منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    تأنيث اللغة

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    تأنيث اللغة

    مُساهمة   في الخميس يونيو 13, 2013 12:21 pm

    تأنيث اللغة 1 ــــ

    2

    د. محمد ربيع الغامدي

    تختلف اللغات اختلافا بي نا في الوسائل التي تنتهجها لتصنيف الاشياء التي تعبر كل لغة عنها وترمز لها بعلامات مخصوصة. وقد لـحظ ان اللغات تتفاوت في النظر الى الاشياء الموجودة في الخارج وبيان اجزائها وتعداد اقسامها, في حين ان الشيء هو هو في حقيقته وبقطع النظر عن الكلمات المعبرة عنه. فألوان الطيف المعروفة ـ على سبيل المثال ـ لا تتفق اللغات جميعا في التعبير عن كل لون مما نعرفه منها بلفظ مستقل كما نعهده في العربية, مع انها اجزاء ما يعرف بـ (الضوء), ولا يتغير بتغير نظر اللغات اليه. وقد وجد ان الوان الطيف في لغة(البسا), وهي لغة يتكلم بها بعض سكان ليبريا, لونان فقط تعبر عنهما الكلمتان(ZIZA,HUI). واللون الذي نطلق في العربية عليه لفظ(ازرق) هو في الروسية لونان يعبر عن كل واحد منهما لفظ مستقل, يقارب كل لفظ منهما قولناSadازرق فاتح, وازرق غامق) ولا يجمعهما لفظ واحد.(انظر سوسير رائد علم اللغة الحديث. للدكتور محمد حسن عبدالعزيز ص 31 ـ 32). ذلك لان((التقسيم لا يقوم على اساس طبيعي ضروري, بل يقوم على اساس اعتباطي عرفي. ومن ثم فإن اللغة لا تختار ودوالها(الفاظها) اختيارا عرفيا فحسب, بل تختار كذلك الاقسام والانماط المناسبة لنظرتها الى العالم)). (السابق ص 31).
    والجنس(التذكير والتأنيث) شأن يختص به الموجود في الخارج, وتعني اللغة بالتعبير عنه مثلما تعني بالتعبير عن الوان الطيف سواء بسواء. وتختلف اللغات في النظر الى الجنس من حيث افراد بعضها لاحد النوعين رمزا لا تقره غيرها من اللغات الاخرى, ومن حيث اعتداد بعضها بالنوعين فقط(مذكر ومؤنث) دون ادراج نوع ثالث, كالعربية مثلا التي تغاير طائفة اخرى من اللغات تعتد بما يسمى(المحايد), اي: الذي ليس بمذكر ولا مؤنث.
    وقد اشكل على الدارسين قديما وحديثا التذكير والتأنيث في العربية, وحاروا في ضبطه وتقعيده. ذلك لأن كثيرا منهم رأى مسألة الضبط والتقعيد لا ينبغي بكل الوجوه ان تستعصي على اللغويين. وراود اغلبهم شعور بأن كل ظاهرة لغوية تحمل باطلاق في طياتها اسس قوانيها التي تضبطها, من غير نظر الى السؤال اولا عن امكان ذلك الضبط او امتناعه, واسباب احتمال وجوده وعدمه. ومن ثم رأى هؤلاء ان من واجبهم التوصل الى الوجوه التي بها يذكر اللفظ او يؤنث. وتنوسيت في غمرة الاهتمام بالبحث عن قوانين التذكير والتأنيث امور, لو اخذت في الحسبان لتغير مجرى البحث في(الجنس). وهي امور لابد من استجلائها هنا; ليكون في ضوئها ايضاح المسألة برمتها.
    بدأ البحث في قضية التذكير والتأنيث في العربية او ل ما بدأ باستقراء الالفاظ اللغوية التي تعامل عند الاسناد اليها معاملة المذكر او العكس مما لا يتضح فيه تذكير او تأنيث في نفسه من خارج اللغة(المذكر غير الحقيقي والمؤنث غير الحقيقي); لان الحقيقي لا اشكال فيه, ثم انه منضبط في اللغة ايضا . وال فت كتب كثيرة يصعب حصرها في المذكر والمؤنث, لا تعدو ان تكون تعدادا للالفاظ المذكرة والمؤنثة, اي: اشبه بالمعاجم اللغوية, وان لم يخل بعضها من اشارات لما يشبه ان يكون قانونا في بعض الاحوال. وذلك مثل ملاحظة ان ما كان من اجزاء جسم الانسان عضوا واحدا ليس معه غيره كان رمزه مذكرا , وما انظم اليه آخر كان لفظه المعبر عنه مؤنثا . فاللسان مذكر, وكذلك الفم, والانف, والرأس, والقلب, والصدر, والظهر, والبطن. اما العين فمؤنثة, وكذلك الاذن, والشفة, والذراع, والكتف, والرجل, والساق, والركبة, والرئة. لكن ذلك لايستقيم في كل حال, وغير خاف ما يخرج عن هذا المستنتج من اسماء الاعضاء المعروفة. هذا الى ما ذكرته المصادر من اختلاف اللغات(اللهجات) في تذكير بعض الاعضاء وتأنيثها. قال في اللسان(ع ن ق):
    ((والعنق: وصلة ما بين الرأس والجسد. يذكر ويؤنث)). وصرح بعض اللغويين وعلماء العربية بأن اعضاء جسم الانسان, كالعنق والعضد والعجز مؤنثة عند الحجازيين, مذكرة عند التميميين. ونسب التذكير ايضا الى بعض قبائل اليمن وتهامة.(انظر مثلا : دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي الصالح ص 86). غير ان بعض دارسي العربية ذهب الى التماس قانون التذكير والتأنيث في المعنى المراد في التركيب المخصوص, ولا سيما في الالفاظ التي جاءت في القرآن الكريم تارة بالتذكير واخرى بالتأنيث.(انظر السابق ص 90).
    وراحت بعض كتب الاقدمين الاخرى تسرد ما ثبت عن العرب تذكيره او تأنيثه, مشفوعا بالاستشهاد على ذلك بالنصوص الشعرية او النثرية الموثوق في فصاحتها, من غير اجتهاد في التوصل الى قوانين يكون بموجبها تحتم التذكير او التأنيث. وان ذكرت خلافا في شيء من ذلك فغالبا ما يكون الخلاف على ثبوت الورود عن العرب او نفيه, اي: انه خلاف في السماع فحسب. ربما لانهم استشعروا صعوبة الجزم بقانون ما, ولانهم لحظوا اختلاف القبائل في اللفظة الواحدة تذكيرا وتأنيثا , ولا سيما تميم والحجاز. فكما اختلفت اللهجتان في اجزاء الجسم تذكيرا وتأنيثا ـ كما تقدم ـ اختلفتا ايضا في الفاظ أخر كأسماء الاماكن نحو(الطريق, والسبيل, والزقاق والصراط, والسوق). وقال السيوطيSad(هل الحجاز: هي التمر, وهي البر, وهي الشعير, وهي الذهب, وهي البسر. وتميم تذكر هذا كله)). (المزهر 2 ـ 277). واعلن كثير من الباحثين المحدثين في نهاية الامر العجز عن الوصول الى منطق خاص يحكم الجنس اللغوي, وقرروا ان الاصطلاح وحده هو الذي عامل لفظا ما معاملة المذكر وآخر معاملة المؤنث.(انظر مثلا علم اللغة للدكتور محمود السعران ص 254 ـ 256).
    وتصدى عدد من المحدثين لمحاولة تفسير عدم استقرار اللغة على حال في اعتبار التذكير او التأنيث للاشياء الجامدة التي ليست كالاشخاص المتصو ر لهم بوضوح حال معينة حقيقية من التذكير والتأنيث. فقد عزا المستشرق رايت(Wright) تلك الظاهرة في العربية الى الخيال السامي الخصب الذي شخص لاشياء وجعل اناسا , ثم تصور في بعضها تأنيثا وفي بعضها الآخر تذكيرا . فأخضع جميع الكلمات لأحد الامرين.(انظر من اسرار اللغة لابراهيم انيس ص 163). ويرى فنسنك(Wensinck) ان اللغات السامية حين خلعت على بعض الاسماء فكرة التأنيث تأثرت في هذا بعوامل دينية, وبأخرى مرجعها التقاليد والمعتقدات العامة, الامر الذي تضمن غير قليل من الاعتقاد ان في المرأة غموضا وسحرا .
    ومن ثم ضموا الى المرأة ظواهر الطبيعة التي خفي عليهم تفسيرها, ودق على اذهانهم فهمها, بجامع الغموض والسحر في كل منها.(انظر السابق ص 163).
    وانطلاقا من الحيرة في تفسير الغموض المحيط بقضية(الجنس) في التعبير اللغوي, ولاجل الصلة بين التذكير والتأنيث في الالفاظ وبين الفحولة والانوثة في الاشخاص, راح كثير من نقاد العصر وادبائه يعقدون المقارنات, ويتكلفون التأويلات, في محاولة للربط بين ما يعتمل في نفسيات اهل اللغة وما يحملونه من تصورات ومعتقدات وافكار عن الذكور والاناث وبين ما ينطقونه من كلمات معبرة عن الذكورة والانوثة. ولا تبعد هذه المقارنات والتأويلات عن اجتهادات بعض المستشرقين المذكورة اعلاه, من حيث انها جميعا من نوع القراءة الحرة في فكر اصحاب اللغة, والتي يضيف فيها القارئ الوانا من الدلالة النابعة من ذاته, لا انها نتائج علمية لقضية الجنس اللغوي.
    واود الاشارة هنا الى مناقشات جرت قبل سنوات بعد ظهور كتاب الدكتور عبدالله الغذامي(المرأة واللغة), 1996م. ومنها حلقات كتبها الدكتور حمزة المزيني في جريدة"الرياض", قرأتها في وقتها. ثم افضل علي صاحبها قبل فترة وجيزة بإهدائي ـ مشكورا ـ نسخة من كتابه الذي تضمنها ونشر في ضمن سلسلة كتب"الرياض", وهو كتاب(مراجعات لسانية) ج2, عام 2000م. خلصت تلك الحلقات الى تأكيد ان الانحياز(الذكوري) انما هو انحياز في الثقافة لا في اللغة من حيث تركيبها. وفي الوقت الذي ينفي فيه الدكتور المزيني شبهة انحياز العربية الى جانب الرجل ضد المرأة, ويحشد الادلة على براءة اللغة من هذا, يوافق الدكتور الغذامي على الصاق التهمة نفسها بالثقافة, ويقترح ان يكون عنوان الكتاب(المرأة والثقافة) بدلا عن(المرأة واللغة). ومع اني اتفق مع الصديق المزيني في نفي تهمة الانحياز العمد عن اللغة, اتحفظ على الطريقة التي اقترح ان تحول بها التهمة الى الثقافة.
    ان قضية (الجنس) في العربية لا يلتمس تفسيرها العلمي ـ فيما ارى ـ من مجرد النظر في فكر اهل اللغة ومعتقداتهم على اطلاقه. بل ينبغي اللجوء الى التماس التفسير من طبيعة اللغة نفسها لا من خارجها, كما ينص على ذلك الدكتور المزيني نفسه. وعندي ان السر وراء اضطراب التذكير والتأنيث من جهة ومعاملة بعض الالفاظ على اساس انها من المذكر واخرى من المؤنث من جهة ثانية يعود الى طبيعة(الاسناد) ونظامه في العربية, لا في تصور ان شيئا ما في نفسه مذكرا وآخر مؤنثا, ولا على اساس تصور الاشياء جميعها من ذوات الارواح, ولا من منطلق التصورات الذهنية لجماعة المتكلمين ومعتقداتهم ومواقفهم النفسية تجاه الانثى وتجاه الفحول من الرجال. ولذلك لا يلزم ـ بل لا يجدي نفعاـ في الدفاع عن موقف اللغة من التأنيث وتنزيهها عن محاباة المذكر اثبات ان هناك امورا معنوية عظيمة مؤنثة, كالفضيلة والنجدة والشجاعة والنخوة والانفة.(انظر د. حمزة المزيني. مراجعات لسانية ج2. ص 143). ولا يستقيم اثبات محاباة التأنيث ضد التذكير بأن جعلت((النفس مؤنثة والحرب مؤنثة والشمس مؤنثة والسماء مؤنثة وكذلك الارض)). (انظر مقابلة اجريت مع الدكتور مصطفى عبدالواحد في ملحق الاربعاء, 14 /رجب/1421). لان المسألة ليست مجرد التعلق بمحاباة من نوع ما.بل المسألة تتلخص في ان نظام التركيب في الجملة العربية, خلافا لانظمة مختلفة في لغات اخرى, اقتضى ان يكون في الجملة اسناد اما الى مذكر واما الى مؤنث بصورة قطعية على النحو الذي توضحه السطور التالية.
    تنفرد العربية بعدم وجود(فعل) مستقل تمام الاستقلال, مجرد عن الزيادة مما ليس من جوهر الفعل. فإن المضارع مثلا لا يمكن الحصول عليه مجردا . فإذا قلتSadيضرب) فإن حروف الضرب الثلاثة ملتصقة بالياء التي هي علامة على غائب مذكر. وبالتاء للغائبة المؤنثة. وبحروف الهمزة والنون والتاء للمتكلم والمخاطب المذكر وبالياء في آخر الفعل للمخاطبة المؤنثة وبالالف للمثنى وبالواو لجماعة الذكور وبالنون للنسوة. فاذا نظرت الى الفعل الماضي وجدت المسند منه الى واحد(ضرب) ملتصقا لزوما بتاء التأنيث من آخره للدلالة على اسناد الفعل الى مؤنث, او خاليا من العلامة لكن للدلالة على اسناده الى مذكر, اي:ان عدم العلامة هو العلامة(مورفيم الصفرZero Morpheme). فهو وان بدا(غير موسومUnmarked) لخلو ه من العلامة يعد موسوما من جهة ان عدم الوسم نفسه علامة. ويسند الماضي الى غير الواحد بعلامة مستقلة لكل منها كما في المضارع. وعلى هذا النحو يكون ايضا فعل الامر. وعلى هذا لا يخلو على الاطلاق فعل من ان يكون واضح الاسناد اما الى مذكر واما الى مؤنث ما عدا بالطبع ما اسند الى متكلم. اي: ان العربية عمدت الى تبني هذا النوع من المغايرة بين فعل وآخر بحسب المسند اليه, وذلك بالصاق المورفيم الدال على المسند اليه في المسند. مخالفة بذلك طائفة اخرى من اللغات, كالانجليزية التي يأتي فيها الفعل مجردا من كل لاحقة, بحيث يستوي فيه الاسناد الى كل واحد من الجنسين. فالفعل(Go) مثلا مجرد ليس فيه من الحروف ما يدل على ما يرد قبله او بعده أمذكر هو ام مؤنث.
    واستتبع هذا النظام المتبع في الاسناد في العربية ان يحدد شكل الفعل المستعمل من حيث نوع المورفيم الملتصق به تبعا لجنس المسند وعدده. فإن كان رجلا واحدا قيلSadقام), وان كانت امرأة واحدة قيلSadقامت), وهكذا. واقتضى هذا الامر ايضا ان تكون صياغة الوصف متضمنة المورفيم الدال على الذكورة او الانوثة, فان كان رجلا قيلSadقائم), وان كانت امرأة قيلSadقائمة). وكان لزاما اذن ان تتنوع الضمائر واسماء الاشارة والاسماء الموصولة تنوعا نابعا من طبيعة الاسناد ليدل كل نوع منها على نوع من الكلمات مبي ن للجنس, فتكون في نهاية المطاف المنظومة الكاملة في نسق نظام معين مكون هيئة النظام الخاص للغة. وهو النظام اللغوي الذي اختار لنفسه ان يـعنى بنسبة كل فعل او وصف الى جنس معين, وينفرد بذلك عن لغات اخرى جنحت الى نظام او انظمة اخرى مختلفة.
    ان وجود علامة التأنيث في الفعل والوصف في حال, وخلو العلامة منهما الدال على العكس تماما من المراد بوجودها فيهما في حال اخرى, هو المسؤول الاول والاخير عن المأزق الحاصل لمستعملي اللغة حين يريدون الاسناد الى ما ليس في حقيقته مذكرا او مؤنثا . اذ ليس لهم من خيار في ضوء نظام لغتهم القائم الا اعتبار احد الامرين, اما التذكير واما التأنيث. فإن اراد المتكلم التعبير عن طلوع الشمس فليس امامه ان نطق بجملة فعلية الا ان يقولSadطلعت, او تطلع الشمس) فتصير مؤنثة, او ان يقولSadطلع, او يطلع) فيكون قد عاملها معاملة المذكر. ولو نطق بجملة اسمية ما وجد من الخيارات الا ان يقولSadالشمس طالعة) فتكون مؤنثة, او(طالع) فيكون عاملها معاملة المذكر. وليس له الحرية في ان يعدها(محايدا ). ولذلك يكون الاجتهاد فقط في تخمين سبب ميل المتكلم الى احد الامرين وترك الآخر, لا في تعليل سبب عدم استبعاد الامرين معا .
    ولهذا ارى ان اتجاه المتكلمين نحو تذكير بعض الالفاظ وتأنيث بعضها الآخر هو عمل تال لما يقتضيه نظام لغتهم. ومن ثم يكون صحيحا على نحو ما ان نتحدث عن تخي ل الجماعة اللغوية ان بعض الجوامد اقرب الى التأنيث وبعضها الآخر ابعد منه ومن ثم اقرب الى التذكير او العكس, لكن ليس على اساس ان ذلك ما انبنى عليه النظام اللغوي, بل العكس هو الصحيح, وهو ان النظام ألجأ الى هذا النوع من التخيل وفرضه فرضا . ولا غرابة حينئد ان تختلف الجوامد, فيجري على بعضها اعتبار معين وعلى بعضها الآخر الاعتبار المقابل. ولا غرابة في الوقت نفسه في الا يضبط اعتبار الجنس اللغوي ضابط من نوع ما, كما قرر الباحثون فيما تقدم. ولذلك اختلفت اللهجات في اللفظ الواحد كما مر. على ان اللفظ الذي يجتهد في الوصول الى علة اعتباره مؤنثا مثلا كان سيسأل ايضا عن علة اعتباره مذكرا لو ورد كذلك, لانه لا سبيل الا الى احدهما. وعلى هذا يكون افتراض انبناء انقسام جميع الالفاظ الى مذكر ومؤنث على اساس العقلية السامية وخيالها الخصب, او التراكمات العقائدية والنفسية للقوم, افتراضا فيه ضرب من الميتافيزيقيا, وبه غير قليل من الخيال الخصب. والاهم من هذا انه يتجاهل الاسباب العلمية النابعة من اللغة ذاتها لا من خارجها, ويتجه الى نوع التأويل الممتزج بالذات, السابح في الخيال.
    وهذا النظام الذي اتخذته العربية وسبق بيانه كان سببا في ان العربية خالفت بعض اللغات الاخرى التي تعتد بالمحايد قسما ثالثا , ذلك انه لم يوجد فيها هذا القسم من اقسام الجنس. فكانت لها بذلك طريقتها الخاصة في التعبير عن الموجود خارجها. وبها عـد ت ذات سمة مميزة في التصنيف لما هو خارجها, كما انفردت الروسية ولغة البسا بسمتهما المميزة في النظر الى ألوان الطيف. على انه لا مجال لتفضيل نظام او طريقة في لغة على نظام او طريقة مغايرة في لغة اخرى, ولا مجال في الوقت نفسه للربط بين النظام المعين والطريقة المتبعة في لسان امة ما وبين التحضر والتخلف فيها, لا سيما اذا علمنا ان في اللغات من الكليات العامة ما يجعل اللجوء الى الحكم من خلال لغة قوم عليهم امرا غير ذي بال, كما تقرر اللسانيات.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 02, 2016 9:39 pm