منتدى معمري للعلوم

منتدى يهتم بالعلوم الحديثة والمعاصرة، خاصة منها العلاقة بين الطب الأصلي والطب المازي او كما يسمى الطب البديل - ولا أرام بديلا -،كما يختص منتداي في كل ما يختص بتحليل الخطاب: الأدبي والعلمي، ونظرية المحاكاة: سواء في الطب أو علم التغذية او في الفن.


    الأسطورة: التأويل الفلسفي

    شاطر


    تاريخ التسجيل : 31/12/1969

    الأسطورة: التأويل الفلسفي

    مُساهمة   في الثلاثاء يوليو 16, 2013 7:33 pm

    الأسطورة: التأويل الفلسفي

    (1/1)

    فينيق:
    الأسطورة: التأويل الفلسفي(2/1)

    بقلم: بول ريكور ترجمة : علي المخلبي



    لن نعتني هنا إلاّ بالقضايا التي تَهمُّ الفلسفة، أعني قضايا المعنى والحقيقةِ، وسنترك جانبا المناقشات المُعاصرة حول الأسطورةِ في علم الإناسةِ وفي تاريخِ الأديان المُقَارَنِ، وسنترك أيضا الأسئلة المتعلقة بالأصلِ، والتطوّر، والوظيفة الاجتماعيةً. لا يتعلّق الأمر إذن بوَضْعِ الأسطورةِ على الطّريقِ التي من المُفتَرَضِ أن يكون الدين قد قطعها منذ أشكاله الأكثر بدائية حتى الأديانِ المتقدمة، ولا أَنْ نَتساءلَ كيف تتموقع الأسطورة، باعتبارها حقيقة اجتماعية ثقافية، ضمن مجموع الظواهر الاجتماعية. ولن نتناول أيضا الحوار الذي فتحه مؤسسو الإثنولوجيا الدينية الخاص بمعرفة ما إذا كانت الأسطورة تمثل مرحلة قبل- منطقية، وما إذا كان شكل تفسير الأشياء الذي تعتمده دالا على عقلية بدائية متمنعة عن منطقِ الشعوب المُتحَضَّرة. سيُنظر إلى الأسطورة هنا باعتبارها شكل خطاب يُنَمِّي ادّعاء المعنى والحقيقةِ. ولمّا كانت الفلسفة هي الميدان الآخر الذي يطرح فيه سؤال المعنى والحقيقة بشكل جذريّ كان السؤال عن ادعاء الأسطورة هذا في علاقته بالخطاب الفلسفي؟

    إنّ الواقعة الأولية التي منها تنحدر كل النقاشات اللاحقة هي أنّ الأسطورة مهيأة لتقييمين متقابلين، وكأنما للعقل "غرضان" متضادان يتواجهان داخلها. فالعقل من ناحية يدين الأسطورة، يقصيها ويطاردها؛ وقد بدأ أفلاطون الكتاب الثاني للجمهورية بوجوب الاختيار بين الميتوس واللوغوس، وذلك قبل أن يبتكر هو نفسه أساطير، رغم أنّ الأمر لم يكن متعلقا إلاّ بأساطير هوميروس وهزيود وبفنّ التراجيديا؛ غير أنّ عداء الفلسفةِ للأسطورة عداء مبدئيّ: إذ البحث عن الأساس، وعن حكمة الوجود، يقصي حكاية الأخبار. ينبغي إذن أخذ الأساطير باعتبارها مجازا، أي أخذها باعتبارها لغة غير مباشرة تختفي داخلها حقائق فيزيائية وأخلاقية أصيلة؛ والإمساك بهذه الحقائق من تحت الكساء الأسطوري يجعل هذا الكساء، وقد انخرم، غير ذي جدوى؛ هكذا صنع السفسطائيون ردّا على حماس أفلاطون الشابّ.

    هذا الرّفضُ العقلانيُّ للأسطورةِ، وقد ظاهره المدافعون المسيحيون عن المسيحية ضد الوثنيين، قد انقلب على المسيحية ذاتها بفعل عقلانيي القرن الثامن عشر: فـ"الخرافات" إمّا أن تكون صبيانيات، وإمّا أنها، على العكس من ذلك، أمثولات محكمة اخترعها القساوسة لخداع الشعب. إن تأويلات القرن التاسع عشر الوضعية تندرج ضمن نفس التوجه، باعتبار أن العلم الحديث وريث اللوغوس اليوناني. فالأساطير التي اكتشفها علم الأديان المقارن، وخصوصا في المجالين الكبيرين: المجال السامي من ناحية والمجال الآري والإيراني من ناحية أخرى، والأساطير الحية التي اكتشفتها الإثنولوجيا كالأساطير الأسترالية والبولونيزية والهندية، تندرج كلها تحت الميتوس الإغريقي، مثلما أن العقل الحديث يندرج تحت اللوغوس الإغريقي. لقد استعاد العقل العلمي في مواجهة الأساطير غير الكلاسيكية حكم الفلاسفة القديم حول هوميروس وهزيود.

    إن النقد الحديث سليل ماركس ونيتشه وفرويد، رغم اختلاف استدلالاته عن تلك التي كانت للعقلانية الكلاسيكية، يندرج ضمن امتداد تطهير العقل للأسطورة.

    إنّ المفارقة في هذه المواجهة أنها لم تستطع أبدا القضاء على الخصم؛ فأفلاطون نفسه يكتب الأساطير؛ وفلسفته تصدر عن الأسطورة الأورفية(1) وبطريقة ما، تعود إليها؛ شيء ما يقول لنا إن الأسطورة لا تستنزفها وظيفتها التفسيرية، وإنها ليست فحسب طريقة قبل-علمية للبحث في الأسباب، وإن الوظيفة التمثيلية نفسها لها قيمة أولية استكشافية بخصوص بعض أبعاد الحقيقة التي لا تتماثل والحقيقة العلمية؛ فمن الواضح أن الأسطورة تعبر عن قوة خيال وعرض لم نقل عنهما شيئا بعد لشدة ما اقتصرنا على اعتبار هذه القوة "سيدة الخطإ والبهتان". لقد تعامل الفلاسفة العظماء، سواء كانط أو شيلينغ أو هيجل أو برجسون أو هايدغر، مع قوة الخيال هذه. ومهما كانت الإجابة التي يقدمونها عن التساؤل حول كون نوع الخيال الأنطولوجي الذي تتضمنه الأسطورة هو في النهاية أقلّ درجة من الحقيقة القائمة على النظام المفاهيمي، فإن تفكيرهم المشترك يهدف نحو غرابة متعالية ليست الأسطورة إلاّ انبثاقا عنها.

    ليس الرهان تحديد وضع الأسطورة فحسب، بل تحديد وضع الحقيقة التي نقترح أن نقيس الأسطورة بها؛ فالسؤال في النهاية هو معرفة هل أن الحقيقة العلمية هي كل الحقيقة، أم أن الأسطورة تقول شيئا لا يمكن أن يقال بطريقة أخرى؛ ولن تكون الأسطورة عندئذ مجازا allé-gorique بل ستكون، حسب عبارة شيلينغ، عَيْنِيًّا "tauté-gorique":(2) أي أن الأسطورة تقول الشيء عينه وليس شيئا آخر. وهكذا، وضمن النقاش حول الأسطورة، يبقى السؤال نفسه حول الحقيقة معلقا.

    إن التناقض هو الآتي: فمن جهة يتعارض الميتوس واللوغوس، ومن جهة أخرى يتلاقيان، حسب الإيتيمولوجيا القديمة التي تماثل بين الميتوس والكلام.

    1- لغة الأسطورةِ:

    إذا كانت الأسطورةَ قبل كل شيء شكلا من الخطابِ، فالواجب بادئ ذي بدء أن تدرج في إطار العلوم السيميولوجية. هذه العلوم، والتي تمثل الألسنية فيها رأس الحربة، توفر فعلا لكل علوم الإنسانِ نماذج ذات كفاءة عالية. غير أنه يوجد طريقتان لوضع الأسطورة في الخط المتواصل للألسنية، والطريقتان تعيدان، بوجه ما، وضمن المستوى السيميولوجي، التناقض الذي قلنا منذ حين إنه يهيمن على مجموع العلاقات بين اللوغوس والميتوس: هكذا سنطبق على الأسطورة، تباعا، الأنموذج البنيوي، النابع من الصوتمية والعلائمية البنيوية والذي سيؤدي إلى التشديد على نسيج الأسطورة التركيبي، ثم أنموذج سيرورة المجاز، والذي يقود إلى إبراز اللعبة الداخلية للمحتويات السيميائية ذاتها. سنحاول جاهدين بيان أن هذين الأنموذجين، لا يقصي أحدهما الآخر، بل يتكاملان؛ وسنبين طرق المرور من أحدهما إلى الآخر.

    * الأنموذج بنائي

    بالنسبة إلى كلود ليفي ستروس، أهم ممثلي هذه المدرسة في فرنسا، يجب أن ننظر إلى الميثولوجيا باعتبارها "ميثو- منطق"، أي باعتبارها واضعة نوع من المنطق لا يمكن أن يُسْمع إلاّ إذا لجأنا إلى الافتراضات الرئيسية للأنموذج البنيوي للغة.

    وطبقاً لهذا الأنموذج، الذي وسعه ف. دي سوسير F. de Saussure ، ول. ت. يلمسلاف L. T. Hjelmslev وبنيويو مدرسة براغ، والشكلانيون الروس، فإن الألسنية لا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أحداث اللغة بل قواعدها؛ ومع ذلك، وضمن هذا التقابل بين اللسان والكلام، لا تنتبه النظريةُ البنيوية إلاّ إلى حالات النظام في فترة معينة، بعبارة أخرى لا تنتبه إلاّ إلى تكوين هذا النظام الآني لا إلى تغيراته وتاريخه وزمانيته (وهذه الفضيلة الممنوحة إلى النظام على حساب التاريخ ذات أهمية عظمى بالنسبة إلى ما سيلي من نقاش)؛ والتحليل البنيوي، من جهة ثالثة، لا ينتبه في نظام اللسان إلاّ إلى علاقات التقابل والتوليف بين العناصر، أي لا ينتبه إلاّ إلى "الشكل" سواء كان دلاليا أو صوتميا لا إلى "الجوهر"، (ولهذا التوجه الشكلاني للتفسير ثقل كبير في مسألة الأسطورة)؛ وأخيرا من جهة رابعة، يجب أن يؤخذ النظام باعتباره مجموعة مغلقة على ذاتها، بغض النظر عن المرجع الواقعي، وعن نفسية المتكلمين واجتماعيتهم.

    كيف نضع الأسطورة في بادئ الأمر في علاقتها بالتقابل لسان- كلام؟ تأتي الأسطورة للوهلة الأولى، في صف الكلام باعتبارها نوعا من السرد تتلاحق أطواره في زمن غير قابل للنكوص؛ ولكنها تأتي في صفّ اللسان عبر تنظيم عناصره، الذي يصنع نظاما زمنيا واقعا ضمن زمن الأنظمة القابل للانعكاس. إنها مهمة تفسير العبور من الأسطورة المحكية في زمن متعاقب إلى البنى الثابتة التي لا تحكم الوحدات المتعاقبة لسرد أسطورة في رواية معينة فحسب، وإنما تحكم كذلك المدونة الكاملة المكونة من مجموع روايات الأسطورة ذاتها وتنويعاتها.

    هذا الاختيار الأوّل يرتكز على فرضية أن اللّغة، في كل مستوياتها، متجانسة؛ بعبارة أخرى، إن نفس قوانين التقابل والتوليف تحكم الوحدات الأصغر من الجملة (الصواتم phonèmes، والصياغم morphèmes، والمعانم sémantèmes) والوحدات الأكبر من الجملة والتي سنسميها في الإطار الخاص بالأسطورة، المياثم mythèmes (وذلك لتأكيد تجانس كل الوحدات المكونة للغة).

    ما هي هذه المياثم؟ إنها أقصر جمل ممكنة، أي أنها علاقات إسنادية؛ وهكذا فكل قصّة مصنوعة من سلسلة من هذه الجمل. ولإظهار البنية الثابتة التي تربط بينها (ومن ثمة لكي نطبق على الأسطورة ثاني الفرضيات المذكورة أعلاه) نصنع قوالب تمكن من القراءة، على طريقة التقسيم الأوركسترالي، لجدول المياثم المزدوج المدخل: فقراءة الخانات العمودية تظهر "مجموعات العلاقات" التي تضعها القراءة الأفقية داخل تنوع العلاقات التوليفية.

    وهكذا وفي إعادة بناء أسطورة أوديب تتوزع المياثم على أربع خانات عمودية: ففي الأولى، نضع العلاقات العائلية التي يبالغ في تقديرها (يتزوج أوديب أمه، وتدفن أنتجونة بولينيس)؛ وفي الثّانية، نضع العلاقات العائلية غير المحترمة أو المضادة للقيم (أوديب يقتل أباه، وإيتوكل يقتل بولينيس)؛ وفي الثالثة، نضع المياثم التي تنكر انتساب الرجل إلى الأرض، أصله الأوّل، ( جرائم قتل الوحوش)؛ وفي الرابعة أخيراً، نضع المياثم التي تذكر بأن الإنسان منغرس بشكل ما كأنه نبات (قدم أوديب المنتفخة).(3)

    إذا اعتبرنا الآن التوليف الذي يخرج من صلات التقابل بين مجموعات العلاقات، ظهر بأنّ الخانة العمودية الرابعة تمثل بالنسبة إلى الثالثة ما تمثله الثانية بالنسبة إلى الأولى. يعلن هذا التوازنُ في النِسَبِ القانونَ البنيوي للأسطورة المعنية؛ وهكذا أُرْضِيَتْ الفرضية الثالثة للتحليل البنيوي: إذ أبعد "الجوهر" لصالح "الشكل"؛ تبدو الأسطورة، حقاً، أداة منطقيّة تقيم وساطات واتصالات بين تعابير متناقضة؛ وهذه الوساطات ذاتها تمثل انقلابات واستبدالات، تدخل ضمن مجموعات التّحويلِ؛ ويمكن القول إن الأسطورة، في وظيفتها المنطقيّة ( ويمكن منذ الآن الحديث عن "فكر أسطوري") "يبدأ من الوعي ببعض التقابلات وينحو نحو وساطتها المتنامية" (الإناسة البنيوية).

    هذا البناء المنطقي يتهيَّأ لمعالجة رياضية بنفس القدر الذي تخضع فيه مجموعة التحول المعنية لقانون المجموعة. يجب أن نخلص إذن إلى "أن موضوع الأسطورة هو توفير أنموذج منطقي لحلّ تناقض" (المرجع نفسه)؛ وهذا المنطق لا يختلف في النهاية عن منطقنا، إنه يطبّق على أشياء أخرى لا غير. ولقد أرضيت الفرضية الرابعة في نفس اللحظة التي أرضيت فيها الفرضية الثالثة؛ فنظام الأدلة نظام مغلق، كل العلاقات فيه علاقات تبعية داخلية؛ والإشارة إلى مرجع، أو إِلى متكلمِ، لا يؤثر في فهمه. ونحن أمام المثال الجيّد على ذلك هنا: إن التحليل البنيوي للأسطورةِ يُخْرجنا تماما من النقاش الكلاسيكي الخاص بدرجة حقيقة الأسطورة باعتبارها تفسيرا للواقع. وهذا لا يعني أن عالم الإناسة منغلق في بنية هي بنية الأسطورة؛ ولكنه يعني فقط أن ما نسميه "واقعا" لا يظهر باعتباره مرجعا للأسطورة، أي باعتباره ذاك الذي قالت حوله الأسطورة شيئا؛ والواقع، وبدرجة أولى، الواقع الاجتماعي مكوَّن هو نفسه من سلسلة من البنى الأخرى: مثال ذلك، بنى القرابة، بنى الجماعات والطبقات الاجتماعية، تصنيف النّباتات والحيوانات والأشياء، والأحداث، والوظائف. ويمكن أن تظهر، من بنية إلى أخرى، علاقات تماثل - بمعنى ترتيب متطابق للعناصر-. ويمكن لنظام هذه البنى الكامل أن يكوِّن، في النهاية، الظاهرة الاجتماعية الكلية. وليس مستحيلا، في مرحلة متقدمة من تطور العلم، أن نتصور أن تماثلات أخرى قد تظهر بين الأنظمة التي بينتها العلوم السيميولوجية والأنظمة التي ستكشف عنها الفيزيلوجيا اللحائية وعلم الوراثة. وسيكون هذا أبعد آفاق التفسير البنيوي للأساطير.

    هكذا إذن تجد بعض الخطوط الهامة للـ"ميثو-منطق" تدعيما على أساس تفسير بنيوي معمم: أولا انتساب الأسطورة، باعتبارها سردا، إلى مجموعة البنى السيميولوجية، ثانيا، الخاصية الشكلية لنظام التقابلات والتوليفات الذي يهيمن على مجموع المجال السيميولوجي، أخيرا، ولعل هذا هو الأهم، وظيفة الانتظامات، وهي وظيفة لاشعورية قطعا، التي تضمن خاصية النظام المنطقية. وإذا أصررنا على هذه النّقطة الأخيرة، فلا بد أن نقول إن الأسطورة ليست مقول قول الناس، بل هم بالأحرى، بما هم متكلمون، يسكنون فيها وليس لهم عليها من سلطان إلاّ ما بدا من سلطان كل متكلم على آثار المعنى في الأنظمة السيميولوجية.

    ورغم إغراء هذا التفسير، وصلابته، وإقناعه، فإن ما يمكن وضعه موضع سؤال هو ادعاؤه استنزاف ذكاء الأساطير؛ لقد أبعدنا من حقل اعتبارنا ادعاء الأسطورة قول شيء ما، وهو شيء قابل، باعتباره رؤية للعالم، أن يكون صحيحا أو خاطئا. فما تقوله الأسطورة حول الكون وأصل الإنسان وأصل الآلهة، لا يعنينا في شيء؛ إن الأسطورة ليست للفهم بل لفك رموزها (نفهم من هذا العملية التي تعاكس تلك التي نقوم بها عندما نؤول رسالة ما انطلاقا من شفرة معلومة؛ إننا هنا نستخرج الشفرة المجهولة من الرسالة المعلومة).

    ولكن هل يمكن أن نحذف قصد الأسطورة وهو طموحها إلى أن تقول شيئا عن الواقع. يمكن أن نجد داخل التفسير البنيوي ذاته أثرا، كأنه الجرح، لوجهة النظر التي يحذفها. إنها ترتكز فعلا على أنموذج جزئي للغة. وإيميل بنفينيست Emile Benveniste يصرّ في كل أعماله على ضرورة أن تُبْنَى اللغة على نظامين من الوحدات لا على نظام واحد. وهذه الوحدات هي، من ناحية، وحدات اللسان، بمعنى الصواتم phonèmes والصياغم morphèmes ( أو المعانم sémantèmes) وهي، من ناحية أخرى، وحدات الخطاب التي هي الجمل؛ وهذا الصنف الثاني من الوحدات لا يمكن رده إلى الصنف الأوّل. حقا، إن وحدات اللسان تنتمي إلى أنظمة الإمكان الخالص، في حين أن الوحدات الثانية هي قاعدة الأحداث الواقعية التي هي ملفوظات الخطاب؛ وتكوّن هذه الملفوظات - وبالعبارة النحوية الجمل- الإنتاج الحقيقي للغة باعتبارها الاستعمال اللامتناهي بوسائل متناهية؛ فبقدر ما كان النظام إمكانا بقدر ما كان فعل الخطاب زمنيا وراهنا.

    تحقق اللغة بهذه الوحدات التي من الدرجة الثانية تنويعا في العمليات، وهي عمليات تكسر التجانس الذي يفترضه كل تحليل بنيوي بين تتابع الملفوظ ذي الحجم الكبير وهو الجملة وبين الوحدات الأقل حجما؛ فالجملة ترتكز على عمليات منيعة مثل المرجع المعرف للأشياء المفردة، والعلاقة الإسنادية التي تتلقى، من خلالها، الوقائع المحدَّدَةُ خصائص أو سمات، أو تصَنَّفُ ضمن طبقات وأنواع. إن هذه الوظيفة المضاعفة للمرجع المحدد وللعلاقة الإسنادية هي التي تضمن إرساء اللغة في الواقع. وعبر هذه الوظائف، وهي وظائف خاصة بالجملة وهي تُكَوِّنُ الملفوظ بما هو ملفوظ، تقول اللغة شيئا ما عن شيء ما، في نفس الوقت الذي تُحْدِثُ فيه ذاتَ خطابٍ قادرةً على أن تشير إلى نفسها باعتبارها الأنا داخل الملفوظات ذاتها.

    إن إبعاد هذه الخصائص للغة من الأنموذج البنيوي له آثار هامة على تأويل الأساطير؛ ذلك أن المسار المجازي (انظر أسفله)، باعتباره تحويلا للمعنى الذي يمثل جذر كل لغة غير مباشرة، ينتمي إلى نفس مجموعة الخصائص التي ينتمي إليها الإبداع، والمرجع، والإسناد والإرجاع إلى ذات في الخطاب من خلال تعيينها. إن تحويل الدلالة، وهي لب المجاز، ليست سمة من سمات البنية اللغوية، ولكنها سمة من سمات عملية الخطاب.

    يمكننا أن نتساءل ألم يلجأ التفسير البنيوي ضمنيا إلى معنى العناصر أو العلاقات. لأن غير ذلك سيكون غريبا، بما أن الأسطورة خطاب بمعنى مجموعة ملفوظات، أي جمل؛ فعلا، إنه لمن الضروري أن نفهم كل عنصر في الأسطورة باعتباره جملة حتى نستطيع دمجه في حزمة من العلاقات التي تُكَوِّنُ الميثم. ثم يجب علينا بعد ذلك أن نفهم ما يُوَحِّدُ في كل خانة الميثم فيجعله حزمة علاقات: علاقات أسرية تدعو إلى الإجلال وأخرى تدعو إلى الإذلال، أصالة الإنسان وعدم أصالته الإنسان؛ أخيراً، إن "الصّعوبة" التي من المفترض أن تعالجها الأسطورةُ باعتبارها آلة منطقيّة هي بدورها "معنى"؛ إنه تناقض في مستوىِ الاعتقادات: الاعتقادات في الأصالة مع الاعتراف بنشأة الإنسان من اتحادِ الرّجلِ والمرأة، الخ. إن السؤال الثاوي في الأسطورة، حتى وإن صغناه الصياغة التالية: "هل يُولَدُ المِثْلُ من المثل أم من الآخر؟"، يبقى سؤالا يخص أصل الإنسان، سؤالا له معنى باعتباره سؤال وجود، وليس باعتباره فرصة للعبة منطقية لا غير؛ وإلاّ فإن التقابلات المقترحة تفتقد في حد ذاتها كل معنى. هل كان من الممكن أن نفهم، دون أن نكون داخل مستوى المضامين ذاتها، هذه العبارة: "إن الاعتناء الزائد بالقرابة الدموية يكمن في تقييم دُونِيٍّ لهذه القرابة، مثلما أن مجهود الهروب من الأصالة يكمن في استحالة النجاح فيها"؟ لن يكون ممكنا أن نجد بنية مضادة إذا لم تكن للجمل الأولية، وللجمل التي من درجة ثانية وهي مجموعات العلاقات، وللجملة الحاوية والتي تمثل القضية والمعضلة، في حد ذاتها، دلالةٌ، بمعنى إذا لم تكن تقول شيئا عن شيء. ويمكننا عندئذ أن نتساءل إن لم يكن التحليل البنيوي يقوم على وضع الوظيفة الدلالية الخاصة بالأسطورة باعتبارها حكاية البدايات بين قوسين.

    هذا النقد لا يعني أن التحليل البنيوي لا طائل من ورائه، بل على العكس، يمكننا التأكيد، من الآن، أنه يمثل، مرحلة أساسية لإظهار ما سنسميه بـعلم الدلالة العميق للأسطورة، هذا العلم الذي يفلت من قراءة تبقى على سطح المعنى. فهنالك قصد للمعنى موجود في مستوى مغاير من العمق لا يمكن إظهاره إلاّ عبر لعبة التقابلات بين العلاقات الأسرية الجليلة والعلاقات الأسرية المحتقرة، وبين الإقرار بالأصالة ونفيها. أمّا علم الدلالة العميق هذا فإنه يمكن أن نعتقد أنه لا يختلف جوهريا عن "الأفكار" التي يمكن أن نصوغها في المستوى الواضح من الوعي. فكما أنه لا وجود، حسب ليفي ستروس، إلاّ لفكر منطقي واحد، فلا وجود إلاّ لعلم دلالة واحد، هو هنا علم دلالة البداية.

    * الأنموذج الاستعاري:

    يمكن للأنموذج الثّاني للّغةِ أَنْ يرتبط بالأول. لقد كنا نقول إن الملفوظ، بما هو فعل خطابي، هو الذي يَحْملُ المعنى والمرجعية: ما نقُولُه وعمّا نقُولُه. ويجب الآن أن نضع السياق الاستعاري الذي تستند عليه الأسطورة داخل إطار علم الدلالة هذا. هذا العلم الذي بيَّنَّا منذ حين استحالة إخضاعه لـ"علم المعنى" (هذا المصطلح أُخِذَ من بينفينست الذي يربط بعلم المعنى sémiotique كل ما يخص وحدات اللسان وبعلم الدلالة sémantique كل ما يخص وحدات الخطاب، أي الملفوظات).

    لنَبْن بشكل تدريجي هذا الأنموذج الجديد: قبل الاستعارات التي نَجدها في لغتنا والتي هي من مشمولات البلاغة، هناك ما يسميه رومان جاكوبسون بـ"المسار الاستعاري". فنظرية المسار الاستعاري تواصل تمييزا بَيَّنَهُ سوسير في إطار آلية اللسان. وتعني هذه الآلية في رأيه نوعين من التوليفات بين الأدلة: النوع الأول ذو خاصية تركيبية يرتكز على نظام تتالي الدوال ضمن سلسلة واحدة من الملفوظات. إنه اتصال بحسب الحضور in praesentia، والنوع الثاني ذو خاصية استبدالية يرتكز على علاقات التشابه المكونة لدائرة الترابط التي أَنْهَلُ منها. حقاً، إن لي، كلما تقدم بي الخطاب، وفي كل لحظة، الخيارَ بين كل الكلمات التي يمكن أن تحتلّ نفس المكان من الخطاب، والتي تدفع، في المقابل، كل واحدة منها الأخرى عنه. إن العلاقة بين التعابير هنا ليست علاقة بحسب الحضور in praesentia بل هي علاقة بحسب الغياب in absentia. يدفع جاكوبسون هذه الثنائية نحو معنى جذري: إنه يرى في النوع الأولِ من التوليف مبدأ كل السّلاسل التركيبية للّغةِ، وفي الثّاني، مبدأ كل السلاسل الدلالية. والنوع الأول من التوليف، الذي يُذَكِّرُ بالترابط عبر الاتصال، يُقَابِلُهُ في المستوى البلاغي سياق الكناية. والسلسلة الدلالية التي ترتكز على التماثل يُقَابِلُهَا ما كانت البلاغة القديمة تسميه الاستعارة. وهكذا ليست الاستعارات في لغتنا إلاّ تعبيرات، في مستويات أرقى من الخطاب، عن مسار متضمن في كل العمليات اللغوية وهو مسار يمكن تسميته بالمسار الاستعاري. وبهذا المعنى ليست الاستعارة أمرا استثنائيا، إنها مرتبطة بعملية أساسية في اللغة.

    الخطوة الثّانية نحو المشكل الخاص بالأسطورة يرتكز على إدراج ظاهرة أدقَّ هي ظاهرة المعنى المتعدد، والتي تسمى عادة بتعدد الدلالة. فعلا إن كلمات اللغة العامية لها أكثر من معنى. ففي مقابل اللغات التقنية التي ترتكز على المعنى الواحد، أي وحدة معنى الكلمات، وعلى استقلالية هذا المعنى بالنظر إلى السياق، فإن لكلمات اللغة العادية أكثر من معنى وتجد في السياق ما يحدد لها تخوم قيمتها الدلالية الراهنة. هذه الخاصية المزدوجة ليست "عيبا" في اللغة العادية أو "مرضا" بل هي شرط عملها. فعلى اللغة مُوَحَّدَة المعنى أن تكون لامتناهية لكي تقول التنويعات اللامتناهية لخبرتنا. ومع ذلك فقد تكون هذه اللغة لغة خاصة، بما أن كل هذا وذاك ممّا ينبغي تسميته لا يمثل خبرة لانهائية فحسب بل تعددا غير مضبوط للخبرات الفردية الخاصة. ولذلك لا يمكن للغة مُوَحَّدَة المعنى أن تكون لغة تواصل بالنسبة إلى الخبرة الإنسانية الإجمالية. أخيراً، إنَّ لغة مُوَحَّدَة المعنى بشكل كامل قد تكون لغة ظرفية لا تعكس المسار التراكمي الخاص بثقافة فعلية. إن الكلمات القادرة على اكتساب معاني جديدة من خلال الاستعمال، دون تضييع معانيها القديمة، هي وحدها التي تمثل هذه الخاصية التراكمية، الآنية والزمانية، التي تميز لغة الثقافة.

    كيف يؤدي مشكل المعنى المتكاثر هذا إلى تَعَقُّلِ اللغة الرمزية؟ إن تعدد المعنى، بالنظر إلى أن كلماتنا تحتمل أكثر من معنى، وإلى أنها حقائق تاريخية وليست مجرد اختلافات راهنة داخل نظام آني، وإلى أنها، من ثمَّ، قلب المسار التراكمي عبر الزمن، يمثل أساس الظاهرة الخاصة التي تقوم على نقل المعنى والتي نسميها "الاستعارة". إن الاستعارة ليست مجرد مسلك بلاغي، فهنالك "استعارية" أساسية تدفع إلى تشكيل حقول دلالية.

    لقد كان أرسطو في كتابه الشعر قد اعتبر أن الاستعارة هي ذلك التجاوز الخاص بالمقولات والذي يمثله "نقل اسم شيء إلى شيء غيره، وهو إمّا نقل من الجنس إلى النوع، أو من النوع إلى الجنس أو من النوع إلى النوع، أو من خلال القياس". إن الاستعارة تقتحم تصدعات التصنيفات، وهكذا نسمي الشيخوخة "مساء الحياة"، والشباب "فجر العمر". والاستعارة لا تقتحم حدود الأجناس والأنواع فحسب بل إنها تسبق عملية التقطيع باعتبارها "مقارنة مجملة" مثلما لاحظ ذلك كوينتيليان Quintilien. ثمة ما يمكن تسميته بـ"التجريد الاستعاري" الذي يرسم قبل كل مفهمة وتصنيف منطقي حدود محيط دلالة الكلمات. وهكذا فإن الاستعارة هي، كما رأى ذلك بدقة جاكبسون، وقبل أن يكون هنالك معنى حقيقي ومعنى مجازي، المسار التكويني للحقول الدلالية ذاتها.إننا إذ نتحدث، في البلاغة، عن نقل معنى من الحقيقي إلى المجازي، فإننا نتحدث عن معنى فرعي. فالتمييز بين الحقيقي والمجازي تمييز ثانوي بالنسبة إلى انتمائهما المشترك إلى حقل دلالي واحد.

    لنقم بالخطوة الموالية: كيف نمر من تعدد معاني كلماتنا إلى الخاصية الرمزية لخطابنا. عندما أستخدم كلمة لها معاني عديدة، فأنا لا أستعمل كل قدرات الكلمة، بل أختار جزءا فقط من المعنى. ولكن ما بقي من المعاني لم يختف. إنه، إن أمكننا القول، معوق ويحوم حول الكلمة. وهنا نجد إمكان التلاعب بالكلمات، وإمكان الشعر، واللغة الرمزية. وبالفعل، فعوض أن لا نحتفظ من الاتساع الدلالي للكلمات التي تكون الجملة إلاّ بالبعد الذي يدعمه "موضوع الخطاب"- وهو ما يمكن أن نسميه بقطبه الدلالي - فإنه يمكنني أن أستخرج من الثراء الدلالي الذي بين يديّ تأثيرات سياقية من جنس آخر. وهكذا فإن كل أبعاد المعنى في اللغة الشعرية، تتشارك في نوع من تعدّد نغمات دلالية. فبدل أن يمحِّص السياق بعدا معنويا واحدا، فإنه مكوَّن بشكل يجعل تكاثر معنى الكلمات لا أمرا مباحا فحسب، بل مصانا ومنشودا.

    هنالك، إذن، ثلاثة أشياء ينبغي تمييزها في عمل اللغة الرمزية: المسار الاستعاري العام للغة، وظاهرة المعنى المتكاثر أو تعدد الدلالات، ثم البنية السياقية التي، عوض أن تقدم نوعا من تمحيص المعاني، تؤسس تعدّد نغمات في مستوى الخطاب ذاته. هكذا تنشأ اللغة الشعرية التي هي الأقدر على قول ما لا يمكن الوصول إليه مباشرة، وإنما لا نصل إليه إلاّ عبر منعطف الدلالات غير المباشرة. بقي أن نبين أن الرمزية الثاوية في الأسطورة تستند على هذا النوع من بناء المعاني وهو بناء لا يمكن أن تعتني به إلاّ نظرية في اللغة تعتبر اللغة خطابا لا مجرد نظام علامات.

    يفترض التأويل الاستعاري للأسطورة أننا لا نتوجه مباشرة إلى شكل السرد، وإنما نركز على التركيبة الرمزية للتعابير المؤسسة للخطاب الأسطوري. وهو ما يقوم به التحليل البنيوي عندما يقسم الأسطورة إلى مياثم. ولكن التحليل البنيوي يفترض مسبقا أن وحدة تركيب ميثم هي بدورها واقعة بنيوية وهو ما يمكننا الشك فيه. فالمسار الاستعاري كما يُفْهَمُ من المثال المقدَّم أعلاه، مورط في عملية التمييز بين حزم العلاقات التي يحيل عليها التحليل عبر المياثم. وبذلك يمكن الافتراض أن الجانب البنيوي والجانب الاستعاري متلاصقان بقوة في التعبير الأسطوري، كما هو حال مسار الكناية ومسار الاستعارة في كل لغة، حسب جاكبسون.

    وكما أن هذين المسارين يمازج كل واحد منهما الآخر، بنسب متفاوتة بكل خطاب، بحيث يسود أحيانا مسار الكناية وأحيانا أخرى مسار الاستعارة، فإن العالم الأسطوري يبدو قادرا كذلك على أن يتوزع على قطبين يتحددان إمّا بحسب غلبة العامل النحوي أو بحسب غلبة العامل الاستعاري. وليس من الصدفة أن تؤخذ أمثلة ليفي ستروس من الحقل الجغرافي الذي اعتبره علماء الإناسة في الجيل السابق الحقل الطوطمي، وليس من الحقول السامية أو الهيلينية أو الهندو-أوروبية. يبدو الحقل الثقافي الطوطمي مخصوصا بتكاثر التركيبات المنطقية ذات اللون التصنيفي. فالطوطميون، كما بين ذلك ليفي ستروس، بارعون في تمييز الحجارة، والنباتات والحيوانات وتصنيفها، وهم بارعون أيضا في نُظُمٍ معقدة للقرابة، بل إن أنظمتهم الاجتماعية ترتكز على تصنيف المعاملات وعلى تحويلات دقيقة تشترك جميعها في الخاصية التصنيفية ذاتها التي تقوم عليها الأساطير نفسها. والسؤال المطروح ألم تجد المقاربة البنيوية في الحقل الطوطمي موضوعا مناسبا، نمطا من الأسطورة تكون التقابلات والترابطات فيه أقلّ أهمية من المضامين. ولهذا السبب فإن اللجوء إلى المسار الاستعاري، في هذا المثال القيِّم، يمكن أن يبقى ضمنيا ومندمجا بطريقة ما داخل المسار النحوي.

    وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الطرف الآخر من المدى الأسطوري: فالأساطير الساميّة وأساطير ما قبل العصر الهيليني مستعدة، لا شكّ، مثل غيرها، لنفس المعالجة البنيوية، ولكن الصلة فيها بين المسار النحوي والمسار الاستعاري تبدو مقلوبة فعلا. فالتنظيم النحوي فيها ضعيف، والتماسك بين التصنيفات الطبيعية والاجتماعية أكثر مرونة. وفي المقابل فإن ثراء هذه الأساطير الدلالي يمكِّن من ولادات جديدة، ومن استئناف التأويل في سياقات اجتماعية مختلفة. وفي نفس الوقت فإن علاقة هذه الأساطير بالزمن والتاريخ متباينة. وهكذا فللنظم الطوطمية تَنَاغُمٌ آني وهشاشة زمانية؛ فهي لا تقاوم فعل الزمن المدمّر، فالأحداث، بالنسبة إليها، تهديد، ولذلك توفر بصعوبة أسس تاريخ قابل لأن ينظر إليه على أنه كذلك. أمّا علاقة التنظيم الداخلي بالزمن في الطرف الآخر من المدى الأسطوري فمختلفة تماما. فموضوع الخروج في العهد القديم غني بِطَاقَةٍ رمزية لامتناهية. ولذلك كان قابلا لأن يعاد في مستويات مختلفة من وجود الشعب، بل وفي مستويات مختلفة من الخطاب كذلك، بما أنه قادر على أن يُمَثَّلَ في نوع من السرد التاريخي أو أن يُحْتَفَلَ به في نشيد. وصلة موضوع الخروج بالأنظمة التصنيفية أقلّ من صلته بتاريخ مؤَوِّلٍ، من ناحية، وبلاهوت السُنَنِ بالنسبة إلى شعب إسرائيل القديم، من ناحية أخرى. فالرموز المهمة التي تنتمي إلى نفس المرحلة لا تستنزِفُ معناها في توليفات راهنة، فمعناها كامن كمون معنى حقلٍ دلالي متعددةٌ جوانبُ تحديدِهِ. إنه في محلّ مدَّخَرٍ، موردٌ يُقَدَّمُ لاستعمالات لا تنقضي جدَّتُها ضمن إطار بنًى جديدة.

    لا ينبغي رغم ذلك أن نوغل في هذه المقابلة؛ فكما أن المسار الاستعاري ومسار الكناية حاضران في كل خطاب، وإن بنسب متفاوتة، فإن التفسير الذي يعتمد البنية والتأويل الرمزي، يقبلان التشابك بنسب متفاوتة في كل أسطورة. ولذلك لا بدّ من العناية عناية كبيرة بالطريقة التي يحيل من خلالها تفسير على آخر وفق ضرورة داخلية خاصة. ولقد بينا ذلك أعلاه من خلال ربط التأويل الرمزي بالدلالية العميقة التي لا يمكن إبرازها إلاّ عبر تحليل بنيوي مسبق.

    2- قصد الأسطورة الدلالي:

    الأسطورة باعتبارها حكاية البدايات.

    إذا كانت الأسطورة خطابا بمعنى تسلسل ملفوظات أو جمل تحمل معنى ومرجعا، فلا بد من الإقرار بأن الأسطورة تقول شيئا عن شيء. ومقول القول هذا هو الذي ينبغي عزله الآن. وسنتبنى هنا فرضية العمل القائلة بأن الأسطورة هي "حكاية البدايات". هذه الخاصية لم يبرزها التحليل البنيوي ولا التأويل الاستعاري وإنما هيَّآ لبروزها. وذلك لأن الأوّل غير قادر على التمييز بين فولكلور وأسطورة، لأن هذا الاختلاف يتعلق بالمضمون نفسه وليس بالشكل. أمّا المسار الاستعاري فإنه لا يحدد مضمون الاستعارة وهو بهذا المعنى يبقى شكليا جدا. سنحتفظ هنا، مع مارسيا إلياد Mircea Eliade، بكون الأسطورة، بما هي تاريخ البدايات، لها أساسا وظيفة تأسيسية؛ إذ لا توجد الأسطورة إلاّ إذا كان الحدث المؤسس لا مكان له في التاريخ، وإنما في زمن قبل التاريخ in illo tempore. إن ما يكوّن الأسطورة هو بالذات هذه الصلة التي بين زمننا وذلك الزمن، وليس صنف الأشياء المعينة سواء كانت هذه الأشياء الواقعَ كُلَّهُ –العَالَمَ- أو قطعة منه، قاعدة أخلاقية، أو مؤسسة سياسية، أو نوع الوجود الإنساني الذي يقتضيه هذا الشرط أو ذاك، بريئا كان هذا الشرط أو ساقطا. إن الأسطورة تقول دائما كيف ولد شيء ما.

    تترابط في هذا التعريف المركزي مجموعة من اللوازم. اللازمة الأولى تخصّ صلة "التمثيلات" بالوظيفة التأسيسية؛ فالوظيفة ثابتة والتمثيلات متغيرة. ولذلك كان من الممكن تحقيق هذه الوظيفة التأسيسية عبر كائنات خارقة ذات طبائع شديدة التباين: كالآلهة، والرسل، والأبطال الخ؛ إن لصور هؤلاء في خطاطة تاريخ البدايات وظيفةً من درجة ثانية بالنسبة إلى الوظيفة التأسيسية؛ إنهم الشخوص الدرامية dramatis personae. إنهم هامون لأفعالهم لا لأعيانهم. إن تاريخ الأديان المقارن سيوجَّه وجهة سيئة إذا اعتنى بشكل مباشر بهذه "الصور"، وبهذه "التمثيلات"، فعاملها باعتبارها أشكالا أنثروبومورفية محضة؛ ينبغي، إذن، اعتبار هذه الصور، انطلاقا من حكاية البدايات، وجها من وجوه الوظيفة التأسيسية.

    إن ما أحدث الالتباس هو أن هذه الصور قابلة لأن تستقل بذاتها. فنحن نروي تاريخ الآلهة في أساطير متمفصلة articulées فنروي متى وكيف خلقوا، وتخلوا عن مخلوقهم، وانسحبوا؛ ونحن نروي كذلك كيف يتصارعون فيما بينهم، أو مع الوحوش، أو الكائنات الخارقة، أوالناس. والحق أن الأمر لا يخص الآلهة فقط، فكل الكائنات المقدسة بما في ذلك الأجرام أو عناصر كونية أخرى تستطيع هي أيضا الاستقلال بذاتها في علاقتها بتاريخ البدايات. وهكذا يقدم الكون الأسطوري أشكالا فوق طبيعية متكاثرة: كائن فوق طبيعي، نصف إله، ونصف إنسان؛ وبطل، أمير متروك، أنقذته المياه؛ وأعمال، وآلام، واستغلال، ومحن؛ فالقصدية الأسطورية نفسها يمكن استثمارها ضمن تشكيلات لما هو فوق طبيعي تتاخم على التوالي علم العقيدة، وعلم الفلك، وعلم الأبراج، والملحمة. يمكننا أن نتكلم في هذا الصدد عن امتداد مجازي أو تمثيلي للعالم الأسطوري؛ وعلى هذه الخاصية سيستند تقدير الأسطورة الفلسفي باعتبارها "تمثيلا" في المثالية الألمانية؛ ولكن كان لابدّ أن نربط منذ البداية الشكل المسرحي بالوظيفة التأسيسية؛ إذ أن الأسطورة لا تفقد تميزها عن بقية "النصوص" الخاضعة للتحليل البنيوي إلاّ عند تضخيم هذا الرابط أو قطعه.

    اللازمة الثانية تهمّ الوظيفة العملية للأسطورة؛ لقد أكدت عدة مدارس أنثروبولوجية على الرابط الدقيق بين الأسطورة والطقس. فالأسطورة، كما قالوا، ترسي الطقس عبر سَنِّ نماذج للأفعال؛ وهكذا وفي الميدان الخاص بالعهد القديم، بينوا العلاقة بين حكاية الخلق الكبيرة وطقس السنة الجديدة الذي تُقْرَأُ أثناءه الأسطورةُ ويُخْلَعُ المَلِكُ؛ وما سمته المدرسة الإسكندينافية، بـ"إيديولوجيا الملك" يرتكز على هذا التعاقب بين الأسطورة والطقس والملكية. هذا الرابط ينبغي النظر إليه ضمن مبدئه؛ لقد صار لحكاية الأصول قيمة الأنموذج بالنسبة إلى الزمن الحاضر لأن الأسطورة تنشئ العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن الأصلي: إذ هكذا نشأت الأمور في البداية، ومازالت اليوم على النهج نفسه. إن الأسطورة، من خلال قصدها الدلالي الأساسي، تسمح بأن تعاد وأن تُبْعَثَ في الطقس. وهذا الرابط، مثل سابقه، يتهيأ لانتشار عبر أسلوب مخصوص سيجعل من الشعائرية مسارا مستقلا بذاته. وعندئذ سيبدو الطقس هو الذي يحتوي الأسطورة، أو على الأقلّ لن تبدو الأسطورة سوى ركيزة الحكاية التي تؤسس الطقس. ونستطيع القول عندئذ إن الأسطورة تنتمي إلى مجموع الأسباب الموجدة للطقس. فإذا كانت الأسطورة قادرة، حقا، على أن تُبْعَثَ شعائريا فإنه يمكن أن ينظر إليها باعتبارها أمرا يسمح بالقيام بالطقس، ومن ثم، بإعادة الفعل المبدع. نجد هنا تسلسلا ذا دلالة: ففي البداية هنالك التاريخ الأساسي، فالأنموذج، ثم التكرار الشعائري. ولكن الصلة بين الزمن الأصلي والزمن التاريخي هي التي تؤسس هذا التسلسل.

    اللازمة الثالثة تهمّ التطبيقات النفسية للأسطورة، مثلما اهتمت اللازمة السابقة بالتطبيقات المؤسساتية. يمكن فعلا، أن ننتبه إلى قيم المقدس العاطفية من خلال الوظيفة التأسيسية لحكاية البدايات. فالصلة بين الزمن التاريخي والزمن الأصلي تطور مشاعر مخصوصة، هي تلك التي وصفها رودولف أوتو Rudolf OTTO في كتابه الشهير المقدس: لقد وضع أوتو أصلا للمقدس هو الشعور المزدوج بالخوف والحب الذي يباشر به الإنسان البدائي بالمُدْهِشِ الأَعْظَمِ. وَيُفْهَمُ هذا الأسلوب الوجداني الخاص بالمقدس إذا اعتبرنا أن الإنسان ينبعث عبر حكاية البدايات، من الزمن التاريخي إلى الزمن الأصلي، وذلك، وفي، نفس الوقت، عبر فعل الحكاية الذي من خلاله يصبح معاصرا للأصول، وعبر إعادة إحياء معنى الحكاية ضمن الفعل الطقسي. يمكننا أن نتكلم عن إعادة إحياء وجدانية باعتبارها مكملة للعنصر التمثيلي والعنصر النفعي الموصوفين أعلاه. "أن نحيى حسب" أسطورة، هو أن نكفَّ عن الوجود داخل اليومي فحسب؛ فالإنشاد والطقس يقدحان الاستبطان الوجداني الذي يُوَلِّدُ ما يمكن تسميته بالنواة الأسطورية-الشعرية للوجود الإنساني.

    يوفر تعريف الأسطورة، من خلال هذه اللوازم الثلاثة، باعتبارها حكاية البدايات، تمييزا واضحا بين الأسطورة والأمثولة. فالأمثولة لا تؤسس شيئا لا داخل الحكاية ولا داخل الفعل، ولا داخل العمق الوجداني. الأسطورة فقط هي التي تفعل ذلك.

    إن تعريف الأسطورة باعتبارها حكاية البدايات تعريف حصري رغم أشكال التوسع التي ذكرناها: التوسع المجازي أو التمثيلي، والتوسع النفعي، والتوسع الانفعالي. وسنعمل الآن على توضيح خاصية الانحصار هذه بمقارنة الأسطورة بأشكال أخرى من الخطاب تحقق هي أيضا وظيفة تأسيسية، ولكن بوسائل مختلفة عن حكاية البدايات. سنعتني على التوالي بالصلة بين الأسطورة و"حكاية الخلاص"، ما يعبر عنه الألمان بـ Heilgeschichte، وبين الأسطورة والحكمة، وبين الأسطورة والحكاية الأخروية.

    الهوامش:

    1- نسبة إلى الشاعر والموسيقي الذي ذكرته الأسطورة اليونانية (م).

    2- لم نجد ترجمة لعبارة شيلينغ هذه ولذلك سعينا إلى ترجمتها بعبارة "عينيّ". وقد ذكر شيلينغ هذه العبارة، على ما وجدناه في الموسوعة الفلسفيّة العالميّة، في مدخل إلى فلسفة الميثولوجيا في مقابل التصوّر المجازي، وذلك لضبط مفهوم تتحدّد فيه الظواهر الأساسيّة للعنصر الأسطوري، بذاتها، وليس بردّها، على طريقة المجاز، إلى ما هو أشمل منها. ويمثّل التأويل العينيّ بديلا عن التأويل المجازي للعالم الأسطوري، وهو ما يعني أنه تأويل ينظر إلى الصور الأسطوريّة باعتبارها إنتاجا ذاتيا للعقل والتي يجب أن تُفهَم بذاتها انطلاقا من مبدإ خاصّ يعطيها معنى وشكلا. وما دفعنا إلى اختيار كلمة "عينيّ" لترجمة عبارة شيلينغ إرجاع هذه العبارة الأمر إلى "الذات" في كليتها، من ناحية (وهو ما يفهم من السابقة tauté) وفي خصوصيّتها، من ناحية أخرى (وهو ما يفهم من تقابلها مع طريقة الفهم المجازي)، فعين الشيء ذاته بقطع النظر عن علاقاته وامتداداته. (م).
    JACOB, André, Encyclopédie Philosophique Universelle, II, Les Notions Philosophiques, P.U.F., p 2545.

    3- يستعمل ريكور عبارة plante وهي عبارة تدل على النبات وعلى باطن القدم في آن واحد. (م)


    عن موقع الأوان

    فينيق:



    الأسطورة وتاريخ الخلاص:

    يرتكز تاريخ الخلاص، وهو أنموذج عن الأدبيات العبرية وخاصة الكتب الستة L’Hexateuque، على منظومة سردية قريبة من الأسطورة، مع الاختلاف في البنية والقصد. ففي حين تربط الأسطورة الزمن التاريخي بالزمن الأساسي، يصل تاريخ الخلاص الإعلان عن الإيمان بسرد وقائع الإنقاذ. وما ورد في سفر التثنية (XXVI, 5-9) مثال قويّ على ذلك. إنه قطعا ليس حكاية أسطورية في المعنى الدقيق الذي ذكرناه منذ حين، إنه "حكايةٌ-اعترافٌ" يغطّي تاريخ إسرائيل منذ الهبوط إلى مصر إلى المنِّ عليهم بالأرض مرورا بالحدث المؤسّس وهو الخروج. هذا المقطع الكبير، المنظّم حول حدث مركزيّ، والمحدود بحدثين ظاهرةٌ زَمَنِيَّتُهُمَا، يكوِّن بنية متقبِّلة بالنسبة إلى حكايات وأخبار من أصول مختلفة، وجدت نفسها، بشكل ما، مدسوسة، في فضاء الحكاية الأمّ. وهكذا جاءت قصة الآباء البطولية، إضافة إلى وحي الاسم في جبل حوريب Horeb، ووحي وثائق التشريع الكبرى في سيناء، والمسيرة إلى الصحراء، لتحشر في البنية الأولى الممتدّة إلى ما لانهاية. ويمكننا أن نلاحظ مدى تنوّع الموادّ غير السردية: كالتجلِّي الإلهي والوثائق القانونية الخ. لقد انجذب محرّرو التراث الياهوهي yahwiste والإلوهيمي élohiste إلى مدار جاذبية الاعتقاد القديم الذي بدأه السلف الآرامي، بطل الهبوط إلى مصر، فوسّعوا الخطاطة السردية إلى الخلف بطريقة تستوعب، عبر امتداد متكرّر للشكل ذاته، إشارة الأجداد، ومجموع قصص الآباء البطولية، وأخيرا أساطير الأصول.

    إنّ خطابا يتميّز جنسه تميّزا كبيرا شأن حكايات الخلق، الواردة من العهد الثقافي الأكادي والسومري والكنعاني، استطاع أن يندمج في تاريخ الخلاص بفضل هذا التضخم للخطاطة السردية، وللنصوص التي أغنته، وللجاذبية التي سلّطها على وثائق أخرى. يمكن، من ناحية، أن نتكلّم عن تحويل الأسطورة إلى حدث تاريخيّ في علاقته بتاريخ الخلاص: فحدث الخلق جاء على رأس أحداث الإنقاذ باعتباره أوّل حدث للخلاص. ونحن نفهم كيف أصبح هذا ممكنا: إنّ قصص الآباء البطولية، كانت تُمَكِّنُ، إذ تصعد نحو جدّ أوّل، من التعامل مع أساطير الخلق باعتبارها مقدّمة لتاريخ الشعوب التي يصوّرها الآباء، وهذا التاريخ نفسه، كان يشغل محلّ المقدّمة، في تلاوة نصّ عقيدة الخروج. ويمكن أن نرى التحام شكليْ الخطاب في مستوى رسالة إبراهيم التي تغلق تاريخ البدايات وتدشِّنُ تاريخ الآباء.

    لكننا نستطيع، من ناحية أخرى، أن نتحدث عن أسطرة تاريخ الخلاص في ارتباطه بحكايات الأصل؛ فكلّ أسطورة هي، في المعنى الصارم للكلمة، أسطورة خلق: فقديما، في الأزمنة الأولى، خلق الله، أو خلقت الآلهة؛ فالأصل ونشأة الكون متزامنان إذن. ولكن الأسطورة تتوقّف عن كونها نشكونية cosmogonique، في المعنى الدقيق للكلمة، إذا اعتبرنا أفعال الخلق والتأسيس والمؤسسات، وقد جاءت بعد الخلق، خلقا متواصلا، إنّ حكاية النشأة الإنسانية l’anthropogonie تواصل النشكونية cosmogonie المندمجة هي ذاتها في حكاية الأصول. وهذه النشكونية تمتد، بدورها، إلى زمن الهدم، إلى زمن "اللاخلق" الذي دشّن هو أيضا أمرا، ألا وهو وضع الإنسان الحالي (بما هو): شرير، متألم، فانٍ؛ ومن هنا أساطير الكارثة الكونية، والتغيّرات العنيفة، والسقطات؛ ومن هنا كذلك ازدواج الأصل: إنسان كامل في الأصل، أو الإنسان الحالي الذي ظهر عن الكارثة الأولى.

    إننا نفهم كيف اصطدم تاريخ الخلاص، وإن كان له أصل مستقلّ مقارنة بالبنية الأسطورية، مع الأسطورة التي يحتويها. فالفعل المنقذ يمكن أن يكونَ خلقا جديدا، بداية من جديد. وأسطورة الطوفان في هذا المجال مثال مفيد؛ إنها أسطورة خلق مرتبطة بأسطورة عجز، بأسطورة هدم. وهكذا فكلّ حكاية تجدُّدٍ تغوص في قوّة الأسطورة بفضل هذا التقارب العميق: فكلّ شيء يبدأ في هذا العالم هو بداية عالم. إنَّنا لا نفهم الخلق إلاّ عبر إعادة الخلق، ولكن للخلق، في المقابل، هيبةَ ذلك الذي بدأ ذات مرة، في الزمن الأوّل il illo tempore. هذا سيؤدي إلى تحول كل القوة المجازية والخيالية، وكل قوة الأنموذج الأول للطقس، وكل الانفعال العميق الخاص بالمقدس، نحو الخلق الجديد. إنّ أهمّ مسألة تطرح على نقد الكتاب المقدّس هي فهم كيف تحمّلت البنية الخاصة لتاريخ الخلاص قوى الأسطورة (قوى تمثيلية، واستبدالية، وانفعالية). إنّ تركيز شعب عبر الفعل المنقذ يصبح إذن المفتاح التاريخي للخلق قبل التاريخي.

    * الأسطورة والحكاية الأخروية Eschatologie:

    هنالك حدٌّ ثانٍ لمجال الأسطورة يحتاج إلى اكتشاف: إنه الحدّ الذي يجمعه بالحكاية الأخروية؛ هنا أيضا نحن أمام شكلين من الخطاب متمايزين، موجّهين بقصدين دلاليين ذوَيْ سمات مختلفة، ولكنّهما تَمَكَّنَا من الاندماج بفضل بعض الضروريات الداخلية لمحتوياتهما ممّا أعطى ما يمكن تسميته بالأساطير الأخروية.

    من حيث المبدأ، الأسطورة والحكاية الأخروية بنيتان مختلفتان، وارتباط الأولى بتاريخ الخلاص والثانية بالنبوّة يفهمنا ذلك بشكل أفضل. ما تشترك فيه الأسطورة مع تاريخ الخلاص هو التفاتهما المشترك نحو الماضي، ولذلك فهما يشتركان في شكل مخصوص هو الحكاية. ولقد استطاع ج. فون راد G. von Rad أن يعتبر المهمة الرئيسية لتيولوجيا العهد القديم هي الاعتناء بفهم هذه الثنائية المتمثلة في خطابين كبيرين تتوزّع حولهما كلّ أشكال الخطاب الأخرى.

    هنالك، فعلا، طريقتان مختلفتان جدّا لتشكيل التراث: فنحن، من ناحية، نعيد أفعالا تأسيسية، ومن ناحية أخرى، نعلن عن اقتصاد جديد للتاريخ. فالنبوّة تفترض زمن الحكاية ولكن لتقطع معه. إنّها تفترضه على أساس أنّ زمن النبوّة لا يمكن أن يكون إلاّ زمن المبادرات المقدّسة، زمن تاريخ مع الله. ولكنّ النبوة تقطع مع زمن الحكاية، أَوَّلاً من حيث أنها مشدودة إلى التاريخ الفعليّ وليس إلى تقاليد مؤلّفة: إنها تقول الحدث الوشيك (التهديد الأشوري الذي يبدو في أفق رسالة عاموس Amos وإشعيا Isaïe، وتهديد الشمال الذي يمثله البابليون الجدد عند إرمياء Jérémie، وصعود فارس على عهد سيروس Cyrus بالنسبة إلى إشعيا الثاني)؛ يطبّق الرسل على هذه الأحداث وعلى وقوعها الوشيك، مقولات تاريخ الخلاص في شكله الرسميّ، وذلك لكسر هذا التاريخ ذاته. فالنبوّة تعمل على خرق الحكاية: هنالك تدخّل جديد وشيك للربّ Jahvé سيحجب التدخّل القديم. إنه إذن إله الأفعال المحرّرة، ولكنه بصدد إرساء تاريخ جديد؛ هذا التاريخ الذي يُعْرَضُ قياسا على شاكلة خروج جديد، وحلف جديد.

    هكذا، وبضربة واحدة، بدا كلّ الماضي "استعارةً": فالأرض الموعودة تصبح رمزا لما لم نصلْ إليه. هنالك نبرة مستقبلية تجديدية تفجّر كلّ مقولات الحكاية؛ فالقطيعة ضرورية فعلا لتأسيس تاريخ جديد، وهي قطيعة مُمَثَّلَةٌ في الحساب الذي هو علامة على انهيار كل أنواع الأمن؛ إنّ النبوّة هي أوّلا التراث المكسور، واستنفاذ تار

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 5:44 am