منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    تابع للتناص الامتصاصي

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    تابع للتناص الامتصاصي

    مُساهمة   في الجمعة أغسطس 10, 2012 9:32 am


    وواضح
    أن نص البياتي قد تمدد على جسد بيت المعري السابق الذكر، وفق عملية امتصاص
    وتسرب، بعد تحويل هذا البيت عن مجراه ومساره، ووضعه في تركيب لغوي جديد،
    له حرارته ووهجه، وذلك بهدف إسقاط مغزاه على الواقع المعاصر، الذي يعيشه
    العرب، ويلحظ المتلقي أن الدلالة في كلٍّ من النصين: القديم والجديد
    مختلفة، فالمعري يطلب من صديقه، أن يمشي بأناة ورفق، لاعتقاده بأنه ربما
    تكون جميع تلك المساحات من الأراضي ممتلئة بأجساد الأموات، منذ العصور
    الغابرة وحتى زمنه هو، أما البياتي فإنه يستخدم مغزى بيت المعري في دلالة
    مغايرة، هدفها السخرية اللاذعة من مواقف العرب المخزية تجاه الشعب
    الفلسطيني، ونكباته المستمرة، وكأنه يريد أن يقول: كفاكم تحريضاً لهؤلاء
    الناس، الذين هم أموات في أجساد أحياء.

    ولعل
    أطول نص شعري، امتصّه البياتي وتشرب مفرداته ولغته ومعانيه وأفكاره، هو
    تلك الأغاني التي قالها أخناتون(64) في مدح آتون(65)، والتي تعرف باسم
    (نشيد آتون)، يقول البياتي في قصيدته (مرثية إلى أخناتون)(66):

    يا أيها المعبود
    أنت الذي يعيش في الحقيقة
    ممجداً مباركاً قدوس
    تصعد في طفولة النهار
    وموته الفاجع في الكهولة
    من أفق الشرق إلى الغرب، على عباب بحر النور والبخور
    متوجاً بزهرة اللوتس والثعبان
    حياً جميلاً خالداً معبود
    وعاشقاً معشوق
    شمس النهار أنتَ في جلالك العظيم
    وضعتَ نيلاً في السماء وصنعت منه أمواجاً على الجبال
    تسقط والحقول
    إنك في قلبي ترى مدائنَ الموت وأهراماتها والبحرَ والسحاب
    إنك لا تموت
    إنك لا تفنى إلى الأبد
    إنك لا تعطش في سفينة الشمس ولا تجوع
    ولا يدبّ الشيب في شعرك أو تنفى إلى أصقاع موت النور
    تحترق السماء من أجلك والنيل على غدائر الأرض وفوق
    صدرها الحنون
    يلثم أطرافك في جنون
    يفيض بالسحر وبالغموض
    يمنح معشوقاته الجواهر الحمراء
    والنار والنجوم والأطفال
    يحمل أوجاعي إلى البحر وحزن البشر الفانين...
    والمقطع
    السابق مجتزأ من نص طويل، غير أن هذا المقطع المجتزأ هو الجزء الذي امتصه
    البياتي من نشيد آتون، ولكي يتضح التناص الامتصاصي هنا لابد من المقارنة
    بين نص البياتي والمقطع الآتي من نشيد آتون:(76)

    ما أجمل مطلعك في أفق السماء!
    أي آتون الحي، مبدأ الحياة
    فإذا ما أشرقت في الأفق الشرقي
    ملأت الأرض كلها بجمالك.
    إنك جميل، عظيم برّاق، عال فوق كل الرؤوس،
    أشعتك تحيط بالأرض، بل بكلّ ما صنعت
    إنك أنت (ري)، وأنت تسوقها كلها أسيرة،
    وإنك لتربطها جميعاً برباط حبك.
    ومهما بعدت فإن أشعتك تغمر الأرض،
    ومهما علوتَ، فإن آثار قدميك هي النهار.
    ويلحظ
    المتلقي أن كلا النصين، نص آتون ونص البياتي صياغة مختلفة لمضمون واحد،
    وقد استطاع البياتي أن يمتص نشيد آتون، وأن يصهره في لغته الخاصة، ليوظفه
    في تجربته المعاصرة، لكن نشيد آتون لدى البياتي ((لم يعد نشيداً موجهاً إلى
    إله (هيولى) ـ كما عند أخناتون ـ بل إلى إله من لحم ودم، إله حقيقي، لم
    نتبينه ولكنْ فيه كل ملامح الإنسان))(68). ولعل السبب الذي دفع البياتي إلى
    إبداع مرثيته التي يوجهها إلى أخناتون، وامتصاصه لهذا المقطع الطويل من
    نشيد آتون، أنه وجد في أخناتون، وثورته على ما كان يقوم به الكهنة في عصره،
    من عبادة آلهة متعددة، ودعوته إلى عبادة إله واحد، هو آتون، وثورته على
    الفكر الديني، في ذلك العصر، شيئاً من ثورته هو على هذا العصر أو الواقع،
    وإن كان المنطلق، لدى كل منهما متغايراً، و على هذا الأساس يكون الهدف من
    إبداع هذه المرثية، وامتصاص هذا المقطع الأخناتوني من نشيد آتون، تأكيد
    البياتي أهمية الثورة وضرورتها، ولعل البياتي أيضاً، قد قصد من وراء ذلك،
    الكشف عما يتعرض له الثوار، أو المثقفون في عصرنا، حيث تخمد ثوراتهم أو
    أفكارهم، وهي في المهد. ويؤيد ذلك إشارة البياتي، في المقطع الأول من
    قصيدته (مرثية إلى أخناتون)، إلى ما أصاب مدينة أخناتون بعد موته من تدمير،
    وما لاقاه أتباعه، من لعنات الآلهة، بسبب تمسكهم بتعاليمه، ونشيده
    الخالد(69).

    وربما
    تشير صفات المحبة والعشق ـ ((ولا يوصف بالعشق، إلا من امتلأ قلبه بحب الحق
    والخير والجمال))(70) ـ والتي أسبغها البياتي على الإله في المقطع السابق،
    إلى أن الإله الذي يخاطبه البياتي، إلهٌ من لحم ودم، أو هو في النتيجة
    الإنسان الثائر، الذي يستطيع أن يغير مجرى الأحداث في هذا العالم، لصالح
    المضطهدين والمستَغلين، فيأخذ لهم حقوقهم ممن اغتصبهم إياها.

    وثمة
    نص شعري آخر، نقرأ وراء لغته المتحققة صورة شعرية مستمدة من النص القرآني،
    يمتاحها البياتي، ويعمل على تذويبها، وإعادة خلقها من جديد، مكسباً إياها
    رؤية عصرية جديدة، تسهم في تعميق الإحساس بالمعاناة التي يعيشها بروميثيوس/
    الشاعر، يقول البياتي في قصيدته (سارق النار):(71)

    وسارق النار لم يبرحْ كعادته
    يُسابق الريح من حان إلى حان
    ولم تزل لعنة الآباء تتبعه
    وتحجب الأرض عن مصباحه القاني
    ولم تزل في السجون السود رائحة
    وفي الملاجئ من تاريخه العاني
    مشاعل كلما الطاغوت أطفأها
    عادت تضيء على أشلاء إنسان.
    يظهر
    التناص الامتصاصي في السطرين السابع والثامن تنثال منهما الصورة القرآنية،
    الكامنة في قولـه تعالى:(72) ) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى
    الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون ( . فمن الجليّ أن صورة بروميثيوس
    سارق النار/ البياتي، المضطهد والمعذب والمنفي، وصورة كفاحه المستمر ـ حيث
    يظهر حاملاً شعلة الحياة، لينير للبشرية طريقها، مهما حاول أعداء الحرية
    والكرامة أن يقفوا في طريقه، ومهما وضعوا أمامه من عقبات ـ تلتقيان مع
    الصورة القرآنية، التي تصور سعي الكفار الحثيث إلى إطفاء شعلة الحق
    والهداية، ومحاولتهم إخمادها. والتي تصور أيضاً، إصرار الذات الإلهية،
    وسعيها المتواصل في سبيل أن تظل هذه الشعلة مضاءة، تهدي الناس إلى سواء
    السبيل.

    وتأخذ
    بعض نماذج التناص الامتصاصي لدى البياتي مساراً خاصاً، حيث تتسرب نصوص
    نثرية قرآنية وغير قرآنية، أو نصوص شعرية، تمتص وتذاب وتندغم في شعره لتأخذ
    شكلاً لغوياً جديداً، وتمثل قصيدة (عن الموت والثورة) مثالاً واضحاً لذلك
    النوع من التناص، يقول البياتي راوياً قصة مقتل غيفارا ولوركا، مؤكداً
    ضرورة الثورة، مؤمناً بحتمية انتصارها، عارضاً لتضحياته الكبيرة، وتشرده
    الدائم، ونفيه المستمر في سبيلها: (73).

    كان مغني (قرطبة)
    ملطخاً بالدم فوق العربة
    تبكيه جنيات بحر الروم
    وقاطفات زهر اللؤلؤ والكروم
    ...لا تجر يا فرات حتى أكمل النشيد
    كقدر الإغريق
    كالموت كالطاعون كالحريق
    محتومة تظهر في السماء
    علامة الثورة فوق السمّ والشرور
    لا تجر يا فرات حتى أكمل النشيد
    ها أنذا مشرد يتيم
    أبحث في الجحيم
    عنها وعن عدالة الثورة والمسيح
    . . . . .
    ...، فيا فرات
    لا تجر حتى أكمل النشيد
    ها أنذا شريد
    في هذه ا لمخاضة.
    المقطع
    السابق يتحدث عن مصرع غيفارا ولوركا، وعن انبعاث الثورة وحتمية انتصارها،
    غير أن ما تهمنا الإشارة إليه هنا، هو امتصاص البياتي لقول الشاعر ت. س.
    إليوت، في قصيدته الشهيرة (الأرض اليباب)، يقول إليوت:(74)

    أيها (التيمز) الحبيب، اجر الهوينا، حتى أتم أغنيتي
    ويلحظ
    المتلقي أن هذا الامتصاص قد ظهر بشكل محوّر أو معاكس، فإليوت يطلب من
    التيمز أن يستمر في جريانه كي يكمل أغنيته، فهو على توافق مع النهر وانسجام
    ومصالحة، على حين يطلب البياتي من الفرات أن يقف، لأنه أمام موت صديق
    ثائر، وكأن الحياة قد توقفت بموت غيفارا، ولعل مما يؤيد ذلك إشارة البياتي
    نفسه إلى الأثر الذي تركه فيه موت غيفارا، بحيث عمل على توجيه أسلوب
    البياتي الشعري بما يلائم قضايا الثورة ومفهوماتها، يقول البياتي:
    ((المعاناة والصمت والموت، والثورة المضادة التي شملت العالم، والرحيل
    المستمر من منفى إلى منفى، وموت الثائر العظيم غيفارا، الذي كنت أعتبره
    الرمز والأمل الوحيد الباقي لكادحي ومثقفي العالم المضطهدين والمظلومين،
    والذي كنت أعتبره أول بطل نموذجي في جيلنا، تخطّى أسوار الحاضر المتعفن،
    وأسوار الإمبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

    ....، هذا وغيره قادني إلى إيجاد الأسلوب الشعري الجديد الذي أعبر به))(75).
    وأخيراً
    نقول: تتركز الوظيفة الفنية والفكرية للتناص الامتصاصي، في معظم قصائد
    البياتي، التي تنحو هذا النحو، في كونها تعمل على تعميق الرؤية التي يقدمها
    البياتي، وخاصة إذا كانت الدلالة في كل من القصيدتين القديمة والجديدة
    متوافقة أو متشابهة، وذلك كما في قصائد (الحجر) و(عشاق في المنفى) و(سارق
    النار)... وأحياناً يكون الهدف من التناص الامتصاصي تقديم رؤية جديدة تحمل
    الدلالة القديمة نفسها، ولكن هذه الدلالة القديمة تستحضر هنا من أجل
    السخرية من قضية أو موقف معين، وذلك كما في قصيدة (العرب اللاجئون).

    ولعل
    التناص الامتصاصي، الذي يقوم على إذابة النصوص الغائبة، وتشربها، وإعادة
    صياغتها في لغة جديدة، يعد من أصعب أنواع التناص، وأعمقها، حيث تظهر من
    خلاله قدرة الشاعر المبدع على التلاعب باللغة القديمة، وإخضاعها لأدواته
    الفنية الخاصة، حيث يقوم المبدع بصهر تلك اللغة القديمة، معيداً تشكيلها في
    بناء لغوي جديد، يختلف عن البناء القديم، وقد يحمل هذا البناء اللغوي
    الجديد في طيّاته مضموناً فكرياً جديداً، أو يعمل على ترسيخ المضمون القديم

    ----------------

    ملحق



      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 11:09 pm