منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    التعالق النصي

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    التعالق النصي

    مُساهمة   في الإثنين ديسمبر 03, 2012 12:24 pm


    كان مصطلح التعالق النصي hypertextuality أحد المصطلحات
    الأساسية في محاضرة أمبرتو إيكو عن مستقبل الكتب* خصوصاً في مجال الإشارة
    إلي التقاء النظرية النقدية المعاصرة والتكنولوجيا* وذلك في الدائرة
    الواعدة التي يفارق بها مفهوم النص text حدوده القديمة ليغدو نصاً
    علائقياً بواسطة الإنترنت. أعني نصاً يمكن قراءته رأسياً وأفقياً* كما
    يمكن التحرك بينه بحرية تامة علي شاشة الكومبيوتر في أي اتجاه* وذلك إلي
    الدرجة التي تتيح للقارئ إعادة إنشاء النص بحسب رغبته* أو الوصل بين
    أجزائه بطرائق لا نهائية وكيفيات لا حدود لها. هذه الحرية المتاحة للقارئ
    في التعامل مع النص متاحة بالقدر نفسه للمؤلف الذي ينتج هذا النص* وربما
    بقدر أكبر* فالمؤلف حين يفرغ من نصه* ويقوم بتخزينه مع غيره من نصوصه*
    يمكن أن يعود لما سبق له تأليفه* وينشئه من جديد بتغيير علاقات الجمل أو
    الفقرات* فضلاً عن استبدال الكلمات. كما يمكن له أن يصل بين نصوص عدة
    كتبها* وقام بتخزينها* فينتج منها نصاً جديداً* في كل مرة يقوم بتغيير
    العلاقات بين النصوص* واصلاً الجمل التي تتضام خارج نصوصها الأولي لتصنع
    نصوصاً جديدة لا نهاية لاحتمالاتها* ما ظل المؤلف يعاود محاولة الوصل بين
    المكونات القائمة التي تحتمل إمكانات علائقية متجددة إلي ما لا نهاية.
    والنتيجة هي تغير مفهوم النص text الذي يتحول إلي نص متعالق hypertext*
    وتحول معني النصية لتشمل دلالة التعلق النصي أو دلالة التعالق النصي من
    ناحية مقابلة. والفارق قائم في العلاقة بين النصوص السابقة والنصوص
    اللاحقة من منظور الاصطلاح الأول* والإمكانات العلائقية المتجددة في
    الحضور الآني للنص من منظور الاصطلاح الثاني. وهو فارق يلقي بظلال
    المنظورين في العملية التي تنتج دلالات جديدة لكل من النص والمؤلف والقارئ
    والتفسير.
    وكانت جدة مصطلحي hypertext وhypertextuality مربكة - في ما أحسب - لمن
    تولَّي ترجمة محاضرة إيكو عن الإنكليزية* ففهم مصطلح hypertext علي أنه
    "النص ذو الروابط التي نجدها علي شبكة الإنترنت". ومضت الترجمة في هذا
    الاتجاه فتحدثت عن "تركيب النصوص ذات الروابط الإلكترونية" مقابل الاصطلاح
    الإنكليزي: Hypertextual structure* وأشارت بعبارة "استخدام الروابط في
    داخل النص التقليدي" إلي ما أطلق عليه إيكو contextual hypertext. ومضت
    الترجمة علي هذا المنوال فأوضحت أن النصوص ذات الروابط الإلكترونية
    hypertexts ستؤدي حتماً إلي اختفاء الموسوعات والمراجع* خصوصاً بعد أن
    أصبحت ميسورة علي مواقع الإنترنت التي تتيح الإبحار بينها بسهولة* كما
    توقفت الترجمة علي ما أطلق عليه إيكو Hypertextual Poetics التي يمكن أن
    يتحول - في مداها الخاص - أي كتاب أو قصيدة إلي نص ذي روابط إلكترونية
    hypertextual* الأمر الذي استدعي تحديد ما أطلقت عليه الترجمة "الرابطة
    الإلكترونية" مقابل Hypertextual Link* والإشارة إلي هذه الرابطة من حيث ما
    يمكن أن تعطيه من إيحاء أو وهم بفتح جميع النصوص حتي المغلق منها* وذلك
    علي نحو يمكن معه تركيب القصة البوليسية بصورة تسمح للقارئ أن يمارس حرية
    الاختيار* فيقرر في النهاية ما إذا كان المجرم كبير الخدم أو القس أو
    المخبر أو الراوي أو الكاتب* وتلك عملية تتيح للقارئ أن يبني قصة خاصة به
    في كل مرة يقيم فيها علاقات جديدة بين الروابط الإلكترونية* مؤكداً بذلك
    نوعاً جديداً من حرية الإبداع.
    وكان واضحاً للكثيرين الذين اعتمدوا علي الترجمة العربية لمحاضرة إيكو
    وحدها* أن النص العربي يستغلق علي الفهم في كل مرة تستخدم فيها الترجمة
    مصطلح "النص ذو الروابط" مقابل الأصل الإنكليزي hypertext. ولم يكن هناك
    وقت في ما يبدو - أثناء عملية الترجمة - لمراجعة مفاهيم المصطلح في تطورات
    النظرية النقدية المعاصرة من ناحية* وعلوم الاتصال الجديدة من ناحية
    ثانية* والمناطق البينية التي تتداخل فيها علوم الاتصال والنظرية النقدية
    من ناحية أخيرة* فكانت النتيجة اختيار أقرب المقابلات العفوية لترجمة
    مصطلح أساسي ما كان يمكن فهم محاضرة إيكو من غير توضيح مفهومه - أو حتي
    مفاهيمه - في أذهان القرّاء* خصوصاً من غير المختصين الذين صدمهم المصطلح
    الغريب عليهم* وأربك غموضه فهمهم السياقات التي اقترن بها أو كان مفتاحاً
    لها في محاضرة إيكو. وقد حدث الأمر نفسه مع العارفين باللغة الإنكليزية
    ممن لم تكن لديهم خلفية معرفية تتيح لهم فهم مدلولات المصطلح في سياقاته
    النوعية الجديدة.
    وفي تقديري أن عبارة "النص ذو الروابط" مقابلاً لكلمة hypertext اجتهاد
    مشكور في ترجمة مصطلح جديد علي اللغة العربية* ولكن اختيار عبارة "النص ذو
    الروابط" اختيار غير موفق لعدم قدرته علي أداء الدلالات المقصودة
    بالاصطلاح. والأمر نفسه ينطبق علي مصطلح hypertextuality. وكان الأقرب إلي
    ترجمته استخدام مصطلح التعلق النصي* وهي ترجمة تؤدي بعض الدلالات
    المقصودة* وسبق استخدامها في الكتابات النقدية المعاصرة في اللغة العربية.
    وبوسع القارئ أن يجد شرحاً لدلالاتها النقدية المرتبطة بعمليات التناص في
    كتاب الناقد المغربي اللامع سعيد يقطين "الرواية والتراث السردي: من أجل
    وعي جديد بالتراث". وقد صدر الكتاب عن المركز الثقافي العربي* بيروت
    والدار البيضاء* سنة 1992. ولكن حتي هذه الترجمة لا تكفي وحدها في هذا
    المجال الجديد الذي تدخلنا إليه محاضرة إيكو* خصوصاً استخدام نصوص
    الإنترنت* أو حرية التعامل مع النصوص التي نقوم بتخزينها في أجهزة
    الكومبيوتر الخاصة بنا.
    ويحسن عند هذا المستوي التمييز بين دلالتين متمايزتين للمصطلح : hypertext
    أو hypertextuality . الدلالة الأولي مقترنة بالاصطلاحات المستخدمة في
    النظرية النقدية المعاصرة. والدلالة الثانية ملازمة لاستخداماته المغايرة
    في مجالات سميوطيقا الإعلام والاتصال. والفارق بين الدلالتين يحتاج إلي نوع
    من التحرير أجتهد في القيام به* علي أمل الإسهام في توضيح الفارق بين
    استخدام مصطلح واحد في مجالين معرفيين متمايزين. ويمكن لغيري - بالقطع - أن
    يضيف إلي اجتهادي* أو يستبدل به غيره* ولا مشاحة في الاجتهاد كما أنه لا
    مشاحة في الاصطلاح* فالمهم هو الإسهام في تمثل السياقات الدلالية المتعددة
    للمصطلحات الواعدة معرفياً.

    أما الدلالة الأولي للمصطلح فأبرز النقاد المعاصرين الذين يؤدي مصطلح
    hypertext دوراً دالاً في كتاباته فهو الناقد الفرنسي الشهير جيرار جينيت
    Gژrard Genette في دراساته النصية لأنواع الخطاب الأدبي* ومنها كتابه
    "طروس" Palimpsestes الذي صدر سنة 1982* واصلاً ما انقطع من أفكاره
    التمهيدية عن النصية في كتابه "المدخل إلي النص الجامع" (1979). وهو الكتاب
    الذي ترجم إلي العربية مرتين: مرة بعنوان "مدخل لجامع النص" ترجمة
    عبدالرحمن أيوب التي صدرت عن دار توبقال للنشر المغربية سنة 1995* ومرة
    ثانية بعنوان "مدخل إلي النص الجامع" ترجمة عبدالعزيز شبل ومراجعة حمادي
    صمود* وصدرت عن "المشروع القومي للترجمة" في القاهرة سنة 1999. وقد حاول
    جينيت في كتابه "طروس" (الذي لم يترجم بعد في ما أعلم) تطوير ما سبق أن
    أشار إليه إجمالاً في نهاية "المدخل" وصياغة منظومة متكاملة نسبياً عن
    العلاقات النصية* أو كل ما يضع النص في علاقة مباشرة أو غير مباشرة* مع
    غيره من النصوص. وكان هدف جينيت من ذلك تعميق فهم خمسة أنماط من هذه
    العلاقات. أولها التناص intertextuality الذي يفهمه جينيت علي أنه حضور نص
    في نص غيره. ويدخل في ذلك الاقتباس والتضمين والإشارة وما أشبه. ورابعها
    التعلق النصي hypertextuality وهو النمط الذي يتكون منه موضوع كتاب "طروس".
    ويشير إلي أي علاقة نصية* تربط نصاً لاحقاً (hypertext) بنص سابق
    (hypotext). ويستخدم جينيت استعارة "الطِّرس" التي جعلها عنواناً لكتابه
    ليدل علي إمكان وضع نص علي نص آخر لم يمح تماماً* فالطِّرس في اللغة
    العربية (أشبه بمعني palimpseste ذات الأصل اليوناني) هو الكتاب الممحو*
    وطرَّس الكاتب الكتاب أعاد الكتابة علي المكتوب* والطِّرس هو الصحيفة
    عموماً* وتخصيصاً الصحيفة التي مُحِيتْ ثم كُتبت. ومن هذا المنطلق
    الاستعاري* يمضي جينيت في دراسة التعلق النصي ما بين نص لاحق ونص سابق*
    ويتعمق في الدراسة التفصيلية بما يتيح له صياغة تصنيفات شكلية لأنواع هذا
    التعلق...
    وقد حاول سعيد يقطين - في كتابه "الرواية والتراث السردي" - نقل أفكار
    جينيت إلي القراء العرب* وذلك من خلال التأطير المنهجي لموضوع كتابه الذي
    قصد إلي تقديم وعي جديد بالتراث السردي* وذلك خلال دراسة تطبيقية* أو نصية*
    لمجموعات من الروايات العربية التي ترجع إلي التراث بأكثر من أسلوب. وقد
    دفع التأطير النظري سعيد يقطين إلي معالجة المتعاليات النصية
    transtextualities التي خصص لها جينيت كتابه برصد أوجه التفاعل النصي
    وأنماطه المختلفة* مؤكداً معني التعلق النصي الذي يصل نصاً لاحقاً (مثل
    إنيادة فرجيل) بنص سابق (مثل إلياذة هوميروس). وينقل سعيد يقطين تحديد
    جينيت لما يسميه علي سبيل الترجمة "التعلق النَّصِّي" hypertextualite بأنه
    العملية التي تقع حين يتم تحويل نص سابق إلي نص لاحق في شكل كبير وبطريقة
    مباشرة* وذلك علي سبيل المحاكاة الساخرة* أو التحريف* أو المعارضة* الأمر
    الذي فرض دراسة هذه الأنواع والتمييز بينها* إبرازاً للفارق ما بين
    التفاعل النصي والتعلق النصي* فالتفاعل عام من حيث هو علاقات مطلقة بين
    النصوص* والتعلق خاص من حيث هو علاقات مخصوصة تصل النصوص اللاحقة بالنصوص
    السابقة. ويؤكد سعيد يقطين ذلك بتوضيحه دلالة التعلق ما بين نصين* حيث
    النص اللاحق "مُتعلِّق" والنص السابق "متعلًّق به"* وحيث النص اللاحق
    ينتقي ويختار النص السابق الذي يراه مستأهلاً لأن يكون موضوع "التعلق"
    لمواصفات خاصة مميزة. وفي فترة من الفترات قد يكون النص "المتعلَّق به"
    مشتركاً بين العديد من النصوص المتعلقة. وقد تتعدد المواطن المتعلًّق بها
    وتختلف باختلاف النصوص والعصور* كما يحضر النص "المتعلَّق به" في "النص
    المتعلِّق" من خلال اسمه أو أحد نعوته* كما في "ليالي ألف ليلة" لنجيب
    محفوظ في التعلق بالأصل "ألف ليلة"* أو يحضر من خلال بقية أنواع التفاعل
    النصي التي تخرج عن التعلق بين نصين* ثانيهما ينظر إلي أولهما* نظر "نهج
    البردة" لأحمد شوقي إلي "البردة" للبوصيري* أو غير ذلك من أنواع التعلق
    الذي تتعدد أغراضه* أو تتوزع ما بين المحاكاة الساخرة أو التحريف أو
    المعارضة* أو غيرها.
    وينتهي سعيد يقطين من ذلك كله إلي أن النص المتعلق يسعي عن سبق إصرار وقصد*
    سواء عبَّر الكاتب عن ذلك أو لم يعبِّر في علاقته التي يقيمها مع النص
    المتعلق به* إلي محاكاة النص السابق والسير علي منواله. ويظهر ذلك في
    اعتماده بنية نصية نموذجية ذات سلطة عليا تتجسد من خلال حفاظه علي نقائه
    وصيغته الأولي في أحوال الاقتباس والتضمين والاستشهاد. وفي هذه الحالة تقل
    سلطة النص المتعلق به* إذ تسلب منه نمطيته التي يتشربها النص ويستوعبها
    مدمجاً إياها في بنيته الخاصة علي سبيل التناص* ويدخل فيه ما أسماه القدامي
    العكس والاجتذاب والمخترع. والعلاقة الأخيرة هي المعارضة التي تبرز في
    حال استعمال البنية النصية المتعلق بها موضوعاً للسخرية أو النقد أو
    التعليق. وفي هذه الحالة يكون القصد هو معارضة النص المتعلَّق به وسلبه
    قيمه المختلفة التي يتميز بها. ولا أريد أن أسهب أكثر من ذلك في مفهوم
    "التعلق النص" الذي كان ترجمة وتفسيراً لأفكار جيراز جينيت* وذلك في اتجاه
    قراءته الجديدة للعلاقة بين الرواية والتراث السردي* فالمهم أن هذا
    المفهوم أعان علي تقديم حدوس قرائية لها أهميتها في الكشف عن أشكال التعلق
    التي وصلت ما بين رواية نجيب محفوظ "ليالي ألف ليلة" بوصفها نصاً لاحقاً
    hypertext و"ألف ليلة وليلة" بوصفها نصاً سابقاً hypotext* كما وصلت بين
    رواية واسيني الأعرج "نوار اللوز: تغريبة صالح بن عامر الزوفري" و"تغريبة
    بني هلال"* وما بين رواية أمين معلوف "ليون الأفريقي" التي تدور حول شخصية
    الحسن بن الوزان وكتاب الحسن بن الوزان نفسه "وصف أفريقيا". وتفضي دراسة
    التعلّق الأخير إلي الكشف عن التوارد النصي ما بين رواية جمال الغيطاني
    "الزيني بركات" ورواية "ليون الافريقي" في موضوع هزيمة القاهرة علي أيدي
    العثمانيين بوصفها مادة للحكي. ولا شك في أن ترجمة سعيد يقطين لاصطلاح
    التعلق النصّي hypertextuality هي ترجمة مفيدة في سياق تحليل عمليات
    التناص التي قام بها* خصوصاً في مدي دراسة أشكال العلاقات بين النص اللاحق
    (أو المتعلِّق) hypertext والنص السابق (أو المتعلَّق به) hypotext. ولكن
    هذه الترجمة الجيدة تحتاج إلي تعديل بسيط* ينتقل بها إلي صيغة صرفية أكثر
    مطاوعة* خصوصاً في أداء دلالات جديدة ترتبط بالإمكانات التي أتاحها
    الكومبيوتر للنص* سواء المنقول إليه أو المخزون فيه أو المكتوب أو المبرمج
    له. هذه الصيغة هي صيغة "التعالق النصي" التي تكشف - في تقديري - عن
    المعاني التي أصبحت مصاحبة للاصطلاح في مجالات الكومبيوتر وعلوم الاتصال
    التي أدّت إلي تعديل بعض مفاهيم علم العلامات أو السميوطيقا.
    منقول
    من منتدى مطر .


















    __________________

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:45 am