا ًكباراً على حرب عربية تحريرية شاملة تعيد إليهم عروبتهم، لكن ما حدث عام 1967 حطم كل هذه الآمال، يقول سليمان : "كانت نتائج هذه الحرب غير متوقعة فقد كنا نتوقع عودتنا إلى أحضان أمتنا العربية،لكن ما حدث أسهم في تحطيم آمالنا بالعودة، لكن أين أعود و أنا هنا باق في بلدي،المقصود بالعودة، هو عودتنا جميعاً إلى كنف الأمة العربية و أحضانها"(4).
    يقول الناقد نبيه القاسم في هذا الموضوع : لم تكن نتائج حرب 67 متوقعة فصرخ شعراء عرب 48 بأعلى صوتهم شعراً، و قد وقعت القصيدة في ذبذبات بين الصخب والهدوء، السمو و الإسفاق، فقد أصبحت القصيدة أشبه بالتفجيرات تحت الأرضية، التي يتم قياسها و تسجيلها بأجهزة على غاية من التعقيد، أصبح الشعر مشحوناً بمقدار لم يسبق له مثيل من اللوعة و الكبرياء(5). كذلك تابعت قصائدهم ما يحدث خارج الوطن بما يخص القضية الفلسطينية، فقد كتبوا كثيراً عن حرب أكتوبر (تشرين) عام 1973، يقول سليمان دغش في ديوانه جواز الحجر :
    و قولي للرياح الهوج
    إن رقصت
    على قبري ….
    من ميلاد تشريني ص73
    وقد تكررت كلمة تشرين كثيراً في شعره للدلالة على هذه الحرب. وكذلك كتب عن حرب بيروت، يقول سليمان في ديوان جواز الحجر:
    يا أيها الجرح الذي
    يستقبل السكين
    في بيــروت
    منتصـــراً
    وينزف في المغار ص4
    و المغار هنا بلد الشاعر التي ولد فيها في الجليل الأعلى شمالي فلسطين، و قصائدهم هنا أشبه بتقارير ترصد حركة الثورة الفلسطينية، و نتائج التحركات العربية حولها، و كانت ثقة شعراء 48 بالنصر مؤكدة رغم مجموعة الانتكاسات التي ألمت بالقضية، لكن إحساسهم بحقهم، وبأنهم مثقفون قادة الوعي الجماهيري، دفعهم لأن يكونوا صورة مبشرة و متفائلة بالنصر، فقد رفض سليمان جملة الاحباطات ،فلم يسلم نفسه لليأس بل أعلن على الملأ أنه سينتصر، قال في قصيدته (بين حمى البحر ونافذة المدى) في ديوان ظل الشمس :
    لك أن تمدي إصبعيك إشارة للنصر
    فوق ضريحه
    مدى إصبعيك إلى جبين الشمس
    ينكسف الجبين ص12
    أي ينكسف جبين الشمس خجلاً أمام عظمة أم الشهيد وقوتها.
    يقول سليمان: "لو أن الجيوش العربية استمرت في تقدمها على نفس الوتيرة لكان الانتصار ساحقاً عام 1973، وهذا ما كنا نتوقعه و نتمناه"(6) يقول في ديوان (ظل الشمس).
    مر التتار هنا
    كسروا نصف ظهري
    وكنا نظن انكسار التتار ص24
    ثم جاءت الحرب اللبنانية و خروج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، مما زاد من يأسه، و تقليص أحلامه في التحرر من بطش الحكومة الصهيونية يقول سليمان في قصيدة (النبوءة) من ديوان جواز الحجر :
    فرأيت بلادي
    معصرة للزيت لدى الغرباءِ
    ورأيت رفاقي المسحوقين
    على أبواب منظمة الذل (أي منظمة الأمم المتحدة ووكالة الغوث)
    فأغمضت عيوني ص56
    إلى أن جاءت أوسلو عام 1994، ولم يكن لدى عرب 48 نصيب يذكر في هذه الاتفاقية التي "كنا نرفضها لأننا خارج نطاق الحل وهي لا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني، فأين نحن، هل نحن إسرائيليون،أم عرب،أم ماذا ؟!" (7) هذا الاختلال في عملية الانتماء للشاعر جعله يعيش حالة قاسية، مما أثر في الصورة الشعرية عنده، فهو يحس بأنه مقطوع عن أصله العربي في وجه التدفق اليهودي على أرض بلاده فلسطين، و مصادرة الأراضي العربية لصالح سكان المستوطنات اليهودية، القادمين من أوروبا و أمريكا، و قد زاد هذا الإحساس بعد مجموعة الإحباطات التي ألمت بالقضية الفلسطينية، لكن يبقى إيمان سليمان بعدالة قضيته هو الدافع نحو الصمود و التصدي، يقول سليمان في ديوان : جواز الحجر:
    ما أصعب
    أن تطفئ قنديلاً
    حين تكون
    الوحدة ضوء
    ويكــون الزيت
    هو الإيمان ص117
    أعماله الشعرية :
    1- امرأة على خط الاستواء،دار الأسوار، عكا،1978م
    2- هويتي الأرض،دار الأسوار،عكا، 1979م
    3- لا خروج عن الدائرة، دار الأسوار،عكا، 1982م
    4- جواز الحجر، حيفا،1991م
    5- عاصفة على رماد الذاكرة، طولكرم،1995م
    6- على غيمتين، دار الفاروق، نابلس،1999م
    7- زمان المكان، بيت الشعر الفلسطيني، رام الله،2000م
    8- آخر الماء، دار الأسوار، عكا، 2003م
    9- ظل الشمس، دار الأسوار،عكا، 2004م
    وسوف تقتصر دراستناعلى ديوانه الأخير(ظل الشمس).
    2- الصـورة الشعـرية وأهميتها
    أ- المعنى اللغوي للصورة:
    ورد في مختار الصحاح في معنى كلمة (صورة) قوله :
    "فالصِّور جمع صورهُ، و صَوَّره تصويراً فتصوَّر، و تصورت الشيء توهمته صورته، فتصور بي"(Cool وجاء في المصباح المنير قوله : "الصورة: التمثال، وجمعها صور، وتصورت الشيء مثلث صورته و شكله في الذهن"(9) أما لسان العرب فجاء فيه : "ترد في كلام العرب على ظاهرها، و على معنى حقيقة الشيء و هيئته، وعلى معنى صفته"(10) تأتي الدلالة هنا عادية، لكن ورود هذه الكلمة عند عبد القاهر الجرجاني يجعلنا نتوقف لنفكر فيها كظاهرة نقدية، يقول الجرجاني : "و جملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة و صنعة"(11) بمعنى أن كلام العرب يكون غير تقليدي إذا أراد المبدع الوصول إلى صورة أو إعمال الصنعة في أدبه، ومع ذلك لا نستطيع القول أن الصورة الشعرية بمفهومها الحديث هو المراد في كلام عبد القاهر الجرجاني.
    ب- التعريف الحديث للصورة الشعرية :
    ليس من مهام البحث هنا الخوض في مفاهيم الصورة و أنواعها، فلا مكان هنا للتنظير، لكنني أذكرها بإيجاز بما يتلاءم مع طبيعة البحث و رؤيتي الخاصة، يقول الدكتور جابر عصفور في تعريفه للصورة الشعرية : "إن القصيدة تقدم إلى مخيلة المتلقي مجموعة من الصور تستدعي من ذاكرته طائفة من الخبرات المختزنة، تتجانس محتوياتها الشعرية الانفعالية مع صور القصيدة"(12) فبقدر ما تستحضر الصورة خبرات إنسانية مختزنة لدى المتلقي وما تثيره من عواطف وانفعالات تكون الصورة قد لامست إدراك الملتقى و جذبته نحو القصيدة. ويعرف سيسل دي لويس الصورة بقوله: "بأنها رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس و العاطفة"(13) ثم يحلل ذلك بقوله: "إن الطابع الأعم للصورة هو كونها مرئية، وكثيراً من الصور التي تبدو غير حسية، لها مع ذلك من الحقيقة ترابط مرئي باهت ملتصق بها، لكن من الواضح أن الصورة يمكن أن تستقي من الحواس الأخرى أكثر من استقائها من النظر"(14).
    ويرى دكتور مصطفى ناصف أن العلاقة بين أطراف الصورة هي الركيزة الأساسية الداعمة لتجلياتها، يقول: "الصور الشعرية ليست في جوهرها إلا هذا الإدراك الأسطوري الذي تنعقد فيه الصلة بين الإنسان والطبيعة"(15).
    فالصورة هي كلمات بعيدة عن المعنى الأحادي أي أنها "مجاوزات لغوية"(16)، لكن نرى صورًا مؤلفة من كلمات تؤدي المعنى العادي لها كما هي الصورة في كثير من الشعر العربي القديم يقول عمرو بن كلثوم:
    فصالوا صولة فيمن يليهم وصُلنا صولة فيمن يلينا(17)
    أي حمل بنو بكر بن وائل على من يليهم من الأعداء، وحملنا أي بنو تغلب على من يلينا من الأعداء. فهذه صورة مادية لا تجاوز فيها للغة، أي بلا خيال شعري، نجد ذلك عند سليمان دغش في ديوانه جواز الحجر:
    هأنذا أعلن للعالم طلبي
    معتـرضاً منتفـضاً
    علمي في كفي يخفق
    وسلاحي حجر من صوان ص115
    يعتمد سليمان في هذه الصورة على الحقيقية كي يجسد مأساته، و هنا لا نجد أثراً للخيال، فهي لوحة خالية من الوسائل التجاوزية التي يعتمد عليها الشعراء في تشكيل صورهم، و الشعرية في هذه الصورة هي التشكيل الجيد لها، و بما تحتويه من رمز دال على مأساة الشاعر وشعبه. ومادامت اللغة العربية بطبيعتها تحمل عبء التصوير، والموسيقى، والتشكيل، إذن ما هو الحدّ الفاصل بين هذا النوع من الصور والكلام الذي يخلو من الصور، هل هو شعرية الجملة والصورة، أم غرابتها، أم ترابط المفردات؟ سؤال يحتاج إلى بحث، لسنا بصدده هنا.
    فالصورة عنصر مهم و أساسي في بناء القصيدة، سواء كانت خيالية تعتمد على تجاوز اللغة أم غير خيالية، لأن الشعر لا يكون بصفته صنعه لغوية فقط، مجرد طريقه في التعبير "إنه يريد أن يكون كالعلم و الفلسفة، تعبير عن حقيقة جديدة، اكتشاف لجانب موضوعي مجهول من العالم"(18). فاللغة تأتي لتحسن أو تقوي فكرة عن طريق التجسيد أو التجريد لتشكل صورة معادلة في ذهن الشاعر، يسهل توصيلها إلى ذهن المتلقي .
    نستطيع تعريف الصورة الشعرية من خلال مراجعاتنا بما يلي: هي تعبير بكلمات ذات علاقة معقدة تثير فينا مجموعة من الأحاسيس المدركة لهذه الصورة وكأنها صورة خاصة لكل متلقي، وهي تحمل مجموعة من القرائن الدالة على دلالتها التحتية، مشكلة في الأساس بنية لغوية خاصة، لا تتكرر مع شاعر آخر، لأنها مشتكبة مع الرؤية الثقافية.
    ج- أهمية الصورة الشعرية :
    أخذت الصورة أهمية كبيرة في النقد الحديث،حتى إننا نرى أن الصورة هي القصيدة، و قصيدة تخلو من الصورة الشعرية قد لا تترك أثراً في ذهن المتلقي ووجدانه. يقول (كولردج) عن أهمية الصورة بالنسبة للشاعر "إن الصورة مهما تكن جميلة …فإنها لا تميز الشاعر، إنها تصبح فقط أدلة للنبوغ الأصيل، حتى تلطف بالعاطفة السائدة، أو بالأفكار ذات العلاقة، أو الصور التي توظفها العاطفة"(19). تكمن أهمية الصورة في قدرتها على وصف المشاعر و تشكيلها، و مزجها بالعواطف الإنسانية التي تبرز علاقة الشاعر بالموقف.
    كثير من الشعراء و النقاد تحدثوا عن الشعر وكأنهم يتحدثون عن الصورة وحدها،لأهميتها البالغة، باعتبارها جزءاً ضرورياً من الطاقة التي تمد الشعر بالحياة و بالاستكشاف لأن "الصورة تستكشف شيئاً بمساعدة شئ آخر، و المهم فيها ذلك الاستكشاف ذاته، أي معرفة غير المعروف لا المزيد من معرفة المعروف، و لهذا لا يكون التشابه بين الشيئين تشابهاً منطقياً. إنها حلم الشاعر حيث تتضام الأشياء لا لأنها تختلف فيما بينها أو تتحد، بل لأنها تجتمع في الفكر والشعور في وحدة عاطفية"(20). مثال ذلك في قصيدة (وصايا الريح)لسليمان:-
    هي الأرض حاضنة الدم
    و الإثم..والهم..والغم
    يا شهداء فلا تبرحوها
    فمن يا ترى يؤنس الأرض
    إن غاب عنها النخيل ص89
    هنا التشابه بين موقفين، منطقي، عندما ضم الشاعر موقف الإنسان الفلسطيني من أرضه، كموقف النخيل من الأرض، وإن الأرض حاضنةً لمن سيكون شهيداً و للشهيد، كذلك هي حاضنة للنخيل الذي يؤنسها لا أظن أنه يتحدث عن النخيل بمعناه، وإنما النخيل رمز للشهداء، هنا اجتماع للفكرة و للمشاعر مما أدى إلى استكشاف موقف جديد مدهش.
    ومن أهمية الصورة الشعرية أيضا" تجاوب أصداؤها في كل مكان من القصيدة، فإذا انفصلت الصورة الجزئية عن مجموعة الصور الأخرى المكونة للقصيدة فقدت دورها الحيوي في الصورة العامة، أما إذا هي تساندت مع مجموعة الصور الأخرى أكسبها هذه التساند الحيوية الخصب"(21). مثال ذلك في قصيدة ( نشيد الدم) حيث نلاحظ تلاحم الصور بمجملها فهي صور متشابكة تساند بعضها بعضا، ولا نستطيع أن نستل صورة أو جزئية من الصور دون أن يمسها خلل ما، يقول سليمان:
    لا شيء إلا الدم
    تلك رسالة الأجساد
    حين يمسها برق إلهي
    وتسكنها العواصف والرعود ص36
    هذه لوحة مرتبطة بما سبقها من لوحات، فلا نستطيع أن نفصل هذه اللوحة إلى صور جزئية صغيرة، بذلك تتلاشى الصورة من الخيال، ولا تثبت، بل تنزلق منا، لأن أجزاء اللوحة لم تكتمل بسبب محاولة فصل جزئياتها عن لحمتها الأصلية المتكاملة.
    ولنتعرف على أهم عوامل تشكيل الصورة عند سليمان دغش، ثم جماليتها، وعلاقتها بالبناء الفني للقصيدة.
    أولاً: عوامل تشكيل الصورة:
    أثناء نظم للقصيدة"قد تظهر صورة جديدة في مخيلة الشاعر، إما تلقائياً أو كأنها تقذف من الذاكرة، أو كأنه قد جيئ بها عمداً لتخدم معنى القصيدة في هذه النقطة،ولتوسع من نمط الصورة، و عندما يتأمل الشاعر الصورة الجديدة يرى أنها زودته بشيء أفضل مما كان يبتغيه، و خلالها يتكشف المعنى الذي لم يفهمه كلياً قبل أن يكتب القصيدة، و في ضوء هذا الاكتشاف تكون القصيدة قد أعطت لنفسها زخماً فاندفعت في اتجاه مغاير عارفة الأن بوضوح الهدف الذي تجري وراءه"(22) و لا يستطيع أي شاعر أن ينتج الصورة التي تخطر بباله دفعة واحدة إلا أن تكون جزءاً من القصيدة، لأن هموم الشاعر هي موضوع القصيدة،و هي الدعامة التي تتكئ عليها فكرة تشكيل الصورة، و يمتلك الشاعر عادة مجموعة من الأفكار التي هي دعائم القصيدة التي تتشكل من مجموعة صور، إذن الصورة الشعرية لم تخلق من ذاتها، و إنما هي جزء من أفكار و تجربة الشاعر، بل ومن أحاسيسه و انفعالاته(23) حتى تتحول إلى تجربة إنسانية شاملة مرتبطة بموقف من الحياة يشترك فيه الشاعر مع غيره لتغدو الصورة حيوية مؤثرة و ذات قوة،و يتحقق ذلك باعتماد الشاعر على مقدرته في استيعاب الموقف وتحويله إلى موقف إنساني شامل يلمس وجودنا و حياتنا، و نستشهد لذلك بصورة في ديوان سليمان:
    لم يكن في يدي ساعة الريح
    إلا قليل من القمح يكفي
    لأعبر ليل الشتاء الطويل
    وشيء من الياسمين النبيل
    يعرش فوق دوالي الشرايين
    كي يؤنس القلب في قفص الصدر
    سرب الحمــــــام ص93
    هذه الصورة ناتجة عن الحالة الخاصة بالشاعر الذي عبر عن مأساة شعبه عندما هبت عليه عاصفة 1948 وكان وحيداً لا يملك إلا قليلاً من المؤونة تكفيه للصمود، و في قلبه ياسمين يؤنس حياته، هذه الحالة تصلح لأشخاص عانوا لحظة مشابهة لهذا الموقف، والصورة هنا تعتمد على تجربة خاصة بالشاعر و برغم ما فيها من رومانسية إنسانية صادقة، إلا أنها تعبر عن موقف ثوري، أو ثقافة ثورية تدعم الصمود بأقل الإمكانات، مع قوة الإرادة، فالصورة هنا تؤكد و توضح فكرة الشاعر، وما دامت الفكرة مستوعبة عاطفياً، فإنها تنتج تجاوزا كلامياً تصويرياً مقبولاً لدى المتلقى، حتى لو تم ترجمته إلى لغة أخرى، لأن الصورة هنا تحتوي جميع الأصداء الضرورية فيها وتخدم الأفكار. ومن أهم عوامل تشكيل الصورة:
    1- إثبات الذات:
    عندما يتردد الإنسان في العثور على ذاته ويفقد بوصلة الهوية، ولا يستطيع التخلي عن إرادته أو حريته، و رغم أن العثور على الاستقرار ميئوس منه، هذا يكسب الشاعر سليمان دغش منطقه الذاتي قوة أسطورية تحفزه لأن يدفع دمه ثمناً لإثبات الذات يقول:
    لاشيء غير الدم
    في هذا الهباء الفوضوي ص39
    عندما يفقد عرب 48 صلتهم بالحياة الحقيقية، ويسيطر عليهم و هم الأمة العربية، التي يتضح لهم فيها بعد أنها أمة مقعدة، لا تستطيع الفعل، لكنها تتخذ من القوافي سلماً للوصول إلى الهدف يقول:
    ما الذي أبعد الشمس
    عن ظل أحلامنا
    فأختر عنا لنا سلماً للصعود إليها
    على نخلة من قوافي الكلام ص101
    وعندما ينتاب عرب 48 إحساس بأنهم النصف الأسير من الشعب، كأنهم لا يعرفون كيف يرتبطون، و ما الذي يجب فعله فقد يوجه لهم بعض المشردين خارج الوطن تهمة ليست فيهم يقول:
    - لماذا اتهمت بما ليس فيك
    - وماذا فعلت بليل جناحيك
    - حتى يعيبك هذا السواد الجميل ص87
    فهؤلاء بين دفتي الرحى، بين الحكم العسكري الإسرائيلي، و بين هذه التهمة التي لم يقلها إنسان عاقل، و هي أن بقاءهم عام 48 هو لأمر ما ومن قال هذا ؟! لكن معظم أدباء 48 ردوا على هذه التهمة في أدبهم(24). هنا أما مهم خيار واحد، إنها الحقيقة غير الواضحة في مرايا الغبش، فتنعدم لديهم الرؤية، مما يجعلهم يعيشون حالة من التناقض النفسي، فهم في حالة من التمرد ضد كثير من مناحي الحياة إلى درجة جلد الذات و تعذيبها، بل و قتلها، إذا كان هذا يوصل العربي في إسرائيل إلى الهدف. يقول :
    - بحثاً عن الفردوس في حمأ الجحيم
    - كأنما الفردوس صار جهنماً أخرى ص38
    فهو عاجز عن المواجهة، غير قادر على معرفة ذاته الجديدة، الإرهاق يحاصره، والريح شديدة أقوى من عالمه، فقد انقسم ظهره إلى نصفين "وانهار الوطن، وحدث تغير جوهري في المكان، و انقلب الوجود رأساًعلى عقب. دون أن يحدث ذلك تأثيراً تحريضياً في السلوك العربي العام، وأصبحت حياتنا في عالم اللامعقول، وانعدام المنطق"(25) رأينا شاعرنا سليمان يحقق ذاته من خلال فعل الكتابة، و تطوير الذاكرة و الاستناد إلى الثقافة العربية القديمة، حتى يحقق توازنه و لا ينهار وسط هذا الجحيم، و قوة هجمة التتار.
    - و من هاجس البرق
    - في أفق مثقل بالغمام ص95
    لكن يقول مقاوماً هذه الحالة من الإحساس بالاغتراب و الكآبة بطريقة رامزة :
    - و إذا احتدم الغيم في ماء روحك
    - فالبرق فيك دليل ص85
    فالرمز ضرورة فنية إلى جانب كونها ضرورة احتياطية أمنية(26).
    إن المناجاة من أهم الوسائل التي يعبر من خلالها الشاعر عن وعيه ولا وعيه، لأنه يصدم القارئ بعالم فريد تكتمل فيه الصورة ليستعيض بها عن الحزن و الاغتراب، و انغلاق المكان، فهو في تيه الصحراء و البحر، فيشعر بالموت، لهذا نجده يركز على الهم الداخلي و هو "قمة شعور الإنسان بالاغتراب، هو المداولة الدائمة بين الإنسان و تلك الهموم، ثم هو اكتشاف لحقيقة الظلم و القمع التي تفضي عن نفسها بأشكال مختلفة، يكون من أبشعها صورة الإنسان و هو تائه"(27) بين أماكن مفتوحة في حقيقتها لكنها مغلقة في واقعها
    يقول:
    لست أدري
    و بي حيرة الروح أسألها
    قلقا ًكجناحين في الريح
    على شاطئ قلق ص74
    وهذا ما قاله محمود درويش أيضاً
    و أسند قامتي بالريح و الروح الجريح(28)
    وهذه الصورة هي التي عبر عنها شاعر العربية المتنبي بقوله:
    فما حاولت في أ رض مقاماً ولاأزمعت عن أرض زوالا
    على قلق كأن الريح تحتي أوجهها جنوباً أو شمالاً(29)
    صورة تدلل على إعجاب سليمان بالشاعرين، فهو يرى "أنهما أعظم شاعرين في تاريخ العربية"(30) وهي صورة توحي بقلق الشعراء، ليدلل سليمان أن القلق الشعري هو سمة الشعراء الكبار الذين يعيشون شرط الهم القومي، و يستمد سليمان هنا صورته من البحر المضطرب الذي تعصف به الرياح "التي تأتي بالرعد و بالسحب المثقلة بالغمام و الغم هو الشئ الثقيل الذي يغطي السرور و الحلم"(31) إن استخدام شاعرنا المونولوج الداخلي جعل شعره يطفح بالعجيب و البوح بكل ما يخطر على البال، و تنطق به خلجات القلب و الجسد، فالشاعر لم يرغب في تزويق كلماته، ليقدم لنا نفسه بصورة حقيقية صادقة،فهي الدفقات الأولى التي تخرج متفجرة من الذات الجوانية، مما أدى أحياناً إلى غموض الصورة و غرابتها، مما يبعدنا عن اكتشاف دلالتها لأنها متشابكة مع صور أخرى أكثر غرابة، قد نترك البحث عن تفاصيل الصورة العامة، أو ا لمعنى، لأن عملية البحث عن معنى الصورة تبدو شاقة، مثل قوله:
    على دفتر الغيم تكتب ريح وصيتها ص83
    للندى
    ونحن لا نعرف بالضبط الإيحاء أو الدلالة الرمزية لهذه الوصية التي تكتبها الريح على غيمه، إنها صورة عبثية سريالية، تبرهن على عبثية حياة الشاعر، فحياته مثل غيمة في السماء تعبث بها الرياح و تشكلها كيف تشاء، كما تشكل الحياة الإنسان دون إرادته فالغيم في تشكلاته أثناء مسيرته يبدو غريباً عجيباً يظهر بشكل جديد كل فترة قصيرة. و هنا نضطر إلى هذه الطريقة في التحليل لتلمس معنى الصورة، حتى نوضح إلى أي مدى أراد الشاعر تعقيد الصورة، فقد أدخل اللغة في متاهات وممرات مجازية متشابكة، علماً بأن شرح الصورة يؤدي إلى إفساد فضائها "لأن الصورة تدرك ككل و كحالة و كهيئة"(32) فالمشهد في البيت السابق غاية في البساطة، لكن الطريقة التي لجأ إليها الشاعر هي طريقة متعمدة تهدف إلى إثارة الغرابة المجازية ، إنها مهارة و تعقيد لغوي لفكرة بسيطة.
    قد ترى صورة داخل السياق الشعري تكون مغلقة تماماً على الفهم، ثم يبني الشاعر عليها باقي الصور حتى نهاية القصيدة، وهذا ناتج عن إحساسه عبثية الحياة وتعقيدها، و هنا تكمن خطورة هذا النوع من الصور في القصيدة المبنية على صور متلاحقة في حركتها، والتي ينبغي للصورة أن تمتلك القدرة على السير بالقصيدة المتماوجة بالمونولوج الجواني نحو تكاملها و تماسكها، ثم يبدو لنا أن علاقة هذه الصورة الغامضة منبته، مثال ذلك قول سليمان :
    ليس للشمس ظل
    تسأل امرأة شمسها في مرايا الندى و تطل
    على سورة الماء في ذاتها
    كان يكفي
    قليل من الجزر في ثوبها النرجسي
    لكي يخلع البحر سرواله الداخلي
    ويرمي خلاخيله في دمي زبداً ص73
    ولنا أن نتساءل عن معنى هذه التركيبة المجازية، فقد تكون بلا جدوى عن الدلالة أو الوظيفة الموضوعية للصورة، فقد لجأ الشاعر إلى مجموعة مجازات بشكل متلاصق و مستمر، مما يجعل الصورة و كأنها رؤيا ذات لغز خاص، لأن مفرداتها تتحول إلى رموز شعرية، وقد نفهم البحر هنا أنه الوطن، و المرأة هي عرب48، فهي المرأة الجميلة الوحيدة بلا أهل. فتراجع البحر في جزره يكشف عورة الأرض، و تفور الدماء حرصاً للصون، فالخلاخيل هي جرس الإنفعال الذاتي عندما أصبح الإنسان مكشوفاً بلا أهل يسترون غطاءه.
    و لعل سليمان دغش في ديوانه الأخير (ظل الشمس) من أكثر شعراء 48 ميلاً لخلق صورة شعرية يكون المجاز فيها غير مألوف، و ملفع بالغرابة، بعد تخلي الأمة العربية عن مساندة الشعب الفلسطيني، يقول سليمان "لم تعد الحكومات العربية في المرحلة الأخيرة قادرة حتى على المساندة المالية و الإعلامية للانتفاضة الفلسطينية خوفاً من وسمها بمساندة الإرهاب"(33) حيث تمحي كافة العلاقات الواقعية و البلاغية، و تنأى الدلالات، وتختلط الحالات بعضها ببعض، غير أن غرابة الصورة في شعره لا تتأتي عن تشابك المجازات أو تعقيدها، ولكن من جدتها تماماً، هذه الجدة التي تصدم القارئ، لأنها غير مألوفة، ولأنها تنتمي إلى حرية لغوية _تعادل رغبة الشاعر في الحرية و الانفلات _ أكثر من انتمائها إلى شيء آخر، يقول سليمان:
    كانت الروح ساعة الريح
    مثل الفراشة توشك أن تتجلى
    على نخلة الضوء في كرنفال الطبيعة
    تلك مهمتها في التوحد بالمستحيل ص96
    و قد نفهم الصورة كالتالي: أن الشاعر لحظة نكبته 1948 كان في حالة سعادة في بيئته و وطنه، متوحداً بالطبيعة و الوطن و هذه هي مهمته، لكن العاصفة دفعته لأن يشعل النارفي الجسد الأدمي. و يستخدم بعض المفردات الخاصة. بهذه الحالة، نحاول تحليل بعضها:
    أ- المرآة:
    المرآة هي سطح لامع يعكس الأشعة الضوئية الصادرة عن أي جسم تسقط عليه لتعكس صورة للجسم(34) و هي ذات طبيعة فيزيائية تعكس صورة الأجسام الماثلة أمامها، و قد وظفها الشعراء لهذه الميزة، حتى باتت توظف كتقنية فنية تعكس صورة الأديب و دواخله، و يرى البعض أن أدونيس أول من استخدم المرآة كتقنية شعرية تعبيرية في ديوانه (المسرح و المرايا )حيث الكثير من القصائد التي تعكس من خلال سطح المرايا الكثير من الشخصيات و التعرجات النفسية، و ذكر إحسان عباس(35) أن مرايا أدونيس متعددة تشتمل على مرايا لشخصيات تراثية و معاصرة، و مرايا زمانية و مكانية، و مرايا مجسدات و غيرها0 (36) و قد وظف سليمان المرآة بشكلها الصريح و الاصطلاحي ليرصد ما يتراءى له في أعماقها، و مميزات الشخوص التي بداخلها، وقد ورد لفظ المرآة في ديوانه (0ظل الشمس ) عشرين مرة، وأصبحت عنصراً مهما في تشكيل الصورة، بما تحمله من ردة فعل يضخم من خلالها حقيقته الداخلية، يقول :
    لا ريح ستأخذه لغربة روحه
    في طين آدم
    كان يبحث عنك في مرآة نفسه
    لم يصدق ظاهر المرآة فالمراة أكذب من سراب يقينه الدموي
    في صحراء هاجر ص29
    المرآة هنا صادقة، ولكنها تختلف مع يقينه الدموي (الأمل) في الحرية، فالصورة فيها مأساوية وهو لا يريدها كذلك، فهو يريد أن يكذبها مع أنها تعكس الحقيقة، فهو يرى ملامح نفسه المنفصمة إلى اثنين، واحد في المرآة يبحث عنه، والآخر خارج المرآة يعيش واقعا مريرا وكلاهما واحد، لكنه لم يصدق ما حدث على أرض الواقع ولم يصدق إحساسه الشديد بالمأساة، لهذا يصف المرآة بالكذب، فهي أشبه بسراب في الصحراء العربية في الهاجرة وحيث كانت هاجر( أم إسماعيل) في حالة من القلق مع وليدها الصغير، فهو دمها في التواصل، فهما في حالة نفي عن الوطن، سواء نفي داخلي في المكان نفسه، أو نفي خارجي في خارج المكان، فهنا لا يختلف كثيرا عن هناك، كذلك ( أنا ) الشاعر الحقيقي خارج المرآة، و( أنت) الشاعر داخل المرآة، الذي هو سراب كاذب، لا يحب ( أنا) رؤية ( أنت)، يقول أدونيس في ذلك "إن المبدع العربي يعيش غيابا مزدوجا عن الآخر، وأنه يعيش بين منفيين، منفى الداخل، ومنفى الخارج، أو بحسب تعبير سارتر بين جحيمين: الذات والآخر، ويؤكد أن الأنا ليست الأنا، الغياب والمنفى هما الحضور"(37).
    يقول سليمان في مكان آخر من الديوان:
    ستسأل نرجسة ظلها
    في مرايا الزبرجد حين تطل على ذاتها ص61
    والصورة الصغيرة مستفادة من هذا النص (مرايا الزبرجد) انه ينظر إلى نفسه المهشمة، فهو (الطموح ) (والمرآة الواقع) وهنا الاختلاف مما جعله يعاني من تضخم الذات إلى درجة ضاقت به مرآته من إعطاء صورة واضحة لشخصيته، منذ أصبحت الوجوه في تعدد المرايا ( الزبرجد) وهو حجر كريم متعدد الأضلع، وكل ضلع مرآة تشوه انعكاس المرآة المجاور لها، فقد تضخمت الذات ثم تقلصت حتى التشظي، بل إن بعثرت الصور عن طريق مرايا الزبرجد تحمل في معناها الارتعاش والحركة المبعثرة غير الإرادية، والتناثر لأبناء الوطن عام النكبة، يقول سليمان: "لم نلتقط أنفاسنا في زحام المرايا"ص22 فالواقع مرير وتزاحم علينا.
    ليست المرآة هي السطح الوحيد القادر على عكس الضوء، بل إن سطح الدمع هو سطح صقيل عاكس كسطح المرآة، وسبب ذلك عائد للانعكاس الداخلي للأشعة الضوئية عليه، فقد تعامل سليمان مع سطح الدمعة كما هي سطح المرآة، وكذلك نوع من التشكيل والاستفادة من التحقيق النفسي، يقول:
    أي حقيقة أجلى من الدمع المقدس
    في مرايا العين
    لا تخفي دموعك
    إنها مطر الحقيقة في ضباب الموت ص 14
    نعم فالمرآة لا تعكس إلا الحقيقة والدمع جزء من ماء الإنسان، وبفقدان الماء يفقد الإنسان قدرته على رؤية ملامح ذاته وذات الآخرين، مما يدل على فقدان الهوية، فالبكاء نوع من فقدان السيطرة على الذات، وهنا تظهر الحقيقة التي يراها الشاعر في مرايا العين، وتعدد المرايا في العين ناتج عن تعدد قطرات الدمع، وهذا يؤدي إلى ضبابية الرؤية، أو مايسمى بالغبش , فالدمع هو مطر حقيقية الإحساس بالضياع أو الموت غير المرئي لأنه يعيش حالة ضبابية، فالمرايا هنا ساعدت الشاعر على التحرك فنيا، وبحرية، ساعدته على السرد وتكثيف الأحداث وإقامة حوار بين الشخص والشخص الآخر في المرآة في كثير من نصوص الديوان، وساعدت أيضا في أن تكون الصورة قريبة من الحقيقة والموضوعية، لأنها تمثل عملية إسقاط لنفسية الشاعر ومعرفته وتجربته وفكره(38)
    ب- البحـــــــــر:
    هناك صورة كبيرة الأهمية في الديوان، تمثل تفجيرا للطاقة اللغوية الكامنة في الكلمة، إذ لم تكتف في الخروج عن مدلول واحد، إنه البحر، الذي يرمز بطبيعته إلى دلالات متعددة، وقد تكررت هذه الكلمة ( ثلاثا وأربعين ) مرة، وهي بذلك تمثل حضورا كبيرا في الديوان، فقد يأخذ البحر مدلوله الحقيقي أحيانا ولكن برمز مختلف، وأحيانا بمدلول مجازي، وهذا هو الأكثر استخداما فله دلالات نضالية، وتشاؤمية، وتاريخية " فالبحر إما أن يكون نافذة تطل على فلسطين…….... وإما أن يكون رمزا للشعب، أو الأمة، أو التية، أو المأساة الفلسطينية وعلاقاتها بالبحر" (39)
    قد يلتقي شعراء عرب 48 بباقي شعراء فلسطين في حمل بعض دلالات لمفردة ( البحر) ، فالبحر في ديوان سليمان ( ظل الشمس) منفذ للوطن منه يلتقي عربي 48 بإخوانه في المنفى، والبحر متنفسا، كذلك استخدمه المهاجرون اليهود ليتسللوا إلى بلادنا بطرق غير شرعية قبل النكبة وهنا يعطي البحر دلالات كثيرة فهو رمز الضياع، والوطن، والتشرد، والأمة العربية الغافلة، كذلك الحرية في الطرف الآخر من البحر، والقيد والأغلال ، يقول سليمان :
    على هامش البحر
    مر قراصنة عابرون على صفحة الرمل
    كسروا نصف ظهري ص23
    فالبحر هنا ممر الغزاة من خلف البحار، لكنهم لم يمروا من وسط البحر نهاراً، بل جاءوا ليلاً تحت جنح الظلام (على هامش البحر) ويعبرون على صفحة الرمل، فالرمل متحرك، غير ثابت، مثل معتقداتهم، لا يثبتون على حقيقة، والتاريخ لن يبقيهم هنا لأنهم عابرون، والتتار هنا إشارة لهم، لما خلفوه من تخريب ودمار. وكذلك يرمز البحر للحرية، يقول :
    ولي أنت يا بحر
    مفتتح النخيل
    وفاتحة لانتشار ي ص24
    فهو رمز للخير والانتشار من خلاله إلى العالم للانطلاق من هذا الإسار، وهو أيضا رمز لما يحمله من فخار عربي وإرث حضاري قديم، وربما يرمز النخيل للمقاتلين الفلسطينيين، يقول :
    أهيئ في ساعة الجزر مدى
    فلي موجة في أعالي البحار ص 20
    أي بعد التراجع العربي المشهود، نحن ننشد المد العربي وننتظره، فلي في القديم رفعة في أعالي الحضارات، وصولة، وقد يقصد الثورة الفلسطينية القادمة من خلف الحدود، هذه كلها مجتمعة تشكل الحالة النفسية للفلسطيني الباقي عام 48، وما يلاقيه من أوامر عسكرية تجعل العالم في نظره صغير وضيق، ينظر إلى البحر كل يوم من زاوية معينة، حتى يقول:
    رمى البحر خلخاله ذات يوم ص21
    والصورة هنا غريبة، فلا علاقة بين البحر والخلخال، ربما يكون هو المحبوبة التي ركبت السفينة متجهة إلى المنفى في بيروت، أو أن الخلخال رمز الحب والفرح والموسيقى، ولم تعد تلك الأشياء موجودة الآن أمام ناظريه، لكن الرنين _ الخلخال _ باق يدل على الحركة المتكررة والمنتظمة، مما يحقق تناغما موسيقيا بين البحر والخلخال.
    نستطيع القول إن مفردة البحر تشكل عالما خاصا بالشاعر دغش فيه توليفة نفسية وفنية يجمع بين حالته وبين حالة العالم العربي، فالبحر يفتح بابا لا نهاية له من الأمل والارتياح وكذلك التوتر النفسي بما فيه من مد وجزر، وحركة متوترة تشبه قلق الشاعر تجاه الواقع والمستقبل، يقول :
    على شاطئ قلق ص 95
    يمثل البحر عنصرا مهما من جدلية اليأس والتمرد التي تمثل الريح جزءا آخرا فيها.
    ج- الريـــــح :
    تمثل مفردة الريح عالما نفسيا وفنياً، فهو يحتوي على مجموعة من الصور الشعرية المكونة لعالمه الشعري، فقد وردت كلمة الريح ( سبع عشرة مرة) منها ما هو استخدام حقيقي، وفي أغلبها استخدام مجازي، فالريح بطبعه مصدر للخوف والرهبة، وما يوحي به من اقتلاع وقذف خارج الوطن فقد ترمز الرياح إلى نكبة الوطن والثورة، والحرب، والبريد مع الأهل خارج الوطن، والحياة المضطربة، يقول سليمان :
    كان يكفي فرس الريح قليل
    من صهيل الروح ص 56
    تتشكل الصورة هنا من فرس الريح بمعنى الثورة التي تحتاج إلى القليل من التماسك والرغبة في التواصل ( صهيل الروح ). أما قوله:
    لم يكن أحد ساعة الريح
    كنت وحيـــدا ص99
    ودلالة الريح هنا هي نكبة 48، التي جعلته وحيدا في الوطن بلا أهل وبلا اصدقاء. فقد توحدت مفردة الريح مع الشاعر فجعل منها مجموعة من الصور توحي بكثير من الدلالات التي تتناسب ونفسيته في كل صورة، فقد غلب الاستخدام المجازي على الحقيقي مما يؤكد ميلنا إلى فكرة أن الشاعر يستخدم اللغة التصويرية المجازية أكثر، ذلك لأنها تلائم الجانب النفسي الذي يلازم الشاعر وهو باق في وطنه فهو ثائر على أوضاعه المتردية مما دفعه لتجسيد مأساته عبر هذه الصور المجازية.
    2- الفكر الدرزي
    يعتقد أهل المذهب الدرزي أن الجسد البشري ثوب للنفس أو الروح، تتقمصه الروح عند الولادة وتنتقل منه بالموت فورا إلى جسد مولود آخر، وفضيلة التقمص في اعتقادهم هو تقلب الروح في شتى الأحوال حتى يكون محاسبتها على قاعدة العدل الإلهي بعد مرورها في الدهر الطويل لا في مدى حياة واحدة بخيرها وشرها، وقصرها وطولها، بحيث يمنحها الدهر الطويل فرص الاكتساب والتطور والامتحان، لكي تحاسب حسابا عادلا على مجموع ما كسبت في أدوراها كلها.(40) ومن فكرة التقمص تظهر فكرة ( النطق ) وهو نوع من التقمص لكنه يختلف عنه في أن النفس المنتقلة من جسم إلى آخر تنتقل ومعها جميع صفاتها أو بعض صفاتها البارزة. وعليه فان الحساب يوم الدين يكون على ما فعلته النفس من خير أو شر خلال الأدوار التي مرت بها حتى يوم القيامة. والدروز فرقة إسلامية من غلاة الشيعة الاسماعيلية الفاطمية وهم من أنصار الحاكم بأمر الله في مصر(41).
    إن ارتكاز سليمان على مفهوم التقمص أدى إلى تعقيد الصورة لأن أغلبية المتلقين لا يعرفون هذا المفهوم، وبالتالي تأتي الصورة غامضة عليهم، لأنها منبعثة من فكرة أصلا هي غامضة لديهم "لأن الكلمات بخاصة في الاستعمال الشعري ليست إلا مجرد أدوات تمثل الأشياء وليست الصورة التي تتكون من هذه الكلمات إلا صورة تعبيرية وليست صورة مشابهة"(42) لكن المغالاة في تركيز المعاني في الصور تؤدي إلى الغموض وهذا ليس عيبا حديثا(43).
    يقول سلمان في الارتكاز على الفكر الدرزي لتشكيل الصورة : "أنا ولدت في الطائفة الدرزية الموحدين وتعلمت بعض أسرار معتقداتها، فلا شك أنها ستؤثر على لغتي الشعرية والصورة الشعرية على وجه الخصوص، لكن ذلك قليل لا يمثل ظاهرة واسعة عندي أو عند غيري من شعراء الطائفة"(44).
    يقول سليمان :
    كم من دم ستزفه الأرواح فينا
    قبل أن تمضي إلى عليائها
    لتعود في الأرحام ثانية
    تبدل طينها البشري في نطف
    يكون جسم آدم من جديد ص35
    من الصعوبات التي تواجه الناقد هنا؛ هو تحليل الصورة التي ترتكز على فكر غير معروف له أو للمتلقي، لأنه لا توجد مقاييس ثابتة ومتوافرة لدى الناقد، لأن الناقد بحاجة إلى مجهود كبير وثقافة مع عدم توافر مقاييس متفق عليها، يتناول من خلالها القصيدة. هنا قد نفهم الصورة الأولى في السطرين الأولين، لكن بعد ذلك نحن بحاجة إلى معرفة ما يقصده الشاعر من خلال معتقده أو أفكاره، فإذا عرفنا فكرة التقمص والنطق عند الطائفة الدينية التي ينتمي إليها الشاعر، ندرك أنه يقصد بذلك أن الروح تعود ثانية إلى جسم آخر، لتشكل مرحلة جديدة في الجسم الآدمي، وهكذا إلى يوم الدين. يقول سليمان :
    وهل تذكر الروح في رحلة الأبدية
    ماذا يعد لها المطلق المستحيل ص83
    وهنا أيضا نواجه المشكلة نفسها في تخيل وفهم الصورة، لأن المتلقي يعيد تشكيل الصورة في ذهنه، فالرحلة الأبدية هنا هي بقاء الروح وانتقالها من جسد إلى آخر حتى يوم الحساب، كما في مفهوم التقمص والنطق. فالشاعر يعيش حالة المجهول والخوف من المستقبل فبأي مكان سيكون، هل سيبقى في وطنه أم سيلحق بمن رحلوا إلى مجاهل المنافي؟. وهكذا أثرت معتقدات الكاتب في تشكيل الصورة الشعرية في قصائده. يقول أيضا :
    وهي تهيء زينتها
    في مرايا الختام ص96
    مرايا الختام هنا هي انتهاء حالة التقمص لدى الروح في اليوم الأبدي، أي في ختام الحياة البشرية ليوم الحساب والآخرة وهذه الصورة يصعب على المتلقي العادي فهمها. يريد سليمان القول من كل هذا: أن الشعب الفلسطيني، في حالة تقمص أبدي، وروحه حية إلى الأبد، لأن الروح الفلسطينية غير قابلة للموت، مهما أصاب الجسد الفلسطيني من قهر وموت وتشويه، بمعنى الجسد (الوطن) الذي يعاني من تقسيم وتشويه.
    3- التــراث
    يرسم الشاعر صورته بالكلمات محاولاً نقلنا إلى الجو الذي يعيشه ، و الصعوبة في الصورة، هو كيفية رسم الصور المتداخلة بالأخرى، الراسمة مع غيرها الصورة العامة للقصيدة، إن الصورة قاصرة على ذاتها من ناحية، و لها علاقات ببقية الصور من ناحية أخرى، ثم لها مكانها في البناء التصويري كله من ناحية ثالثة(45). لهذا يلجأ الشاعر الحديث إلى التراث الإنساني ليشكل صورته الشعرية، و يحملها عمقاً فكرياً، و لتتوافق مع ذهنية الملتقى لأن الشاعر المعاصر يبحث في الذات عن معان جديدة، و قد يجدها، و لكن هذه المعاني لن تسعفه بأي نص للاستشهاد من خلال هذا اللباس التراثي، إلا إذا قمت بعمليات تشخيص لبقايا الروحانية و تجعلها تتحدث عن نفسها(46) أي تحديث التراث بما يتلائم و العصر الحديث، لأن التراث خلق من وعي جماعي، وترجع الصورة الشعرية إلى ذلك الوعي في مشروعيتها، و ليس مجرد صدفة أن ترى في الصورة الشعرية الحديثة أشكالاً، و نبضات مشتقة من التراث و الأساطير، لكن من طبيعة الصورة و الشعر في جانبه الاستعاري أن تستحضر ذلك الوعي، وكأن الإنسان حتى في فرديته لا يزال يبحث عن ضمان عاطفي في إحساسه بالانتماء إلى الجماعة، ليس الانتماء إلى الكائنات المشابهة، و إنما إلى كل من يحيا في العالم، و حتى مع الأموات(47).
    نلاحظ أن التراث الإنساني من أهم ينابيع تشكيل الصورة عند سليمان، فكانت مصدر إغنائها، فقد استخدمه بوعي شاعري، وقوة ذهنية واعية، وذابت أفكار الشاعر في القصة التراثية، وبهذا تتعدد احتمالات تأويل النص، لأنه زاخر بمجموعة من الرؤى المتوالدة "وكأن الملفوظات المتعددة في خطابات نصوص أخرى تتحول في النص إلى ملفوظ يجمع الكل في واحد" (48).
    وقد استخدم سليمان عدداً كبيراً من قصص التراث الإنساني و الديني التي تتناسب مع حالته و نفسيته المضطهدة في إسرائيل، يقول سليمان عن أهمية التراث : "نحن امتداد للثقافة الإسلامية و العربية، لا نستطيع أن نبتعد عنها، ولن نسمح لها بالابتعاد عنا، نحن أبناء اللغة العربية و ثقافتها، و عليها نستند في مواجهة الآخر "(49). فقد استدعى سليمان العديد من القصص القرآنية التي تخدم قصيدته، و تملأ ضفافها أملاً، وحلماً، و تجعل القصيدة مستندة على تراث فيه صموده و عزته، و فيه مشاركة له بالمأساة، منها :
    قصة العنكبوت في الغار، وخلق آدم، و صلب المسيح، وقصة الغراب الذي يدفن ميته، وتيه بني إسرائيل، و بئر زمزم، أما القصص غير الدينية فهي قليلة لكنها فاعلة في شحن النص،مثل قصة السندباد، و النرجسية، وسوف نحلل نماذج مختارة من هذا التوظيف :
    فانتظروا
    واثقين من النهر
    أن لا يغير مجراه أنى يسيل
    فهل علمتم خطيئة قابيل درساً
    بأن لا يواري الخطيئة
    إلا غراب نبيل
    أحبك يا ذا الغراب الشقي
    لماذا اتهمت بما ليس فيك ص86
    يوظف الشاعر قصة أبناء آدم (قابيل و هابيل) الواردة في القرآن الكريم، و كيف أن الغراب علم الإنسان درساً في مداراة سوءة أخيه، و التساؤل الآن،ما علاقة هذا بوجود الشاعر على أرض فلسطين ؟ و كيف نوفق بين مجموع الصور الصغرى هنا (مجرى النهر، وقابيل و هابيل، والغراب الشقي، والتهمة الملصقة به) نحاول هنا ترتيب أفكار هذه الصور كما يلي:
    يطمئن الشاعر أبناء شعبه في المنفى بأنه واثق من أن النهر الفلسطيني في الداخل لن يغير مجراه، و أن الفلسطينيين الباقين عام 48 لن يغادروا الأرض، فهم مثل النهر الواثق في مجراه، ثم يستذكر خطيئة قابيل، حيث أخطأ الذين خرجوا من ديارهم أثناء حرب النكبة، فيأتي دور الباقين هنا داخل خط 48، عليهم أن يواروا هذه الخطيئة، و قد فعلوا و نجحوا، و اثبتوا أنهم أهل لهذا الصمود داخل الدولة العبرية.الإنسان الذي تعلم من الغراب كيف يواري سوءة أخيه، الآن يعيب على هذا الغراب بأن جناحه أسود. يرد الشاعر هذه التهمة عن الغراب صاحب الجناح الأسود الجميل، كما هي ليالي عرب 48 السوداء الجميلة على أرض الوطن، فهي خير من التشرد و الضياع.
    أما النموذج الثاني فله أهميته في نفسية الشاعر:
    والصحراء أم الروح
    مذ ألقي على مدخل كهفي
    عنكبوت الوحي
    كي أنجو من الموت، خيوطه ص52
    إن استحضار قصة خيوط العنكبوت على باب المغارة , أثناء الهجرة النبوية الشريفة , وحماية الله للرسول r والصديق y, ذكرت الشاعر بوجوده في هذه البلاد، فالأغلب هاجر وتشرد،إلا من بقي في حماية الكهف , حيث أنزل الله سكينته عليهم , وأبقاهم هناك , وفي سؤال للشاعر عن سر كتاباته بهذا العمق النفسي , قال : "أكتب كي أتنفس , أفرج عن همي كي لا أصاب بلوثة، إن الكتابة تجعلني أفعل شيئاً ما وأنا حر، وأشعر بحريتي أثناء فعلي للكتابة"(50) فالموت هنا محقق إن لم تكن رعاية الله، و الموت هنا لا يعني وقف نبض الحياة، و إنما الخروج من الوطن، هو موت أيضا، لكن من نوع خاص.و الحق أن شاعرنا ابن لهذا الواقع الفريد، عما فيه من حالات نفسية، فهو يحمل في ذاكرته ثقافة الماضي التي لا يمكن فصلها عن ذات الشاعر و مخيلته، فالموروث الثقافي العربي ظل يرافقه، رغم محاولات

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:39 pm